التصنيفات

دارمية الحجونية الكنانية كانت من فضليات النساء راجحة العقل فصيحة اللسان قوية الحجة صادقة الولاء لعلي سيد الأوصياء وكانت سوداء اللون ولكن سيرتها بيضاء وثناءها وضاء ولها حكاية مع معاوية ظهرت بها فصاحتها وقوة حجتها ورجاحة عقلها وصدق ولائها وإشراق ثنائها. في العقد الفريد عن سهل بن أبي سهل التميمي عن أبيه قال: حج معاوية فسأل امرأة من بني كنانة كانت تنزل بالحجون يقال له دارمية الحجونية وكانت سوداء كثيرة اللحم فأخبر بسلامتها فبعث إليها فجيء بها فقال: ما جاء بك يا ابنة حام فقالت: لست لحام إن عبتني أنا امرأة من بني كنانة قال: صدقت أتدرين لم بعثت إليك قالت: لا يعلم الغيب إلا الله قال: بعثت إليك لأسألك علام أحببت عليا وأبغضتني وواليته وعاديتني قالت: أو تعفيني قال: لا أعفيك قالت: أما إذا أبيت فإني أحببت عليا على عدله في الرعية وقسمه بالسوية وأبغضتك على قتالك من هو أولى منك بالأمر وطلبتك ما ليس لك بحق وواليت عليا على ما عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم من الولاء وحبه المساكين وإعظامه أهل الدين وعاديتك على سفكك الدماء وجورك في القضاء وحكمك بالهوى قال: فلذلك انتفخ بطنك وعظم ثدياك وربت عجيزتك فقالت: يا هذا بهند والله كان يضرب المثل في ذلك لأبي قال معاوية: يا هذا أربعي فإنا لم نقل إلا خيرا إنه إذا انتفخ بطن المرأة ثم خلق ولدها وإذا عظم ثدياها تروي رضيعها وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها فرجعت وسكتت قال لها: يا هذه هل رأيت عليا قالت: أي والله قال: فكيف رأيته قالت: رأيته والله لم يفتنه الملك الذي فتنك ولم تشغله النعمة التي شغلتك قال: فهل سمعت كلامه قالت: نعم والله فكان يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت صدأ الطست قال: صدقت فهل لك من حاجة قالت: أو تفعل إذا سألتك قال: نعم قالت: تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها وراعيها قال: تصنعين بها ماذا قالت: أغذوا بألبانها الصغار واستحيي بها الكبار وأكتسب بها المكارم وأصلح بها بين العشائر قال: فإن أعطيتك ذلك فهل أحل عندك محل علي بن أبي طالب قالت: سبحان الله أو دونه فأنشأ معاوية يقول:

ثم قال: أما والله لو كان علي حيا ما أعطاك منها شيئا قالت: لا والله ولا وبرة واحدة من مال المسلمين (قال المؤلف) لما تم الأمر لمعاوية جعل يبعث في طلب شيعة علي من الرجال والنساء فاستدعى ابن هاشم المرقال بعنف وشدة فأشار عليه عمرو بقتله ثم تخلص منه وأرسل إلي أبي الطفيل الكناني عامر بن واثلة وجرى بينهما حوار انتصر فيه عامر عليه وبعث زياد بن سمية غليه بحجر وأصابه فقتلهم بمرح عذرا لما امتنعوا من البراءة من علي عليه السلام وأرسل إلى دارمية فجرى له معها ما سمعت وأرسل إلى غيرها من النساء فجرى له معهن ما ذكرناه في تراجمهن والذي يلوح لنا أنه يقصد بذلك إما إظهار الحلم عمن لا يجد عليه سبيلا أو يخاف من عاقبة الفتك به من انتفاض عشيرته أو غير ذلك وأما احتمال أن يجد على المرسل إليه سبيلا بانتقاص أو زلة لسان أو تبكيت المرسل إليه لما يجد في نفسه من غيظ عليه ولكنه كان لا يفلح في ذلك فيكون التبكيت له وسوء الأحدوثة ولم يكن معاوية غبيا ولا غافلا عما سيجره إليه التعرض لهؤلاء ولكن الغيظ وشدة العداوة وحب الانتقام قد يغطي على البصيرة ثم هو في حواره مع دارمية يبتدئ خطابه لها بقوله: ما جاء بك يا ابنة حام وهو الذي أرسل إليه وهي امرأة عربية فيقول لها: أنت من ولد حام لأنها سوداء يعيرها بذلك وما العار إلا في الأفعال لا في الألوان وما الفخر إلا بالفضل والعقل لا باللون والشكل وفي النطق بمثل هذا الكلام ما ليس بخاف ثم يسألها عن سبب حبها وولائها لعلي وبغضها وعدائها له وهو يعلم السبب في ذلك ويعلم أن في جوابها ما لا يرضيه ولكن الغيظ وشدة العداوة وحب الانتقام قد يغطي على النظر للعاقبة ثم يزيد على ذلك فيقول لها لما لم يجد جوابا فلذلك انتفخ بطنك الخ وفي هذا الجواب ما لا خفاء فيه من سقوط وإنه ليس من جنس الحوار بين النبلاء فلم يعجزها عن الجواب بل أجابته بسهولة أن أمه كان يضرب بها المثل في ذلك فأراد ستر ما بدر منه من هذا الجواب بأن ذلك ممدوح في المرأة لا مذموم وهيهات سبق السيف العذل ولما أعياه الاستخفاف بها عدل إلى نهج آخر وختم ذلك بالإحسان إليها تداركا لما صدر.

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 6- ص: 364