السيد رضا ابن السيد سليم آل مرتضى الموسوي الدمشقي توفي سنة 1321.
كان فاضلا أديبا شاعرا ذكيا قرأ في شقراء في مدرسة السيد علي ابن عمنا السيد محمود واستوطن هناك مدة ورأيناه عاشرناه بدمشق عند مجيئنا إليها. وهو من السادات الموسوية المرتضوية الذين ينسبون إلى أحد أجدادهم الأجلاء السيد مرتضى المدفون بالمشهد المنسوب إلى نوح في قرية الكرك من عمل البقاع المعروفين بصحة النسب وشرف الحسب بين الخاصة والعامة يسكن أكثرهم مدينة بعلبك ويسكن بعضهم مدينة دمشق وهم محترمون معظمون عند الخاص والعام وعندهم في بعلبك مكتبة فيها من نوادر الكتب الخطية ما يندر وجوده في العالم وان قل وقد استفدت منه في تأليف هذا الكتاب وأشرت إليه في المواضع الخاصة به وفيها من كتب الفقه لقدماء أصحابنا عدد لا بأس به وكتاب أدب الصغير لابن مسكويه الذي طبع في بيروت منها أخذ وفيها دلالة على أنهم في القديم أهل علم وفضل بخلاف ما هم عليه اليوم. والذين يسكنون دمشق بيدهم إلى اليوم التولية على المشهد المنسوب للسيدة زينب الصغرى المكناة بأم كلثوم بنت أمير المؤمنين عليه السلام الموجود بقرية راوية وقد تكلمنا على هذا المشهد مفصلا فيما يأتي من ترجمتها، والتولية على أوقافه وعلى المشهد المنسوب إلى النبي نوح بقرية الكرك وأوقافه وهي كثيرة وقد ذهب أكثرها وقد كانت لهم التولية على المشهد المنسوب إلى السيدة رقية بنت أمير المؤمنين علي عليه السلام بمحلة العمارة بدمشق، وللمترجم ديوان شعر جمعه بخطه فمن شعره قوله يمدح السيدين الإمامين السيد محمد والسيد علي أبناء عمنا السيد محمود عند قدومهما من العراق عام 1311:
بدران في أفق العلياء قد لمحا | لو قابل الليل جزء منهما لمحا |
زها بنورهما قطر الشآم ومن | عبير نشرهما عرف التقى نفحا |
وروضة الإنس راقت منظرا وعلى | أغصانها بلبل الأفراح قد صدحا |
وراح مبتسما ثغر الأزاهر مذ | طرف الغمام عليه دمعه سفحا |
ومنهما للورى شمس الهدى بزغت | فبان منها سبيل الحق واتضحا |
ندبان ما لهما غير العلى طلب | ولم يكونوا إلى غير العلى جنحا |
نوران من نور خير المرسلين قد أشـ | ـتقا فلو قابلا بدر الدجى فضحا |
اثنان لا ثالث بين الورى لهما | ليثان إن سطوا بحران إن سمحا |
غيثان إن همعا برقان إن لمعا | فجران إن طلعا شمسان إن وضحا |
مدينة العلم مولانا محمد والـ | ـباب العلي فمن يدخل فقد نجحا |
ينمى لآل الأمين الغر منسبهم | السادة الأمناء القادة الصلحا |
تسنموا منظر العلياء مرتبة | لهم بها الشرف الوضاح لا برحا |
هما وحيدا رجال الأرض قطب رحا الـ | ـيام لولاهما لا تستدير رحى |
هما محط رجال العالمين إذا | ما ساء فعل صروف الدهر أو قبحا |
ما حل مغناهما المقصود ذو كرب | إلا وعنه أزالا الهم والترحا |
قد أبصرت بهما عين المكارم من | بعد العمى والمعالي صدرها انشرحا |
