الشيخ سليمان ظاهر. ولد في النبطية سنة 1290 وتوفي ودفن فيها سنة 1380.
نسبته
هو سليمان بن محمد بن علي بن إبراهيم بن حمود بن ظاهر زين الدين العاملي النبطي وتنتهي سلسلة نسبه إلى الامام السعيد الشهيد الثاني.
نشاته التعليمية
لما كملت سنه العشر قرأ القرآن الكريم وشدا شيئا من الخط والإملاء على بعض الشيوخ وهو كل ما كان يحويه كتاب ذلك الزمان وخرج منه بعد سنة وفي نفسه ميل إلى التعليم غرسه فيه والده الذي قضى معظم أيامه في صحبة العلماء ورجال الدين ولما كانت وسائل التعليم مفقودة من بلده في ذلك الحين والرحلة في طلبه إلى غيره متعسرة عليه وهو في السن التي لا تؤهله للرحلة رأى والده ان يلتمس من السيد محمد نور الدين وكان له صديقا وهو يقيم في قرية النبطية الفوقا على غلوة سهمين عن النبطية بان يمنح ولده المترجم له جزءا من وقته يلقنه فيه بعض المبادىء النحوية فأجاب ملتمسه فاخذ يتردد عليه صبيحة كل يوم ويقرأ بعض متونالنحوحفظا إلى ان تهيأت له أسباب الرحلة إلى مدرسة النميرية للسيد حسن إبراهيم فمكث فيها بضعة أشهر يدرس مبادئالنحووالصرفعلى الشيخ مصطفى عاصي ثم أقفلت لاسباب فقفل إلى بلده معاودا استاذه الأول مع بعض 310 رفاقه إلى سنة 1303 التي قدم فيها النبطية عن دعوة أهلها السيد محمد إبراهيم فلازمه وقرأ عليه شطرا منعلوم العربيةو آدابها وطرفا منالفلسفة القديمة والالاهيات والكلام. وفي تلك الأيام نبه شان مدرسة بنت جبيل لمؤسسها الشيخ موسى شرارة وحفلت بالفضلاء ووفود الطلاب من خريجي مدارس جبع وحنويه وشقراء وكفرة ومجدل سلم وغيرهم فارتحل إليها واقام بها بضعة أشهر وآل عقد انتظامها إلى التبديد بوفاة مؤسسها. ومن ذلك الحين زاول الاشتغال بحال غير منظمة إلى سنة 1306 وهي التي جدد فيها أول اساتذته السيد محمود نور الدين مدرسة آبائه في قرية النبطية الفوقا فتوافد عليها الطلاب وكان هو وبعض رفاقه في جملتهم يدرس على الشيخ جواد سبيتي بعض شرح الشمسية للقطب والمطول للسعد إلى سنة 1309 حيث قدم النبطية من النجف الأشرف عن دعوة أهلها السيد حسن بن السيد يوسف آل مكي وأنشأ مدرسة من خيرة المدارس العاملية وأكثرها احتشادا بطلاب العلم من مختلف البلاد وأمها غير واحد من الأفاضل وكان في جملتهم الشيخ أحمد ابن الشيخ عبد المطلب آل مروه فقرأ عليه تتمة شرح الشمسية والمطول ومقدمة المعالم فيالأصول وبعض كتبالكلامو على رئيس المدرسة القوانين للميرزا القمي ورسائل الشيخ مرتضى الأنصاري فيعلم الأصولو شرائع الإسلام وشرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني ومكاسب الشيخ مرتضى والطهارة فيالفقهو غير ذلك من كتبالأصولوالفقه.
وكان يتلقى هذه الدروس ويلقي على الطلاب دروسالمنطقوالمعانيوالبيان والفقهوالأصولوالكلامإلى منتصف سنة 1324 حيث لبى آخر اساتذته دعوة ربه في شهر رمضان فكان بوفاته انفراط عقد الطلاب لأنه لم يقم من يخلفه فيحفظ ذلك العقد من التبديد.
لم يضع المترجم له الفرصة السانحة في اقتناص شوارد الفوائد في أثناء الاشتغال وفي انقطاعه عنه من المراجعة ومطالعة الكتب التي لم يتسن له درسها في مختلف العلوم والفنون وعني بالمجلات التي تعنى بهذه الأبحاث أعظم عناية واستفاد من ذلك ما جعل له بعض المشاركة مع دارسيها.
