الشيخ خليل بن حسين بن علي مغنية ولد في قرية طير دبا قضاء صور عام 1318 وتوفي في صيدا عام 1378 ودفن في مسقط رأسه. بدأ يتلقى علومه على والده شيخ الطائفة الشيخ حسن مغنية وعلى غيره من العلماء والمدرسين ثم انتقل إلى النجف الأشرف حيث تابع تحصيله العلمي سحابة خمس عشر سنة حتى نال إجازة الاجتهاد. عاد إلى قريته وأقام فيها طيلة حياته منصرفا إلى القضاء بين الناس والتعليم والهداية والإرشاد.
له بالإضافة إلى الكثير من المقالات بضعة مؤلفات مخطوطة أهمها:
1- ’’الرحلة الفكرية في العقائد الدينية’’
2- ’’التضحية الكبرى’’ أو’’بين يدي الأمام الحسين’’.
له كثير من الشعر لم يجمع ولم يطبع بعد وهذه مختارات منه:
من قصيدة له يمدح فيها النبي صلى الله عليه وسلم:
ماذا ننظم في علاك وننشد | وبداية الأقوال إنك مفرد |
عال على هام الوجود وأنه | نور بهالات الهدى يتوقد |
في كل نحو للثناء مفوه | وبكل ناحية تشير له يد |
في كل سامعة صدى لمغرد | بالذكر في حفل الخلود يغرد |
أقصر فلست ببالغ منه سوى | ما يبلغن من الضياء الأرمد |
من كان فوق العالمين مقامه | فله الفخار جميعه والسؤدد |
راياته بالرفق تخفق فوقه | وشعاره في الناس ألا يعتدوا |
شرفت مزاياه فكل مزية | غرا وطاب نجاره والمولد |
خلقت يداه لبل كل حشاشة | ذابت ونار أوارها لا تخمد |
العفو يوم النصر يسبق سيفه | فيراح من ضرب الرقاب ويغمد |
لا يحلم الرجل الطموح بمجلس | فيه يقوم محمد أو يقعد |
قرآنه وحي العصور جميعها | هاد لكسب الخالدات ومرشد |
أنت في جبهة الكرامة ظاهر | نور معناك في البرية زاهر |
لا يضاهيك في الرفاق صفي | جوهر جئت بالغوالي الجواهر |
شاء باريك أن تكون كبيرا | دون مرقاك في الوجود الأكابر |
بحر علم وبحر جود فهذا | مستفيض وذاك بالمد زاخر |
واحد أنت في بديع المعاني | بين باد من الأنام وحاضر |
غرر كلها تضيء وتزهو | ساطعات لكل راء وناظر |
نفحات تأرجت منك طيبا | ضمخت منه طيبات السرائر |
فقت هام الوجود في كل فضل | كيف يسمو إلى علائك شاعر |
إن هذه العقول ترجع حسرى | عن مغاني الحمى بصفقة خاسر |
فضحت ظلمة الجهال لما | جئت بالعلم والهداية ناشر |
ما قرأت الدروس يوما ولكن | نضبت فيك بالدروس المحابر |
قد تساوى بك الأنام فهذا | يتباهى وذاك بالحمد ذاكر |
أنت نور على الوجود تجلى | يرسل اللطف في نواحي الوجود |
أنت في نظرة الحقيقة فرد | ذكره الحمد في لسان الخلود |
أنت بيت القصيدة في كل معنى | صاغه شاعر لبيت القصيد |
لم تكن سيد البرية إلا | لمعان سرت بطيب الورود |
مرأى الكون قبل شخصك شخصا | أشغل الكون ذكره بالنشيد |
يا نبي الهدى ويا خير داع | قد دعا الناس للطريق الرشيد |
أنت في هالة الكمال رفيع | يقصر الطرف عن مداه البعيد |
لا يفي شأنك الرفيع الثناء | يا علي بك استطال العلاء |
