الشيخ زين الدين ابن الشيخ محمد شارح الاستبصار ابن الشيخ حسن صاحب المعالم ابن الشيخ زين الدين
الشهيد الثاني العاملي الجبعي المكي
ولد بجبع سنة 1009 وتوفي بمكة المكرمة 29 ذي الحجة سنة 1064 ودفن مع والده بالمعلى عند أم المؤمنين خديجة الكبرى. حكاه في الرياض عن خط أخيه الشيخ علي صاحبه الدر المنثور وفي السلافة أنه توفي سنة 1602 فما في نسخة الأمل المطبوعة نقلا عن أخيه في الدر المنثور أنه توفي سنة 1704 تحريف وعندي نسخة مخطوطة من الأمل ليس ثيها تاريخ وفاته.
في أمل الآمل: شيخنا الأوحد كان عالما فاضلا كاملا متبحرا محققا ثقة صالحا عابدا ورعا شاعرا منشئا أديبا حافظا جامعا لفنون العلم العقليات والنقليات جليل القدر عظيم المنزلة لا نظير له في زمانه قرأ على أبيه وعلى الشيخ الأجل بهاء الدين العاملي وعلى مولانا محمد أمين الاسترابادي وجماعة من علماء العرب والعجم وجاور بمكة مدة وتوفي بها ودفن عند خديجة الكبرى قرأت عليه جملة من كتب العربية والرياضي والحديث والفقه وغيرها فروي عنه قدس سره عن مشايخه جميع مروياتهم وكان له شعر رائق وفوائد وحواش كثيرة وديوان شعر صغير رأيته بخطه ولم يؤلف كتابا مدونا لشدة احتياطه ولخوف الشهرة وكان يقول قد أكثر المتأخرون التأليف وفي مؤلفاتهم سقطات كثيرة عفا الله عنا وعنهم وقد أدى ذلك إلى قتل جماعة منهم وكان يتعجب من جده الشهيد الثاني ومن الشهيد الأول ومن العلامة في كثرة قراءتهم على علماء العامة وفي كثرة تتبع كتبهم في الفقه والحديث والأصولين وقراءتهما عندهم وكان ينكر عليهم ويقول قد ترتب على ذلك ما ترتب عفا الله عنهم وكان حسن التقرير والتحرير جدا عظيم الاستحضار حاضر الجواب دقيق الفكر أخبرني قدس سره أن بعض أمراء الملاحدة قال له سألت علماء هذه البلاد عن مسألتين فلم يقدروا علي الجواب (إحداهما) قول القرآن في نوح عليه السلام ولبث في قومه {ألف سنة إلا خمسين عاما} فإنه لا يقبله العقل لأننا رأينا كثيرا من القلاع والعمارات المحكمة المتينة بالصخر المنحوت وقد خربت وتكسرت أحجارها في أقل من ثلثمائة سنة فكيف يبقى البدن المؤلف من لحم ودم ألف سنة فقلت له ليس هذا عجيبا ولا بعيدا لأن الحجر ليس فيه نمو فإذا تحلل منه جزء لم يخلفه جزء آخر في عشر سنين بخلاف بدن الإنسان كما يشهد فيمن قطع منه لحم أو شعر أو ظفر (والثانية) عندنا تفسير صنفه بعض المتأخرين وذكر أنه ألفه لرجل من الأكابر وأثنى عليه ثناء يليق بالملوك ولم يصرح باسمه بل قال إنه مذكور في سورة الرحمن فقلت له اسمه مرجان لأني سمعت أن في بغداد مدرسة تسمى المرجانية وإنما لم يذكر اسمه لأنه من أسماء العبيد فاستحسن الجوابين ’’اه’’ واعتذاره عن عدم التدوين بالاحتياط وخوف الشهرة لا يخفى ما فيه وقوله قد أكثر المتأخرون التأليف وفي مؤلفاتهم سقطات كثيرة كأنه يريد أن يعزو كثرة السقط إلى كثرة التأليف المانعة عن المراجعة والتهذيب وقوله قد أدى ذلك إلى قتل جماعة منهم لم يظهر مراده من المشار إليه بذلك والذي أدى إلى قتل جماعة هو فساد الزمان وأهله وشدة التعصب على علماء أهل البيت لا تقصير منهم أو تفريط في شيء وأما تعجبه من الشهيدين والعلامة في كثرة قراءتهم