نشاته الادبية
نما فيه الميل إلى مزاولةالأدب العربيو ممارسة الكتابة والتمرن على اساليبها العصرية مخالفا بذلك الخطة التي كانت متبعة في جبل عامل في هذا الركن الادبي المهم فلم ينتقص حظه من اجتهاده ومشى على طريقة الكرام الكاتبين. وراسل الصحف وتولى الكتابة في المجلات العلمية والادبية وظل يحبر المقالة الافتتاحية في بعض الجرائد الدورية. ومجلة العرفان هي أكثر المجلات نشرا لآثاره الادبية والعلمية والتاريخية والاجتماعية والاخلاقية ولم يخل جزء من اجزاء جريدة جبل عامل المحتجبة لصديقه الشيخ أحمد عارف الزين من نشر مقال له في مختلف المباحث من سياسية وغير سياسية وكتب كثيرا في جريدة المقتبس الدمشقية ومعظم ما كان يكتبه فيها في شئون جبل عامل.
هذا شانه في الكتابة أحد ركنيالأدبو اما فيالشعرركنه الثاني فقد زاول نظمه وهو في الخامسة عشرة ولم يذعه حتى اطمأنت نفسه إلى شهادة مستحسنيه ونهج فيه منهجا عصريا جديدا لم يكن معروفا في جبل عامل وكان الأدباء العامليون بين مستحسن له ومستهجن وسرعان ان تقبلوه قبولا حسنا وأنزلوه من نفوسهم منزلا كريما حتى ان بعض شيوخه العريقين فيه على الطريقة القديمة جرى في بعض منظومه في هذا الميدان الذي هو أول من اجرى فيه طرق تصوراته فله مزية السبق في فتح هذا الباب. وجل قصائده في الاجتماع والأخلاق والحكم والوصف وذم مساوئ المدنية العصرية والسلم والحرب والحماسة والسياسة وما إلى ذلك من الموضوعات والاساليب والمنشور منها بالطبع هو القليل والكثير ولا سيما ما كان فيو في عهد الانتداب الفرنسي ظل مطويا. وكان سريع الخاطر في النظم ولا ينظمه إذا تعاصى عليه وإذا فتح عليه مستهل القصيدة لانت له شموسه واطاعته صعابه وجرى على أسلة يراعه سلس المقادة وما كانت السرعة فيه لتفقده متانته ولم ينظمه غزلا ونسيبا مقتفيا الأسلوب القديم وهو ريان العود متمل من ماء الشباب الا في عهد الكهولة وفي مراهقة سن الشيوخ وفي زمن التواء غصن الشبيبة حيث نظم في قصائد (الذخيرة) وجلها مفتتح في ضربي الغزل والنسيب.
مؤلفاته
له مؤلفات طبع منها كتاب الذخيرة وتاريخ قلعة الشقيف في المجلد السادس من مجلة العرفان. ومعجم أسماء قرى جبل عامل وقد طبع قسم منه في المجلد الثامن منها والقسم الباقي نشره تباعا في المجلد العشرين.
وهو أحد جامعي العراقيات. ومما لم يطبع ديوان شعره. ورسالة في نقض مذهب داروين. ورسالة في أحوال أبي الأسود الدؤلي وشعره لم تتم.
وديوان الشعر العاملي المنسي. وله غير ذلك وله اطروحة بعنوان صلة العلم بين دمشق وجبل عامل نشرت في مجلة المجمع العلمي العربي الدمشقي.
مكتبته
كان جد ولوع باقتناء الكتب في مختلف العلوم والفنون ويبذل آخر درهم يحويه في تحصيل نادرها وبلغ ما جمعه في مكتبته زهاء ألف مجلد.
صلته بادباء عصره
كان له صلة بكثيرين من علماء العصر وعلية ادبائه منهم الأمير شكيب ارسلان ومحمد كرد علي وعيسى إسكندر المعلوف وإبراهيم الأسود والشيخ محيي الدين الخياط وكثيرين غيرهم.
نشاته السياسية
عني بالسياسة منذ الصغر ولا سيما ما يتعلق منها بوطنه ونكب في سبيلها نكبات قبل الحرب وبعدها وكان في القافلة الأولى بين سجناء عالية سنة 1332 وبعد سجنه ثلاثة وخمسين يوما خرج براء وبعد الحرب أصابه سهام من أذاها واشتغل في القضية العربية وارتبط بدار الاعتماد العربي في بيروت وله تقارير سياسية مهمة ومنها تقرير يقع في 60 صفحة لم يدع شاردة ولا واردة فيما يتعلق بجبل عامل وسياسته الا وقد حواها نظمه باقتراح صديقه الشهيد يوسف العظمة يوم تولى ادارة دار الاعتماد في بيروت.
في الجمعيات
دخل في كثير من الجمعيات ولكنه لم يجد ثمرة لعمله الا في جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية التي تسلم ادارتها هو وبضعة نفر وأكثرها محتاج للترميم والتوسيع فكان من ثمرة جهودهم ان أصبحت وما زادوه فيها وما 311 جددوه من الابنية بعد حفظها من الضياع وامتداد الايدي الغاصبة إليها في الحاضر والمستقبل بوقفها الشرعي تأتي بريع يبلغ ثلاثمائة ليرة عثمانية ذهبية وتم لهم بمساعدة بعض المحسنين إصلاح مدرستها على طريقة حسنة وايجارها لمدرسة الحكومة. وقد أنشا بمشاركة زميله الشيخ أحمد رضا في النبطية مدرسة للبنين ومدرسة للبنات تابعتين للجمعية.
