التصنيفات

الشيخ آقا رضا ابن الشيخ محمد هادي الهمذاني النجفي توفي بسامرا صبيحة يوم الأحد 28 صفر سنة 1322 ودفن في الرواق.
شيخنا واستأذنا الذي جل استفادتنا في الفقه كانت منه بل وفي الأصول فضلا عما استفدناه من أخلاقه وأطواره وسيرته العملية فإن أنفع المواعظ الموعظة بالأفعال لا بالأقوال.
وصف حاله العلمية
كأن عالما فقيها أصوليا محققا مدققا من أفضل تلاميذ الميرزا السيد محمد حسن الشيرازي مشغولا ليله ونهاره بالمطالعة والتأليف والتدريس في الفقه والأصول يأتي صباحا من داره التي بقرب مسجده الذي كان يؤم فيه فنسمع درسه في الفقه الذي كان يلقيه من كتابه مصباح الفقيه وقد كتبه في اليوم الماضي والليلة الماضية فيستمر ذلك نحوا من ساعة بعد ما يستمر الانتظار لاجتماع الطلاب نحوا من نصف ساعة ثم يذهب إلى داره ويشتغل بكتابة درس اليوم الآتي إلى الظهر فيذهب إلى المسجد فيصلي بمن اجتمع فيه ثم يعود إلى البيت فيتغدى هو وابن أخته وصهره الشيخ علي الذي كان يشبهه في علمه وأطواره وأخلاقه وابن أخيه الذي كان ساكنا معه وحضر من همدان للنجف لطلب العلم وولاه الشيخ محمد وكان غداؤهم غالبا ما يحضره هو أو أحد من ذكر من خبز العجم الذي يباع في السوق ولا يكون ناضجا مع شيء من الجبن وبعض البقول ثم ينام قليلا فإذا انتبه اشتغل بالمطالعة وكتابة الدرس وكان لهذه الدار حجرة صغيرة يصعد إليها بدرج من باب الدار رأسا تشبه حجرتي التي بدار الوقف في دمشق. هي مقره ومحل مطالعته وتصنيفه وكنت أحتاج في بعض الأوقات أن أسأله عن مسألة أو معنى عبارة في مؤلفاته فأدخل عليه والقلم والقرطاس في يده والجواهر والحدائق والوسائل مفتوحات أمامه فيلقي القلم والكاغد من يده ويتوجه إلي فأسأله عما أريد ويجيبني فإذا انتهى الحديث بيننا تناول القلم والقرطاس فأسرع أنا حينئذ إلى الباب. ويبقى مشغولا بالمطالعة والكتابة إلى الساعة الحادية عشرة عصرا فيخرج إلى المسجد ويلقي درسا في الفقه من كتابه مصباح الفقيه حتى يصير وقت المغرب فيصلي إماما في ذلك المسجد ثم يذهب إلى الحضرة الشريفة فيزور القبر الشريف ويصلي ويدعو ثم يعرج أحيانا على الحجرة المدفون فيها السيد جواد العاملي صاحب مفتاح الكرامة أو غيرها فيجلس هناك ما شاء ثم يذهب إلى داره وقد يذهب إلى داره رأسا بعد الزيارة فيتمشى مع من ذكرناهم ويشتغل بالمطالعة ثم يستيقظ فيصلي الصبح فإن وجد متسعا للمطالعة والكتابة اشتغل بهما حتى تطلع الشمس فيحضر إلى المسجد وهكذا وتخرج به جماعة صاروا من أفاضل زمانهم وبعد وفاة الميرزا الشيرازى قلد وكان قد كتب حاشية على نجاة العباد ورجع إليه جماعة من الخواص معتقدين أعلميته ولم تطل أيامه وعرض له مرض النسيان فامتنع عن الفتيا وقبض الحقوق وخرج من النجف لتغيير الهواء وأقام بسامراء فازداد فيها ضعفه ومرضه وتوفي فيها وهو في سن الكهولة بالتاريخ المتقدم ودفن في الرواق كما مر وذلك بعد خروجنا من النجف بنحو من ثلاث سنوات وكتب لنا شهادة بخط يده بالاجتهاد وقال له يوما الشيخ علي القمي عن حديث أنه موجود في مستدركات