الشيخ حسين ابن الشيخ علي ابن الشيخ حسن ابن الشيخ مهدي آل مغنية العاملي
ولد سنة 1280 أو 1275 بالنجف الأشرف وتوفي في صيدا سنة 1359 ونقل إلى قريته طيردبا بتشييع حافل حضره العلماء والحكام والخواص والعوام من جميع الطوائف وصلى عليه ولده الشيخ خليل وحضرت تشييعه والصلاة عليه ودفنه.
كان والده قد هاجر إلى النجف لطلب العلم كما ذكرن في ترجمته وتزوج بكريمة ابن عم والدي العلامة المحيط السيد كاظم الأمين فولد له صاحب الترجمة وبنت وبعد ولادته بثلاث سنوات توفي والده وبقى مع والدته عند جده لأمه ولما صار عمره ثماني سنوات حضر مع والدته وخاله السيد أحمد بقصد التوجه إلى جبل عامل ولما كانوا في أثناء الطريق خرجت عليهم الاعراب لتسلبهم فدافع خاله فقتل وهو في ريعان شبابه فعادت به والدته إلى النجف ثم سافرت به ثانيا إلى جبل عامل وكانت جدته لأبيه البارة سافرت إلى العراق لأجله مرتين ذكره عم أبيه الشيخ محمد ابن الشيخ مهدي آل مغنية في كتابه جور الحكم فقال قرأ القرآن عند بني عمنا لثمانية أشهر ثم وضعته في المدرسة الرشدية في صور عند الأستاذ الفاضل بن العم الشيخ جعفر وبعد وفاة أستاذه المذكور نقلته مع بني عمه إلى مدرسة حنويه عند العلامة الفقيه الشيخ محمد علي عز الدين نفعنا الله ببره وبركته ثم لما حضر إلى جبل عاملة بدرها الكامل وشمس الفضائل نبعة العرفان ومرجع
أبناء هذا الزمان الشيخ موسى آل شرارة أخذتهم إليه واعتمدت في تعليمهم عليه ففتح لهم صدرا رحيبا وحبم جنابا خصيبا فجد وكد وحصل واستعد وفي صغر سنه حاز التقى والتهجد والورع مواظبا مجتهدا على العبادة والتحصيل والإفادة كامل أديب لسن بارع فظن ذكي. وكان عالما فاضلا فقيها كاملا شاعرا أديبا تقيا نقيا عاقلا كريما سخيا حسن الأخلاق محمود السيرة لم يعثر له على زلة قرأ أولا في جبل عاملة المقدمات من النحو والصرف والبيان والمنطق وأصول الفقه إلى نهاية المعالم في مدرسة الفقيه الشيخ محمد علي آل عز الدين ولما حضر الشيخ موسى آل شرارة من العراق إلى بنت جبيل من جبل عامل انتقل إلى مدرسته فقرأ فيها عليه القوانين واللمعة وشيئا من الرسائل وكان الفقير مؤلف هذا الكتاب يقرأ أيضا في تلك المدرسة ثم توفي الشيخ موسى سنة 1304 ولم يكن في جبل عامل في ذلك الوقت من يصلح لإقامة التدريس فطلبوا من العراق من يقوم بذلك فحضر السيد مهدي الحكيم النجفي إلى بنت جبيل فلم يحصل ما كان يؤمل وانصرف المذكور إلى الاسفار والوعظ وتفرق الطلاب كل إلى بلده وبعضهم سافر إلى العراق وبقوا كذلك إلى سنة 1308 فحضر المترجم إلى قريتنا شقراء وقال اني عزمت على السفر إلى العراق فلنسافر معا وكان والدي قد كف بصره فعرضت عليه ذلك فقال لي استخر بذات الرقاع فان خرجت جيدة فسافر وأما أنا فالله يدبرني فذهبت إلى المسجد واستخرت الله بنية صافية فخرجت الاستخارة جيدة فتوجهنا جميعا من جبل عامل إلى بيروت في أواخر شهر رمضان من تلك السنة ومنها بحرا إلى اسكندرونة ومنها في العربات إلى حلب فبقينا فيها نحوا من 15 يوما وفيها خسف القمر ليلة 15 من شوال وعلى مقتضى عيد ل بيروت وخلافهم يلزم ان يكون خسفه ليلة 16 ووجدنا في حلب المكارية العراقيين قد حملوا الحجاج إلى حلب ويريدون الرجوع ولا يجدون ما يحملون فاكترينا منهم بأرخص
الأجور ووجدنا معهم كلما يحتاجه المسافر من خيام وقرب ومبارز ومناصب
للنيران وعكامين وغير ذلك فأخذن بأبخس ثمن وذهب معنا العكامون بقوت بطونهم. ومرض المترجم في الطريق ثم شفي بإذنه تعالى وبقينا في الطريق ثلاثين يوما والسير منها في 25 يوما فقط وكان طريقنا على دير الزور حتى وردنا الكاظمية وذهبنا للزيارة في سامرا وأدركنا زيارة عرفة في كربلا وذهبنا منها إلى النجف. وكان المترجم شريكنا في الدرس فقرأنا الرسائل على الشيخ شريعة الأصفهاني وكان شريكنا في درس الأصول الخارج ليلا عند الشيخ ملا كاظم الخرأساني وفي درسي الفقه خارجا عند الشيخ آقا رضا الهمذاني والشيخ محمد طه نجف وبعد ما بقينا في النجف نحوا من عشر سنوات ونصف سنة عدنا جميعا إلى جبل عامل.