وقد انتخب بالإجماع عضوا في المجمع العلمي العربي الدمشقي وقد نشرت مجلته ترجمته واطروحته التي اقترحت عليه. وكان عضوا في جمعية العلماء.
في التجارة
أعطى التجارة بعضه فلم تنقد اليه وما كان للمرء ان يعاني عملا لم يخلق له (و كل ميسر لما خلق له) ولكن الضرورة وقلة موارد ارتزاقه من غير بابها مع العفة التي اتصف بها قضت عليه ان يعمل عملا يحفظ عليه كرامة نفسه ويبلغ به الكفاف والعفاف فكان نصيبه الاخفاق من كل عمل تجاري مارسه ولم يفلح.
في الوظائف
لم يكن يكره عملا من الأعمال كرهه للوظائف الحكومية ولكن ضيق الحال واعباء العيال أكرهاه مضطرا على قبول وظيفة قاضي التحقيق في محكمة صيدا البدائية سنة 1338 وقد ندب إليها على اثر الاحتلال وتشكيل حكومة وطنية وأقيل منها بعد اربعة أشهر لاسباب لا يتسع المقام لبسطها وسنة 1342 انتدب عضوا لمحكمة كسروان البدائية فقبلها مرغما وبعد اربعة أشهر عين حاكم صلح للهرمل ثم حاكم صلح في النبطية عند تأسيس هذه المحكمة فيها ثم اخرج منها لاسباب وجلها يرجع إلى التهم السياسية وقد نظم أبياتا في الضجر منها:
أ بعد خمسين من عمري ومعظمها | أنفقته في طلاب العلم والعمل |
أسعى إلى الرزق من طرق القضاء وما | قضيت من ارب فيه ومن أمل |
حسبي باني فيه قد وقفت على | شفا وما أمنت نفسي من الزلل |
وعاذري عاذلي فيه واني في الحالين | مستهدف للوم والعذل |
تبا لعيش امرئ ان صح من علل | فما نجا ان نجا من أعضل العلل |
يغرى الفتى بالاماني وهي تدفعه | إلى منيته مع سائق الأجل |
أهوى الذي ليس للاقدار فيه هوى | لذاك لم اجن من دهري سوى الفشل |
ما حيلة المرء في دنياه مجدية | إذا قضى القدر الجاري على الحيل |
كم ظن امرا قريبا حين عالجه | فكان أبعد في الإمكان من زحل |
ورب امر أتاه غير منتظر | له وقد كان فيه غير محتفل |
إذا برأد نهاري لم أنل اربا | فكيف أبلغه والشمس في الطفل |
وهل أنال بأيام سادرسها | الا الذي نلت من ايامي الأول |
وما نبت همتي ان كان دهري بي | نبا وشاب لي الخطبان بالعسل |
فالسيف ما انفك مرهوب المضاء على | طول القراع مصون الحد بالخلل |
جنى علي زماني إذ رآني لم | ارع كأكثر اهليه مع الهمل |
وهان عندي ما القاه اني لم | أزل بفضلي فيه مضرب المثل |
وان لي من عفافي ما تصان به | نفسي كما صينت الحسناء بالكلل |
يا دهر ما شئت فاصنع بي ولا عجب | فالفضل عندك منقوص من الأزل |
لي أسوة بالأولى لو لا مناقبهم | لظل جيدك حتى الحشر في عطل |
فهل رعيت بال البيت خير بني | الدنيا ذماما لطه أكرم الرسل |
ما كان قدر بني العباس لو علموا | في جنب قدر بني خير الأنام علي |
وما أمية لو أنصفت مدركة | شاويهم في مجال العلم والعمل |
فليت كف الليالي قبل ما فتكت | بهم رمتها يد الأقدار بالشلل |
غراء أرضك أصبحت حمراء | ما بال أرضك لا تمج دماء |
أ أصابها داء الخمار فصيرت | لشفائه ماء الطلي صهباء |
أم مسها كلب فاعضل داؤه | فرأت له فيض النجيع شفاء |
ورأت سماءك تستطال فصيرت | سببا لنيل سمائك الاشلاء |
أم غرها مدنية قد نافست | ابناؤها بغرورها الجوزاء |
فاستبدلت بالاسودين الأرجوان | و باخضرار حلة حمراء |
نزلت سويداء القلوب ولم تدع | للقوم الا النقطة السوداء |
ولكم لها فينا يدا سوداء لم | تترك صنائعها يدا بيضاء |
ما أنبتت ان أنبتت ارض تقل القوم | الا الظلم والهيجاء |
وإذا سماهم امطرتهم سحبها | مطرتهم الأسواء والبأساء |
ملأت فنونهم البسيط وانما | كانت فنونهم ردى وفناء |
