الشيخ خزعل خان الكعبي أمير المحمرة ابن الحاج جابر خان
توفي في طهران سنة 1355.
تولى إمارة المحمرة بعد أن قتل أخاه مزعلا كما ذكرناه في ترجمته وأرسل جنازته إلى النجف فدفن بجنب أبيه في مقبرتهم الكائنة خارج باب البلد الشرقي وكنا يومئذ بالنجف في طلب العلم فأرسلت إليه الدولة الإيرانية الخلعة والتقليد حسب العادة وفي عهده تم له الاستيلاء على جميع الأهواز واستولى على الفلاحية وانقرضت إمارة شيوخ كعب عنها وكانت الإمارة قد انتقلت من ذرية الشيخ رحمه الله الكعبي بمساعي أبناء الحاج جابر إلى أبناء عمهم ثم انقرضت إمارتهم جميعا واستولى خزعل على جميع بلاد الأهواز وارتقت حاله زيادة عما كان عليه أبوه وأخوه وقصده العلماء والشعراء والأدباء وغيرهم فعمهم بنواله وجمع الأموال وبنى القصور وأكثر من الحشم والخدم واقتنى السيارات ولما وقعت الفتنة في إيران بين المشروطين والمستبدين في عهد الشاه محمد علي بن مظفر الدين بن ناصر الدين عصى خزعل على الدولة الإيرانية وامتنع عن دفع المال المرتب عليه ولما طالبوه به قال حتى تنفقوا على أمر أدفع لكم وكان قد استفحل أمره قبل ذلك ومالأته الدولة البريطانية على عادتها في أمثاله وكانت مراكبها الحربية إذا حاذت قصره في طريقها إلى الهند تطلق له مدافع السلام لأمير المحمرة أنه سرق مال وافر من بعض سفنها في إحدى مواني الخليج الفارسي فكلفت خزعلا بإظهاره فبحث عنه جهده حتى وجده وأرجعه إليها فأرادت إعطاءه جائزة مالية فأبى وطلب أن تكون الجائزة إطلاق مدافع السلام له والله أعلم. ولما نشبت الحرب العالمية الأولى كان خزعل في جانب الدولة الانكليزية فعم استياء العثمانيين وأهل العراق منه ولما انقضت الحرب العالمية سمت نفسه إلى أن يكون ملكا على العراق ففاوض الانكليز في ذلك أملا منه أن يساعدوه لما كان قدمه لهم من المساعدة إبان الحرب العالمية الأولى فلم يظهروا الامتناع لكنهم قالوا له أن أهل العراق لا يرضون بذلك دهاء منهم فاغتر بذلك وتكفل بإرضائهم وبذل الأموال الطائلة في سبيل ذلك فلم يفلح.
وفيما كتب في مجلة العرفان لمراسل من خوزستان أن خزعلا استفحل أمره وأصبح في عربستان أو خوزستان أو المحمرة هو الآمر الناهي وهو من أهل الثروة الطائلة له قصر منيف في المحمرة وهو ذو آمال جسام طماح للمعالي كان يطمع في الاستقلال فأبره للشاه إلى أوروبا يدعوه للعودة ويعده بكل مساعدة مالية وعسكرية وأبرق لرضا خان البهلوي أنه لا يعرف له احتراما ولا طاعة. وخوزستان يفضلها عن إيران جبال شاهقة وعرة المسالك يقطنها عشائر من اللوريين والبختاريين لا يقل عددهم من مائة ألف مسلح فأثار الشيخ ثائرتهم لكن كان رضا خان البهلوي ممن لا تغمز قناتهم فأرسل جيشا من طريق شيراز إلى بهبهان جنوب خوزستان فجرت هناك مناوشات بين جنود الدولة وأعراب الشيخ خزعل وفرسان البختاريين كان النصر فيها لجنود الدولة وخرجت جيوش أخرى من خرم آباد ليدخلوا من شمالي خوزستان فأذعن خزعل حينئذ وسلم وحضر أمام قائد الجيش وطلب العفو فأظهر رضا خان العفو عنه بعدما أحرق قصره الجميل.
هذا ما كتبه المراسل ولكن البلهوي أضمر في نفسه القضاء على خزعل فبعد أن نودي به ملكا على إيران احتال على خزعل فأرسل في سنة 1344 مركبا صغيرا حربيا فيه أربعون جنديا فارس على ميناء المحمرة وخرج أميره إلى البر واجتمع بخزعل وأظهر أنه جاء للتمرن ثم عاد إلى المركب ثم خرج إلى البر ودعا الشيخ خزعل إلى العشاء وإحياء ليلة ساهرة على ظهر المركب بعدما أناره بالكهرباء وزينه بأنواع الزينة فاغتر خزعل بذلك ولم يقع في ذهنه أن أربعين جنديا يجسرون أن يقبضوا عليه وعنده مئات الألوف من حاملي البنادق فأجاب إلى ذلك ومضى إلى المركب وقضى ليلته في اللهو والطرب ثم عاد إلى قصره ولم يعرض له أحد لتزداد طمأنينته وبعد أيام دعاه أمير المركب مرة ثانية لمثل ما دعاه إليه أولا وقد طابت له الليلة الأولى فأجاب مسرعا فلما صار على ظهر المركب أقلع به إلى ميناء شوشتر فلما خرج إلى البر أخبروه أنه ذاهب إلى طهران فليبعث لأهله أن يوافوه بما يريد ودخل أولئك الأربعون جنديا مع قائدهم المحمرة وضبطوها ولم ينتطح في ذلك عنزان سوى أنه نهب شيء يسير من السوق وأخذ خزعل إلى طهران وعين في المحمرة وجميع مقاطعة الأهواز حاكم إيراني وانقرضت إمارة ذرية الحاج جابر في تلك البلاد. وكان الإيرانيون عينوا في أول الأمر أحد أبناء خزعل خوفا من الفتنة فلما رأوا أن الأمور هادئة استبدوا بالحكم ولا يزال خزعل منفيا في طهران وحكم البلاد بيد الإيرانيين مباشرة بعد الإقطاع إلى يومنا هذا وقد مررنا بجانب القصر الذي عين لمنفاه في طهران عام 1353 ثم توفي بالتاريخ المتقدم.
وكان صديقنا الحاج محمد علي الشوشتري المعروف بالحاج رئيس بمنزلة الوزير عند خزعل والحاج محمد علي المذكور هو صاحب الخيرات الكثيرة في العراق من إنشاء السقايات في الكاظمية وكربلاء والمشاركة في جلب الماء إلى النجف وكان بذل عشرين ألف روبية لجلب الماء في نهر إلى النجف وسلم المال إلى الحكومة العراقية وشرعت في العمل ثم تبين أنه لا يكفي فاستعاد المال أكثره وشارك في جلبه بالآلة الرافعة إلى النجف وكان في ذلك الوقت كل اثنتي عشرة روبية بليرة عثمانية ذهبا وكذلك صديقنا ولده الحاج مشير كان من مقربي الشيخ خزعل خان. وصنف الشيخ خزعل كتابا في أحوال أسرته وطبعه ولم يتفق لنا الوقوف عليه. ونقل لنا عنه هذان البيتان:
عجبت من شيخي ومن زهده | وذكره النار وأهوالها |
يعاف أن يشرب في فضة | ويسرق الفضة إن نالها |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 6- ص: 316