وقد شهد باجتهاد المترجم كل من الشيخ آقا رضا والشيخ محمد طه نجف والسيد محمد ابن السيد محمد تقي الطباطبائي آل بحر العلوم.
ويروي إجازة عن الآخرين وأقام المترجم في وطن آبائه وأجداده طيردبا في ساحل صور ورأس واجتمع عليه الطلاب للدرس وتخرج به جماعة منهم الشيخ محمد عسيلي العاملي وابن عمه الشيخ عبد الكريم ابن الشيخ محمود مغنية وغيرهم كثيرون وقضى بين الخصوم وانتفع العامة والخاصة بعلمه وارشاده وجه.
أشعاره
قال يرثي الفقيه الشيخ عبد الله آل نعمة العاملي الجبعي ويعزي عنه الفقيه الشيخ موسى شرارة وولد المتوفي الشيخ حسن والفاضل الرئيس الشيخ علي الحر رحمهم الله جميعا:
زال فانهالت الجبال انهيالا | طود حلم على السماء تعالى |
ولقد زلزل البسيطة خطب | طبق الأرض سهلها والجبالا |
حيث جاءت به الليالي مصابا | أورث الناس دهشة وخبالا |
كان بدرا للمجتلين منيرا | وهلالا إذ يفقدون الهلالا |
وغياثا للمجتدين مريعا | وثمالا إذ يعدمون الثمالا |
وإذا ما احتبى بدست ترم | خشعا منه هيبة وجلالا |
قل لمن يبتغي محامد عبد الله | حصرا لقد بغيت محالا |
أفهل تستطيع تحصر زخر البحر | أو تستطيع تحصي الرمالا |
حملوه وأثاقل النعش فيه | فاستخفوا به الجبال الثقالا |
هل درى حاملوه بالنعش ان قد | حملوا الدين والهدى والكمالا |
أم درى مودعوه في اللحدان قد | أودعوا حكمة الإله تعالى |
أم درى هائل التراب عليه | ان فوق العلا التراب الا |
فلئن نالت المنايا منا | فمساعيه في الورى لن تنالا |
ولئن ناله الزمان بسهم | فلكم للزمان راش نبالا |
ولئن سود البلاد مصابا | فلقد بيض الكتاب فعالا |
ولئن ضمه مضيق ضريح | فلكم أوسع البرايا نوالا |
يا عمادا به الشريعة قامت | ووهت مذ وهى العماد ومالا |
لا تخف مذ وهت عليها انتفاضا | قد أبى الله نقضها والزوالا |
جعل الله منك موسى دعاما | حافظا سقفها به ان يطالا |
قام عرش الدين الحنيفي فيه | وهو لولاه كان ثل انثلالا |
وحما به فصان حما | واستقرت به فعزت منالا |
علم الله ان عامل تحتاج | إلى من يقوم الأعمالا |
فأجال الرجال جول قداح | فراضي الرجال خصالا |
وبوادي الغري لا طور سيناء | تجلى له الإله تعالى |
لا ولا قال في ظلال شعيب | بل بظل العلى استراح وقالا |
فإذا ما أتيت وادي طو | وحم فاخلع هناك النعالا |
وإذا ما الرجال لجلجها العي | حجاجا فلن تحير مقالا |
وعرتهم عمياء وعر إذا ما | سلكوها كان السلوك ضلالا |
كان داود في الحكومة ينفي | كان لبس ويوضح الاشكالا |
فجرى في العلاء يمشي خفيفا | ومشوا فيه ظالعين هزلا |
ورقى وهو لم يوف ثلاثا | وثلاثين مرتقى لن ينالا |
فتر ماء يسوع شرابا | وترى غيره سرابا وآلا |
وإذا ما الغمام جف حياة أن | بالندى يد انهمالا |
أيها الراكب المغلس يمم | حسنا والق في حم الرحالا |
فهو قصد الأنام بعد أبيه | وكذا الشبل يخلف الريبالا |
حسن الخلق أنت ان جل خطب | كنت للناس ملجا ومالا |
لا عرتك الخطوب من بعدها قط | ولا في حماك شدت عقالا |
وبربع العلي أنت فعرج | فهو المرتجي إذا الخطب هالا |
