التصنيفات

أبو المعالي سعد الدولة شريف ابن سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان بن حمدون التغلبي الربعي
توفي ليلة الأحد لخمس بقين من شهر رمضان سنة 381 وعمره أربعون سنة وستة أشهر وعشرة أيام.
قال ابن الأثير لما توفي سيف الدولة ملك بعده ابنه أبو المعالي شريف.
وعن المختار من الكواكب المضية أنه لما توفي سيف الدولة كان ابنه أبو المعالي سعد الدولة بميافارقين فسار غلمان سيف الدولة وأحضروه إلى حلب فوصلها في ربيع الأرل سنة 356 وجلس الحاجب قرعويه بحضرته ورد التدبير إليه وقال ابن الأثير في حوادث سنة 357 فيها وصلت سرية كثيرة من الروم إلى أنطاكية فقتلوا في سوادها وغنموا وسبوا وعن تاريخ الإسلام أنه خافهم صاحب حلب أبو المعالي فتأخر عن حلب إلى بالس وأقام بها الأمير قرعويه ثم ذهب أبو المعالي إلى ميافارقين لما تفرق عنه جنده وصاروا إلى ابن عمه صاحب الموصل أبي تغلب فبالغ في إكرامهم ثم رجع أبو المعالي إلى حلب فلم يمكن من دخولها واستضعفوه وتشاغل بحب جارية فذهب إلى سروج فلم يفتحوها له ثم إلى حران فلم يفتحوا له واستنصر بابن عمه أبي تغلب فعرض عليه المقام بنصيبين ثم صار إلى ميافارقين في ثلاثمائة فارس فقل ما بيده. وعن المختار من الكواكب المضية: ثم إن أبا المعالي أخرج قرعويه من حلب لمخالفة أهل حلب عليه فتقرب إليهم بعمارة السور والقلعة وكانت قد هدمتها الروم حين هاجموها سنة 351 وكان قد اندفق وصول عسكر الروم إلى ناحية إنطاكية فأشار قرعويه على سعد الدولة بالخروج من حلب فلما خرج قال له: أهل حلب لا يريدونك فامض إلى والدتك فمضى إلى ميافارقين واستولى قرعويه على حلب سنة 358 هو ومولاه بكجور الحاجبي وكتب اسمه مدة على السكة ودعي له على المنابر.
قال ابن الأثير ولما أخرج قرعويه أبا المعالي سار أبو المعالي إلى حران فمنعه أهلها من دخولها فطلب منهم أن يأذنوا لأصحابه أن يدخلوا ويتزودوا منها يومين فأذنوا لهم ورحل إلى والدته بميافارقين وهي ابنة سعيد بن حمدان أخت أبي فراس وتفرق عنه أكثر أصحابه ومضوا إلى ابن عمه أبي تغلب ابن حمدان فلما وصل إلى والدته بلغها أن غلمانه وكتابه عملوا على القبض عليها وحبسها فأغلقت أبواب المدينة ومنعت ابنها من دخولها ثلاثة أيام حتى أبعدت من تحب إبعاده واستوثقت لنفسها وأذنت له ولمن بقي معه في دخول المدينة وأطلقت لهم الأرزاق وبقيت حران لا أمير عليها إلا أن الخطبة فيها لأبي المعالي ثم إن أبا المعالي عبر الفرات إلى الشام وقصد حماه فأقام فيها قال وفي سنة 359 في المحرم أرسل الروم من أنطاكية جيشا كثيفا إلى حلب وكان أبو المعالي محاصرا لها وفيها قرعويه متغلبا عليها ففارق