أمل بصدر العرب والإسلام | هل ذاهب فيه سقوط الشام |
يا يومكم جوى | لك في الحشى لا تنطفي وضرام |
أخمدت من عزمات يوسف جذوة | مرهوبة الإيراء والاضرام |
ألويته عن سرجه من بعد ما | ألوت عزائمه بكل لجام |
ما كان فيك الفيلقان لباسه | الا كسرب جاذر ونعام |
وبنقع خيليه غدوت وبيضه | متشابه الإصباح بالاظلام |
ما كان ذاك بموهن لك عزمة | مشتقة من نبعة الاقدام |
لهفي على الخلق الجميل تزينه | بطلاقة من ثغرك البسام |
للعرب بعدك كم لواعج زفرة | و مدامع تجري عليك سجام |
فلتبكينك امة ناصحتها | و بنصحها استعذبت كاس حمام |
وقذفت نفسك في المهالك راغبا | عن عيشة ذلا بموت كرام |
لا يوحشنك بالفلا رمس طووا | لك في محانيه عظام عظام |
فلك الأنيس به ضمير صنته | عن هاجسات الوزر والآثام |
وبه تطوف مدى الزمان مواكب | الإجلال والإكبار والإعظام |
لا يذهبن دمك الحرام مضيعا | فالعرب بعدك عنه غير نيام |
هل أنصف الحلفاء قائد امة | أرعى الأنام لموثق وذمام |
حلوا الذي عقدوه في ايمانهم | و هي الغموس بمدفع وحسام |
أين البوارق وهي برق والقنا | شهب طوالع في سماء قتام |
أين الصواهل ان جرت في حلبة | لم تدر أيديها من الاقدام |
تختال تحت فوارس عربية | معروفة الأخوال والأعمام |
صوت بعالية الحجاز مشى إلى | ارض العراق إلى ربوع الشام |
قد ناصروا الحلفاء في يوم به | مطرتهم الهيجاء سحب حمام |
هبت بنصرهم عليهم ريحه | و إليهم أرخت بكل زمام |
تلك الصنائع اوقرتهم نعمة | لو كافئوا الإنعام بالانعام |
أغني وهل في الحي مصغ فيطرب | أ هم نوم أم هم عن الدار غيب |
الا قل لساقي الكأس دونك فاحتفظ | عليها فما في الحي صاح فيشرب |
ودعها سلافا في ضمائر دنها | و ما هي الا جذوة تتلهب |
أغرك منهم حضر فحلومهم | بها طار في الأوهام عنقاء مغرب |
وما حضر الأجسام يوما بحضر | و أحلامهم عن نجعة الفكر عزب |
أغني بشعر لو روى الدهر بعضه | لغنى به في الدهر شرق ومغرب |
اهز به في الحي قوما وليدهم | يجرعه الصابين كهل وأشيب |
منينا بقوم جاهلين بجهلهم | الا ان شر الجهل جهل مركب |
وما ذا أعدوا في جهاد حياتهم | إذا فيهم صالت اسود واذؤب |
الا هل لنشء اليوم للغد أدرع | يصول بها ان أغضب الحي مغضب |
انادي ولا القى بناديه سامعا | و أشدو وما غير السواجع تطرب |
أ في كل يوم استرد نوافرا | و يوحشني في الحي سرب وربرب |
وما شاقني منها سليم ولم يكن | يروعني ان روع القوم اعضب |
ولي مقول شهد لراج وعلقم | لباغ ولا يألو يمر ويعذب |
ولي قلم كالصل بين اناملي | ينضنضه تأنيب من لا يؤنب |
يمج لعابا كالزعاف لمعشر | على انه من خمرة الكأس أطيب |
يقلبه في الطرس فكر ابن حرة | يصرفه قلب على الخطب قلب |
وما البرق إذ يمضي على الطرس راجلا | بأسرع منه وهو في الأفق خلب |
يريك خفايا الراديوم إذا مشى | بقرطاسه يوما يخط ويكتب |
إذا غيب الرأي الشجاع بموقف | فلم يخف يوما قط عنه المغيب |
اهز شعور القوم فيه وانما | أمات شعور القوم ملهى وملعب |
أ أهتف في قومي وارجع خائبا | و قد فاتني الشاو الذي اتطلب |
كاني ولم اضمم ببردي عزمة | يصاحبها حزم ورأي مهذب |
واني امرؤ يوماي في الدهر مهرق | اخط به أو منبر فيه اخطب |
وان ركوب الهول أسهل مطلبا | لمن فاته شاو بعيد ومطلب |
ومن لم يخضب وفرة الصبح بالدجى | و يرعى الدراري وهي تنأى وتغرب |
ولم يك مشاء على شوكة القنا | يعانقه فيها سنان واكعب |
فليس له في غارب العز مقعد | و ليس له في صهوة المجد مركب |