على العامة وتتبع كتبهم وزعمه ترتبه المفسدة على ذلك ففي غير محله لأن ذلك كان علو همة منهم وكان فيه لهم فوائد لا تخفى ولا يترتب عليه أي مفسدة ولعله كان مائلا إلى طريقة الإخبارية الذين يزعمون أن الاجتهاد مأخوذ من العامة وذكره أخوه الشيخ علي بن محمد العاملي في كتاب الدر المنثور فقال كان فاضلا ذكيا ورعا لوذعيا كاملا رضيا عابدا تقيا اشتغل في أول أمره في بلادنا على تلامذة أبيه وجده ثم سافر إلى العراق في أوقات إقامة والده بها ثم سافر إلى بلاد العجم فأنزله الشيخ بهاء الدين في منزله وأكرمه إكراما تاما وبقي عنده مدة طويلة مشتغلا عنده قراءة وسماعا لمصنفاته وغيرها وكان يقرأ عند غيره من الفضلاء من تلك البلاد في العلوم الرياضية وغيرها ثم سافر إلى مكة في السنة التي انتقل فيها الشيخ بهاء الدين فأقام بها ثم رجع إلى بلادنا ثم عاد إلى مكة إلى أن توفي بها في التاريخ المتقدم وكنت إذ ذاك في مكة المشرفة اجتمعت معه في يوم عرفة وبقيت في خدمته إلى ذلك اليوم من تلك السنة ودفن مع والده في المعلى قدس الله روحه ونور ضريحه وآخر الصحبة الفراق وآخر العمر الموت نسأل الله حسن الخاتمة بمنه وكرمه ’’اه’’.
وذكره المحبي في خلاصة الأثر فقال: أحد فضلاء الزمان وذكره صاحب السلافة فقال: زين الأئمة فاضل الأمة وملث غمام الفضل وكاشف الغمة شرح الله صدره للعلوم شرحا وبنى له من رفيع الذكر في الدارين صرحا إلى زهد أسس بنيانه على التقوى وصلاح أهل به ربعه فما أقوى وأداب تحمر خدود الورد من أنفاسها خجلا وشيم أوضح بها غوامض مكارم الأخلاق وجلا رأيته بمكة والفلاح يشرق من محياه وطيب الأعراق يفوح من نشر رياه وما طالت مجاورته بها حتى وافاه الأجل وانتقل من جوار حرم الله إلى جوار الله عز وجل ’’اه’’ وفي الرياض هو الأخ الأكبر للشيخ علي ابن الشيخ محمد المعاصر الذي كان يسكن أصبهان وكان هو علامة عصره في أنحاء العالم وفهامة دهره في أقسام الفنون ’’اه’’.
شعره
في السلافة له شعر خلب به العقول وسحر وحسدت رقته أنفاس نسيم السحر وفي أمل الآمل شعره كله جيد ما رأيت له بيتا واحدا رديا كما قالوه في شعر الرضي ’’اه’’ (أقول) شمعره مقبول ولا يقايسه بشعر الرضي من له معرفة بالشعر فمن شعره قوله:
إن خنت عهدي إن قلبي لم يخن | عهد الحبيب وإن أطال جفائه |
لكنه يبدي السلو تجلدا | حذرا من الواشي ويخفي داءه |
وحق هواك ما حال المعنى | بحبك عن هواك ولا يحول |
ولو قطعت بالهجران قلبي | وأحشائي وأفناني النحول |
ولما رأينا منزل الحي قد عفا | وشطت أهاليه وأقوت معالمه |
لبسنا جلابيب الكآبة والأسى | وأضحى لسان الدمع عنا يكالمه |
أودعكم ولي جسد نحيل | وصبر راحل وجوى مقيم |
وقلب كلما ذكرت ليال | نهبناها بقربكم يهيم |
لا تحسبونا وإن شط المزار بنا | وعاند الدهر في تفريقنا وقضى |
نحول عن منهج الود القديم لكم | أو نبتغي بالتنائي عنكم عوضا |
سقيا لليلة وصلنا من ليلة | ما راعنا فيها حضور رقيب |
وأبيح لي فيها المنى حتى بدا | في لمة الظلما بياض مشيب |
كادت لفرط تقاصر في طيها | يأتي الصباح بها قبيل غروب |
أملت لو مدت بكل شبيبة | وسواد أحداق لنا وقلوب |