الوسائل فقلا (اين يكبول نمارزد) هذا لا يساوي فلسا وقال يوما: نحن في حجية الأخبار مقلدون للمحقق الحلي في قوله ما قبله الأصحاب قبلناه وما ردوه رددناه وجرى يوما ذكر الفقه الرضوي فأنكر أن يكون من تأليف الرضا عليه السلام وقال إن الرضا لما مر بنيسابور وروى لهم حديث سلسلة الذهب كتبه عنه الألوف من الناس فلو كان الفقه الرضوي من تأليفه لما خفي أمره ولم يطلع عليه إلا رجل واحد بعد وفاة الرضا عليه السلام بمئات السنين وقال له عاملي في مجلس هذا إجماعي فغضب وقال أنت تقعد هنا في القبة وتقول إجماعا إجماعا من أين أتاك هذا الإجماع؟ وقال لي يوما: جاءني عاملي ولم يسمه لكنني عرفته بالقرائن. فقال لي هذه شهادة اجتهاد أحب أن توقع فيها! فأنا من أين أعرف أنه طالب علم فضلا عن أنه مجتهد.
زهده وورعه وتقواه
كان زاهدا في الدنيا معرضا عنها حتى عن الكلام في أمورها العادية كالقصص والتواريخ والحكايات والسوانح لا يتكلم إلا بما يعنيه لم نسمع منه شيئا من ذلك واعترف غيرنا ممن عاشره بمثل هذا لكن ذلك مع الاعتدال لا كفعل الربيع بن خثيم الذي سأل رجلا هل لك أب هل في قريتكم مسجد ثم ندم وقال سودت صحيفتك يا ربيع على ما هو في ترجمته عاشرناه وواظبنا على القراءة عليه مدة وجودنا في النجف بعد فراغنا من قراءة السطوح وذلك نحوا من ثماني سنوات وخرجنا منها قبل وفاته بنحو من ثلاث سنين فلم نعثر منه طول هذه المدة على زلة ولا صغيرة واعترف بذلك أيضا غيرنا ممن عاشره وكانت فيه صفات العلماء المخبتين والزاهدين الورعين حقا لم تسمع في مجلسه غيبة من أحد وإذا شعر من أحد الجالسين أنه يريد الخوض في ذلك شرع فيما يوجب عدم خوضه فيه وكان في عصره رجل في النجف اسمه الشيخ هادي الطهراني مشهور بالفضل له حلقة درس كبيرة ومؤلفات مطبوعة يقال إنه كان يطيل لسانه على أكابر العلماء. ولعله لما كان يعتقده في نفسه من الفضل والتفوق وقد شاهدناه في النجف وكثر الكلام في حقه من كثير من أكابر العلماء حتى وصل إلى حد التكفير فانحل أمره وتناقص عدد حلقة درسه إلى ما يقرب من عدد الأصابع أو يزيد قليلا وكان ذلك قبل ورودنا النجف فوردناها والحال على ذلك وفي بعض أوقات وجودنا فيها ثارت ثائرة جماعة من العلماء عليه فأصدروا فتاواهم بتكفيره وأرسلوا إلى شيخنا المترجم ليشاركهم في ذلك فأبى وقال التكفير أمر عظيم لا أقدم عليه بمثل هذه النسب وصارت يومئذ مسألة الشيخ هادي حديث الناس من العلماء والطلاب وغيرهم في مجالسهم ومحافلهم أما شيخنا المترجم فلم يكن أحد يجسر على ذكر شيء من ذلك في مجلسه وكان الطلبة قبل حضوره إلى الدرس يخوضون في ذلك فإذا حضر سكتوا أو تكلموا في غيره وإذا شعر بأن أحدا يريد الخوض في ذلك منعه وسأل رجل في حلقة الدرس عما يفعله بعض الأساتذة من شتم بعض الطلاب وزجرهم فقال هم محمولون على الصحة أما نحن فلا نفعل ذلك لكنه كان يغضب إذا رأى ما ينافي الشرع جرى يوما بمجلسه ذكر ما يفعله المسمون في العراق بالرواديد في مجالس العزاء من الترجيع والترديد فأظهر غاية الاشمئزاز والاستنكار.
