الأمير أبو الفتح الحسين بن عبد الله بن أحمد بن عبد الجبار المعروف بابن أبي حصينة المعري
توفي بسروج منتصف شعبان سنة 457
ذكره ياقوت في معجم الأدباء ووصفه بالأديب الشاعر ويدل ما أورده من شعره أنه كان شاعرا مجيدا. وذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق فقال:
الحسين بن عبد الله ابن أبي حصينة المعري شاعر مشهور قدم دمشق وحضر وفاة القاضي أبي يعلى حمزة بن الحسين بن العباس الحسيني ورثاه بقصيدة وذكر منها أبياتا تأتي ويمكن أن يستدل على تشيعه بالأبيات الآتية وان قالها في الخلفاء الفاطميين مع اتصاله بأمراء الشيعة من آل منقذ وغيرهم وإحسانهم الجزيل إليه. وفي معجم الأدباء: كان سبب تقدمه ونواله الإمارة أن الأمير تاج الدولة ابن مرداس أوفده إلى حضرة المستنصر العبيدي رسولا سنة 437 فمدح المستنصر بقصيدة قال فيها:
ظهر الهدى وتجمل الإسلام | وابن الرسول خليفة وإمام |
مستنصر بالله ليس يفوته | طلب ولا يعتاص عنه مرام |
حاط العباد وبات يسهر عينه | وعيون سكان البلاد نيام |
قصر الإمام أبي تميم كعبة | ويمينه ركن لها ومقام |
لولا بنو الزهراء ما عرف التقى | فينا ولا تبع الهدى الأقوام |
يا آل أحمد ثبتت أقدامكم | وتزلزلت بعداكم الإقدام |
لستم وغيركم سواء أنتم | للدين أرواح وهم أجسام |
يا آل طه حبكم وولاؤكم | فرض وان عذل اللحاة ولاموا |
أما الإمام فقد وفى بمقاله | صلى الإله على الإمام وآله |
لذنا بجانبه فعم بفضله | وببذله وبصفوه وجماله |
لا خلق أكرم من معد شيمة | محمودة في قوله وفعاله |
فاقصد أمير المؤمنين فما ترى | بؤسا وأنت مظلل بظلاله |
زاد الإمام على البحور بفضله | وعلى البدور بحسنه وجماله |
وعلا سرير الملك من آل الهدى | من لا تمر الفاحشات بباله |
النصر والتأييد في إعلامه | ومكارم الأخلاق في سرباله |
مستنصر بالله ضاق زمانه | عن شبهه ونظيره ومثاله |
قد كان صبري عيل في طلب العلا | حتى استندت إلى ابن اسماعيلا |
فظفرت بالخطر الجليل ولم يزل | يحوي الجليل من استعان جليلا |
لولا الوزير أبو علي لم أجد | أبدا إلى الشرف العلي سبيلا |
إن كان ريب الدهر قبح ما مضى | عندي فقد صار القبيح جميلا |
اليوم أدركت الذي أنا طالب | والأمس كان طلابه تعليلا |
سرى طيف هند والمطي بنا تسري | فأخفى دجى ليل وأبدى سنا فجر |
خليلي فكأني من الهم واركبا | فجاج البوادي الغبر في النوب الغمر |
إلى ملك من عامر لو تمثلت | مناقبه أغنت عن الأنجم الزهر |
إذا نحن أثنينا عليه تلفتت | إلينا المطايا مصغيات إلى الشكر |
وفوق سرير الملك من آل صالح | فتى ولدته أمه ليلة القدر |
فتى وجهه أبهى من البدر منظرا | وأخلاقه أشهى من الماء والخمر |
أبا صالح أشكو إليك نوائبا | عرتني كما يشكو النبات إلى القطر |
لتنظر نحوي نظرة أن نظرتها | إلى الصخر فجرت العيون من الصخر |
وفي الدار خلفي صبية قد تركتهم | يطلون أطلال الفراخ من الوكر |
جنيت على روحي بروحي جناية | فأثقلت ظهري بالذي خف من ظهري |
فهب هبة يبقى عليك ثناؤها | بقاء النجوم الطالعات التي تسري |
