الخالديان نسبة إلى الخالدية قرية قرب الموصل هما أخوان أحدهما اسمه أبو بكر محمد وهو الأكبر والثني اسمه أبو عثمان سعيد وهو الأصغر ابنا هاشم ينظمان الشعر سوية ومنفردين ويؤلفان سوية وتأتي ترجمة كل منهما بانفراده في بابه إن شاء الله تعالى وإنما نذكر هنا ما يتعلق بهما مم نسب إليهما باسم الخالديين من غير تصريح باسميهما.
قال الثعالبي في يتيمة الدهر في وصف الخالديين أن هذان لساحران يغريان فيما يجلبان ويبدعن فيما يصنعان وكان ما يجمعهما من أخوة الأدب مثلما ينظمهما من أخوة النسب فهما في الموافقة والمساعدة يحييان بروح واحدة ويشتركان في قرض الشعر وينفردان ولا يكادان في السفر والحضر يفترقان وكانا في التساوي والتشابك والتشاكل كما قال أبو تمام:
تميمي لبان شريكي عنان | عتيقي رهان حليفي صفاء |
كالفرقدين إذا تأمل ناظر | لم يعل موضع فرقد عن فرقد |
أرى الشاعرين الخالديين سيرا | قصائد يفنى الدهر وهي تخلد |
جواهر من أبكار لفظ وعونه | يقصر عنها راجز ومقصد |
تنازع قوم فيهما وتناقضوا | ومر جدال بينهم يتردد |
وصاروا إلى حكمي فأصلحت بينهم | وما قلت إلا بالتي هي أرشد |
هما في اجتماع الفضل زوج مؤلف | ومعناهما من حيث يثبت مفرد |
كذا فرقدا الظلماء لما تشاكلا | على أشكلا هل ذاك أم ذاك أمجد |
فزوجهما ما مثله في اتفاقه | وفردهما بين الكواكب أوحد |
فقاموا على صلح وقال جميعهم | رضينا وساوى فرقد الأرض فرقد |
قل للشريف المستجا | ر به إذا عدم المطر |
وابن الأئمة من قر | يش والميامين الغرر |
أقسمت بالريحان والنغم | المضاعف والوتر |
لئن الشريف مضى ولم | ينعم لعبديه النظر |
لنشاركن بني أمية | في الضلال المشتهر |
وتقول لم يفعل أبو | بكر ولم يفعل عمر |
ونرى معاوية أما | ما من يخالفه كفر |
وتقول إن يزيد ما | قتل الحسين وما أمر |
ونعد أهل النهروا | ن من الميامين الغرر |
ويكون في عنق الشريـ | ـف دخول عبديه سقر |
أهديت ما لو أن أضافه | مطرح عندك ما بانا |
كمثل بلقيس التي لم يبن | إهداؤها عند سليمانا |
هذا امتحان لك لأن ترضه | بان لنا أنك ترضانا |
يا سيدي شعري نقاية شعركا | فلذاك نظمي لا يقاوم نثركا |
وقد انبسطت إليك في إنشاد ما | هو في الحقيقة قطرة من بحركا |
آنستني وبررتني وقرينتي | وجعلت أمري من مقدم أمركا |
وأريد أذكر حاجة أن تقضها | أك عند مدحك ما حييت وشكركا |
إني في ضيافتك العشي ها هنا | فاجعل حماري في ضيافة مهركا |
وفي كل يوم للغبيين غارة | تروع ألفاظي المحجلة الغرا |
فمهلا أبا عثمان مهلا فإنما | يغار على الأشعار من عشق الشعرا |
لأطفأتما تلك النجوم بأسرها | ودنستما تلك المطارف والأزرا |
فويحكما هلا بشطر قنعتما | وأبقيتما لي من محاسنه شطرا |
أشكو إليك حليفي غارة شهرا | سيف الشقاق على ديباج أفكاري |
ذئبين لو ظفرا بالشعر في حرم | لمزقاه بأنياب وأظفار |
سلا عليه سيوف البغي مصقلة | في جحفل من صنيع الظلم جرار |
وأرخصاه فقل في العطر ممتهنا | لديهما يشتري من غير عطار |
إن قلداك بدر فهو من لججي | أو ختماك بياقوت فأحجاري |
باعا عرائس شعري بالعراق فلا | تبعد سباياه من عون وأبكار |