وثوق الخاصة والعامة به بما لا يثقونه بغيره
وأنا أورد في ذلك حكاية واحدة تدل على المراد وفيها مع ذلك مواعظ وعبر وآداب دينية يلزم كل عالم أن يتأسى بها. لما توفي السيد مهدي الحكيم النجفي في جبل عامل كان له مع السيد محمود الحبوبي أحد تجار العراق سبعون ليرة عثمانية ذهبا وله ورثة في العراق وآخرون في جبل عاملة فأراد وصيه الشيخ عبد الحميد شرارة أن يستجلب بهم الورثة العامليين من العراق فكتب وكالة لي وللشيخ حسين مغنية بقبض سهم الورثة العامليين وإيصاله إليهم ووقع عليهما أشهر علماء جبل عاملة السيد علي ابن عمنا السيد محمود والسيد نجيب فضل الله وبذل السيدان كل ما لديهما من فقاهة في تصحيح هذه الوكالة لتكون مقبولة غير مردودة فنطق الوصي بصيغة الوكالة الصحيحة وقبل السيد على الوكالة بلفظ قبلت فضولا عن الموكلين وغير ذلك مما ربما يشترط بالوكالة فلقيت الحبوبي وأخبرته بذلك فقال أريد أن أدفعها عن يد عالم مجتهد وأخذ بها إيصالا شرعيا قانونيا لأكون فارغ الذمة أمام الله ولا يطالبني أحد من الناس فقلت ليكن ذلك فقال أنا لا أطمئن بغير الشيخ آقا رضا الهمذاني فقلت إنه شيخنا وأستاذنا فحضرنا جميعا أمام الشيخ أنا وشريكي في الوكالة والسيد محمود وأحضر السيد محمود معه ابن عمه السيد محمد سعيد العالم الشاعر المشهور ليكون مراقبا على صحة الإيصال شرعا وقانونا لكنه حين كتابة الإيصال اضطر أن يؤخر كتابته لأنها لم تنتظم معه في المجلس رغم علمه الوافر وأدبه الجم فلما عرضنا ذلك على الشيخ قال إن الوكالة لا تثبت بالخط لكن إن كنتما وكيلين وإلا فأنا أوكلكما لأنني ولي الغائب فهذه أول عقدة انحلت والحمد لله وشرع السيد الحبوبي في دفع الليرات فظهر أنها تنقص ليرة واحدة فقال اكتبوا الإيصال وأنا أحضرها من السوق فشرعنا نكتب الإيصال فقال الشيخ كيف تكتبون بوصول المبلغ تماما وهو ينقص واحدة هذا كذب لا يجوز فقلت له إنها تصلنا بعد وقت قصير فهبه كقوله تعالى ونفخ في الصور فلم يقبل فقلت له نقرضه ليرة مما دفعه ويدفعها لنا فيرتفع الكذب ولم يكن معنا ليرة لنا لنقرضه إياها لأننا:

فقال الشيخ لا يجوز لكم إقراض مال اليتيم قلت له أنه سيعود إلينا بلا فصل قال وان فلما رأى الحبوبي النزع محتدما قام إلى السوق وأحضر ليرة ودفعها لنا وانحلت هذه العقدة الثانية والحمد الله فقال الشيخ أنتم هنا وأصحاب المال في جبل عاملة فكيف ترسلونه إليهم ولعله يفقد في الطريق فقلت له نحن لا نرسله عينا إلى جبل عاملة ولكننا نضعه أمانة عند بعض التجار ونكتب إلى الوصي فيقبض ممن لهم أولاد طلاب في النجف ويحول علينا منافع لأولادهم فقال عند أي تاجر تريدون وضع المال قلنا له عند الحاج علي شعبان والحاج باقر شعبان وكانا من الأتقياء المعتمدين عند الجميع فقال اشهدوا عليهما عند الدفع فقلت له التاجر الذي نضع عنده أمانة يثقل الإشهاد عليه وإن كان من أهل التقوى فقال لا يلزم أن تقولوا له نريد أن نشهد عليك بل تدفعون له بحضور شاهدين بدون أن يفهم أنهما حضرا للشهادة عليه وانحلت العقدة الثالثة والرابعة ولله الحمد والمنة وفي هذه الحكاية درس عظيم نافع لمن يتولون قبض الأمانات.
