الأمير معين الدين شاهرخ ابن الأمير تيمور الكوركاني المعروف بتيمورلنك
صاحب سمرقند وبخارى وغيرها.
ولد يوم الخميس 14 ربيع الثاني سنة 779 وتوفي صباح يوم السبت 25 ذي القعدة سنة 850 أو 51.
سبب تسميته بهذا الاسم
ذكرنا في ج 14 من ترجمة أبيه سبب تسميته بذلك وهو أن أباه كان قد أمر ببناء مدينة على شاطئ سيحون وكان مولعا بلعب الشطرنج ومن جملة قطع الشطرنج قطعة تسمى شاهرخ فرماها على الذي كان يلعب معه فغلبه تيمور فأخبر بتلك الساعة بأن المدينة تم بناؤها وأنه ولد له ولد ذكر من بعض حظاياه فأمر أن تسمى المدينة شاهرخية والولد شاهرخ فإذا لفظه شاه جزء من اسمه لا لقب كما قد يتوهم.
أقوال العلماء فيه
في الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ج3 ص292 شاهرخ القان معين الدين السلطان ابن تيمورلنك ملك الشرق وسلطان ما وراء النهر وخراسان وخوارزم وعراف العجم ومازندران ومملكة دهلي من الهند وكرمان وآذربيجان وفي ص 297 شاهرخ ابن تيمور معين الدين صاحب هراة وسمرقند وبخارى وشيراز وما والاها من بلاد العجم وغيرها بل ملك الشرق على الإطلاق ملكها بعد ابن أخيه خليل ابن أميران شاه وحمدت سيرته وقدم رسله لمصر غير مرة وراسله ملوكها (إلى أن قال) وكان ضخما وافر الحرمة نافذ الكلمة نحوا من أبيه مع عفة وعدل في الجملة وتلفت لكتب العلم وأهله فورد كتابه سنة 833 بترغيب ابن الجزري له على الأشرف برسباي يستدعي منه هدايا ومن جملتها كتب في العلم منها فتح الباري فجهز له منه ثلاث مجلدات ثم أعاد طلبة سنة 839 فجهز له منه أيضا قطعة أخرى ثم في زمن الظاهر جهزت له منه نسخة كاملة وبالجملة كان عدلا دينا خيرا فقيها متواضعا محببا في رعيته محبا لأهل العلم والصلاح مكرما لهم قاضيا لحوائجهم لا يضع المال إلا في حقه ولذا يوصف بالإمساك متضعا في بدنه يعتريه الفالج كثيرا محبا للسماع ذا حظ منه بل كان يعرف الضرب بالعود كل ذلك مع حظ من العبادة والأوراد ومحافظته على الطهارة الكاملة وجلوسه مستقبل القبلة والمصحف بين يديه.
وذكره الشوكاني في البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع وذكر كثيرا مما مر عن الضوء اللامع وقال: إنه كتب إلى سلطان مصر يستدعي فتح الباري ولم يكن قد فرغ منه مؤلفه الخ.
وفي التاريخ الفارسي المخطوط الذي أشرنا إليه غير مرة في هذا الكتاب وقلنا إننا لم نعرف مؤلفه لذهاب أوله والموجود منه من سنة 384 إلى سنة 0 93 زمان سلطنة الشاه طهماسمب الصفوي وهو آخر الكتاب ما تعريبه: الميرزا شاهرخ ابن الأمير تيمور سلطان الشرع والعدل والمروءة وأخو الفرائض والنوافل المداوم على تقوية الدين وترويج شريعة سيد المرسلين وتعظيم السادات وتعيين المدرسين وطلاب العلوم.
