الشيخ عز الدين حسين بن عبد الصمد بن شمس الدين محمد بن علي بن حسين بن محمد

بن صالح العاملي الجبعي الحارثي الهمداني والد الشيخ البهائي

مولده ووفاته ومدفنه

في الرياض عن خط المترجم له أنه قال: مولد هذا الفقير الكاتب أول يوم من المحرم سنة 918 وكتب ولده الشيخ البهائي بخطه تحت مولد أبيه انتقل إلى دار القرار ومجاورة النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة الأطهار في 8 ربيع الأول سنة 984 فكان عمره 66 سنة وشهرين وسبعة أيام. وكانت وفاته بالبحرين بقرية المصلى من قرى هجر ودفن بها.

نسبته

الحارثي نسبة إلى الحارث ابن عبد الله الأعور الهمداني صاحب أمير المؤمنين عليه السلام ومن أخص أصحابه والهمداني نسبة إلى همدان بسكون الميم وبالدال قبيلة من اليمن وللحارث مع أمير المؤمنين عليه السلام أخبار كثيرة ذكرت في ترجمته.

أقوال العلماء في حقه

كان المترجم تلميذا للشهيد الثاني وهو صاحبه في سفر اسلامبول كما يأتي وأجازه الشهيد الثاني بإجازة طويلة مفصلة ذكرها بتمامها الشيخ يوسف البحراني في كشكوله وهي بتاريخ 941 قال فيها: ثم أن الأخ في الله المصطفى في الأخوة المختار المرتقي عن حضيض التقليد إلى أوج اليقين الشيخ الإمام العالم الأوحد ذا النفس الطاهرة الزكية والهمة الباهرة العلية والأخلاق الزاهرة الإنسية عضد الإسلام والمسلمين عز الدنيا والدين حسين ابن الشيخ الصالح العالم العامل المتفن المتفنن خلاصة الأخيار الشيخ عبد الصمد ابن الشيخ الإمام شمس الدين محمد الشهير بالجبعي أسعد الله جده وجدد سعده وكبت عدوه وضده ممن انقطع بكليته إلى طلب المعالي ووصل يقظة الأيام بإحياء الليالي حتى أحرز السبق في مجاري ميدانه وحصل بفضله السبق على سائر أترابه وأقرانه وصرف برهة من زمانه في تحصيل هذا العلم وحصل منه على أكمل نصيب وأوفر سهم فقرأ على هذا الضعيف وسمع كتبا كثيرة في الفقه والأصولين والمنطق وغيرها فمما قرأه من كتب أصول الفقه مبادئ الوصول وتهذيب الأصول من مصنفات الداعي إلى الله تعالى جمال الدين الحسن بن يوسف ابن المطهر قدس سره وشرح جامع البين في مسائل الشرحين للشيخ الإمام الأعلى شمس الدين محمد ابن مكي عرج الله بروحه إلى دار القرار وجمع بينه وبين أئمته الأطهار ومن كتب المنطق رسائل كثيرة منها الرسالة الشمسية للإمام نجم الدين الكاتبي القزويني وشرحها للإمام العلامة سلطان المحققين والمدققين قطب الدين محمد بن محمد بن أبي جعفر بن بابويه بويه الرازي أنار الله برهانه وأعلى في الجنان شانه ومما سمع من كتب الفقه كتاب الشرائع والإرشاد وقرأ جميع كتاب قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام من مصنفات شيخنا الإمام الأعلم أستاذ الكل في الكل جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر قراءة مهذبة محققة جمعت بين تهذيب المسائل وتنقيح الدلائل حسبما وسعته الطاقة واقتضت الحال وقرأ وسمع كتب أخرى. ما أردنا نقله منها. وفي أمل الآمل كان عالما ماهرا محققا مدققا متبحرا جامعا أديبا منشيءا شاعرا عظيم الشأن جليل القدر ثقة من فضلاء تلاميذه شيخنا الشهيد الثاني وقد أجازه الشهيد الثاني إجازة عامة مطولة مفصلة نقلنا منها كثيرا في هذا الكتاب وكان المحقق الكركي الشيخ علي بن عبد العالي أمر أهل عراق العجم وخرأسان أن يجعلوا الجدي حال الصلاة بين الكتفين وغير محاريب كثيرة فخالفه المترجم في ذلك وألف فيه رسالة سماها تحفة أهل الإيمان في قبلة عراق العجم وخرأسان لأن طول تلك البلاد يزيد على طول مكة كثيرا وكذا عرضها فليزم انحرافهم عن الجنوب إلى المغرب كثيرا ففي بعضها كالمشهد بقدر نصف المسافة خمسا وأربعين درجة وفي بعضها أكثر وفي بعضها أقل وكان سافر إلى