حنانيك ربي هل تروض خلائقا | فيسلس منها للعلى المتصعب |
حنانيك هل تهدي صراطك معشرا | طريقهم عن نهجها اللحب انكب |
حنانيك هل تطوي على الضيم منهم | قلوبا على شحنائها تتغلب |
حنانيك حتا ما تبيت نفوسهم | شظايا على ايدي الهوى تتشعب |
تطير شعاعا بين جهل وفرقة | و ليس عليها من يغار ويغضب |
حنانيك هل من عاطف من حشاشة | على نشئه يحنو عليه ويحدب |
فيسلمه للعلم يوم له صوى الرشاد | و اعلام السعادة تنصب |
حنانيك ربي هل نرى اليوم منجدا | غيورا ومنه الكف تمري فتحلب |
اصبرا وفينا الحر في عقر داره | جنيب بايدي الضيم والجهل مصحب |
كان لم نكن من امة عربية | و قد عرقت فينا نزار ويعرب |
انطوي على الشح الأكف وانها | لتخجل قطر الغيث والغيث صيب |
ونترك فتيانا ببحر ضلالها | و تياره يطفو بها ثم يرسب |
الا حامل عني لقومي الوكة | على العتب يطويها فتى متحدب |
كاني وان أطنبت في العتب موجز | و كم موجز في العتب من راح يطنب |
أ يسلبنا هيابة القوم عزنا | و يذهب فيه العاضة المتوثب |
ويجمع فينا الجهل خيلي وثوبه | على اننا نحن لخيليه نجلب |
إذا ما عبا جيشيه غدرا وخدعة | فمنا لجيشيه السراء المعبب |
ويرتاد فينا مرتع الضيم حاسر | و يوردنا حوض الهوان معصب |
فأين الاباء العاملي وعصبة | بغير أباها لم تكن تتعصب |
وهل تدرك الأقوام شاوا لغاية | و من دونها للعلم شاو مغرب |
وما شرع من راح يوما بعلمه | يدل ومن في جهله راح يعجب |
كان جهول القوم في داء جهله | نادى الناس مهنؤ الملاطين اجرب |
أ ترجون خصبا في العقول وربعكم | من الضيم غفل أو من العلم مجدب |
إذا هاج نبت العلم فيكم فهل ترى | لكم تلعة خضراء منه ومذنب |
إذا لم تنيروا جوكم بضيائه | فلا زال يغشاكم من الضيم غيهب |
الا في سبيل الله نشء يقيمه | و يقعده جهل وسعي مخيب |
الا في سبيل الله نشء يضله | مؤدبه يا بئس ذاك المؤدب |
إذا رائد الأقوام أكذب اهله | فلا الماء مورود ولا النبت طيب |
أ يقعدنا عن نهضة عاملية | أخو سفه في غيه متنقب |
ويظفر منا بالمقادة سائرا | بنا حيث لا يهوى العلاء ويرغب |
ويطوي على الدنيا الضلوع ولم تكن | على غيرها منه الضلوع تحدب |
يزهد فيها غيره غير انه | على كل ما تحويه غيران موئب |
ويتخذ الدين الصحيح حبائلا | لها وإليها كل غمياء يركب |
اعدلا بان يدوي الصحيح طبيبه | و يشكو اليه داءه المتطبب |
ويا رب ليل خضت بحر ظلامه | ينادمني فيه شهاب وأشهب |
خفيف الشوى يناى ويدنو كأنه | على طول ما يطوي من البعد يقرب |
قطعت به بحري ظلام وعثير | و وجه الفضا من ذا وذياك اكهب |
اجاذبه فضل الزمام كأنني | بكفي زمام الريح والبرق اجذب |
أسير ويسري في ذمام تناؤف | و لا نختشي هولا ولا نتهيب |
فهل انعلته اربع الريح إذ سرى | يقاد بايدي السائرات ويجنب |
فو الله ما أدري أ في الأرض مارب | له أم له في قبة الأفق مارب |
ومن نهر (سيحان وجيحان) مشرب | له أم له عند المجرة مشرب |
إذا خلع الليل الدجوجي برده | عليه فمن صبغ الدراري يخضب |
كاني به سيارة في يد الفضا | لها في نواحيه مراح وملعب |
كان بساط الريح أعطاه عدوه | كاني (سليمان) به يوم اركب |
تعانقه الأرواح حتى كأنه | لسامية الأرواح ألف محبب |
يخال أديم الأفق روضا ومنهلا | إذا طار عدوا وهو صاد ومسغب |
ففي الأفق من نهر المجرة مورد | و روض ولكن بالدراري معشب |
فو الله ما أدري أ للريح نسبة | له أم له عند الاهلة منسب |
كاني به في الصبح صيتي إذاعة | و في خاطر الظلماء سري المحجب |