أخباره
في التاريخ الفارسي المقدم ذكره أنه في سنة 709 فوض إليه أبوه حكومة خراسان وكان أبوه في أكثر غزواته موافقا له ولما وصل إليه خبر وفاة والده في رمضان سنة 807 صار مستقلا بالسلطنة وجرت له محاربات مكررة مع أولاد إخوته الذين كانت لهم سلطنة في أطراف إيران فتارة كانوا يخالفونه وتارة كانوا ينقادون إليه واستولى على تمام ممالك إيران وقودان التي كانت بيد أبيه وشي ثلاث مرات قصد إلى قلع وقمع قرا يوسف التركماني وأولاده الذي كان قد استولى بعد موت الأمير تيمور على آذربيجان فجرد عليه جيشا وبعد وفاة قرا يوسف جرت حروب بينه وبين أولاده اسكندر وجها نشاه ثلاث مرات ففي الأولى والثانية كان شاهرخ فيها هو الغالب وفي المرة الثالثة لما علم جهانشاه بتوجه شاهرخ هرب وفوض شاهرخ حكومة آذربيجان بجهانشاه عمر شيخ وكان شاهرخ قد سلم أصفهان إلى رستم بن عمر شيخ وهمذان إلى اسكندر بن عمر شيخ ولما بلغهما خبر وفاة الأمير تيمور خطبا باسم شاهرخ وضربا السكة باسمه ثم إن اسكندر خالف شاهرخ وبقي مدة يدعي السلطة لنفسه وبعد انهزامه مال إلى أخيه رستم ثم قتل رستم فأنعم شاهرخ ببلاد فارس على أبي الفتح سلطان إبراهيم سنة 818 وبالجملة فسلاطين العالم كانوا معه في مقام التنزل وإطاعة أمره وتولى السلطنة بعد أبيه مدة 43 سنة وعمر مدارس ومساجد ومشاهد وقلاعا وكان له خمسة أولاد ’’اه’’. وفي مسودة الكتاب ولي السلطنة بعد أبيه وأقام في هراة وفي سنة 908 في المحرم توجه إلى المشهد المقدس الرضوي وأنعم على السادات العظام المتولين لتلك البقعة المقدسة وأكرمهم. وعن حبيب السير لما كان الشاهرخ يتعقب السيد خواجة جاء من هراة وفي غرة المحرم وصل المشهد الرضوي وبقي فيه أياما فسمع أن السيد خواجه الذي كان متحصنأ في قلعة كلات فر إلى أطراف ستراباد فتوجه شاهرخ إلى جرجان واستولى على تلك الولاية وولاها ميرزا عمر واستقر السيد خواجه في فارس وعاد الشاهرخ إلى هراة وفي 14 جمادى الثانية وصل مقر سلطنته وعن مطلع تاريخ السعدين أنه في سنة 810 لما توجه شاهرخ من هراة إدى مازندران ورد المشهد الرضوي في جمادى الآخرة وزار القبة المنورة واستمد من بركاتها وذهب إلى رادكان. وفي سنة 814 في رجب توفيت والدة كوهرشاد آغا زوجة المقدس الرضوي ودفنت في جوار المرقد الشريف. وفي سنة 815 عزم الشاهرخ على أن يعيد عيد الأضحى في المشهد المقدس فخرج في تاسع ذي القعدة من هراة وبعد وروده إلى المشهد جاء مير تقي أعظم السيد عز الدين حاكم مملكة قدمس إلى الشاهرخ في الأسبوع العاشر من المحرم حتى ورد هراة. وفي سنة 821 في شعبان عزم الشاهرخ على زيارة المشهد المقدس الرضوي ولما وصل إلى هناك وتشرف بالزيارة عمل قنديلا من الذهب وزنه ثلاثة آلاف مثقال وعلقه في القبة الشريفة وكانت زوجته كوهرشاد قد بنت قبل هذا جامعا في جوار القبة الرضوية في غاية العظمة والزينة وتم في تلك الأيام ووقع موقع الاستحسان في نظر الشاهرخ وأمر ببناء قصر عال في الجانب الشرقي من المشهد المقدس لينزل فيه عند زيارته للمشهد وعاد إلى هراة في غرة شهر