تواضعه الشديد وحمله نفسه عليه في كل شيء
من تواضعه الشديد أنه كان يقوم لكل داخل ويقوم للطلاب جميعهم حتى في أثناء الدرس والعادة المتبعة في النجف أن الشيخ لا يقوم لأحد من تلاميذه في يوم الدرس سواء في أثنائه وخارجه فإذا قام لهم علموا أن ذلك اليوم يوم تعطيل أما الطلاب فيقومون للداخل منهم قبل شروع الشيخ في الدرس أو في أثناء الدرس لا يقومون لأحد أما شيخنا المترجم فكلما دخل واحد منهم قام له ولو في أثناء الدرس فيقوم والكراس الذي يقرأ فيه في يده فإذا كان ذلك في أثناء الدرس كان وحده هو القائم وباقي الطلاب جالسون.
وكان يشتري لوازم بيته بنفسه ولا يكل ذلك إلى أحد رأيته مرة واقفا على القصاب ينتظر فراغه ليعطيه اللحم وذلك في أيام الزيارة والقصاب مشغول بالبيع على الزائرين ولا يلتفت إلى أصحابه المواطنين لأن انتفاعه من الغرباء أكثر وكان واقفا قبل مجيئي مدة الله أعلم مقدارها فصحت بالقصاب أن أعط الشيخ ما يريد فقال الشيخ ما يخالف فقلت له أي شيء ما يخالف يدعك إلى آخر الناس فاعتذر القصاب ووزن له ووزن لي بعده ولولا مجيئي لكان حاله حال ابنتي شعيب. ورأيته مرة يساوم على الحطب يوم الجمعة أو الخميس لأنهما يوما تعطيل الدروس في الأسبوع يأتي الحطابون بالحطب من الرمث أو الشنان وما أشبه ذلك من البرية على حميرهم ويقفون بها في الأزقة فتشتري الناس منهم فقلت له يا شيخنا كلف غيرك يشتري لك الحطب فقال أنا لا أغير طريقتي وكان يومئذ قد رأس وقلده الناس وقال لي وقد رآنا ذاهبين إلى كربلاء للزيارة مشاة أنا قد غبطتكم على هذا المشي وتمنيت لو كنت أقدر على المشي فأزور ماشيا معكم.