كفي ملامك فالتبريح يكفيني | أو جربي بعض ما ألقى ولوميني |
برمل يبرين أصبحتم فهل علمت | رمال يبرين أن الشوق يبريني |
أهوى الحسان وخوف الله يردعني | عن الهوى والعيون النجل تغويني |
ما بال أسماء تلويني مواعدها | أكل ذات جمال ذات تلوين |
كان الشباب إلى هند يقربني | وشاب رأسي فصار اليوم يقصيني |
يا هند أن سواد الرأس يصلح الدنيا | وان بياض الرأس للدين |
لست امرءا غيبة الأحرار من شيمي | ولا النميمة من طبعي ولا ديني |
دعني وحيدا أعاني العيش منفردا | فبعض معرفتي بالناس تكفيني |
ما ضرني ودفاع الله يعصمني | من بات يهدمني والله يبنيني |
وما أبالي وصرف الدهر يسخطني | وسيب نعماك يا ابن الصيد يرضيني |
أبا سلامة عش واسلم حليف علا | وسؤدد بشعاع الشمس مقرون |
أشنا عداكم وأهوى أن أدين لكم | فللعدى دينهم فيكم ولي ديني |
دار بنيناها وعشنا بها | في دعة من آل مرداس |
قوم محوا بؤسي ولم يتركوا | علي في الأيام من باس |
قل البني الدنيا إلا هكذا | فليحسن الناس إلى الناس |
قل لبني الدنيا إلا هكذا | فليحسن الناس إلى الناس |
أهل المعرة تحت أقبح خطة | وبهم أناخ الخطب وهو جسيم |
لم يكفهم تأمير ابن حصينة | حتى تجند بعده الزقوم |
يا قوم قد سئمت لذاك نفوسنا | يا قوم أين الترك أين الروم |
أبت عبراته إلا أنهم إلا | عشية أزمع الحي ارتحالا |
أجدك كلما هموا بنأي | ترقرق ماء عينك ثم سالا |
تقاضينا مواعد أم عمرو | فضنت أن تنيل وان تنالا |
وسار خيالها الساري إلينا | فلو علمت لعاقبت الخيالا |
إذا بلغت ركائبنا قريشا | فقد بلغت بنا الماء الزلالا |
فتى لو مد نحو الجو باعا | وهم بان ينال الشهب نالا |
إذا انتسب ابن بدران وجدنا | مناسبة العلية لا تعالى |
تتيه بها إذا ذكرت معد | وتكسب كل قيسي جمالا |
أيا علم الهدى نجوى محب | يحبكم اعتقادا لا انتحالا |
مننت فلم تجشمني عناء | وجدت فلم تكلفني سؤالا |
إذا عدم الزمان مسيبيا | أتاح الله للدنيا وبالا |
من عظيم البلاء موت العظيم | ليتني مت قبل موت الزعيم |
يا جفوني سحي دما أو فحمي | صحن خدي بعبرة كالحميم |
بعد خرق من الملوك كريم | ما زمان أودى به بكريم |
جعفري النصاب من صفوة الصفوة | والفخر والصميم الصميم |
يا أبا كامل برغمي أن | يشقيك سكنى التراب بعد النعيم |
أو تبيت القصور خالية منك | ومن وجهك الوضي الوسيم |
وانقراض الكرام من شيم الدهر | ومن عادة الزمان اللئيم |
قد بكت حسرة عليه المذاكي | وشكت فقده بنات الرسيم |
العلم بعد أبي العلاء مضيع | والأرض خالية الجوانب بلقع |
أودى وقد ملأ البلاد غرائبا | تسري كما تسري النجوم الطلع |
ما كنت أعلم وهو يودع في الثرى | إن الثرى فيه الكواكب تودع |
جبل ظننت وقد تزعزع ركنه | إن الجبال الراسيات تزعزع |
وعجبت أن تسع المعرة قبره | ويضيق بطن الأرض عنه الأوسع |
لو فاضت المهجات يوم وفاته | ما استكثرت فيه فكيف الأدمع |
تتصرم الدنيا ويأتي بعده | أمم وأنت بمثله لا تسمع |
لا تجمع المال العتيد وجد به | من قبل تركك كل شيء تجمع |
وان استطعت فسر بسيرة أحمد | تأمن خديعة من يغر ويخدع |