قد حباك الإله خير صفات | وبك الناس في الوجود استضاؤا |
وحكيم الأنام في كل أمر | أدركت أمرها بك الحكماء |
صعدت فيك للحظيرة نفس | قدسها ساطع بها وضاء |
فضح الفجر ظلمة الليل لكن | لا ترى النور مقلة عمياء |
أي كرب عن النبي جلاه | حين حفت بصحبه الدهياء |
غير ماضيك يا فدته المواضي | فهو فصل القضا وفيه الفدا |
وقفات لوجه ربك كانت | لم تقفها من قبلك السفراء |
لم يكن غيرك الشجاع المفدى | إن دهى الخطب وأدلهم القضاء |
ما سمعنا بعابد منه تخشى | أسد الحرب أن يحل البلاء |
الحب سبيل من استبصر | فدع العذال ولا تغتر |
واسلك بالحب طريق الحزم | تنل فيه الحظ الأكبر |
وإذا ما لامك ذو جهل | فيه أو عابك ذو منكر |
بلغ للناس رسالته | واصدع بالأمر بما تؤمر |
واقرأ قرآن فضائله | بلسان الشكر لكي تشكر |
فهو الإعجاز دلائله | آيات الذكر لمن فكر |
ظهرت للناس معانيه | فتساوى الظاهر والمضمر |
يا لاحي الصب عداك الرشد | بلوم الصب ألا تحذر |
إرجع عن غيك في لومي | من ذاق الشيء به أخبر |
إني مضنى بهوى رشأ | غنج ألمى أحوى أحور |
فتان اللحظ إذا يرنو | وعليل الطرف إذا أبصر |
وأسيل الخد رشيق القد | بريك البرق إذا ما أفتر |
تحكيه الشمس إذا طلعت | ويحاكي الصبح إذا أسفر |
وإذا ما ماس حكاه الغصن | وإن ما مال حكى الأسمر |
أبداه الله بديع الحسن | جميل الصورة والمنظر |
أمدير الكأس فدتك النفس | أدر لي الكأس لكي أسكر |
واطرب رحماك أخاف شغف | في لحن العود وفي المزمر |
فإذا ما جئت لأسأل عن | أعمالي في يوم المحشر |
ناديت أبا الحسن مولاي | أغثني اليوم أبا شبر |
قسما بعلاك فليس سواك | يجيب العاجز والمضطر |
أعطاك الله لواء الحمد | وخصك في نهر الكوثر |
وبرى النيران وأنشأها | لتعذب شانئك الأبتر |
تسائلني يا سعد والأمر ظاهر | وهيهات نور الحق يخفيه سائر |
إذا ما دجى ليل من الغي حالك | سيفضحه صبح من الرشد زاهر |
ألا نظرة نحو الحقيقة إنها | تضيء ولكن ما هنالك ناظر |
تبصر فما الأبصار تعمى وإنما | عن الحق أي والحق تعمى البصائر |
أيجحد ما للمرتضى من فضائل | وينكر ضوء الشمس إلا المكابر |
ولولا أناس نازعوه بأمره | لما حار داجي الضلالة حائر |
سرائرهم يوم ’’الفعيلة’’ مزقت | فكيف تراها يوم تبلى السرائر |
وما نقموا من حيدر غير أنه | من الله ناه من الأنام وآمر |
وماذا يهين البدر والبدر ساطع | إذا ما تعامت عن سناه النواظر |
وماذا يضير الليث والليث ظافر | إذا قيل خانته الغداة الأظافر |
يصغر المح حيث شأنك أكبر | أنت بالحق حجة الله حيدر |
أنت في عالم الكمال وحيد | خالص الدر من معانيك ينثر |
طوح الفكر في المجال ليلقى | مدحة تبلغ المقام فأخر |
خزي العاص بابنه في مجال | قد حمى حومة النزول الغضنفر |
وابن سفيان قلبه خفوق | حذر الموت بين أيد المظفر |
وإذا الليث قد بدا وابن آوى | يختفي خشية اللقاء ويحذر |
