السيد حسين بن السيد محمد حسين ابن السيد أحمد الحسيني العاملي الشقرائي
توفي حوالي سنة 1340 في شقراء ودفن بجنب قبر جدنا السيد أبي الحسن موسى الكبير غربي الجامع الكبير. هو من أبناء أعمامنا جده ابن أخي السيد أبي الحسن موسى بن حيدر بن أحمد بن إبراهيم كال صاحب مفتاح الكرامة. كان عالما فاضلا أديبا شاعرا ناثرا قرأ أولا في جبل عامل ثم هاجر إلى النجف ونحن هناك وبقي مدة في طلب العلم ثم عاد إلى وطنه شقراء وسكن خربة سلم مدة وله مؤلف في علم الأصول. فمن نثره وشعره ما كتب به إلى السيد علي ابن عمنا السيد محمود الأمين من العراق إلى جبل عامل مهنئا له بعوده من حج بيت الله الحرام سنة 1320
وهذه صورته:
الحمد لله بارئ النسم ذي المنن والنعم والصلاة والسلام على نبيه الصادع بأمره محمد سيد العرب والعجم وعلى آله وصحبه مصابيح الدجى وخيرة الأمم أما بعد فان نعم الله على عباده لا تحصى وآلاءه لا تستقصى وأجلها نعمة وأعظمها وأهناها وأكرمها التي أسدلت على الكون جلابيب المسرة والفرح وأذهبت عن القلوب لوعات الزفرة والترح عود طود الحلم الأشم وبحر العلم الخضم زعيم هاشم وسيدها وفخار نزار وعميدها محيي الشريعة ومشيدها وهادي الخلق ورشيدها نائب الحجة وموضح المحجة من توجه الله بتاج الرياسة وأعطاه علمي الأحكام والسياسة من الحج الشريف وزيارة قبر جده النبي المصطفى وأبنائه الهداة الشرفا مشتملا ببرد السلامة خافقة من فوقه ألوية العز والكرامة قد أسدلت عليه الجلالة سجافها ورنحت به المعالي أعطافها وضربت المهابة عليه أستارها محدقة بن عين العناية ذهابا وإيابا فنحمده سبحانه وتعالى على ما أنعم وبشكره على ما وفق وتفضل وتكرم ولما انتشرت صحف التهاني بقدومه في الآفاق حتى ملأت الشام والعراق استفزني الأنس والطرب وحركتني لواعج الأشواق:
فقمت أنشد من انس ومن فرح | مستنهضا للتهاني همة القلم |
فقال لي وهو في لجي فكرته | سعيا على الرأس لا سعيا على القدم |
برق بدا بمحاني الضال والسلم | يشق شوء سناه حندس الظلم |
ذكرت مذ لاح ليلات سلفن وقد | لهوت بالملهيين الراح والنغم |
في روضة عانق الآس الشقيق بها | وصافح الورد فيها راحة العنم |
جرى النسيم على غدرانها سحرا | وزهرها بين منثور ومنتظم |
ومذ علا الطل ليلا فوقها برزت | تفتر أكمامها عن ثغر مبتسم |
لا زال صوب الحيا يسقي معاهدها | بعارض بين منهل ومنسجم |
معاهد علقت نفسي بها رشا | لم يرع في حبه عهدي ولا ذممي |
ساجي المحاجر فرد في محاسنه | لا حسن إلا إليه في الأنام نمي |
يفتر عن لؤلؤ رطب تنظم في | ياقوتة سقيت بالبارد الشبم |
غزيل راق في أوصافه غزلي | وحبه قد جرى في الجسم جري دمي |
أشكو إليه غرامي والصدود معا | وسمعه راح عن شكواي في صمم |
أواه من ظالم أشكو له سقمي | وظلمه فيه لي برء من السقم |
الفضل بالجد والأرزاق بالقسم | والمرء يعرف بالآراء والهمم |
لا يلبث في غاب على سغب | حتى يخضب فاه من دم النعم |
ما كل من طار يعلو في الهواء ولا الـ | ـعقاب مثل بغاث الطير والرخم |
قومي الذين هم لم يرتدوا بسوى | يرد الفضائل والعلياء والكرم |
شم الأنوف مصاليت السيوف مسا | ميح الكفوف بعام الجدب كالديم |
أسد العرين هداة الخلق ما نهضوا | يوما بغير الوغى والعلم والحكم |
من هاشم الغر من أزكى مغارسها | من دوحة فرعت من سيد الأمم |
من كل أبلج وضاح الجبين غدا | بنور غرته يجلو دجى الظلم |
بالدين معتصم بالصدق ملتزم | بالعدل متسم بالحق محتكم |