رفض الحياة ومات قبل مماته | متطوعا بأبر ما يتطوع |
عين تسهد للعفاف وللتقى | أبدا وقلب للمهيمن يخشع |
شيم تجمله فهن لمجده | تاج ولكن بالثناء ترصع |
جادت ثراك أبا العلاء غمامة | كندى يديك ومزنة لا تقلع |
ما ضيع الباكي عليك دموعه | إن البكاء على سواك مضيع |
قصدتك طلاب العلوم ولا أرى | للعلم بابا بعد بابك يقرع |
مات النهى وتعطلت أسبابه | وقضى العلا والعلم بعدك أجمع |
هوى الشرف العالي بموت أبي يعلى | ولا غر أن جلت رزية من جلا |
سيصلى بنار الحزن من كان آمنا | به أنه في الحشر بالنار لا يصلى |
تحلت به الدنيا فحل به الردى | فعطلها من ذلك الحلي من حلا |
فقدناه فقد الغيث أقلع وبله | عن الأرض لما أنفذت ذلك الوبلا |
لقد فل منه الدهر حد مهند | تركنا به كل حد له نصلا |
فلست أبالي بعده أي عابر | من الناس أملى الله مدته أم لا |
تقل دموعي والهموم كثيرة | كذاك دخان النار أن كثرت قلا |
وآنف أن أبكي عليك بعبرة | إذا لم يكن غربا من الدمع أو سجلا |
أمثل قرواش يذوق الردى | يا صاح ما أوقح وجه الحمام |
حاشا لذاك الوجه أن يعرف | البؤس وان يختشى عليه الرغام |
وللجبين الصلت أن يسلب | البهجة أو يعدم حسن الوسام |
يا أسف الناس على ماجد | مات فقال الناس مات الكرام |
غير بعيد يا بعيد الندى | ولا ذميم يا وفي الذمام |
زلت فلا القصر بهي ولا | بابك معمور كثير الزحام |
ولا الخيام البيض منصوبة | بوركت يا ناصب تلك الخيام |
قبحا لدينا حطمت أهلها | وأخذتهم باكتساب الحطام |
تأخذ ما تعطي فما بالنا | نكثر فيما لا يدوم الخصام |
يا قبر قرواش سقيت الحيا | ولا تعدتك غوادي الغمام |
قضى ولم اقض على أثره | أني لمن ترك الوفا ذو احتشام |
انظم شعرا والجوى شاغلي | يا عجبا كيف استقام الكلام |
ديار الحق مقفرة يباب | كان رسوم دمنتها كتاب |
نأت عنها الرباب وبات يهمي | عليها بعد ساكنها الرباب |
تعاتبني إمامة في التصابي | وكيف به وقد فات الشباب |
نضا مني الصبا ونضوت منه | كما ينضو من الكف الخضاب |
إلى نصر وأي فتى كنصر | إذا حلت بمغناه الركاب |
أمنتهك الفرنج غداة ظلت | حطاما فيهم السفر الصلاب |
جنودك لا يحيط بهن وصف | وجودك لا يحصله حساب |
وذكرك كله ذكر جميل | وفعلك كله فعل عجاب |
وارمانوس كان أشد بأسا | وحل به على يدك العذاب |
أتاك يجر بحرا من حديد | له في كل ناحية عباب |
إذا سارت كتائبه بأرض | تزلزلت الأباطح والهضاب |
فعاد وقد سلبت الملك عنه | كما سلبت عن الميت الثياب |
فما أدناه من خير مجيء | ولا أقصاه عن شر ذهاب |
فلا تسمع بطنطنة الأعادي | فأنهم إذا طنوا ذباب |
ولا ترفع لمن عاداك رأسا | فان الليث تنبحه الكلاب |
أشد من فاقه الزمان | مقام حر على هوان |
فاسترزق الله واستعنه | فإنه خير مستعان |
وإن نبا منزل بحر | فمن مكان إلى مكان |
بكت علي غداة البين حين رأت | دمعي يفيض وحالي حال مبهوت |
فأدمعي ذوب ياقوت على ذهب | ودمعها ذوب در فوق ياقوت |
لا تخد عنك بعد طول تجارب | دنيا تغر بوصلها وستقطع |