يا نعاما أتت لتلقى هصورا | ارجعي عنه إن شأنك أصغر |
أأراك تقلد جيد الزمان | قلائد بان بها الجوهر |
تنمق زهر الرياض البيان | فسيان تنظم أو تنثر |
نسيم الصباح إذا ما سرى | ومر على الروضة الزاهره |
وضمخ بالطيب أردانه | وأرسلها نفحة عاطره |
وراح يداعب هيف الغصون | لتهفو للغيمة الماطره |
هنالك يشبه منك الفنون | ورقة صنعتك الفاخره |
تموج فيك ضياء النبوغ | وبان جليا لمن يبصر |
وفاض بجنبك صافي الشعور | وغيرك في الناس لا يشعر |
تجملت باللطف في ذي الحياة | وفزت ببردتها الضافيه |
وجئت بآياتك المنجزات | لتعلو للرتبة العاليه |
سحرت العقول بلحن الكلام | وعلمته الطير في الرابيه |
فجاء يوقع ألحانه | وراحت تردده الساقيه |
فأنت نضارة هذا الوجود | تحير فيك الذي ينظر |
فضحت بفهمك ستر الظلام | كوجه الصباح إذا يسفر |
حكيم تعالج هذي السموم | بفائق حكمتك الرائعه |
وتقضي الحياة بنثر الزهور | ونشر العطور على الجامعه |
ترفرف روحك فوق الكيان | حذارا عليه من الواقعه |
وتلقي الدروس دروس الحياة | فتملأ عجبا بها السامعه |
عظيم يكبرك الحاذقون | ومثلك في شأنه يكبر |
تفوز بربحك يوم الرهان | وغيرك في يومه يخسر |
تجمع فيك جميع الخصال | ففهم وضيء وقلب جري |
وطبع أرق من الساريات | على الروض في ليلة المقمر |
وفكر يزيل دجى المشكلات | ويلقى الهوان على المنكر |
ونفس تعالت بأوج الأباء | وفاقت بهمتها المشتري |
أقرأت آي المدح في أسفاره | وشممت آي الذكر في أزهاره |
ورأيت كيف اللطف وضاء السنا | غمر الجهات الست من أنواره |
وعرفت اليوم يوم سعادة | قد فاز فيها المرتضى بفخاره |
ردد على الأسماع ذكر ولاية | هي تحفة الباري إلى كراره |
ما في البرية غيره كفؤ لها | فأتته إذا كانت على مقداره |
لا يستطيع السابقون بحلبة | لا والمزايا الغر شق غباره |
آثاره دلت عليه وهكذا | فرد الرجال يبين في آثاره |
ظهرت فضائله فكل فضيلة | منها تشع سنا كشمس نهاره |
أي الفضائل لم تكن مأخوذة | منه فسل ما شئت عن أخباره |
العلم يعرف أنه زخاره | والناس يغترفون من زخاره |
والجود يدفق حيث كان فنبعه | باريه أنشأه بساحة داره |
جمعت به الأضداد حتى قد غدا | ذاك الحكيم يتيه في أفكاره |
عبثا يحاول أن يفوز بقصده | من لا يحط رحاله بجواره |
ضم روحينا الهوى في جسد | أترى ينفع عقب أو ملامه |
وإذا صح الهوى لست ترى | عاشقا يسمع من واش كلامه |
عبثا يطلب منا عاذل | إننا نغفر للحب ذمامه |
خمرة صافية في كأسه | قد شربناها غلاما وغلامه |
وسكرنا حيث لا ترجى لنا | صحوة الصاحين من ليل المدامه |
خففي ذلك عني إنني | مغرم قد فضح الدمع غرامه |
وضعي فوق ضلوعي راحة | إنها تطفئ من قلبي ضرامه |
واسمعي الشعر الذي قد قلته | بإمام زينت فيه الإمامه |
حجة الله علي المرتضى | من له الحكم غدا يوم القيامه |