وأسرع منه خاطري إذ اجيله | بجو المعاني أو يراعي المثقب |
يراع كان (الكهرباء) بشقه | فاي فؤاد منه لا يتكهرب |
إذا ما شدا في الطرس يوما مغردا | فما منه تحنان الاغاريد اطرب |
كان سويداء الفؤاد مداده | و مهرقه صدر من الأرض ارحب |
وان يراعا يستمد مداده | من القلب هل يخفى عليه مغيب |
بصير بسر الاجتماع كأنما | (سبنسر) منه يستمد فيكتب |
إذا ما شكا اشجى القلوب وزفرة | تذوب له ان راح يلحو ويعتب |
عتبت لعلمي ان فيكم بقية | تصيخ لعتب لم يشنه تعتب |
أ تغمض عين العاملي وقومه | يشرق فيهم جهلهم ويغرب |
ولا بلد تحنو عليهم ولا رثى | لحالهم شرق ولا رق مغرب |
كان لهم في كل ارض جناية | فهم أينما حلوا أهينوا وعذبوا |
ففي ارض حوران طريد وآخر | يقاد بكولمب كما قيد مذنب |
يطوفون في آفاقها اثر مكسب | و ما ان لهم يحلو هنالك مكسب |
يساقون فيها سوق عجم ولم تكن | لهم ألسن عما يجنون تعرب |
وما ذنبهم الا جناية جهلهم | على أنفس فيها الهوى متشعب |
إذا المرء لم يذهب على ضوء علمه | فليس له في مذهب الرشد مذهب |
ولم يتسق دين ودنيا لامة | و أسبابه في أرضها تتقضب |
أدين بلا دينا ودنيا لمن غدا | و لا دين الا فاقة وتقرب |
إذا جهلت أسباب داء اجتماعنا | فليس سوى العلم الدواء المجرب |
إذا البدر عنا غاب والبدر كامل | و لم نستفد منه سنا اين نذهب |
إذا أخلفت فينا السحائب عهدها | فهل مربع للعامليين مخصب |
وان شاع عنا نهضة ثم لم يكن | لنا بعدها الا بوارق خلب |
فهل غاية للعاملي وراءها | يجر رداء الفخر يوما ويسحب |
إذا اليوم ولى وهو كالأمس لم يكن | لنا من غد الا أماني كذب |
في الشام قوم أضاق الدهر آمنهم | و روعتهم أفانين السياسات |
بالأمس كانوا وظل العيش منبسط | منعمين بغدوات وروحات |
يجري لهم (بردى) خفضا وينزلهم | من (غوطتيه) بروضات وجنات |
وآمنات عوادي الدهر غافلة | مد الزمان إليها كف روعات |
ترى مقاصيرها من بعد منعتها | يدكها القذف من جو السماوات |
كأنما النار فيها وهي ساطعة | و للدخان سحاب بالردي شات |
من صدرها حر انفاس تدفعها | من قلبها زفرات اثر انات |
وصرها مثلها هاو ومنهدم | على جسوم تفدى بالحشاشات |
أخرجن صفر أكف غير مالكة | الا بقية انفاس ولوعات |
ومطفل غاب تحت الردم واحدها | كما تغيب غرب في الغيابات |
مقسم لها ما بين حيرتها | و ثكلها والاماني المضمحلات |
سرعان ما بدلت بؤسي بانعمها | و ذلة بالشفوف السابريات |
تلك الليالي ولم تحفل إذا هجمت | بالكسروي ولا بالكسرويات |
وفي الجنوب وحوران وأختهما | حماة صب الردى صوب الشقاوات |
لا تستخف بحلمي الحور والحور | و لا السوالف من هند ولا الطرر |
ولا السلافة من كاس ومن حدق | تديرها بضة والبارد الخصر |
ولا سواجع لحن يسترق بها | حر النهى المطربان الناي والوتر |
ما بين جنبي تطوى نفس مضطلع | بالعبء ما غاب عنها قط مستتر |
والعزم والحلم منها ذاك مقتدح | نارا وهذا من السلسال معتصر |
وما يحرك يوما اريحتها | الا اليراع موشاة به الحبر |
يجري البيان على مسود ريقته | كما جرى في سواد الليلة القمر |
الأري والصاب في شقيه قد جمعا | و الجهل والحلم والسلسال والشرر |
تملي عليه المعاني الغر رائعة | قريحة كلهيب النار تستعر |
يمدها خاطر لماع أبحره | حر البيان ونفث السحر لا الدرر |
ومن خمائله عرف البلاغة محمولا | على فمه المطلول لا الزهر |
كأنما النظم والنثر اللذان هما | وحي البلاغة منه الآي والسور |