هذا علي أبو عبد الحسين سرى | بهمة لف فيها السهل بالأكم |
من فوق ناجية هوجا مغامرة | نجيبة من جياد الأينق الرسم |
يؤم أم القرى فيها وليس له | سوى زيارة بيت الله من أمم |
ولو درى البيت أن قد جاءه لسعى | بشرا للقياه يمشي لا على القدم |
يا كعبة الفضل عن شوق دعتك إلى | لقائها كعبة الإسلام والحرم |
سعيت الصفا والمروتين بها | يا خير ساع سعى فيها ومستلم |
لبيت فيها وأديت المناسك في | حمد وشكر فيا لله من نعم |
وعدت بالعفو والغفران مشتملا | برد السلامة في عز وفي كرم |
عود به عادت الأرواح وانتعشت | من بعد ما أشرفت وجدا على العدم |
وسر قلب الهدى والدين وانتشرت | صحف التهاني إلى العليا بكل فم |
أثلجت أفئدة كادت تذوب جوى | ورب أفئدة عادت على ضرم |
يا واحد الدهر يا من في فضائله | ساد البرية من عرب ومن عجم |
يا عمادا له ألقت أزمتها | العليا فأمسى ملاذ الناس كلهم |
أوصافك الغر لا تحصى وليس لها | حصر ويعجز عن تعدادها قلمي |
يهنيك حجك مبرورا وسعيك | مشكورا وفعلك مشهورا لدى الأمم |
وأنت مرجع أحكام الإله وقد | أصبحت أشهر من نار على علم |
مر وانه واحكم وجد بالبذل وانتقم | واصفح وطل وابق واسلم في الورى ودم |
وبالرضا الماجد الفذ الكريم أخي | العلياء قرت عيون المجد والكرم |
فرد الكمال سما في عزم همته | فوق الضراح بسيما الزهد متسم |
ذو فكرة يدرك الأمر الخفي بها | قد فاق أقرانه بالفضل والشيم |
وأجهد النفس في كسب الكمال ولم | يعرف بنيل المعالي لذة الحلم |
هنئت يا قمر العليا بحجك إذ | رجعت بالخير فاسلم دائم النعم |
جاد ربع العلا وحيا رباه | ماطر ينعش القلوب حياه |
وسقى مربعا به حل قوم | بهم قد زكا وطاب شذاه |
يا له مربعا سمى بعلي | من سمت كل ذي علاء علاه |
لم يزل هاديا لنهج رشاد | نيرا تهتدي الورى بهداه |
هو للدين والشريعة قطب | وعليه أضحت تدور رحاه |
فعلي باب المدينة بالنص | سعيد بين الورى من أتاه |
لم يزل يقتفي مآثر خير الرسول | طه مذ الإله براه |
فعليه تحية وسلام | من محب ملازم لولاه |
هل سلاني حاشاه من غير ذنب | سال قلبي أن كان يوما سلاه |
أنا أرعى عهود كل صديق | وأليف وان طال جفاه |
طبعت شيمتي عليه وفكري | في نفوس طباعها تأباه |
كم رمتني هذي الليالي بخطب | لو على يذبل لهد قواه |
جربتني فلم تجد غير عضب | قاطع الحد لا يفل شباه |
فاصنع الخير ما قدرت عليه | حمدت دون غيره عقباه |
كم قريب تراه عنك بعيدا | وبعيد تراه ما أدناه |
قل لقومي نصيحة من خبير | محكم الرأي لا يطيش حجاه |
قد قبلت الرجال ظهرا لبطن | لم أجد من تسرني رؤياه |
غير أن الهدى بنهج علي | فاسلكوه أطال ربي بقاه |
مصابك أهدى لجسمي | وبث بقلبي نار الأسف |
أذاب فؤادي ناع نعاك | اصم المسامع لما هتف |
عهدتك تدفع صعب الخطوب | عليك لواء المعالي يرف |
فكيف رمتك دواهي الردى | بسهم أصاب صميم الشرف |
فمن بعد فقدك للمكرمات | جواد المعالي وطاميك جف |
بمن يهتدي بعدك المدلجون | وكانت بنورك تجلى السدف |
مضيت كريما فريد الزمان | حميد الصفات نقي الطرف |
ولولا علي أبو المكرمات | عماد الشريعة محيي السلف |
فخار العشيرة كهف الأنام | أمام سفير الإمام الخلف |
لطارحت بالشجو ورق الحمام | وحاكيت بالدمع غيثا وكف |
عزاء وصبرا اسود الشري | يجازى الصبور بأسنى التحف |
فأنتم لنا سلوة بعده | ويسلى الفقيد بنعم الخلف |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 6- ص: 147