لا يساوي قدره ذو رفعة | أتساوي هامة النجم القلامه |
ليس يخفي فضله ذو منكر | كيف تخفي طلعة البدر الغمامه |
أيفيد أن تروي الثرى من أدمعي | وتشب نيران الأسى في أضلعي |
أيفيدني أني أبيت مسهدا | قد ملني مما عراني مضجعي |
إني نظرت فلي هنالك مأتم | لا أرعوي للعاذلين ولا أعي |
تتناهب الأحزان باقي مهجة | ذابت بنار تلهف وتوجع |
ويحق لي أن أصعد زفرة | يمضي بها عمري وألقى مصرعي |
لمصائب نزلت بآل محمد | أذن الزمان بمثلها لم تسمع |
سل كربلاء عما لقوا من كربة | فيها ومن خطب فظيع مفجع |
عميت قلوب أمية فتجمعت | لقتال آل الله أي تجمع |
هاجت بها أحقادها فتذرعت | للأخذ بالثارات أي تذرع |
ثارات أشياخ لها قد جندلوا | بشبا الحسام من البطين الأنزع |
ثارات أصنام لها قد نكست | فهوت محطمة لأسفل موضع |
الله كيف الأرض لم تخسف بهم | غضبا وكيف الكون لم يتضعضع |
يا يومهم أبديت أي فجائع | لم تبق قلبا ليس بالمتصدع |
ألا فامتط للحرب ظهر المطهم | واطلق له فيها ليغرق بالدم |
ترفع ولا تعط العدو بذلة | يديك ومت موت الأبي المكرم |
وليس أبيا من يبيت على الأذى | وسيف الردى في كفه لم يحطم |
وإن هي إلا ميتة فاشتر بها | إذا شئت ذكرا طيب النشر بالفم |
هو المجد صعب المرتقى لا يناله | سوى أصيد للصيد يعزى وينتمي |
دع الفخر فالفخر الصحيح لسيد | يلف أخير الجيش بالمتقدم |
يلاقي عبوس الوجه يبسم ثغره | فيتركه شلوا فريسة قشعم |
تلوذ مصاليت الرجال بمثلها | إذا راح يمريها بنظرة أرقم |
فتلجأ لكن للفرار فلا ترى | سوى منجد خوف الحسام ومتهم |
يثير عجاج الخيل في حملاته | فيطرح ذا حزم على رأس أحزم |
وقد غرقت فيه البهاليل فاغتدى | كريما أتاه الفخر من خير أكرم |
تفرع من زيتونة أحمدية | فأكرم به فرعا زكيا وأنعم |
له من رسول الله نطق وحكمة | إذا فاه في در الكلام المنظم |
ومن حيدر الكرار بأس وصولة | يذلل فيها كل باغ ومجرم |
ومن كانت الزهراء أما له غدا | عظيم مقام فوق كل معظم |
أنت الحسين فما المديح وإن علا | يدنو إليك فإن قدرك أرفع |
العاليات بجانبيك تجمعت | والنور باد والشذا متضوع |
وما أبصر النقاد غير خميلة | باللطف تزهو بالمحاسن تسطع |
حرم النبوة والإمامة طاهر | ما كان ثمة للمشينة موضع |
رأينا بوجهك وجه النبي | يشع سناه إلى الناظر |
وفيك رأينا وثوب الوصي | بسيف المنون على الكافر |
أخذت السيادة عن كابر | أتته السيادة عن كابر |
سطوت بعزم يفل الحديد | تلف المقدم بالآخر |
في ظلمة الليل الرهيب | وطلعة الصبح المنير |
في بسمة الطل العليل | وقد تضمخ بالعطور |
في ميسة الغصن الرطيب | لهائج اليوم المطير |
في الراسيات الشامخات بجـ | ـانب الوادي العسير |
في السهل إذ تبدو المروج | كأنها أبراج نور |
في نظرة الليث الغضوب | ولفتة الظبي الغرير |
في خطوة الراعي أمـ | ـام قطيعه بين الصخور |