كراهته الشهرة وانعزاله عن الناس
كان يكره الشهرة ويحب العزلة إلا فيما لا بد منه لدين أو دنيا فكان لا يجلس في يوم عيد ولا يحب أن يشيعه أحد إذا سافر ويزور أحيانا بعض من جرت العادة أن يزار ويحضر بعض المجالس العزاء ويأتي في بعض الليالي إلى حجرة السيد جواد العاملي صاحب مفتاح الكرامة وإلى غيرها وبالجملة كانت زياراته مقتصرة على ما يرتفع له الجفاء وقال له الطلبة يوما وقد قرب العيد نريد أن نزوركم يا شيخنا يوم العيد فقال: أنا لا أريد ذلك فحضرنا يوم العيد فإذا الباب مغلق وبعد دق كثير نزل ابن أخته وصهره الشيخ علي ففتح الباب وصعدنا وسلمنا على الشيخ وباركنا له بالعيد وملا الشيخ علي سبيلين أو ثلاثة كانت موجودة هناك من التتن وقدمها للزائرين فكان أحدهم يجر الدخان من السبيل ثم يدفعه إلى الذي بجانبه وأحضر شيئا من الملبس الممنوح في النجف فأخذ كل واحد قطعة منه وانصرفنا شاكرين لهذه الزيارة التي كانت رغما عن الشيخ ولا شك أنه لما رأى أنه لا مناص له منها أذن لنا بدخول داره فلم نكن غاصبين ولا آثمين وأراد مرة السفر إلى الحج فقلنا له نريد أن نودعكم يا شيخنا فمتى يكون سفركم قال أنا لا أريد ذلك وكان الباذل له مصاريف الحج رجل عطار في النجف يسمى الحاج محمد الهمذاني وكانت العادة جارية أن سفر الحج يكون برا من النجف عن طريق نجد والحجاج ينصب كل منهم صيوانا بحسب حاله خارج السور يصنعون فيه القهوة وتزورهم الناس وليلة السفر يودعهم من يريد وداعهم هناك أما شيخنا فإنه انتظر إلى قرب إقفال الحضرة وحضر ليزور ويذهب إلى صيوانه فانتظرته أنا وأحد الطلاب هناك وذهبنا معه وودعناه ورجعنا وكان يمشي في الطريق وحده وليس معه بالليل من يحمل أمامه الضياء كعادة كبار العلماء وإذا رآه من لا يعرفه ظنه من بعض فقراء الطلبة كنت أمشي معه يوما ليلا فاستقبله زائر من العجم فسأله هل تصلي ركعات الوحشة (صلاة ليلة الدفن ركعتان يهدى ثوابهما للميت) فقال لا ولم يكن يعمل لنفسه دعاية ولا يلتمس من يعمل له ذلك ولا يتحدث بشيء مما جرى له مما فيه تميز بشيء.
مبدأ أمره ومنتهاه
كان في أول أمره غير معروف كثيرا وأول من أشاد بذكره واجتهد في إعلاء أمره وعرف فضله ومكانته في العلم الشيخ أحمد بن صاحب الجواهر وكان هذا معروفا بالذكاء والفطنة مشهورا بالفضل فلازمه يقرأ عليه ونوه بذكره ودعا إليه وتبعه غيره من آل صاحب الجواهر في حياة الشيخ أحمد وبعد وفاته وفي مدة قراءتنا عليه وكان الشيخ أحمد قد توفي كان يلازم درسه عدة من فضلائهم وكان هو يعرف لهم ذلك ويقول إني أراعي آل صاحب الجواهر. وكان في مبدأ أمره فقيرا قانعا مقتصدا واشترى له الحاج محمد الهمذاني العطار في النجف دارا صغيرة فسكنها ومررنا بها في سفرنا للعراق عام 1352 فإذا هي بيعت وخلت من سكناه وسكنى ذريته بعدما كانت عامرة بالعلم وأهله فسبحان دن لا يدوم إلا ملكه ودعاه المذكور إلى حج بيت الله الحرام وبذل له الزاد والراحلة حتى ثوبي الإحرام والنعلين ومما حدثنا به عن مشاهداته في الحج قال سرق لبعض الحجاج الإيرانيين صندوق صغير فيه جواهر وأشياء نفيسة فأخبر بذلك الحملدار فوقع ظنه على بعض العكامين وتهدده بالعقاب قال فتحيرت عند ذلك بين أن أسكت فيكون سكوتا على منكر لأن هذا العكام لم يثبت عليه ما يوجب العقاب وبين أن أتكلم فيضيع حق