مل كان ضرهما والدر ذو خطر | لو حلياه ملوكا ذات أخطار |
وما رأى الناس سيبا مثل سيبهما | بيعت نفيسته ظلما بدينار |
والله ما مدحا حيا ولا رثيا | ميتا ولا افتخرا إلا بأشعاري |
كأنه جنة راحت حدائقها | من الغبيين في نار وأعصار |
عار من النسب الوضاح منتسب | في الخالديين بين العر والعار |
بكرت عليك مغيرة الأعراب | فاحفظ ثيابك يا أبا الخطاب |
ورد العراق ربيعة بن مكدم | وعتيبة بن الحارث بن شهاب |
أفعندنا شك بأنهما هما | في الفتك لا في صحة الأنساب |
جلبا إليك الشعر من أوطانه | جلب التجار طرائف الأجلاب |
شنا على الآداب أقبح غارة | جرحت قلوب محاسن الآداب |
فحذار من حركات صلي قفرة | وحذار من فتكات ليثي غاب |
لا يسلبان أخا الثراء وإنما | يتناهبان نتائج الألباب |
إن عز موجود الكلام عليهما | فأنا الذي وقف الكلام ببابي |
أو يهبطا من ذلة فأنا الذي | ضربت على الشرف المطل قبابي |
كم حاولا أمدي فطال غليهما | أن يدركا إلا مثار ترابي |
عجزا ولم تقف العبيد إذا جرت | يوم الرهان مواقف الأرباب |
ولقد حميت الشعر وهو لمعشر | رمم سوى الأسماء والألقاب |
وضربت عنه المدعين وإنما | عن حوزة الآداب كان ضرابي |
فغدت نبيط الخالدية تدعي | شعري وترفل في حبير ثيابي |
نظرا إلى شعري يروق فتربا | منه خدود كواعد أتراب |
شرباه فاعترفا له بعذوبة | ولرب عذب عاد سوط عذاب |
إني أحذر من يقول قصيدة | غراء خدني غارة ونهاب |
إني نبذت على السواء إليكما | فتأهبا للفادح المنتاب |
قد أظلتك يا أبا إسحاق | غارة اللفظ والمعاني الدقاق |
فاتخذ معقلا لشعرك تحميـ | ـه مروق الخوارج المراق |
كان شن الغارات في البلد القفـ | ـر فأضحى على سرير العراق |
ومن عجب أن الغبيين أبرقا | مغيرين في أقطار شعري وأرعدا |
فقد نقلاه عن بياض مناسبي | إلى نسب في الخالدية أسودا |
وأن عليا بائع الملح بالنوى | تجرد لي بالسب فيمن تجردا |
لله در الخالدي | الأوحد الندب الخطير |
أهدى لماء المزن عنـ | ـد جموده نار السعير |
حتى إذا صدر العتا | ب إليه عن حر الصدور |
بعثت إله هدية | عن خاطري أيدي السرور |
لا تعذلوه فإنه | أهدى الخدود إلى الثغور |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 6- ص: 301
الخالديان الأخوان الشاعران المحسنان، أبو بكر محمد، وأبو عثمان سعيد، ابنا هاشم بن وعكة بن عرام بن عثمان بن بلال، الموصليان الخالديان، من أهل قرية الخالدية.
كانا كفرسي رهان في قوة الذكاء، وسرعة النظم وجودته، يتشاركان في القصيدة الواحدة، ومحمد هو الأكبر. قدم دمشق في صحبة سيف الدولة بن حمدان. وهما من خواص شعرائه، اشتركا في شئ كثير، وكان سري الرفاء يهجوهما ويهجوانه.
ولمحمد:
البدر منتقب بغيم أبيض | هو فيه بين تخفر وتبرج |
كتنفس الحسناء في المرآة إذ | كملت محاسنها ولم تتزوج |
أما ترى الغيم يا من قلبه قاسي | كأنه أنا مقياسا بمقياس |
قطر كدمعي وبرق مثل نار أسى | في القلب مني وريح مثل أنفاسي |
أرى الشاعرين الخالديين سيرا | قصائد يفنى الدهر وهي تخلد |
هما لاجتماع الفضل روح مؤلف | ومعناهما من حيث ما شئت مفرد |
دار الحديث- القاهرة-ط 0( 2006) , ج: 12- ص: 373