أحلام نوم أو كظل زائل | إن اللبيب بمثلها لا يخدع وقال يمدح |
لو أن دارا أخبرت عن ناسها | لسالت رامة عن وباء كناسها |
بل كيف تخبر دمنة ما عندها | علم بوحشتها ولا ايناسها |
ممحوة العرصات يشغلها البلى | عن ساحبات المرط فوق دهاسها |
وزمان لهو بالمعرة مونق | بشياتها وبجانبي هرماسها |
أيام قلت لذي المودة استقني | من خندريس حناكها أو حاسها |
حمراء تغنينا بساطع لونها | في الليلة الظلماء عن نبراسها |
وكأنما حبب المزاج إذا طفا | در ترصع في جوانب طاسها |
رقت بما أدري أكأس زجاجها | في جسمها أم جسمها في كاسها |
وكأنما زرجونة جاءت بها | سقيت مذاب التبر عند غراسها |
فاتت مشعشعة كجذوة قابس | راعت اكف القوم عند مساسها |
لله أيام الصبا ونعيمها | وزمان جدتها ولين مراسها |
ما لي تعيب البيض بيض مفارقي | وسبيلها تصبو إلى أجناسها |
نور الصباح إذا الدجنة أظلمت | أبهى وأحسن من دجى أغلاسها |
إن الهوى دنس النفوس فليتني | طهرت هذي النفس من أدناسها |
ومطامع الدنيا تذل ولا أرى | شيئا أعز لمهجة من ياسها |
من عف لم يذمم ومن تبع الخنا | لم تخله التبعات من أوكاسها |
زين خصالك بالسماح ولا ترد | دنيا تراك وأنت بعض خساسها |
ومتى رأيت يد امرئ ممدودة | تبغي مؤاساة الكريم فواسها |
خير الأكف السابقات بجودها | كف تجود عليك في افلاسها |
أما نزار فكلها لكريمة | لكن أكرمها بنو مرداسها |
إذا المرء لم يرض ما أمكنه | ولم يأت من أمره أحسنه |
فدعه فقد ساء تدبيره | سيضحك يوم ويبكي سنه |
الدهر خداعه خلوب | وصفوه بالقذى مشوب |
فلا تغرنك الليالي | فبرقها خلب كذوب |
وأكثر الناس فاعتزلهم | قوالب ما لها قلوب |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 6- ص: 66
الحسين بن عبد الله بن أحمد بن عبد الجبار الأمير أبو الفتح المعروف بابن أبي حصينة المعري الأديب الشاعر توفي بسروج في منتصف شعبان سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وكان سبب تقدمه ونواله الامارة أن الامير تاج الدولة ابن مرداس أوفده إلى حضرة المستنصر العبيدي رسولا سنة سبع وثلاثين وأربعمائة فمدح المستنصر بقصيدة قال فيها:
ظهر الهدى وتجمل الاسلام | وابن الرسول خليفة وإمام |
مستنصر بالله ليس يفوته | طلب ولا يعتاص عنه مرام |
حاط العباد وبات يسهر عينه | وعيون سكان البلاد نيام |
قصر الإمام أبي تميم كعبة | ويمينه ركن لها ومقام |
لولا بنو الزهراء ما عرف التقى | فينا ولا تبع الهدى الأقوام |
يا آل أحمد ثبتت أقدامكم | وتزلزلت بعداكم الأقدام |
لستم وغيركم سواء، أنتم | للدين أرواح، وهم أجسام |
يا آل طه حبكم وولاؤكم | فرض وإن عذل اللحاة ولاموا |
أما الامام فقد وفى بمقاله | صلى الإله على الامام وآله |
لذنا بجانبه فعم بفضله | وببذله وبصفوه وجماله |
لا خلق أكرم من معد شيمة | محمودة في قوله وفعاله |
فاقصد أمير المؤمنين فما ترى | بؤسا وأنت مظلل بظلاله |
زاد الامام على البحور بفضله | وعلى البدور بحسنه وجماله |
وعلا سرير الملك من آل الهدى | من لا تمر الفاحشات بباله |