هل من معين في الهوى أو مسعد | فلقد فنى صبري وباد تجلدي |
وتطاولت مدد الفراق فهل يرى | للوصل عند أحبتي من موعد |
فاستخبرا رشأي لأي جناية | قطعت بجفوته حبال توددي |
وحرمت رشف برود رائق ريقه | ظلما فواظمئي لذاك المورد |
واستعطفاه على حليف صبابة | ظام إلى سلسال مرشفه صدي |
هو الدهر لا يلفى لديه سرور | فتأميل صفو العيش فيه غرور |
سلوني عن الأيام إني بشأنها | لما بلغت مني الخطوب خبير |
رمتني برزء فادح جل خطبه | حقيق بإرسال الدموع جدير |
ففي كبدي نار لتذكار وقعه | يؤججها مني جوى وسعير |
هوى نجم أنسي من مطالع سعده | فهطال دمعي ما حييت غزير |
وغاض سروري مذ غاب محمد | على أنني في النائبات صبور |
هلال دهاه الخسف قبل كماله | وغصن طواه الحتف وهو نضير |
فليت زماني حين جارت صروفه | علي بغير الخطب فيه تجور |
بقلبي وروحي ظاعن جل فقده | صغيرا وإن الرزء فيه كبير |
خلت من معانيه الربوع وأقفرت | فلا غرو إن شقت عليه صدور |
ثوى مذ ثوى صفو الحياة وطيبها | فما لهما حتى النشور نشور |
تخذناه للخطب الكبير ذخيرة | فأودت به الأيام وهو صغير |
ولو أنه يفدى بروحي فديته | وما صنتها إن الفداء حقير |
لئن غاب من عيني بديع جماله | فقلبي لديه حيث كان أسير |
وكم لي في داج من الليل أنة | تقطع أفلاذ الحشى وزفير |
على العيش والأيام من بعده العفا | فكيف يلذ العيش وهو مرير |
يعز علينا أن يكون له الثرى | وطاء وأن تعلو عليه صخور |
وأن تصبح الأوطان منه خلية | وتضرب من دوني عليه ستور |
وأن يتوارى في التراب ولم يكن | له من دموعي الهاطلات طهور |
فكل البكا إلا عليه سفاهة | وكل الأسى إلا عليه لزور |
إذا رمت عنه سلوة حال دوننا | غرام على جيش العزاء يغير |
سقى جدثا وارت معانيه تربه | وحياه من غادي الغمام مطير |
سئمت لفرط تنقلي البيداء | وشكت لعظم ترحلي الأنضاء |
ما إذ أرى في الدهر غير مودع | خلا وتوديع الخليل عناء |
فقدت لطول البين عيني ماءها | فبكاؤها عوض الدموع دماء |
أبلى النوى جلدي وأوقد في الحشا | نيران وجد ما لها إطفاء |
كم ذا أواري الجوى والسقم يبديه | وأحبس الدمع والأشواق تجريه |
شابت ذوائب آمالي وما نجحت | وليل هجرك ما شابت نواصيه |
ولاهب الوجد في الأحشاء يخمده | رجا الوصال وداعي الوجد يذكيه |
رفقا بقلب المعنى في هواك فما | أبقيت بالهجر منه ما يعانيه |
وكيف يقوى على الهجران ذو كبد | جرت لطول التنائي من مآقيه |
ما زال جيش النوى يغزو حشاشته | حتى طواه الضنا عن عين رائيه |
يا من نأى وله في كل جارحة | مني مقام إذا ما شط يدنيه |
هل أنت بالقرب بعد اليأس منعطف | وراجع من لذيذ العيش صافيه |
فقد تمادى الجوى فينا ورق لنا | قاسي قلوب العدى مما نقاسيه |
سلبت لوعتي لذيذ رقادي | وكستني ثوب الضنا والسهاد |
ورماني دهري بسهم العناد | وغرامي ما إن له من نفاد |
لي حزن في كل آن جديد | وعناء يشيب منه الوليد |
والتهاب يذوب منه الحديد | قد بكى رحمة لحالي الحسود |
لست أبكي لفقد عصر الشباب | وتقضي عهد الهوى والتصابي |
وصدود الكواعب الأتراب | وتنائي الخليط والأحباب |
قد نهاني النهى عن التشبيب | وادكار الهوى وذكر الحبيب |
فتفرغت للأسى والنحيب | مذ أتى زاجرا نذير المشيب |