ماجد مفرد تجمع فيه | شاردات العلى فعز مثالا |
طاب فرعا مذ طاب أصلا فأمسي | طيب المحتدين عما وخالا |
أرى الدنيا على عجل تزول | ولا يبقى بساحتها نزيل |
وما هي للمقيم بدار لبث | ولا لا لظعيتها أبدا قفول |
تدور بلها كأس المنايا | كما دارت بشاربها الشمول |
ونحن بها إلى أجل قريب | يرينا بعده أمل طويل |
وان الموت غاية كل حي | وأيام الحياة لها سبيل |
فلا بطل تمنعه العوالي | ولا أسد الشري يحميه غيل |
ولا ينجو لعزته عزيز | ولا يبقى لذلته ذليل |
فقل للغافلين على غرور | الا هبوا فقد أزف الرحيل |
الا لله ما صنعت بنفسي | مصائب ليس يحملها حمول |
فجعت بكل وضاح المحيا | كان جبينه سيف صقيل |
وزرء محمد أودى بصبري | وهاج به لي الداء الدخيل |
كريم الأصل من سروات قوم | بهم يستدفع الخطب الجليل |
علا من دوحة العلياء فرعا | فلما طال عاجله الذبول |
وأشرق من سماء المجد بدرا | فلما تم أدركه الأفول |
مضى من كان للغافلين غيثا | إذا ما أجدب العام المحيل |
مضى وأقام في الأحشاء منه | جوى بين الجوانح لا يزول |
لقد فقد الأنام به حساما | على نوب الزمان به نصول |
تعاجل نصله قدر متاح | فعاد وفي مضاربه فلول |
جبل هوى في عامل فتزايلت | في كل ناحية له أجبالها |
تنعى الشريعة كهفها وعمادها | من في يديه حرامها وحلالها |
ورقت به فوق الثريا منزلا | همم تدوس النيرات نعالها |
فغدا منارا للبرية هاديا | تهدى به من غيها ضلالها |
قاد البرية لا بتجريد الظبا | أو بالقنا اللاتي شر عن طوالها |
لكن بخلق مثل أزهار الربى | وبعزمة لا يستطاع منالها |
وإذا السنون الشهب أقلع مزنها | يوما وهب من الرياح شمالها |
فاضت يد بأبحر زخارة | عم البرية كلها سلسالها |
سكن الثرى فهو البعيد وذاته | بالفكر باق لا يزال خيالها |
يا بلغة السارين انى اتهمت | أو انجدت في السائرين جمالها |
اني استطاع بان ينازلك الردى | أو يستطاع من الليوث نزالها |
حملوا سريرك فاستخفوا حمله | اني يخف من الجبال ثقالها |
عهد علي فليس بعدك منطقي | يلد القوافي المستنير هلالها |
أأب أنت لها إذا عظمت وان | دهم الورى غصص فأنت بلالها |
أفرع لها صبرا وكن متمسكا | بالعروة الوثقى الشديد حبالها |
طوى مطمئن النفس صفحة أعوام | يكفكف من غربي هموم وأسقام |
يكافح لكن في لبوس من الأسى | عداءهما لا في لبوس من اللام |
فما غيرا منه طلاقة ماجد | طليق المحيا رائع الحزم مقدام |
إلى أن قضى لا ون العزم نحبه | ولا شاكيا يوما تباريح آلام |
ومن غمرت تقوى المهيمن قلبه | فهيهات يثني جيده داء أجسام |
مشى الداء يسري في حنايا ضلوعه | كمشية ضرغام جرئ لضرغام |
وأمعن فيه فتك لا مترفق | بنجعة هلاك وملجأ أيتام |
ومن كحسين في جميل اصطباره | إذا حلقت بالصبر أحداث أيام |
وكان حسين كالحسين بصبره | وان لم يمت ما بين كر واقدام |
فقدن فقدان الربيع وراءه | وفقد جديب الأرض صوب الحيا الهامي |
فقدن والدنيا تموج نوائبا | كما ماج في تياره الأخضر الطامي |