شاد وما لهزار الطير منطقه | ماض ومن دونه الهندية البتر |
يجني ويغرس مرئيا ومستمعا | فيستطيب جناه السمع والبصر |
يشجيه ان لا يرى عينا ويطربه | ان لم يعف لما قد خلفوا الأثر |
للقوم ميراث مجد لا يشوق سوى | ترديد سامره آياته السمر |
العلم عنهم قضاياه تلقنها | سواهم فارتقوا لو انهم ذكروا |
آباؤهم غارسوا ما طاب من ثمر | جان ولكن لغير الغارس الثمر |
ما العبقرية ان لا ينهج الخلف الباقي | مناهج اسلاف له غبروا |
ما الالمعية ان يعتادهم وسن | و قومهم قبلهم اضناهم السهر |
ما الاريحية ان يجري حديثهم | و لا تهزهم العلياء والخطر |
ما البر ان يدعوا حوضا تراثهم | للواردين وهم عن مائه صدروا |
الغرب سار على ملحوب نهجهم | فكاد ينبع من راحاته الحجر |
للعلم في كل قطر منه اندية | معمورة وجنان روضها نضر |
البر والبحر والأجواء خاضعة | له وطوع يديه النوء والمطر |
حوافل البر وهي الجامدات وما | عدو الظليم يجاريها ولا النظر |
يحملن من معجزات العلم ما عجزت | عن حمله للبرايا تلكم القطر |
نار وأبخرة ما بين اضلعها | و النار مشبوبها في جوفها القطر |
على رطانتها فجر البلاغة والا | فصاح والحكم الغراء منفجر |
كأنها حين تجري السيل منحدرا | و انما هي في حكم النهى جدر |
الشرق بات واهلوه وليس لهم | ورد من العيش محمودا ولا صدر |
يمشون في ظلم والشمس مطلعها | فيهم وما غاب من آفاقهم قمر |
اكدى وفيه ينابيع الغنى انفجرت | و لم يفض للغنى من أرضه نهر |
لله فيها نواميس واقضية | و ليس يقضى لمن لم يرعها وطر |
والعيش ما انفك غنما للقوي وللضعيف | منه هوان النفس والصغر |
دارين قد حملت إليك ملابها | أم بابل أهدت إليك شرابها |
أم جنة الخلد-الربيع الطلق قد | فتحت يدا رضوانه أبوابها |
برزت بحلته السما والأرض من | صنعاء انمله اكتست جلبابها |
فكان من كرم الطباع شميمه | و من السجايا الرائعات مذابها |
ومن القدود الناعمات غصونه | مياسة ومن الثغور رضابها |
ان أنكروا للدهر عارفة وما | عرفوا له الا الحياة وصابها |
فكفاه ان من الربيع وعرفه | و نسيمه للعارفات لبابها |
خلعت عليه الخافقات نسيمها | غضا وحافلة السحاب ربابها |
ان الربيع من الزمان شبابه | و هو المجدد للحياة شبابها |
وإذا اشتكت أو صابها الأجسام داوى | في عليل نسيمه أو صابها |
وإذا الفصول طوت معاجز ربها | نشر الربيع فصولها وكتابها |
ان الشعوب لكالفصول ربيعها | ما أدركت بحياتها آرابها |
وسرى كنافح عرفه عرفانها | يغشى مرابع عزها ورحابها |
ومشت على سنن الاله ودافعت | عن حوضها واسترجعت اسلابها |
لا ان تسل على القريب سيوفها | و تدق في صدر الصديق حرابها |
للتافهات غدوها ورواحها | لا مجدها ترعى ولا أنسابها |
مغلوبة حتى على انفاسها | و نفيسها مسلوبة آدابها |
موثوقة الايدي وان من الشقاء | طعامها ومن الهوان شرابها |
ان تمتلك ارفاقها فقد اصطفت | من دونها غرباؤها اخصابها |
وإذا استهانت امة من سنة الباري | اضاعت رشدها وصوابها |
وطوت بدنياها صحيفة عيشها | طي الزمان خشاشها وذبابها |
ومفاخر عربية ماشت خوالدها | السنين وصابرت أحقابها |
هل يستعيد الدهر أمتها التي | وصلت بأسباب العلا أسبابها |
فنعيد في الدنيا حضارتها وتجري | في الشروق وفي الغروب عرابها |
مضمومة بعد النفار قلوبها | ضم المثقفة الصعاد كعابها |
وتذب عن أوطانها ولسانها | بقواضب صقل الزمان ذبابها |
ان السيوف إذا أطالت لبثها | بقرابها عاف الكماة قرابها |
شمل الأذى حضريها في الدهر والبادين | في فلواتهم اعرابها |
