خندف بن بكر البكري من بكر بن وائل كان مع أمير المؤمنين علي عليه السلام يوم صفين قال نصر: وقتل ذا الكلاع الحميري في المعركة فجاء ابن ذي الكلاع فاستأذن الأشعث بن قي في أخذ جثة أبيه فقال أخاف أن يتهمني علي فأطلبه من سعيد بن قيس فاستأذن من معاوية أن يدخل عسكر علي يطلب أبه فقال: إن عليا قد منع أن يدخل أحد منا إلى عسكره يخاف أن يفسد عليه جنده فأرسل إلى سعيد يستأذنه في ذلك فقال سعيد: إنا لا نمنعك من دخول العسكر إن أمير المؤمنين لا يبالي من دخل منكم إلى معسكره فدخل فوجده في الميسرة قد ربط رجله بطنب من أطناب بعض فساطيط من العسكر فوقف على باب الفسطاط فقال السلام عليكم يا أهل البيت فقيل له وعليك السلام وكان معه عبد له أسود لم يكن معه غيره فقال: أتأذنون لنا في طنب من أطناب فسطاطكم قال قد أذنا لكم ثم قالوا معذرة إلى ربنا عز وجل وإليكم أما أنه لولا بغيه علينا ما صنعنا به ما ترون فنزل ابنه إليه وكان من أعظم الناس خلقا وقد انتفخ شيئا فلم يستطيعا احتماله فقال ابنه هل من فتى معوان فخرج إليه خندف البكري فقال تنحوا فقال له ابن ذي الكلاع ومن يحمله إذا تنحينا قال يحمله الذي قتله فاحتمله خندف ثم رمى به على ظهر البغل ثم شده بالحبال فانطلقوا به وفي هذه القصة أمور تستلفت النظر (أولا) أن أمير المؤمنين عليا عليه السلام كان لا يمنع أهل الشام من أخذ قتلاهم ودفنهم في حين أن معاوية لم يأذن في دفن عبد الله بن بديل وأراد أن يمثل به لولا أن منع منه صديق له من أهل الشام بعد جدال مع معاوية (ثانيا) قول الأشعث أخاف أن يتهمني علي دال على انطوائه على النفاق وسوء نيته (كاد المريب) (ثالثا) قول معاوية أن عليا منع أن يدخل أحد منا إلى عسكره مع قول سعيد أنه لا يمنع من ذلك دال على أن معاوية ما قصد بذلك الحقيقة بل أراد تقبيح حال علي عند قومه وخاف أن يفسدوا عليه بدخولهم عكس ما أظهره وكان أحب إليه أن لا يأخذوا قتلاهم فيدفنوها ليشتد غيظهم على علي (رابعا) ربط طنب البيت لرجل قتيل بدأ ينتفخ دليل على صدق ما قالته العرب ونحن أغلظ أكبادا من الإبل’’’’ وعلى احتمالهم المصاعب (خامسا) وقوف ابن ذلك الرجل على باب بيتهم وتسليمه وقوله أتأذنون لنا في طنب الخ فيه من حسن التوسل والأدب في الطلب والبلاغة ما لا يخفى وكذلك قوله هل من فتى معوان (سادسا) اعتذارهم إلى الله وإليهم حسن أدب وكرم خلق (سابعا) حمل خندق له وحده وإلقاؤه على ظهر البغل بعدما عجز عنه اثنان دال على قوة وأيد عظيمين في خندف.
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 6- ص: 358