النصر والتأييد في أعلامه | ومكارم الأخلاق في سرباله |
مستنصر بالله ضاق زمانه | عن شبهه ونظيره ومثاله |
قد كان صبري عيل في طلب العلا | حتى استندت إلى ابن إسماعيلا |
فظفرت بالخطر الجليل ولم يزل | يحوي الجليل من استعان جليلا |
لولا الوزير أبو علي لم أجد | أبدا الى الشرف العلي سبيلا |
إن كان ريب الدهر قبح ما مضى | عندي فقد صار القبيح جميلا |
وأجل ما جعل الرجال صلاتهم | للراغبين العز والتبجيلا |
اليوم أدركت الذي أنا طالب | والأمس كان طلابه تعليلا |
سرى طيف هند والمطي بنا تسري | فأخفى دجى ليل وأبدى سنا فجر |
حليلي فكاني من الهم واركبا | فجاج البوادي الغبر في النوب الغمر |
إلى ملك من عامر لو تمثلت | مناقبه أغنت عن الأنجم الزهر |
إذا نحن أثنينا عليه تلفتت | إلينا المطايا مصغيات الى الشكر |
وفوق سرير الملك من آل صالح | فتى ولدته أمه ليلة القدر |
فتى وجهه أبهى من البدر منظرا | وأخلاقه أشهى من الماء والخمر |
أبا صالح أشكو إليك نوائبا | عرتني كما يشكو النبات إلى القطر |
لتنظر نحوي نظرة إن نظرتها | إلى الصخر فجرت العيون من الصخر |
وفي الدار خلفي صبية قد تركتهم | يطلون إطلال الفراخ من الوكر |
جنيت على روحي بروحي جناية | فأثقلت ظهري بالذي خف من ظهري |
فهب هبة يبقى عليك ثناؤها | بقاء النجوم الطالعات التي تسري |
كفي ملامك فالتبريح يكفيني | أو جربي بعض ما ألقى ولوميني |
برمل يبرين أصبحتم فهل علمت | رمال يبرين أن الشوق يبريني |
أهوى الحسان وخوف الله يردعني | عن الهوى والعيون النجل تغويني |
ما بال أسماء تلويني مواعدها | أكل ذات جمال ذات تلوين |
كان الشباب إلى هند يقربني | وشاب رأسي فصار اليوم يقصيني |
يا هند إن سواد الرأس يصلح لل | دنيا وإن بياض الرأس للدين |
لست امرءا غيبة الأحرار من شيمي | ولا النميمة من طبعي ولا ديني |
دعني وحيدا أعاني العيش منفردا | فبعض معرفتي بالناس تكفيني |
ما ضرني ودفاع الله يعصمني | من بات يهدمني والله يبنيني |
وما أبالي وصرف الدهر يسخطني | وسيب نعماك يا ابن الصيد يرضيني |
أبا سلامة عش واسلم حليف علا | وسؤدد بشعاع الشمس مقرون |
أشنا عداكم وأهوى أن أدين لكم | فللعدى دينهم فيكم ولي ديني |
دار بنيناها وعشنا بها | في دعة من آل مرداس |
قوم محوا بؤسي ولم يتركوا | علي في الأيام من باس |
قل لبني الدنيا ألا هكذا | فليحسن الناس إلى الناس |
قل لبني الدنيا ألا هكذا | فليحسن الناس الى الناس |
أهل المعرة تحت أقبح خطة | وبهم أناخ الخطب وهو جسيم |
لم يكفهم تأمير إبن حصينة | حتى تجند بعده الزقوم |
يا قوم قد سئمت لذاك نفوسنا | يا قوم أين الترك أين الروم |
أبت عبراته إلا انهمالا | عشية أزمع الحي ارتحالا |
أجدك كلما هموا بنأي | ترقرق ماء عينك ثم سالا |
تقاضينا مواعد أم عمرو | فضنت أن تنيل وأن تنالا |
وسار خيالها الساري إلينا | فلو علمت لعاقبت الخيالا |
إذا بلغت ركائبنا قريشا | فقد بلغت بنا الماء الزلالا |
فتى لو مد نحو الجو باعا | وهم بأن ينال الشهب نالا |
إذا انتسب ابن بدران وجدنا | مناسبه العلية لا تعالى |