ما من محامد إلا فيهما اجتمعت | سبحان موليهما جل الذي منحا |
نهاية الفضل بدء منهما وكذا | ختام علم البرايا ما به افتتحا |
يا جاهدا يبتغي إحصاء فضلهما | هل يحصين لؤلؤ البحرين من سبحا |
أم كيف يحصى شنا شهمين لو وضعا | في كفة والورى في مثلها رجحا |
فليهنأ الدين والمجد الأشيل بما | نالا من العز ولتمش العلى مرحا |
وليرفل الفخر في ثوب الهنا طربا | وليبسم الدهر ما بين الملا فرحا |
الآن أضحى لواء العدل منتشرا | على الورى والزمان الخائن اصطلحا |
الحمد لله حمد الشاكرين على | إيلائنا منحا أعظم بها منحا |
إليكما عروة الدين المبين من الشـ | ـئام بهدى ثناء عرفه نفحا |
در تناثر من لفظي فألفه | فكري عقودا فجاءت فيكما مدحا |
قرآن نظم إذا آياته تليت | على المنابر خرت دونه الفصحا |
أوجو لها منكما حسن القبول وإن | كانت مقصرة يا خير من مدحا |
ودمتما للمعالي نور ناظرها | وللمكارم قلبا إنسا فرحا |
ما حرك الريح أعطاف الغصون وما | طل الغمام عليها بكرة رشحا |
حسبي من الوجد ما قاسيته وكفى | ومن سحائب دمع العين ما وكفا |
تالله لو أن ما في القلب من ألم | أصاب كل الورى لم تأمن التلفا |
روحي فداؤك يا ظبي الصريم أما | في الحب عندك للصب الشجي وفا |
ربوع ودك لا تنفك عامرة | في القلب لكن ربع الصبر منه عفا |
منحت طرفي فؤادي مهجتي جسدي التـ | ـسهيد والحزن والتبريح والدنفا |
أمرضت بالهجر جثماني وليس له | بغير رشف رضاب الثغر منك شفا |
نواك أوجب دمع العين أن يكفا | والصد عن ناظري طيب الرقاد نفى |
والحب أوقد نار الوجد في كبدي | والشوق غادرني حلف الأسى دنفا |
سلبت عقلي وأزمعت الرحيل لقد | أوليتني منك سوء الكيل والحشفا |
نأيت عني فأذهبت المسرة من | قلبي وخلفت لي التذكار والأسفا |
وقفت أبكي بناديك الجلي ومذ | وقفت دمعي على مغناك ما وقفا |
وأرعف الحزن فيه مقلتي بدم | فهل رأيت امرءا عن عينه رعفا |
حملت نفسك وزرا في مقاطعتي | محص بوصلك لي الوزر الذي سلفا |
إلام أطلب منك العدل والنصفا | وأنت لم تبد إلا الجور والجنفا |
شاطرتني فأخذت الحسن والظرفا | طرا وأعطيتني الأشجان والشغفا |
محضتك الود صفوا ما به كدر | ولم أنل في حياتي منك وقت صفا |
وقد صرفت نفيس العمر فيك وما | رأيت يوما لنفسي منك منصرفا |
سهام أجفان عينيك الكحيلة لم | تجعل سوى مهجتي الحرى لها هدفا |
يميس قدك من فرط الدلال كما | تميس أغصان بانات اللوى هيفا |
لله ورد زها في وجنتيك فما | ترى له لحظ العين مقتطفا |
لو لم يكن جامعا للحسن قدك ما | وجدت فيه بلال الخال معتكفا |
ما قاس وجهك بالبدر المنير سوى | من قاس بالدرر المنضودة الصدفا |
سنا جبينك للرائين حين بدا | جنح الظلام أنواره السدفا |
وليل شعرك مذ أسبلت طرته | أوقعت في الشمس من بعد الظهور خفا |
فقت المها أعينا والنيرات سنا | والظبي ملتفتا والغصن منعطفا |