خرأسان وأقام في هراة وكان شيخ الإسلام بها ثم انتقل إلى البحرين وبها مات سنة 984 وكن عمره 66 سنة. وفي رياض العلماء كان فاضلا عالما جليلا أصوليا متكلما فقيها محدثا شاعرا ماهرا في صنعة اللغز وله الغاز مشهورة خاطب بها ولده البهائي فأجابه هو بأحسن منها وهما مشهوران وفي المجاميع مسطوران وكان والده وجده أيضا من العلماء وكذا ولده الآخر الشيخ عبد الصمد وكان معظما عند الشاه طهماسب الصفوي بعد ما جاء إلى بلاد العجم لما توفي المحقق الشيخ علي الكركي وهو من القائلين بوجوب الجمعة في زمن الغيبة عينا والمواظبين على إقامتها في بلاد العجم لا سيما خرأسان وقال المولى مظفر علي أحد تلاميذ ولده البهائي في رسالته الفارسية التي عملها في أحوال شيخه البهائي على ما حكاه صاحب الرياض: وكان والد هذا الشيخ أي البهائي في زمانه من مشاهير فحول العلماء الأعلام والفقهاء الكرام وكان في تحصيل العلوم والمعارف وتحقيق مطالب الأصول والفروع مشاركا ومعاصرا للشهيد الثاني بل لم يكن له قدس الله سره في علم الحديث والتفسير والفقه والرياضي عديل في عصره وله فيها مصنفات. قوله مشاركا ومعاصرا للشهيد الثاني. لفظ المشاركة يستعمل عادة في المشاركة في الدرس عند الشيخ والمترجم له كان تلميذ الشهيد الثاني لا شريكه في الدرس نعم كان يقابل معه بعض كتب الحديث ولعل الاشتباه حصل من ترجمة العبارة الفارسية إلى العربية وهذا كما يأتي عن تاريخ عالم آراي عباسي من أنه كان مشاركا للشهيد الثاني في تصحيح الكتب وتحصيل مقدمات الاجتهاد واجبنا عنه هناك بما يمكن أن يجاب به هنا. وقال المولى نظام الدين محمد القرشي تلميذ ولده البهائي أيضا في كتابه نظام الأقوال في أحوال الرجال في حقه الحسين بن عبد الصمد بن محمد الجبعي الحارثي الهمداني الشيخ العالم الأوحد صاحب النفس الطاهرة الزكية والهمة الباهرة العلية والد شيخنا وأستاذنا ومن إليه في العلوم استنادنا أدام الله ظله البهي من أجلة مشايخنا قدس الله روحه الشريفة كان عالما فاضلا مطلعا على التواريخ ماهرا في اللغات مستحضرا للنوادر والأمثال وكان ممن جدد قراءة كتب الأحاديث ببلاد العجم له مؤلفات جليلة ورسالات جميلة. ويدل على اعتنائه بعلم الحديث أنه كتب التهذيب بخط يده وقابله مع شيخه الشهيد الثاني على النسخة التي بخط المؤلف. في الرياض رأيت نسخة التهذيب التي بخط المترجم وهي التي قابلها مع الشهيد الثاني بالنسخة التي بخط الشيخ الطوسي ورأيت مجلدين من النسخة التي بخط الشيخ الطوسي أيضا بين كتب الشهيد الثاني وعليها خط المترجم بأنه قابل بها. وقرأ فهرست الشيخ الطوسي على شيخه المذكور وصححه وضبطه واشتغل بذلك في شهر رمضان الذي تشتغل الناس فيه بالعبادة لأنهما رأيا أن ذلك من أفضل العبادات في الرياض رأيت نسخة من فهرست الشيخ الطوسي قرأها المترجم على الشهيد الثاني وكتب الشهيد الثاني بخطه في آخرها: أنهاه أيده الله تعالى وسدده وأدام مجده وأسعده قراءة وتصحيحا وضبطا في مجالس آخرها يوم الأحد منتصف شهر رمضان المبارك سنة 954 وأنا الفقير إلى الله تعالى زين الدين بن علي بن أحمد الشامي العاملي حامدا مصليا مسلما. وأنا رأيت هذه النسخة بعينها في طهران عام 1353 وعليها خط الشهيد الثاني المذكور كما ذكر، وهو خط جميل وقد كتب تحته هذا خط شيخنا الشهيد الثاني وأظن أن الكاتب الشيخ البهائي وكتب كاتب النسخة في آخرها ما لفظه وافق الفراغ من هذا الكتاب عشية نهار السبت العاشر من شهر ربيع الأول سنة 954 وكتبه العبد الفقير إلى رحمة ربه محمد بن محمد الحسيني البعلي وكانت هذه النسخة ملك المترجم ثم انتقلت إلى ولديه الشيخ البهائي وأخيه عبد الصمد وكتب عليها الشيخ البهائي بخطه الجميل: هذا مشترك بيني