في ذي السماء تزينت | بنجومها روض الزهور |
أيدي الإله طواهر | فيها لناظره البصير |
يا لمأسور ترامى | بين أيدي الفتيات |
قد فتن اللب فيه | بالعيون الفاتنات |
رحن يمشين اختيالا | كالغصون المائسات |
ثم ينظرن إلينا | بالجفون الناعسات |
أنت يا قلب جريح | في سهام اللحظات |
آه من فتك الغواني | بالقلوب الهائمات |
قد سألنا عن كريم | ينزل الركب لديه |
فأتى كل مشيرا | لحماكم بيديه |
هكذا المرء إذا ما | أجمع الكل عليه |
يأخذون الطيب عنه | ويسيرون إليه |
وكثيرا يخطئ القائل | لا عن سوء نية |
ولكم في الناس بله | ما دروا سر القضية |
وفروق الناس بالعقل | وما الناس سويه |
صورة هذا وهذا | جوهر الروح الخفية |
بلي الوجود بمعشر لم يفهموا | حسبوا الشقاء غنيمة وسعودا |
ساروا على غير الطريق وإنهم | زعموا بأن شقوا الطريق جديدا |
للفتنة العمياء يمشي مسرعا | هذا وذاك يمده تأييدا |
وترى الشذوذ بكل نحو سائدا | يزداد في حقل الوجود وقودا |
والجاحدون غدوا وكل جهودهم | أن يحكموا في الناشئين جحودا |
يسطو القوي على الضعيف كأننا | في الغاب ضم أرانبا وأسودا |
إن الأماني المشرقات وجوهها | أضحى الغراب بدربها غريدا |
الموت خير من معاشر الألى | لو يمسخوا كانوا هناك قرودا |
قد أرسلوها خدعة بمظاهر | لو هتكت أبدت ليالي سودا |
كيف تخفى ومن سناك تجلى | كل نور بهذه الكائنات |
أنت في منتهى الظهور ولكن | لا تراك العيون بالنظرات |
نظرة منك وهي نظرة لطف | أوجدتنا جميعنا للحياة |
ما رأينا سوى الجميل جميعا | أغرقتنا يداك بالحسنات |
شأنك العفو والتفضل دوما | تنقذ الخلق من يد المهلكات |
يذوب على نغمة الصادحات | وهينمة النسمة العابرة |
يذوب هياما بلقيا الحبيب | غداة تمثل في الخاطرة |
فأرسلها زفرة من حشاه | تصعدها الصبوة الثائرة |
وجن جنون الهوى للقاء | فآب بصفقته الخاسرة |
تبارك منشئ هذا الجمال | بوجهك يا فتنة الناظرة |
رويدا فذي خطرات الخيال | تنظمها الفكرة السائرة |
أمثلي يطغى عليه الغرام | وتأسره اللحظة الآسرة |
وإني عن الحب في شاغل | تبيت الجفون لها ساهره |
أمامي صعاب بهذه الحياة | تضيق بأهوالها الدائرة |
ما الروضة الغنا تداعبها الصبا | فتبث من نفح الزهور عطورها |
ما الجدول المنساب في أنحائها | حيا برقراق الغدير زهورها |
ما الباسقات وقد ترنم فوقها | شاد يفيض على النفوس سرورها |
ما نغمة الشادي على أغصانه | توحي لنظام القريض شعورها |
أبهى وألطف من فتى بيراعه | قد راح ينظم في الطروس سطورها |
أنزلت آمالي بغير محلها | فرجعت عنها خائبا أتوجع |
صن ماء وجهك لا ترقه فإنه | أغلى ثمين في الحياة وأرفع |
وقديم ود قد حفظت وداده | في جانبي فلا ملامة تنفع |
ذاكرته في معشر قد روعوا | بالحادثات من الزمان وضعضوا |
فغدا يلفق من هناك ومن هنا | أعذاره ويظن أني أسمع |