بل بكائي لآجل خطب جليل | أضرم الحزن في فؤاد الخليل |
ورمى بالعناء قلب البتول | واسأل الدموع كل مسيل |
رزء من قد بكت له الفلوات | واقشعرت لموته المكرمات |
وهوت من بروجها النيرات | والمعالي لفقده قائلات |
فجعة نكست روؤوس المعالي | واستباحت حمى الهدى والجلال |
ورمت بالقذى عيون الكمال | قد أناخت بخير صحب وآل |
يا لها فجعة وخطبا جسيما | أوقعت في حشا الكليم كلوما |
وبقلب الأمير حزنا مقيما | وأعادت جسم القسيم سقيما |
لهف نفسي على رهين الحتوف | حين أمسى نهب القنا والسيوف |
ثاويا جسمه بأرض الطفوف | وهو ذو الفضل والمقام المنيف |
منعوه ورود ماء الفرات | وسقوه كأس الفنا والممات |
بعد تقتيل أهله والحماة | وأحاطت به خيول الطغاة |
شام برقا لاح بالأبرق وهنا | فصبا شوقا إلى الجدع وحنا |
وجرى ذكر أثيلات النقا | فشكا من لا عج الوجد وأنا |
دنف قد عاقه صرف الردى | وخطوب الدهر عما يتمنى |
شفه الشوق إلى بان اللوى | فغدا منهمل الدمع معنى |
أسلمته للردى أيدي الأسى | عندما أحسن بالأيام ظنا |
طالما أمل إلمام الكرى | طمعا في زورة الطيف وأنى |
كلما جن الدجى حن إلى | زمن الوصل فأبدى ما أجنا |
وإذا هب نسيم من ربى | حاجر أهدى له سقما وحزنا |
يا عريبا بالحمى لولاكم | ما صبا قلبي إلى ربع ومغنى |
كان لي صبر فأوهاه النوى | بعدكم يا جيرة الحي وأفنى |
قاتل الله النوى كم قرحت | كبدا من ألم الشوق وجفنا |
كدرت مورد لذاتي وما | تركت لي من جميل الصبر ركنا |
قطعت أفلاذ قلبي والحشى | وكستني من جليل السقم وهنا |
فإلى كم أشتكي جور النوى | وأقاسي من هوى ليلى ولبنى |
قد صحا قلبي من سكر الهوى | بعدما أزعجه السكر وعنى |
ونهاني عن هوى الغيد النهى | وحباني الشيب إحسانا وحسنا |
وتفرغت إلى مدح فتى | سنة الأفضال والمعروف سنا |
يجد الربح سوى نيل العلى | من مراقي المجد خسرانا وغبنا |
سيد السادات والمولى الذي | أم أنعاما وأفضالا ومنا |
لم يزل في كل حين بابه | مأمنا من نوب الدهر وحصنا |
غمرت سحب أياديه الورى | نعما فهو للفظ الجود معنى |
نسخ الغامر من أفضاله | حاتما والفضل ذا الفضل ومعنا |
ورث السؤدد عن آبائه | مثل ما قد ورثوا بطنا فبطنا |
حل من أوج العلى مرتبة | صار منها النسر والعيوق أدنى |
تهزأ الأقلام في راحته | برماح الخط لما تتثنى |
جادنا من راحتيه سحب | تمطر العسجد لا ماء ومزنا |
يا عماد المجد يا من لم تزل | من معاليه ثمار المجد تجنى |
عضني الدهر بأنياب الأسى | تركتني في يد الأسواء رهنا |
هائما في لجة الفكر ولي | جسد أنحله الشوق وأضنى |
كلما لاح لعيني بارق | من نواحي الشام أضناني وعنى |
تتلظى كبدي شوقا إلى | صبية خلفت بالشام (وأفنى) |
ركبت أمالنا شوقا إلى | ورد أنعامك والأفضال سفنا |
بعدما انحلت العيس السرى | وأبادت في فيافي البيد بدنا |
وبأكنافك يا كهف الورى | من تصاريف صروف الدهر لذنا |
ونهني مجدك العالي بما | حازه بل كلما حاز تهنى |
وابق يا مولى الموالي بالغا | من مقامات العلى ما نتمنى |
وبالرغم قولي قدس الله روحه | وقد كنت أدعو أن يطول له البقا |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 7- ص: 159