وبين أخي عبد الصمد أطال الله بقاءه ثم انتقلت النسخة إلى من وقفها وكتب صورة وقفها على ظهرها وكانت رؤيتي لها قبل مغادرتي طهران بيسير فتعهد لي السيد الفاضل الصالح النجيب السيد مصطفى الموسوي الشيرازي البيرمي مولدا الرازي موطنا الحجازي لقبا بنسخها فنسخها وأحضرها لي معه إلى دمشق في طريقه إلى الحجاز جزاه الله عني خيرا. وبالجملة فقد دلت مؤلفاته على رسوخ قدمه وتقدمه في العلوم الدينية من الفقه وعلم الحديث والدراية والتفسير والعلوم الأدبية والرياضيات حتى خطأ المحقق الثاني في أمر القبلة ومكانته بين العلماء معروفة وذكره اسكندر بك التركماني منشيء الشاه عباس الصفوي في كتابه تاريخ عالم آراي عباسي الذي هو في تاريخ دولة الشاه عباس الأول الصفوي فقد عقد فيه فصلا في آخر سيرة الشاه طهماسب الصفوي لذكر المشايخ والعلماء الأعلام والفضلاء ذوي العز والاحترام الذين كانوا في دولة الشاه طهماسب وعد منهم الشيخ البهائي وذكر ترجمة والده أولا ثم ترجمته فقال في ترجمة والده ما تعريبه كان من مشايخ جبل عامل العظام وكان فاضلا عالما في جميع العلوم خصوصا الفقه والتفسير والحديث والعربية وصرف خلاصة أيام شبابه في صحبة الشهيد الثاني زبدة العلماء الشيخ زين الدين عليه الرحمة وكان مشاركا ومساهما له في تصحيح كتب الحديث والرجال وتحصيل مقدمات الاجتهاد وكسب الكمال. وبعد ما نال الشيخ زين الدين درجة الشهادة بسبب التشيع على يد الروميين الملوك العثمانية توجه المشار إليه المترجم له من وطنه المألوف إلى بلاد العجم فحظي عند الشاه طهماسب وصار مصاحبا له معظما عنده في الغاية وأذعن له علماء العصر بمرتبة الفقاهة والاجتهاد وسعى سعيا بليغا في إقامة صلاة الجمعة وكانت متروكة لاختلاف العلماء في شروطها وصار يقيمها ويأتم به خلق كثير ثم فوض إليه منصب شيخ الإسلام وهو أكبر منصب ديني وتصدى للشرعيات والقضاء بالنيابة في ممالك خرأسان عموما وفي بلدة هراة خصوصا وتقلد تلك المناصب بها برهة طويلة وكان يشتغل فيها بترويج الشريعة وتنسيق بقاع الخير وإفادة العلوم الدينية وإفاضة المعارف اليقينية وتصنيف الكتب والرسائل وحل المشكلات وكشف غامض المعضلات إلى أن اشتاق إلى حج بيت الله الحرام وزيارة قبر سيد الأنام وقبور أبنائه الأئمة الكرام عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام فتوجه إلى الحج والزيارة وبعد ما وفق لذلك ذهب إلى بلد الأحساء والبحرين وأقام بها وصاحب علماءها وفضلاءها إلى أن وافاه أجله في بلد البحرين. وفي الرياض في قوله أنه كان مشاركا ومساهما له في تصحيح الكتب الخ نظر لأنه من مشاهير تلاميذ الشهيد الثاني. وأقول المشاركة والمساهمة له في تصحيح الكتب لأنه كان يقابلها معه وفي تحصيل مقدمات الاجتهاد وكسب الكمال لأنه كان يقرأ عليه فالشيخ يقرئ والتلميذ يقرأ فهما شريكان في تحصيل مقدمات الاجتهاد وكسب الكمال. وبالجملة فهذا الرجل مفخرة من مفاخر جبل عامل فهو لا يقتصر على أن يكون فقيها بارعا ومحدثا جامعا حتى تصبو نفسه إلى السفر مع شيخه الشهيد الثاني إلى عاصمة ملك العثمانيين واخذ التدريس في أحد مدارس المدن العثمانية ويسافر في البلاد ويدخل بعض علماء حلب في مذهب أهل البيت بحجته البالغة ثم لما وقع على شيخه ما وقع من القتل الفظيع بسبب التعصب الديني الشنيع الذي أوجب الخوف والاستذلال في علماء بلاده لم ترض نفسه بتحمل ذلك فهاجر باهله وعياله وأولاده إلى بلاد إيران ولم تمنعه الغربة عن أن يكون المقدم على علماء تلك البلاد أول وروده إليها فيسند إليه أكبر منصب ديني فيها ويكون معظما إلى الغاية عند ملوكها وأمرائها وعلمائها وان يختاره ملكها المسلط الواسع المملكة لمشيخة الإسلام في عاصمة ملكه قزوين