الحاج فخرجت من البيت لئلا أرى شيئا ثم علمت أن العكام لما أيقن بالعقاب ذهب وأحضر الصندوق وكان قد دفنه في مزبلة قال: وجاءني رجل من غير الشيعة فقال: إني أتيت بأعمال الحج كلها وعددها فهل بقي علي شيء فقلت لا لكن على بعض مذاهب المسلمين بقي عليك طواف النساء فقال: الذين يقولون بعدم وجوب طواف النساء هل يقول أحد منهم أن من طافه يبطل حجه قلت لا فإذا أطوفه فإن كان واجبا أكن قد أكملت حجي وإن لم يكن واجبا لم يضرني وبعد وفاة الميرزا الشيرازي ورجوبه جماعة إليه في التقليد جاءته بعض الحقوق فكان يصرفها على مستحقيها ولم تتغير حاله في شيء من مأكل أو ملبس أو مسكن أو غيرها بل بقي على ما كان عليه من أحواله التي وصفناها يمشي وحده ليلا ونهارا ويشتري حوائجه بنفسه ويحمل ما يشتريه من لحم وغيره بيده من السوق إلى بيته ويتواضع وبالجملة لم يتغير شيء من أحواله التي وصفناها بقدر شعرة.
بعض آرائه العلمية
كان يرى أن المدار في حجية الخبر على الوثوق بالصدور ولذلك كان يقول بقول المحقق ما قبله الأصحاب منها قبلناه وما ردوه رددناه وكان يحافظ على موافقة المشهور كثيرا وإن كان لا يقول بحجية الشهرة وكان يقول باشتراط الامتزاج في تطهير الماء النجس وعدم كفاية مجرد الاتصال بالكثير أو الجاري ويقول: بأن الكيل والوزن في تقدير الكر متقاربان ولكن الصواب خلاف قوله هذا بل التفاوت كثير على القول بثلاثة أشبار ونصف نعم هما متقاربان على التحديد بثلاثة أشبار وكان يقول بعدم اشتراط الرجوع ليومه وليلته في المسافة الملفقة ويقول الأخبار صريحة في ذلك ومن يريد القول بغيره يحتاج إلى أن يعوج سليقته ويقول بأن اشتراط كون الشك بعد رفع الرأس من السجدة الأخيرة مع أن السجود يتم بتمام الذكر إنما هو لكون السجود لا ينتهي إلا برفع الرأس فليس الشك بعد تمام الركعة بل في أثنائها ويستشكل في أن المقيم في بلد زمانا طويلا مه عدم قصد التوطن كالطلاب الذين يقيمون في النجف عشرات السنين يجري عليهم حكم المسافر ويقول أن منجزات المريض مع عدم التهمة هي من الأصل ويقول إذا كان الضد المأمور به مضيقا وضده من العبادات موسعا وفعل الموسع صح لكنه يأثم بتأخير المضيق.
بعض أحاديثه
قال يوما كنا قد وضعنا بعض الدراهم تحت الفراش لنشتري به من البر ما نطحنه فجاء رجل كنا استأجرناه على صلاة فسرقه وقال كان بعض الطلاب المواظبين على الدرس يحضر كل يوم مبكرا فجاء يوما ولاقى مشقة في الوصول فوجد الشيخ قد عطل الدرس لسبب فأسف كثيرا على فوات الدرس بعد هذه المشقة قال لكنني فتشت في أعماق قلبي فوجدته مسرورا بهذا التعطيل طلبا للراحة. ولما كنا نقرأ عليه في صلاة الجماعة كان أهل بيتنا مرضى فخرجنا بهم إلى بعض بساتين السهلة لتغيير الهواء فكنا نضطر إلى المجيء كل يوم إلى النجف أول الفجر مشاة لعدم وجود دواب في ذلك الوقت والوقت قائظ فنصل إلى النجف أول طلوع الشمس والمسافة نحو من فرسخ فنقطعها في نحو ثلثي الفرسخ فنحضر الدرس الذي هو بعد طلوع الشمس بقليل ثم يقرأ تلاميذنا علينا دروسهم ونعود عند العصر راكبين لوجود الدواب فرآني يوما وقد بان علي أثر السفر فسألني فقلت له إني حضرت من بساتين السهلة عند الفجر ووصلت الآن فتعجب فقلت له صار لي مدة أفعل هكذا وكل يوم تراني أكون قد حضرت من هناك فقال لكل شيء آفة ولطلب العلم آفات.