رمضان. وعن تاريخ حبيب السير أنه ذكر في وقائع سنة 822 أن الشاهرخ جاء من هراة لزيارة المشهد الرضوي وعمل قنديلا من الذهب وزنه ألف مثقال وعلقه في القبة الشريفة وأنعم على المجاورين والمتولين وعاد إلى هراة في شهر رمضان. وفي سنة 842 أيضا جاء الشاهرخ لزيارة المشهد المقدس الرضوي فورده خامس ربيع الثاني ونزل في العمارة الجديدة التي كان قد أمر بتعميرها وأنعم على السادات المتولين للمشهد وأكرمهم وبعد ثلاثة أيام عاد إلى هراة وفي أيام إقامته في المشهد المقدس كان بين الخواجه السيد علي والسيد زين العابدين سابقه عداوة أدت إلى سعاية الخواجة السيد علي بالسيد زين العابدين بأنه يطعن في السلف وأقام شهودآ على ذلك فحمل السيد علي من المشهد إلى هراة ونبه عليه تنبيها شديدا حتى أدى إلى ضربه وورد الشاهرخ هراة في 14 جمادى الأولى وفي شذرات الذهب ج7 ص163 أن السلطان قرا يوسف التركماني بعد وفاة تيمورلنك استولى على عراق العرب والعجم وتبريز وبغداد وماردين وغيرها واتسعت مملكته واختلف الحال بينه وبين شاهرخ ثم تصالحا وتحالفا وتصاهرا ثم انتقض الصلح سنة 817 وتحاربا.
قصة الخلعة وفيها عجائب وعبرة
في الضوء اللامع ج3 ص297 والبدر الطالع ج1 ص272 وبينهما بعض الاختلاف بالزيادة والنقصان وما نقلناه مأخوذ من المجموع: وقع بينه وبين برسباي ملك مصر الملقب بالملك الأشرف عقيق برقوق استيحاش لأنه طلب منه أن يأذن له في كسوة الكعبة لأنه نذر ذلك فأبى الأشرف وخشن له في الرد وترددت الرسل بينهما مرارا وبالغ في طلب ذلك ولو تكون الكسوة من داخل الكعبة أو يرسلها إلى الأشرف وهو يرسلها وهو يمتنع محتجا بأجوبة أجابه بها جماعة من المفتين أرسل إليه جماعة أشراف (زعم أنهم أشراف) ومعهم خلعة له فاشتد غضبه من ذلك ثم جلس بالاصطبل السلطاني (وحق أن يقال فيه الإصطبل مربط الدواب – المؤلف) واستدعاهم وأمر بالخلعة فمزقت وضربهم حتى أشرف عظيمهم (معظمهم) على الهلاك ثم ألقوا منكسين في فسقية ماء بالإسطبل والخدم ممسكون بأرجلهم يغمسونهم بالماء حتى أشرفوا على الهلاك والسلطان مع ذلك يسب مرسلهم جهارا ويحط من قدره مع مزيد تغير لونه لشدة غضبه ثم قال لهم: قولوا لشاهرخ الكلام الكثير لا يصلح إلا من النساء وكلام الرجال لاسيما الملوك إنما هو فعل وها أنا قد أبدعت فيكم كسرأ لحرمته فإن كان له مادة وقوة فليتقدم فلما بلغه ذلك سكت مدة حياة الأشرف (قال المؤلف) العجب من هؤلاء المفتين إلى ما استندوا وعلى أي دليل اعتمدوا في فتواهم هذه وأظن أن داعيهم إليها التعصب المذهبي وليس العجب من هذا المملوك الذي شاءت المقادير أن يلقب بالملك الأشرف فقد أبان سوء فعله الوحشي عن دناءة أصله وليسر عجيبا أن يأتي الشيء من معدنه والعجب من حلم شاهرخ وإصراره على هذه الخلعة التي لو تركها لكان معذورا عند الله وعند الناس ونعم ما قال المتنبي:
لا تشتر العبد إلا والعصا معه | إن العبيد لأنجاس مناكيد |
حتى إذا أصبحت في غير صاحبها | باتت تنازعها الذؤبان والرخ |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 7- ص: 328