في كل يوم للاعاجم غارة | شعواء تذهل شيبها وشبابها |
كادت تدق من الرماح صعادها | و تدك شم رعانها وهضابها |
يأبى الاباء اليعربي وبأسها | إذلالها وعلى الأذى ألبابها |
والاعوجية وهي بين بيوتها | مسروجة ما فارقت أطنابها |
والعيس ما ملت حداء حداتها | تطري مناجيد الورى انجابها |
يحملن أقمار السماء طوالعا | فكان من ابراجها أقتابها |
أهوى بواديها ولو أجرت بها | شمس الضحى في الهاجرات لعابها |
وأحب رقراق السراب بجوها | و من الحضارة قد مللت خلابها |
أهوى من الشجرات عاسل خطها | جاني الابا والعاسلات ذيابها |
العز بين رواحل ومضارب | رفعت على هام النجوم قبابها |
دعني واجناب المغارب انها | ألفت من الطير الكثير غرابها |
وباسم تحضير المشارق صيرت | تحضيرها تدميرها وخرابها |
مجت رطانة طيرها ولسانها | اسماعها وصياحها ونعابها |
لم ترض فصحاها إذا هي آثرت | لغة ولا احسابها وكتابها |
لغة كان الحكمة الغراء قد | أملت عليها وحيها وخطابها |
وكان من صوب العقول بيانها | و من النفوس ولطفها اعرابها |
لا يأمن الفرق المحاول ضلة | مهما تفوق ان يخوض عبابها |
ان تسترد ربيعها فربيعها | ان تستعيد كريمة آدابها |
أو أجدبت فلتتخذ لخصابها | من معصرات المرهفات سحابها |
ان الحياة هي الممات لامة | لم تجن الا مرها وعذابها |
قالوا علي ضعيف في سياسته | بئس المقال الذي قالوا وما اقترفوا |
قالوا ولو كان ذا رأي لما انصرفت | عنه الوجوه وعنه صحبه انصرفوا |
كلا ولا فاز في ملك معاوية | و ما له قدم فيه ولا سلف |
ولم يطعه عصي من مقادته | و لا استلان له من حبله طرف |
فقلت قول امرئ غير الحقيقة لا | يبغي وليس له في غيرها شغف |
أ كان من كان خير المرسلين له | مؤدبا عن هداه قط ينحرف |
أو غير ما نهج المختار ينهج من | من بحره هو دون الناس مغترف |
لم يعد منهج طه في سياسته | و هي التي ما بها حيف ولا جنف |
قد عافها من رأوها أخطأت هدفا | لهم وما ان سوى الدنيا لهم هدف |
وقد أحالوا إليها كل نازلة | في المسلمين وما في حكمهم نصف |
ولو مشوا تحت ظل من هدايتها | لما أضلوا طريق الرشد واعتسفوا |
ولا اغتدوا فرقا والدين يجمعهم | و كيف يجمعهم والرأي مختلف |
هيهات تذهب من دنيا معاوية | اخرى علي وعنها الناس قد صدفوا |
ما الذنب ذنب علي في سياسته | بل ذنبهم إذ هم عن نهجها انحرفوا |
بكت آي الكتاب المحكمات | و غيضت العلوم الزاخرات |
وخبئت اللآلي كالغواني | فهن عن العيون محجبات |
أخا التسعين وهي بكل داج | كآراد الشموس مشعشعات |
هطلن بعامل مزنا ثقالا | كما تهمي الغوادي الهاطلات |
وقلدن البيان من اللآلي | عقود الدر وهي مرصعات |
صحائف وهي ناصعة بياضا | باكليل الجهاد مكللات |
فان تك قد طويت فكيف تطوى | و هن مدى الحياة الباقيات |
وان يك جف منك العود وهنا | فما ذوت الدوالي المثمرات |
سداها العلم والأدب المعلى | و لحمتها الشروح الضافيات |
شمائل كلها عبق وطيب | كازهار الربى متضوعات |
خطبت المكرمات فتى فزرت | غلالتها عليك المكرمات |
ملأت مسامع الأيام وعظا | و أبلغ من عظاتك ذي العظات |
وما فقدتك عاملة ولكن | مباحث في الصحائف بينات |
أ يصبح في مضيق بحر علم | و قد كانت تضيق به الجهات |
ثلاث نوائب ذهبت ضحايا | رعونتها النفوس الخيرات |
هوت في عامل فإذا الرواسي | به من هولهن مزلزلات |
فطاحل شيدوا للضاد ركنا | عليه اليوم تحسده اللغات |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 7- ص: 310