أبو المعالي حلب وقصد البرية ليبعد عنهم فملك الروم المدينة وحصروا القلعة فتوسط جماعة من الحلبيين بينهم وبين قرعويه على مال وأمور قرروها ورجعوا وفيها في ربيع الآخر اصطلح قرعويه ميم أبي المعالي وخطب لأبي المعالي بحلب وكان بحمص وخطب هو وقوعويه للمعز الفاطمي صاحب المغرب. ولما عاد أبو المعالي من ميافارقين إلى حماه وكانت الروم قد خربت حمص وأعمالها نزل إليه بارفتاش مولى أبيه وهو بصحن برزويه وخدمه عمر له مدينة حمص وكثر أهلها ولما استبد بكجور (مولى قرعويه) بأمر حلب كتب من بها من أصحاب قرعويه إلى أبي المعالي ليقصد حلب ويملكها فسار إليها وحصرها أربعة أشهر وملكها وبقيت القلعة بيد بكجور ثم اصطلحا على أن يؤمنه ويوليه حمص ففعل أبو المعالي ذلك قال ابن الأثير في حوادث سنة 368 كان متولي ديار مضر لأبي تغلب بن حمدان سلامة البرقعيدي فأنفذ إليه سعد الدولة من حلب جيشا فجرت بينهم حروب وكان سعد الدولة قد كاتب عضد الدولة فأنفذ عضد الدولة النقيب أبا أحمد والد الشريف الرضي إلى البلاد التي بيد سلامة فتسلمها بعد حرب شديدة فأخذ عضد الدولة بنفسه الرقة ورد باقيها إلى سعد الدولة. وفي حوادث سنة 372 أن بكجور كان كتب للعزيز بمصر فوعده بولاية دمشق فلما كانت هذه السنة وقعت وحشة بين سعد الدولة وبكجور فأرسل سعد الدولة يأمره أن يفارق بلده فكتب بكجور إلى العزيز يطلب ما وعده به من ولاية دمشق ففعل ودخلها بكجور فأساء السيرة فيها وفي سنة373 نزل فردوس الدمستق محل باب حلب في خمسمائة ألف ما بين فارس وراجل وسعد الدولة بحلب غير محتفل به ثم التقى العسكران في الميدان فرجع عسكر فردوس أقبح رجوع وسير سعد الدولة جيشه خلفه حتى بلغ أنطاكية. وفي أعلام النبلاء يغلب على الظن أن هذا العدد مبالغ فيه وفي ذيل تجارب الأمم نقلا عن ابن القلانسي في حوادث سنة 373 كان لسعد الدولة غلام يعرف ببكجور فاصطنعه وقلده الرقة والرحبة واستكتب له أبا الحسن علي بن الحسين المغربي (المعروف بالوزير المغربي) ثم جحد الإحسان وحدث نفسه بالعصيان فأشار عليه كاتبه بمكاتبة العزيز صاحب مصر ففعل واستأذنه في قصد بابه فأذن له فسار عن الرقة ولقيته كتب صاحب مصر وعهده على دمشق فنزلها وتسلمها. وقال ابن الأثير في حوادث سنة 374 أن باذ الكردي استولى على الموصل فكتب وزير صمصام الدولة إلى سعد الدولة وبذل له تسليم ديار بكر إليه فسير إليها جيشا فلم يكن لهم قوة بأصحاب باذ فعادوا إلى حلب. وفي حوادث سنة 378 عزل بكجور عن دمشق لأنه أساء السيرة فيها وفعل الأفعال الذميمة فجهز العزيز إليه العساكر من مصر واقتتلوا عند داريا فانهزم بكجور وعسكره وتوجه إلى الرقة فاستولى عليها.