أصبحت بالحسن دون الخلق متصفا | كما بغر المزايا المحسن اتصفا |
أزكى الورى حسبا أجلاهم نسبا | أسماهم رتبا أعلاهم شرفا |
ندب لغير التقى والعلم ما ألفا | ولم يكن بسوى نيل العلى كلفا |
ذلت ليوث الشرى من عظم هيبته | وراح منه فؤاد الدهر مرتجفا |
آباؤه أسست صرح العلى وعلى | ذاك الأساس بنى أكرم به خلفا |
جلت هدايته ليل الضلالة عن | كل الورى وبه شمل الهدى ائتلفا |
على فضيلته أهل النهى اتفقت | فلا ترى اثنين فيها منهم اختلفا |
علامة الدهر قطب العصر بحر ندى | كل امرئ راح من جدواه مغترفا |
تفيض جودا على العافين راحته | كما أفاض اليمام الطيب النطفا |
أضحى بثوب التقى والزهد مؤتزرا | وفي ردا المجد والعلياء ملتحفا |
رعى العهود وفي كل الوعود وفى | وعن جرائم من يرجو رضاه عفا |
بهديه عرفت طرق الرشاد كما | بجده للدين والإيمان قد عرفا |
ما حركت يده في مشكل قلما | إلا وزال به الإشكال وانصرفا |
إن لاح للشمس غضت طرفها خجلا | أو قابل البدر أمسى البدر منخسفا |
غنت بذكر معاليه الحداة وفي | مخيو اسمه عندليب السعد ما هتفا |
بالنشر عطر أرجاء الشآم كما | بطيب الذكر منه عطر النجفا |
جاد الزمان به للخائفين حمى | للقاصدين ملاذا للورى كنفا |
للمستجير عصاما للفقير غنى | للسائلين غياثا للعدى تلفا |
للرشد نهجا قويما للتقى عضدا | للدين سيفا لشرع المصطفى حجفا |
للمجد طودا لأرباب النهى علما | للمكرمات نظاما للعلى شنفا |
من معشر خيموا فوق السهى وعلى | هام الثريا أيديهم غرفا |
آل الأمين مصابيح الهدى الحنفا | السادة الأصفياء القادة العرفا |
هم الجحاجحة الأسد القساورة الـ | ـغر الميامين أهل العفة الشرفا |
شموس فضل بأفلاك العلوم بدت | فراح عنا ظلام الجهل منكشفا |
يا أيها العيلم الندب الذي بلغت | به الأنام مناها والزمان صفا |
إليكها غادة تحكي برقتها | نفح الصبا سحرا والروضة الأنفا |
عبيرها المسك مفتوتا لمنتشق | ولفظها العذب صهباء لمن رشفا |
تختال من حسنها تيها وتنشر من | آيات فضلك ما بين الورى صحفا |
وافتك راجية حسن القبول فإن | تسمح به كرما منها الفؤاد شفى |
دم بالصفا آمنا من كل حادثة | تجري وسعدك لا ينفك مؤتنفا |
ما غردت سحرا ورق الحمام وما | تبسم الروض مذ دمع الحيا ذرفا |
أجبينها بين السوالف مشرق | أم بارق في غيهب متآلق |
وخدودها ونهودها والبردام | ورد ورمان وروض مونق |
والصبح والشمس المنيرة والدجى | أم جيدها وجبينها والمفرق |
ولواحظ ترنو فتصمي القلب لا | تخطي القلوب أم السهام تفوق |
ومعاطف بيد الدلال تميس أم | غصن تحركه الصبا إذ تخفق |
وعبير أنفاس تضوع عرفها | أم هذه نفحات مسك تعبق |
نفسي الفداء لذات حسن صامت | خلخالها والقرط منها ينطق |
وسوارها لما يزال ذا ثروة | ووشاحها أبدا فقير مملق |
خرد عليها للمحاسن رونق | يجلو عشاء الطرف ذاك الرونق |
