السيد حسين بن السيد مهدي بن السيد حسين ابن السيد أحمد الحسني الحلي
النجفي المعروف بالقزويني
ولد بالحلة سنة 1268 وتوفي فجأة بالنجف في الربع الأخير من ليلة الأحد 21 ذي الحجة سنة 1325 ودفن بالنجف في مقبرتهم. ورثاه جملة من الشعراء منهم السيد رضا بن السيد محمد الهندي فقال من قصيدة مؤرخا عام وفاته:
عذرتك إذ ينهل دمعك جاريا | لمثل حسين فابك أن كنت باكيا |
سأبكي حسينا ثاويا في ثرى الحمى | بكائي حسينا في ثرى ألطف ثاويا |
وأبكي حسينا في قميصه مدرجا | بكائي حسينا من قميصه عاريا |
ويا قلمي أمسك فقد أبرم القضا | وأرخ عظيم بالحسين مصابيا |
نصبت شراك النثر في جبهة الطرس | لتصطاد أبرادا تزينك في اللبس |
وأوسعت نفثات اليراع فصاحة | فلو قيل قس قلت أفصح من قس |
ونظمت في سمط الكمال فرائدا | نفائس لا تستام بالثمن البخس |
وأبرزتها في غير سوق عكاظها | عرائس لم تمهر سوى الطرد والعكس |
تهادى ولا مثل العذارى سوافرا | سوانح لا مثل المذعرة الخرس |
فما ارتضعت من غير ثدي غمامة | ولا حملتها غير واردة الخمس |
من حاجر فإلى زر | ود فرمل عالج فالغوير |
أمن بعد أيام اللوى وزرود | ورنة أوتار ونغمة عود |
وروضة أنوار سقتها مذالة | دموع الغوادي بانتحاب رعود |
وترجع ذات الطوق يطرب لحنها | إذا ملئت أقفاصها بنشيد |
أردد أنفاسا واكظم حسرة | تعيد جديد العمر غير جديد |
وابذل وجها للسؤال وطالما | مشى الدهر ممتاحا لنيل رفودي |
كأني بأسر الرق زنجية غدت | ينادي بها نخاسها بمزيد |
تلاعب في أيدي الهوان وليتني | أباع بنقد لا بفضل برود |
فأجهشت ويا ويح قلبها بالبكاء | ورفعت عقيرتها بالنداء |
هل بالطلول لسائل رد | أم هل لها بتكلم عهد |
ألا هل لأيام مضين بطيبها | سقاهن رجاف العشي رجوع |
وهل لي على تلك الأجارع وقفة | بحيث العذارى شملهن جميع |
يقر لعيني أن أرى بطن وجرة | وفياح نور الأبرقين يضوع |
وملعب غزلان الأراك ورامة | وهن إلى تلك المياه شروع |
تقيلن أفنان الأراك أو إنسا | وطرف النوى عن سربهن هجوع |
تناقلن أسرار الحديث وما انطوت | لهن على جمر الفراق ضلوع |
وبي زفرت لو بأعلام بارق | تزايلن أو قد مسهن صدوع |
أمن بعد أزمان الأراك يطيب لي | منازل أو تحلو لدي ربوع |
ومن صحب الدنيا كثيرا تقلبت | على عينه حتى يرى صدقها كذبا |
ولا بدع أن يستاقني الدهر موثقا | ويقتادني قود الجنيب المطاوع |
فكم سام قبلي خطة الضيم أغلبا | يرد قريع الحتف غير مقارع |
وحط ابن ذي يزن من رأس غمدان | وطوحت طوائحه ببني عبد المدان |
وابن الأشج القيل ساق نفسه | إلى الردى حذار إشمات العدى |
ظن أني من غانيات العراق | جلبتها الأشواق للعشاق |
ليس يدري أني ربيبة سجف | تحسب البدر عمره في محاق |
عوذت خدها أغيلمة الحي | بخطية وبيض رقاق |
يصدقون الطعان أن صرت الحرب | بناب أو شمرت عن ساق |
وإذا شم جارهم نفح ضيم | ركبوها صواهلا للسباق |
كل مشبوب عزمة ليس يطفيها | سوى عارض الدم المهراق |
ضربوها على الطريق قبابا | تطلع الشهب تحت سمك الرواق |
وإذا ما اقشعرت الأرض كانت | بنداهم مخضرة الأوراق |
كل رطب البنان يوم امتياح | لقبوها مدرة الأرزاق |
لو يجوز النسيم منهم خلالا | لخدور ما كان بالخفاق |
حق أن أذرف الحشاشة دمعا | مثل شؤبوب وابل دفاق |
وأعير الحمام رنة نعي | منه يغدو مقطع الأطواق |
قد شربت الأوصاب كأسا دهاقا | بعد شرب الصبوح والاغتباق |
ولأفعى الأسى وجدت بقلبي | لدغة ما لها مدى العمر راقي |
بحيث بيوت المجد مرفوعة الذرى | أبت عزة عن وطئها بالمناسم |
يكاد ولا بدع يلبي رضيعهم | نداء المنادي قبل شد التمائم |
يا من لغير أخي الكمال محمد | أمت ركائبه وأصبح مدلجا |
لو كنت أوقفت القلوص ببابه | لوجدته للنائبات مفرجا |
مولى أبت بسواه السنة الثنا | وعميم اكفه أن تلهجا |
ما جال سابق فكره في مشكل | إلا وأطلعه الطريق الأبلجا |
نيطت تمائمه بأروع الصيد | بنفائس الشرف الرفيع تتوجا |
ما الزهر إلا روضة من خلقه | عبقت بها أنفاسه فتارجا |
كم فك من عان بأيسر دعوة | وسواه لو جاذبته ما عرجا |