وأريه إني قد قنعت وإنني | بحلاوة من قوله لا أقنع |
وإلى جبينك يا جدار صداقة | جوفاء لا ترضى لا هي تطمع |
لولا اختبار الناس في أشيائهم | ما راح داج عن سنا يتقشع |
ما لهذا البلبل الصـ | ـداح في الأغصان واجم |
كان لا يسكت آنا | في تهان أو مآتم |
أتراه قد شجته في الر | بى تلك المظالم |
أم عرا الروض ذبول فشجاه | لست أدري |
ما الذي ألهاك يا صـ | ـداح عن هذي الزهر |
أرأيت الصائد الخداع | يأتي بالشرور |
فتخفيت حذارا | من خفيات الدهور |
أم تواريت اعتلاء | أم إباء لست أدري |
أضرموا الفتنة في الشـ | ـعب وراحوا بخفاء |
ثم جاؤوا بظلام | ليس فيه من ضياء |
تركوا الناس جميعا | في عناء وبلاء |
حسبوا الناس ترابا أم ذبابا | لست أدري |
أيها الشعب أتبـ | ـقى لعبة للاعبين |
توسع الخطوة بالسيـ | ـر وراء المجرمين |
لست تدري كيف تمشي | في طريق الناهضين |
أنت أعمى أم تعاميت لأمر | لست أدري |
لك في القلب اشتياق | لست أستطيع بيانه |
وكذا كل مشوق | يخرس الشوق لسانه |
يا لصب مستهام | ملك الحب عنانه |
كتم الحب ولكن | دمع عينيه أبانه |
من شفيعي لحبيب | عهده في الحب خانه |
تكلفني الأيام ما لا أطيقه | وأحفظ ماء الوجه لست أريقه |
وهيهات مثلي أن يسير ولم يكن | لوجه الابا في السائرين طريقه |
لئن ذقت من صرف الزمان مرارة | فمر سؤال الناس لست أذوقه |
وإن ضاع حقي عند خلي عذرته | وعندي دوما لا تضيع حقوقه |
غنيت بنفسي عن سواي وهكذا | يكون الذي عزت وطابت عروقه |
وليس بحي من يروح ويغتدي | وأطماعه نحو الهوان تسوقه |
وما الثروة العظمى سوى عفة الفتى | يروج بها يوم الفضائل سوقه |
قد قرأنا السحر يا مي بعينيك دروسا | ونظرنا فرأينا فيك حوراء عروسا |
فاقتطفنا ورد خديك وأحيينا النفوس | وشربنا الحب من فيك كؤوسا فكؤوسا |
وغدونا بهواك كلنا نتبع عيسى | لو تكونين من الفرس إذن كنا مجوسا |
يا أيها الإنسان إنك صاعد | في ذا الوجود إلى المحل الأشراف |
بالعقل فقت على الجميع كرامة | وغدا سواك أمام نورك يختفي |
الكائنات جميعها لك كونت | إذ أنت متحوف بما لم تتحف |
سر للسعادة إنها لك كلها | وإلى سواها بالسرى لا تهدف |
إن الوجوه تريك في مرآتها | كل الذي قد أحرزت في ذاتها |
أرسل بها نظرا فإنك فاضح | ذاك الذي أخفته في طياتها |
والناس إما في معاني ذاته | سام وإما ساقط بصفاتها |
اثنان هذا ساطع نورا وذا | في ذي الحياة يتيه في ظلماتها |
كل يقوم أنا فمن يبقي إذن | من لا يقول بكل محمدة أنا |
كل يحب الممدح في أوضاعه | لكن يحق لصاحب الحق الثناء |
ذا يجتني مرا وهذا يجتني | حلوا وكل قانع فيها اجتنى |
لا كان ذا العيش المزيف بيننا | إن كان قانون الدجى يمحو السنا |
بسمة الزهرة الجميلة دلت | إن في الروض مبدعات الحكيم |
ومرور النسيم مهلا عليها | لدليل على اعتلال النسيم |