تتيه بها إذا ذكرت معد | وتكسب كل قيسي جمالا |
أيا علم الهدى نجوى محب | يحبكم اعتقادا لا انتحالا |
مننت فلم تجشمني عناء | وجدت فلم تكلفني سؤالا |
إذا عدم الزمان مسيبيا | أتاح الله للدنيا وبالا |
من عظيم البلاء موت العظيم | ليتني مت قبل موت الزعيم |
يا جفوني سحي دما أو فحمي | صحن خدي بعبرة كالحميم |
بعد خرق من الملوك كريم | ما زمان أودى به بكريم |
جعفري النصاب من صفوة الصف | وة في الفخر والصميم الصميم |
يا أبا كامل برغمي أن يش | قيك سكنى التراب بعد النعيم |
أو تبيت القصور خالية من | ك ومن وجهك الوضيء الوسيم |
وانقراض الكرام من شيم الده | ر ومن عادة الزمان اللئيم |
قد بكت حسرة عليه المذاكي | وشكت فقده بنات الرسيم |
العلم بعد أبي العلاء مضيع | والأرض خالية الجوانب بلقع |
أودى وقد ملأ البلاد غرائبا | تسري كما تسري النجوم الظلع |
ما كنت أعلم وهو يودع في الثرى | أن الثرى فيه الكواكب تودع |
جبل ظننت وقد تزعزع ركنه | أن الجبال الراسيات تزعزع |
وعجبت أن تسع المعرة قبره | ويضيق بطن الأرض عنه الأوسع |
لو فاضت المهجات يوم وفاته | ما استكثرت فيه فكيف الأدمع |
تتصرم الدنيا ويأتي بعده | أمم وأنت بمثله لا تسمع |
لا تجمع المال العتيد وجد به | من قبل تركك كل شيء تجمع |
وإن استطعت فسر بسيرة أحمد | تأمن خديعة من يضر ويخدع |
رفض الحياة ومات قبل مماته | متطوعا بأبر ما يتطوع |
عين تسهد للعفاف وللتقى | أبدا وقلب للمهيمن يخشع |
شيم تجمله فهن لمجده | تاج ولكن بالثناء يرصع |
جادت ثراك أبا العلاء غمامة | كندى يديك ومزنة لا تقلع |
ما ضيع الباكي عليك دموعه | إن البكاء على سواك مضيع |
قصدتك طلاب العلوم ولا أرى | للعلم بابا بعد بابك يقرع |
مات النهى وتعطلت أسبابه | وقضى العلا والعلم بعدك أجمع |
هوى الشرف العالي بموت أبي يعلى | ولا غرو أن جلت رزية من جلا |
سيصلى بنار الحزن من كان آمنا | به أنه في الحشر بالنار لا يصلى |
تحلت به الدنيا فحل به الردى | فعطلها من ذلك الحلي من حلى |
فقدناه فقد الغيث أقلع وبله | عن الأرض لما أنفدت ذلك الوبلا |
لقد فل منه الدهر حد مهند | تركنا به في كل حد له نصلا |
فلست أبالي بعده أي عابر | من الناس أملى الله مدته أم لا |
تقل دموعي والهموم كثيرة | كذاك دخان النار ان كثرت قلا |
وآنف أن أبكي عليك بعبرة | إذا لم يكن غربا من الدمع أو سجلا |
أمثل قرواش يذوق الردى | يا صاح ما أوقح وجه الحمام |
حاشا لذاك الوجه أن يعرف ال | بؤس وأن يحثى عليه الرغام |
وللجبين الصلت أن يسلب ال | بهجة أو يعدم حسن الوسام |
يا أسف الناس على ماجد | مات فقال الناس مات الكرام |
غير بعيد يا بعيد الندى | ولا ذميم يا وفي الذمام |
زلت فلا القصر بهي ولا | بابك معمور كثير الزحام |
ولا الخيام البيض منصوبة | بوركت يا ناصب تلك الخيام |
قبحا لدنيا حطمت أهلها | وأخذتهم باكتساب الحطام |
تأخذ ما تعطي فما بالنا | نكثر فيما لا يدوم الخصام |
يا قبر قرواش سقيت الحيا | ولا تعدتك غوادي الغمام |