فيقيم فيها سبع سنين يدرس ويعظ وينشر علوم أهل البيت ولا بد أن يكون تعلم الفارسية لسان أهلها وأتقنه حتى يتيسر له ذلك ويقيم صلاة الجمعة المتروكة ثم يختاره لمشيخة الإسلام في المشهد المقدس الرضوي أحد مدن إيران الكبرى ثم شيخنا للإسلام في هراة عاصمة بلاد الأفغان بعد فتح الصفوية لها وما اختاره لذلك إلا لما رأى فيه من الكفاءة التامة لإرشاد أهلها وجلهم على غير مذهب أهل البيت وغير خفي حراجة مثل هذا الموقف فيتمكن ببراعته وسعة علمه وقوة معرفته من تأدية هذه الرسالة على أكمل وجه فيقيم فيها ثمان سنين ثم يفارقها ويترك تلك المناصب زهدا في الحياة الفانية وهي من أنزه بلاد الله وأجملها وأكثرها خيرات كما يدل عليه وصف البهائي لها في أرجوزة تأتي في ترجمته ويعزم على مجاورة بيت الله الحرام وما كان طلبه للرخصة في الحج إلا بهذا القصد فقد جرت العادة بان من يريد ترك خدمة السلطان يتعلل بالحج فيطلب الرخصة فيه حيث لا يمكن أن لا يأذن له لئلا يقال أنه يصد عن حج بيت الله فيحج ثم لا يعود وفي عصرنا كان من يريد ملوك إيران تبعيده من العلماء يقولون له صار لك مدة لم تحج فلو ذهبت إلى الحج فيعلم أنه مبعد بصورة مجملة فيذهب للحج فإذا أراد العودة لم يرخصوه ثم يعدل المترجم عن هذا العزم ويسكن بلادا على الضد مما كان فيه فيسكن البحرين بلد الفقر والفاقة كجبل عامل لطيف يراه ويستدل منه على أن سكناها أقرب لمرضاة الله ولم يكتف بذلك لنفسه حتى طلب الرخصة لولده وحاول أن يحمله على مثل ذلك وكتب إليه في ذم سكني إيران ليس ذلك إلا زهدا في الدنيا وحبا بالعزلة وإلا فلم يلق هو وولده في إيران إلا كل تعظيم وإكرام. أن رجلا كهذا لهو قوي الإرادة ماضي العزيمة حاكم على شهوة نفسه قبل أن تحكم عليه ولم تشغله هذه الحالات عن أن يصنف ويؤلف المؤلفات النافعة ويستنسخ كتب الحديث بيده ويقابلها بنفسه وكان ما كتبه المترجم إلى ولده البهائي بقي في مخيلته وانطبع في نفسه فلم تمض مدة طويلة حتى ترك الرياسة العظيمة وفارق إيران ولعله كان ذلك برخصة الحج وساح في الدنيا ثلاثين سنة بزي الدراويش وتحمل مشقة الأسفار على تلك الصفة وشظف العيش ليس سنة أو سنتين بل ثلاثين سنة وهو يقول في كشكوله تبرما بما هو فيه من الرياشة لو لم يأت والدي إلى بلاد إيران لما ابتليت بصحبة السلطان. ويأسف على أن لا يكون عيشه كعيش شيخ والده الشهيد الثاني الذي يحرس كرمه في الليل ويحضر إلى الدرس نهارا ويبني داره بيده وكعيش شيخ الشهيد الثاني الشيخ علي الميسي الذي يحتطب بنفسه ليلا له ولتلاميذه كل ذلك يدلنا على زهد هؤلاء في الدنيا الفانية وانصراف أنظارهم إلى الدار الباقية. وقد أصاب علماء جبل عامل في عصر الملوك الصفوية لا سيما عصر الشاه عباس الأول وعصر الشاه طهماسب الذي ملك أربعا وخمسين سنة حظا عظيما فكانوا شيوخ الإسلام في هذه الدولة في أهم مدنها وكان هذا المنصب أعظم منصب علمي ديني وقال صاحب الرياض وأمل الآمل أن معناه قاضي القضاة وفوضت إليهم الأحكام وشؤون الدولة الدينية وأطيعت أوامرهم وكان إلى جملة منهم القضاء والإفتاء وكفى أن الشاه طهماسب يأمر وزيره بإلزام ابنه خدابنده محظور درس المترجم له ووعظه كل جمعة، وذلك كالمحقق الكركي وولده والشيخ علي المنشار والمترجم وولده البهائي والسيد حسين بن حسن الموسوي الكركي والسيد حسين بن حسن الأعرجي الحسيني الكركي والسيد حسين بن حيدر الحسيني الكركي ومحمد ابن الحسن بن الحر وغيرهم ممن ذكرنا أحوالهم واعتلاء شأنهم في إيران، ومما سمعت تعلم اجتهاد الملوك الصفوية في إرغام العلماء وتأييد المذهب الجعفري والدعاية إليه، وتعيين والد البهائي لمشيخة الإسلام بهراة بعد فتحها وفي غيرها قبل ذلك دليل على ما ذكرن.