قطرات الندى ترقرق فيها | تبهج بالكون بالصنيع النظيم |
درة في الربى تضيء ولكن | نورها شع في وجوه النجوم |
يرسل النور للفهيم دليلا | تنجلي فيه مشكلات الفهيم |
واعتلى الطير فوقها باسقات | يتغنى بكل صوت رخيم |
نظرات لها وما هي إلا | مظهر اللطف من صنيع القديم |
هذه آية الزهور وهذي | دقة النظم في يد التنظيم |
كل شيء كزهرة الروض يحكي | قدرة المنشئ الحكيم العليم |
منك يا زهرة الرياض عرفنا كيـ | ـف نمشي على سواء السبيل |
عنك يا زينة الوجود أخذنا | صحة الشكل في نظام الدليل |
فيك يا منتهى الجمال قرأنا آية النـ | ـور من كتاب الجليل |
ضمخي بالعطور منك عقولا | شاعرات بشكر فعل الجميل |
وانثريها على الوجود جميعا | لا يشم الشذا عليل العقول |
ربما يسأل اللبيب سؤالا | وهو أدرى به من المسؤول |
الخير والشر البغيض كلاهما | بيديك فلتدع البغيض يداكا |
للخير لا للشر أنت موجه | فلتسلكن سبيله قدماكا |
آيات لطف الله قد نطقت بذا | وبذاك حتى تسمعن أذناكا |
وتتم حجته عليك ولا ترى | ظلما إذا عوقبت في أخراكا |
هيا إلى العقل الصحيح فإنه | بالنور يكشف داجيات عماكا |
هيا فقد عم الطريق أدلة | وهاجة فترى الضيا عيناكا |
أخذت أنصاف عودا | ثم قالت فلنغن |
عاطني الألحان درسا | أو خذ الألحان مني |
ليس يحلو الليل إلا | لمغن ومغن |
رقد السمار طرا | عنك في الليل وعني |
يا فدتك النفس هيا | لا تكذب فيك ظني |
أيها الغريد ما بين الغصون | قد أفقت الصب من سكرته |
بعثت فيه أغانيك الشجون | فغدا يهتز من صبوته |
والهوى يبعث في الصب الجنون | لا يلام الصب في جنته |
يرسل الألحان فالعشق فنون | يعرف العاشق من غنته |
وحياة الصب لهو ومجون | تلمس الخفة من صورته |
وكذا العاشق يا مي يكون | مضرب الأمثال في بلوته |
عندي وعندك للصبابة والهوى | عهدان عهد تقى وعهد وفاء |
ما دنس الحب الطهور دناءة | منا فنخشى فتنة الرقباء |
والحب يظهر في الوجوه نزيهه | يزهو العفاف به لعين الرائي |
ما الحب إلا أن ترافق مدامع | وتشب نار الوجد في الأحشاء |
كبر العمة حتى | بلغت هام السماء |
وتجلى للبرايا | في برود العلماء |
واغتدى يخطب لكن | في لسان من عياء |
يحسب المهمل قولا | فوق قول البلغاء |
تعاليت عن قولي وإن كان عاليا | فلا تبلغ الأقوال منك المعانيا |
ظهرت ولم تبق مجالا لشاعر | ينظم في سلك البيان الدراريا |
خلدت على رغم الدهور وهكذا | صحيح المباني ليس ينفك باقيا |
وخلدت في وجه الطروس مآثرا | تشع بآفاق النبوغ لآليا |
وآليت إلا أن تكون مفوقا | فكنت بهالات الفضيلة نائبا |
أبا العلم لا نستطيع قولا وإنما | نكلف ما لا تستطيع القوافيا |
تطلعت الأنظار في مجمع الهدى | فما وجدت فيه لشخصك ثانيا |
لأنت كما قد شئت في الناس واحد | تضمخ في نفح الطيوب النواديا |
إذا ما دجى ليل من الجهل حالك | تجليت لم تترك هنالك داجيا |