ولده
له ولد يسمى الشيخ محمد نشأ على طلب العلم حتى وصل إلى المعالم محصلا حسن الأخلاق فأصبح يوما بعد ما شب وكبر وقد ذهب إلى دكان صائغ أو ساعاتي ليكون عنده ويتعلم صنعته فعلم أبوه بذلك فلم ينتهره ولم يجبره على ترك ذلك إنما قال له كن عند ساعاتي ولا تكن عند صائغ أو بالعكس وبقي على ذلك ثم ذهب إلى همذان وجعل يكتب عرض حالات لمن يشتكون عند الحاكم ولما وصلنا همذان في طريقنا إلى زيارة الرضا عليه السلام عام 1353 سألنا عنه وطلبنا مواجهته فجاء وقد لبس لباس أرباب الدولة.
مشايخه
ا - الميرزا اليد محمد حسن الشيرازي وهو عمدة مشايخه ولما هاجر الميرزا الشيرازي إلى سامراء استقل هو بالتدريس.
2 - الميرزا محمد تقي الشيرازي.
3 - الميرزا حسن ابن الميرزا خليل الطهراني النجفي.
تلاميذه
تخرج به جماعة كثيرون.
1 - ابن أخته وصهره الشيخ علي كان يشبهه علما وهديا لكن المنية لم تمهله.
2 - الشيخ أحمد ابن الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر.
3 - الشيخ علي ابن الشيخ باقر ابن صاحب الجواهر كان مواظبا على درسه.
3 و 4 و 5 - ثلاثة من آل صاحب الجواهر غابت عني أسماؤهم أحدهم كان فاضلا حسن الأخلاق رأيته بالنجف في سفري إلى العراق عام 1352.
6 - الشيخ محمد محسن المعروف بآقا بزرك صاحب الذريعة.
7 - الشيخ علي القمي العابد الزاهد الشهير.
8 - الشيخ علي الحلي.
10 و 11 - الشيخ أحمد والشيخ محمد حسين أبناء الشيخ علي بن الشيخ محمد رضا من آل الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء.
12 - الشيخ جواد البلاغي.
13 - الشيخ عبد الحسين بن الشيخ محمد آل الشيخ أسد الله التستري الكاظمي.
14 - الفقير مؤلف هذا الكتاب.
15 - الشيخ حسين مغنية العاملي.
16 - الشيخ منير عسيران الصيداوي العاملي وكان يحضر معنا في درسه غير هؤلاء من طلبة العجم غابت عني أسماؤهم.
مؤلفاته
1 - مصباح الفقيه شرح على الشرائع كان يدرس فيما يكتبه منه كل يوم خرج منه كتاب الطهارة فيه كثير من مهمات المباحث الأصولية وكتاب الصلاة مطبوعان وخرجنا من النجف وهو يدرس في الزكاة.
2 - حاشية الرسائل مطبوعة قد نسختها بخطي قبل طبعها.
3 - حاشية المكاسب.
4 - حاشية الرياض.
5 - تقويرات بحث الميرزا الشيرازي في الأصول.
6 - كتاب البيع من تقويرات بحث الميرزا الشيرازي.
7 - حاشية نجاة العباد.

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 7- ص: 19