عصيان بكجور وقتله
قال ابن الأثير وراسل بكجور بهاء الدولة بن بويه في الانضمام إليه وراسل باذا الكردي المتغلب على ديار بكر والموصل بالمسير إليه وراسل سعد الدولة بأن يعود إلى طاعته فلم يجبه أحد منهم إلى شيء مما طلب فراسل رفقاء له من مماليك سعد الدولة فوافقوه على قصد بلد سعد الدولة وأخبروه أنه مشغول بلذاته وشهواته عن طلب الملك فأرسل إلى العزيز صاحب مصر يطمعه في حلب ويقول له إنها دهليز العراق ومتى أخذت كان ما بعدها أسهل منها ويطلب الإنجاد بالعساكر فأجابه العزيز إلى ذلك وأرسل إلى نزال والي طرابلس وغيره يأمرهم بتجهيز العساكر إلى بكجور وكتب عيسى وزير العزيز إلى نزال يأمره بمدافعة بكجور وأصحابه في المسير إليه فإذا تورط تخلى عنه العداوة بين عيسى وبكجور وواعد بكجور نزالا يوما للاجتماع على حلب وسار مغترا بقوله إلى بالس وحصرها خمسة أيام فامتنعت عليه وبلغ مسير بكجور سعد الدولة فسار عن حلب ومعه لؤلؤ الكبير مولى أبيه فأرسل إليه يدعوه إلى الموافقة ورعاية حق الرق والعبودية ويبذل له الاقطاع من الرقة إلى حمص فلم يقبل وكان سعد الدولة قد كاتب والي الروم بأنطاكية فأنجده بجيش كثير من الروم وكاتب من مع بكجور من العرب يرغبهم في الاقطاع والعطاء الكثير فمالوا إليه ووعدوه الهزيمة بين يديه فلما اشتد القتال عطف العرب على سواد بكجور فنهبوه واستأمنوا إلى سعد الدولة فاختار بكجور من عسكره أربعمائة رجل وعزم أن يلقي نفسه على سعد الدولة فإما له أو عليه فهرب شخص وأخبر سعد الدولة بذلك فطلب لؤلؤ من سعد الدولة أن يذهب من مكانه ويقف هو فيه فأجاب بعد امتناع فحمل بكجور ومن معه فوصلوا إلى موقف لؤلؤ بعد قتال شديد وألقى نفسه على لؤلؤ وهو يظنه سعد الدولة وضربه على رأسه فسقط فظهر حينئذ سعد الدولة وعاد إلى موقفه ففرح به أصحابه وقويت به نفوسهم وأحاطوا ببكجور وصدقوه القتال فانهزم هو وعامة أصحابه وألقى سلاحه وترك فرسه وسار راجلا وقصد بعض العرب فنزل عليه وعرفه نفسه وضمن له حمل بعير ذهبا ليوصله إلى الرقة فلم يصدقه لبخله المشهور وأخبر سعد الدولة عنه فحكمه في مطالبه فطلب مالآ كثيرا وأرضا كثيرة فأعطاه وزاد وأرسل معه من تسلم بكجور فقتله ولقي عاقبة بغيه وكفره إحسان مولاه فلما قتله سعد الدولة سار إلى الرقة فنازلها وبها سلامة الرشيقي وأولاد بكجور والوزير المغربي فسلموا البلد إليه بأمان على أنفسهم وأموالهم وعهودا أكدوها فلما خرج أولاد بكجور ورأى سعد الدولة ما معهم استعظمه وقال ما كنت أظن (أن بكجور يملك كل هذا) فقال له القاضي (ابن الحصين) لم لا تأخذه فهو لك لأنه مملوك لا يملك شيئا ولا حرج عليك ولا حنث فلما سمع هذا أخذ المال جميعه وهرب الوزير المغربي إلى مشهد أمير المؤمنين عليه السلام وكتب أولاد بكجور إلى العزيز يسألونه الشفاعة فيهم فأرسل إليه يشفع فيهم ويأمره أن يسيرهم إلى مصر ويتهدده إن لم يفعل فأهان الرسول وقال له قل لصاحبك أنا سائر إليه وسير مقدمته إلى حمص ليلحقها فلما برز ليسير إلى دمشق لحقه قولنج فعاد إلى حلب ليتداوى فعوفي وحضر عنده بعض سراريه فواقعها ففلج فاستدعى الطبيب فقال أعطني يدك لآخذ مجسك فأعطاه اليسرى فقال أعطني اليمين فقال ما تركت لي اليمين يمينا وعاش بعد ذلك ثلاثة أيام ومات بعد أن عهد إلى ولده أبي الفضائل (أو أبو الفضل سعيد) وأوصى إلى لؤلؤ به وبسائر أهله اه.
وفي مرآة الجنان أنه طالت مدته في المملكة ثم عرض له قولنج أشرف منه على التلف وفي اليوم الثالث من عافيته واقع جاريته فسقط عنها وقد جمعت شقه الأيمن فأمر طبيبه أن يسحق عنده الند والعنبر فأفاق قليلا ثم مات.

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 7- ص: 339