أزلت ظلام الوهم عن طلعة النهى | ورحت إلى روح الحقيقة داعيا |
تعالج هاتيك السموم بحكمة | أرتك الذي قد كان في الناس خافيا |
رفيع فلا تدنو إليك مذمة | وتزداد عنها رفعة وتعاليا |
صريح فلا تخشى من الناس غضبة | إذا كنت في نصر الحقيقة راضيا |
وماذا يفيد الصبح إن قيل وجهه | أفاض على الدنيا سنا منه ضافيا |
نعدد آثارا فنعيا وإنها | نجوم تجلت زاهرات زواهيا |
أيا حجة الإسلام والخطب فادح | أزال به تلك الجبال الرواسبا |
سرى البرق مهتزا من الرعب سلكه | يبث بأنحاء الوجود المآسيا |
عزيز علينا أن نرى مجلس القضا | علاه شحوب أو نرى الصدر خاليا |
عزيز علينا أن نقول قصائدا | نروم بها مدحا فكانت مراثيا |
قليل له إنا نذوب كآبة | ونرسل هتان المدامع داميا |
يا واعظا ببليغ من روائعه | أصبحت موعظة تغني عن الخطب |
لم ينفع الداء طب لا غناء به | حكم القضاء وثنى الدهر بالنوب |
ما قربتك الورى في الأرض من أمل | فنلت بالخلد ما ترجوه من أرب |
لشد ما كنت للعليا أخا سفر | كالشمس تطلع لم تأفل ولم تغب |
تهفو إلى المجد لا تنفك تطلبه | وتتعب الخاطر الطماح بالطلب |
وطالما همت بالرحمان واشتغلت | قبل المسبب منك النفس بالسبب |
حدث عن القبر عن أسرار ساكنه | فالأمر ما زال فيه سر محتجب |
فالمشكلات بلمح منك تدفعها | يا صاحب الخالدات الشم بالأدب |
يا راحلا بشريف من مآثره | يقفو أخاه حللتم عند خير أب |
الناشر الدين في أرجاء عاملة | والقائد الحر لم يفشل ولم يخب |
ذكرته رابضا كالليث منصلتا | كالسيف مزدهرا كالأنجم الشهب |
فوق الزعامات لم يحفل بزخرفها | لا يجتبي غير أهل العلم والأدب |
من حوله الشعب يفديه ويحرسه | فيزهر المجد في أثوابه القشب |
نزلتم بحماه فانتشى طربا | وفزتم بورود المنهل العذب |
تألق البشر في مغناه واحتضنت | يداه هذا وذا في صدره الرحب |
أما الشهيد فأدمى قلب والده | وفوده بدم باللحد منسكب |
تعجب العيلم الزخار من وطن | أضاع شهما بحضن الصالحين ربي |
وتمتمت شفتاه خاشعا وبدا | مثل الإمام الذي في كربلاء سبي |
يحنو على الجرح لا يرنو لطاعنه | فالشيخ يسمو على الأحقاد والغضب |
تعاظم الخطب في لبنان وانبعثت | دهياء فهي تلف الرأس بالذنب |
وأوغل القوم بالتنكيل واحتقبوا | وزر الجرائم بالمسلوب والسلب |
الليل للقتل والتدمير والريب | والصبح يقذفنا بالويل والحرب |
نريده موطنا للخير مزدهرا | بالعلم يبعد عنه كل مغتصب |
رعيا وسقيا له ما زال مرتبطا | بالقوم والفعل في أحرارنا العرب |
من لي بفطنة إبراهيم يحفزها | لتبعث العزم في إخوانه النجب |
هذي البيوتات لا يرجى تماسكها | إلا بوثبة حر ناهض فثب |
إن الصداقات والأحلاف ينشدها | عبد تعبد بالألقاب والرتب |
أما الأبي فتغنيه عقيدته | ويلتقي نهجه السامي بكل أبي |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 6- ص: 349