هيفا اذا خطرت يقول قوامها | للبان إني من غصونك أرشق |
وإذا رأت سرب المها قالت له | أنا منك في كل المعاني أفوق |
تسطو بسيف سنا على حزب الدجى | فتعيده والشمل منه ممزق |
حاك الجمال لها برود ملاحة | ما الخز ما الديباج ما الإستبرق |
أنا في هواها الهائم المفتون ذو الـ | ـأشجان والرق الذي لا يعتق |
هي أطلقت دمعي وقلبي قيدت | ذا المقيد في الهوى والمطلق |
إن أوعدت صدقة ولم يخلف لها | قول وإذ وعدت فليست تصدق |
ما ضر موثقة الفؤاد لو أنها | يرعى لديها للمتيم موثق |
لم يبق مني حبها إلا فما | لهجا بذكراها وطرفا يرمق |
أشكو لها فرط الضنى فتجيبني | أترى يكون بلا ضنى من يعشق |
إن قلت ليس البعد منك بلائق | تقل البعاد من التداني أليق |
وإذا سألت الوصل قالت مه فلا | تطمع به ما دمت حيا ترزق |
ما مر في خلدي حديث فراقها | إلا وفاضت أدمعي تترقرق |
وعضضت إحدى الراحتين تأسفا | وبقية بالأخرى فؤادي الصق |
للأبرق الحنان كم أصبو وهل | يصبي الحشى لولا هواها الأبرق |
كم أكثر اللاحي علي فلم يجد | في القلب مني باب عذل يطرق |
ولكم وقفت على المنازل بعدها | أرنو لها بمدامع تتدفق |
وأخذت أسأل دارها عنها عسى | يرتاح بالتسآل قلبي الشيق |
يا دار هل تدرين حياك الحيا | أين استقلت بالرفاق الأينق |
لا العيش بعد فراقهم يحلو ولا | جفن المحب على رقاد يطبق |
إن جدد الهجران لي ثوبا من الـ | ـأسقام فهو لثوب صبري مخلق |
ومجال هم القلب عندي إن يكن | رحبا فإن الصدر مني ضيق |
لله أيامي بنجد حيث لا | نأي يريع ولا صدود يقلق |
ثغري لديها باسم والقلب مسـ | ـرور وغصن صباي غصن مورق |
والصدر منشرح وباب الصفو منـ | ـفتح وحزب اللهو حولي محدق |
وبلابل البشرى على أيك الصفا | تشدو وراحات التهاني تصفق |
ونجوم سعدي في سا الإقبال طا | لعة وبدر الحظ فيها مشرق |
أيام إنس نلت فيهن المنى | وغدا لواء اليمن فوقي يخفق |
وفقت للحسنى كما أني بمد | حي محسنا لرضى الإله موفق |
لسن أديب ألمعي بارع | فطن ذكي من أياس أحذق |
بر تقي ناسك متورع | ثقة لدى كل الأنام موثق |
سأبين ما فيه اعتقدت وأنه | أمر لدى كل الأنام محقق |
لم يخلق الرحمن في الدنيا له | ثان وثانيه بها لا يخلق |
ذو همة علياء لو رام الصعو | د بها إلى العيوق لا يتعوق |
وإذا جرى هو والكرام بحلبة | عنه تأخرت الجياد السبق |
تالله لا يجدون من شبه له | بين الورى إن غربوا أو شرقوا |
قل للأولى قد حاولوا أن يعلقوا | بنظيره فعلى المحال تعلقوا |
إن شبهوا من في الشآم به فما | أدوه بعض حقوقه لو حققوا |
أو قيس فيه بنو العراق فإنه | لا شك منهم بالفضائل أعرق |
وإذا توازنت البلاد ببعضها | رجحت به عنها يقينا جلق |
لا عيب فيه غير أن به الوفا | خلق وفي باقي الأنام تخلق |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 7- ص: 10