ولم تخطئ الداف يوما رماتها | إذا أخطأت دافها أسهم الرامي |
وحيث الظبى تستل والسمر شرع | وكل صعيد من دماء الورى دامي |
امام على التقوى يلوث ازاره | وما لاثه يوما على وزر آثام |
لقد كان غيث المسلمين وغوثهم | كما كان للاسلام كعبة اسلام |
وما طاف في أجفانه طائف الكرى | وان زاره يوما فزورة إلمام |
لقد كان مأمون البوادر لا يرى | به مغمز يوما لعاب ولا ذام |
وقد كان في يوم الحكومات حيث لا | تصيب النهى أحكامها باب احكام |
أمينا على فصل القضايا كأنما | استمد القضاء الفصل من فيض إلهام |
بصير بحل المشكلات وما التوت | له حجة يوما بنقض وابرام |
خؤولته خير الخئولات محتدا | وأعمامه في الدهر أكرم أعمام |
نضا بردة العيش الحسين زهادة | غداة ر مثل أضغاث أحلام |
كان جميرا مشت بسريره | تزاحم اقدام مواطئ أقدام |
صفوف صلاة أو صلات طوائفا | بأفضل صوام على الخير قوام |
وحشد حجيج طائفين حياله | طوافهم بالبيت أحلاس احرام |
طووه على رغم المعالي بحفرة | بها طوى الإسلام والشرف النامي |
عزاء بنيه انما الموت غاية | ولم ينج منه حاسرا أو أخو لام |
وليست بمنجي منه شهب طوالع | وشامخ اعلام وراسخ رام |
وصبرا خليل الفضل عن خير راحل | فأنت منى قطر وبلغة أقوام |
وحيا ثرى ضم الحسين برمسه | ملث من الرضوان دائم تسجام |
على غير ماوى أتيت مودعا | أبا كان للغرا إماما ومرجعا |
بكاك كتاب الله والسنة التي | حملت لوا مدة العمر أجمعا |
فكنت لها دون البرية حافظا | تهب لداعي الحق بالحق ان دعا |
بكى ذلك المحراب حزنا لفقده | امام الهدى جم الفضائل أورعا |
أجل ان ناي عنا الحسين فشبله | مكان الذي تهوى الرياسة مفزعا |
خليل ومن مثل الخليل بفضله | على خير ما تهوى الفضيلة مرجعا |
ترى الصدق والإخلاص والفضل | والتقى وسبل الهدى فيه تجمعن أجمعا |
فم عز شرعة أحمد بحماها | ومنار حجتها وقطب رحا |
المعتلي هام الأثير ومن إلى | علي كل كريمة تتنى |
والمانح الهدي الصحيح لأمة | كادت تضل طريقها وهدا |
والثابت الإقدام عند مزالق | العصم خوف هلاكها تأبا |
مرت به التسعون وهو أمامها | الهادي السبيل الفذ ابن جلا |
ما زال مذ عقدت يد ازاره | يرتاد أبعد غاية أسما |
حتى ارتقى رتبا تقاعس دونها | كل البرية شيخها وفتا |
سل عنه اعلام الشريعة والهدى | تنبئك حقا انه أقضا |
وأسدها رأيا إذا ما مشكل | حارت بحل دقيقة علما |
هذه الروضة أضحت مرقدا | ومقاما لرئيس العلما |
هي في الأرض ولكن قدرها | فاق في رفعته هام السما |
وهو فيها راقد لكنما | شخصه في كل قلب رسما |
طيها يعبق مسكا والسنا | قد تجلى فجلى ليل العمى |
تهبط الرحمة فيها دائما | وبها الله عليه سلما |
أيها السائر مهلا فهنا | يقف الركب لنيل البركات |
ههنا يرقد من كان له | مجلس الأحكام فوق النيرات |
وهنا يرقد ذو القدس الذي | لم يدنس برده في الشبهات |
عيلم العلم الذي في علمه | هتك الجهل وأجلى الظلمات |
فعليه رحمة فياضة | تتوالى في صباح وغداة |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 6- ص: 103