قضى ولم أقض على إثره | إني لمن ترك الوفا ذو احتشام |
أنظم شعرا والجوى شاغلي | يا عجبا كيف استقام الكلام |
ديار الحق مقفرة يباب | كأن رسوم دمنتها كتاب |
نأت عنها الرباب وبات يهمي | عليها بعد ساكنها الرباب |
تعاتبني أمامة في التصابي | وكيف به وقد فات الشباب |
نضا مني الصبا ونضوت منه | كما ينضو من الكف الخضاب |
إلى نصر وأي فتى كنصر | إذا حلت بمغناه الركاب |
أمنتهك الفرنج غداة ظلت | حطاما فيهم السمر الصلاب |
جنودك لا يحيط بهن وصف | وجودك لا يحصله حساب |
وذكرك كله ذكر جميل | وفعلك كله فعل عجاب |
وأرمانوس كان أشد بأسا | وحل به على يدك العذاب |
أتاك يجر بحرا من حديد | له في كل ناحية عباب |
إذا سارت كتائبه بأرض | تزلزلت الأباطح والهضاب |
فعاد وقد سلبت الملك عنه | كما سلبت عن الميت الثياب |
فما أدناه من خير مجيء | ولا أقصاه عن شر ذهاب |
فلا تسمع بطنطنة الأعادي | فانهم إذا طنوا ذباب |
ولا ترفع لمن عاداك رأسا | فإن الليث تنبحه الكلاب |
أشد من فاقة الزمان | مقام حر على هوان |
فاسترزق الله واستعنه | فإنه خير مستعان |
وان نبا منزل بحر | فمن مكان إلى مكان |
بكت علي غداة البين حين رأت | دمعي يفيض وحالي حال مبهوت |
فدمعتي ذوب ياقوت على ذهب | ودمعها ذوب در فوق ياقوت |
لا تخدعنك بعد طول تجارب | دنيا تغر بوصلها وستقطع |
«أحلام نوم أو كظل زائل | إن اللبيب بمثلها لا يخدع» |
لو أن دارا أخبرت عن ناسها | لسألت رامة عن ظباء كناسها |
بل كيف تخبر دمنة ما عندها | علم بوحشتها ولا إيناسها |
ممحوة العرصات يشغلها البلى | عن ساحبات المرط فوق دهاسها |
وزمان لهو بالمعرة مونق | بسياثها وبجانبي هرماسها |
أيام قلت لذي المودة أسقني | من خندريس حناكها أو حاسها |
حمراء تغنينا بساطع لونها | في الليلة الظلماء عن نبراسها |
وكأنما حبب المزاج إذا طفا | در ترصع في جوانب طاسها |
رقت فما أدري أكأس زجاجها | في جسمها أم جسمها في كاسها |
وكأنما زرجونة جاءت بها | سقيت مذاب التبر عند غراسها |
فأتت مشعشعة كجذوة قابس | راعت أكف القوم عند مساسها |
لله أيام الصبا ونعيمها | وزمان جدتها ولين مراسها |
ما لي تعيب البيض بيض مفارقي | وسبيلها تصبو إلى أجناسها |
نور الصباح إذا الدجنة أظلمت | أبهى وأحسن من دجى أغلاسها |
إن الهوى دنس النفوس فليتني | طهرت هذي النفس من أدناسها |
ومطامع الدنيا تذل ولا أرى | شيئا أعز لمهجة من ياسها |
من عف لم يذمم ومن تبع الخنا | لم تخله التبعات من أوكاسها |
زين خصالك بالسماح ولا ترد | دنيا تراك وأنت بعض خساسها |
ومتى رأيت يد امرئ ممدودة | تبغي مواساة الكريم فواسها |
خير الأكف السابقات بجودها | كف تجود عليك في إفلاسها |
أما نزار فكلها لكريمة | لكن أكرمها بنو مرداسها |
إذا المرء لم يرض ما أمكنه | ولم يأت من أمره أحسنه |
فدعه فقد ساء تدبيره | سيضحك يوما ويبكي سنه |
الدهر خداعة خلوب | وصفوه بالقذى مشوب |
فلا تغرنك الليالي | فبرقها خلب كذوب |
وأكثر الناس فاعتزلهم | قوالب ما لها قلوب |
دار الغرب الإسلامي - بيروت-ط 0( 1993) , ج: 3- ص: 1106