ورث الرياسة كابرا عن كابر | جمعوا النبوة والإمامة والحجى |
سبقوا فكانوا بدء كل فضيلة | واتوا أخيرا في العلى سفن النجا |
من كل وضاح الجبين تخاله | قمرا أضاء الدست منه والدجى |
يا خير منتجع بكل ملمة | وابر مفضال وامنع ملتجى |
ما الديمة الوطفاء إلا راحة | لو لم يكن لك درها ما انتجا |
ولابت كاشف كل معضلة إذا | نزلت ولا يجدون عنها مخرجا |
هو في القر مثله في المصيف | ما عليه سوى رداء خفيف |
أنزلني الدهر على حكمه | وابتزني ثوب شباب قشيب |
ومن ثنايا مفرقي أو مضت | بوارق للشيب قبل المشيب |
أدعو فلا مستمع دعوتي | وان أكن أدعى لشيء أجيب |
شلت يد الدهر فيا طالما | ساء ويا تعسا لهذا النصيب |
أبرزني من ظل فياحة | صادحة القمري والعندليب |
يغازل النرجس حوذانها | بين شقيق وأقاح رطيب |
مطلولة الأرجاء قد مزقت | أنامل البهجة قلب الرقيب |
اصطبح القهوة صرفا ولا | مزج سوى ريقة ثغر الحبيب |
أمثلي من يقيم بدار هون | ويمسي وهو مغلول اليدين |
كأني قد جنيت عليك ذنبا | به قابلتني دينا بدين |
برغمي أن تبات بلا قرين | وان أشربتني عرق الجبين |
أتنسى كم زففت إليك كأسا | يرقص راحها قلب الحزين |
معتقة تدير لنا عيونا | إذا شجت مثال عيون عين |
وأقرع مسمعيك بلحن عود | بعيد الهم مقطوع الوتين |
وبالرغم مني أن تبيت مسهدا | وملء عيون الشامتين منامها |
وتصبغ برديك الدماء وأنها | جواري دموع الصب فض ختامها |
فصدت فكان البرء فيما فصدته | فما بال نفسي جد فيها سقامها |
وأعظم داء الحب بث شكاية | لمن ليس يدري ما جنى مستهامها |
نثرن نظيم الدمع لا اللؤلؤ الرطبا | عيون بغير النجم لم تعقد الهدبا |
تؤنبني حتى تركن جوانحي | لتضعف عن خدش النسيم إذا هبا |
وما خلت أن البين أظفار غدره | تمزق أحشائي وتستلب اللبا |
إلى أن سرت خوص الركاب نوافحا | تؤم من الزوراء منهلها العذبا |
متى هتفت ذات الجناح بسحره | تهيج مشوقا لم يزل دنفا صبا |
ربطت فؤادي باليدين وانه | لينزو وراء الركب يتبع الركبا |
فيا لا جرى طير الفراق بينكم | ولا ذعر التوديع من حيكم سربا |
فان بأكناف الغريين ثاويا | على رمق قد كاد يقضي بكم نحبا |
تقلبه أيدي الغرام وانه | على مثل أطراف القنا يطرح الجنبا |
يهيم بمهضوم المخصر أهيف | ولكن بماضي العزم يقتحم الصعبا |
وتضعف عن حمل الرداء متونه | وبالهمة القعساء يقتلع الهضبا |
كلما مر من صدودك يحلو | صل معنى فالحب قطع ووصل |
لك في شرعة الهوى معجزات | هن في فترة من الرسل رسل |
آمنت فيك أمة العشق لكن | تحت داج من ليل شعرك ضلوا |
قبلة العاشقين أنت ولكن | كل وجه توجهوا فليصلوا |
أنت معنى الجمال والكل وهم | ومن الوهم قولهم لك مثل |
شرع عاشقوك فيك ولكن | أنا وحدي بعبئهم مستقل |
لك في النيرات أسنى ظهور | وهي لولاك نورها مضمحل |
لاح للناس من جبينك في الأفق | هلال فكبروا واستهلوا |
سبقت فيك للمحبين دعوى | حققت مدعى الأوائل قبل |
وحدة في الجمال كل جمال | عرض زائل ومعناك أصل |
أكثر العاذلون فيك ملامي | لا أبالي أن أكثروا أو أقلوا |
قد قرأنا صحف الجمال فصولا | ليس فيها لغير وصفك فصل |
يا معافى من ابتلاء المعاني | وطليقا وهو الأسير المغل |
هل بتلك الربوع نهلة ظام | إن عداه وبل الوصال فطل |
فاطل أن تشأ لديك عذابي | أنت صيرتني قتيل غرام |
كلما رمت قاب قوسين أدنو | أخرتني مهابة الأقدام |
أترى قد أنكرت مني خصالا | يا جميلا بها كرهت مقامي |
صل ولو بالتعذيب نفس محب | ما بجرح الحبيب من إيلام |
ضقت مما لقيت في الحب ذرعا | وحياتي أن ذقت فيه حمامي |
ما ثبوت الوجود في غير موجود | ولا في خواطر الأوهام |
سماور بات يحكي در مرضعة | مشبوبة القلب تنعى صبية هلكوا |
ما خص أهل اللحى في دره أبدا | لكن أهل اللحى في دره اشتركوا |
كأنما عقله من عقل صاحبه | كلاهما أن تفتش عنهما تنك |
سماور ظل يحكي در مرضعة | مشبوبة القلب تنعى صبية هلكوا |
كأنما عقله من عقل صاحبه | من جوهر الفكر والإعراض منسبك |
والعاملي مع الحلي عقلهما | كلاهما أن تفتش عنهما تنك |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 6- ص: 176