أحواله وأخباره

علاقته بالشهيد الثاني وسفره معه إلى اسلامبول

كان مواطنا للشهيد الثاني في جبع وقرأ عليه وتخرج به وصاحبه في سفره إلى اسلامبول سنة 952 لطلب تدريس مدرسة من المدارس وكانت لهذه المدارس أوقاف يقبضها المدرسون ويأخذون بذلك مرسوما من السلطان العثماني في اسلامبول فذهبا جميعا برا من طريق حلب إلى اسلامبول ووصلا إلى حلب يوم الأحد 16 المحرم سنة 952 وأقاما بها إلى 7 صفر من السنة المذكورة ثم ارتحلا إلى اسلامبول فوصلا في 17 ربيع الأول منها فاخذ الشهيد الثاني تدريس المدرسة النورية ببعلبك والمترجم تدريس مدرسة في بغداد وأقاما في اسلامبول ثلاثة أشهر ونصفا وخرج الشهيد منها يوم السبت 11 رجب سنة 952 إلى اسكدار وأقام بها ينتظر وصول صاحبه الشيخ حسين بن عبد الصمد لأنه احتاج إلى التأخر عنه تلك الليلة قال الشهيد الثاني ومن غريب ما اتفق لي حينما نزلت باسكدار أني اجتمعت برجل هندي له فضل ومعرفة بفنون كثيرة منها الرمل والنجوم فقلت له أن قاضي العسكر أشار علي بان أسافر يوم الاثنين وخالفته وجئت في يوم السبت حذرا من نحس يوم الاثنين لكونه ثالث عشر الشهر وكان قد ذكر لي قاضي العسكر أن يوم الاثنين جيد للسفر لا يكاد يتفق مثله بالنسبة إلى أحكام النجوم وان سعده يغلب نحسه بسبب كونه ثالث عشر فقال لي الهندي على البديهة صدق القاضي وأما يوم السبت الذي خرجت فيه فهو صالح لكنه يقتضي أنك تقيم في هذه البلدة أياما كثيرة فاتفق الأمر كما قال فان الشيخ حسين بعد مفارقتي بحث أمر المدرسة التي كان أعطاه إياها القاضي ببغداد فوجد أوقافها قليلة فاحتاج إلى إبدالها بغيرها فتوقف لأجل ذلك أحد وعشرين يوما. هذا ما نقله الشيخ بهاء الدين محمد بن علي بن الحسن العودي الجزيني تلميذ الشهيد الثاني عن الشهيد الثاني في رسالته في أحوال شيخه المذكور عرضا من أحوال المترجم وهذا من الشهيد الثاني وتلميذه يدل على علو الهمة وبعد النظر وعدم الجمود في علماء جبل عامل مع ما كانوا فيه من الضغط والاضطهاد من ملوك الدولة العثمانية وأمرائها وعلمائها ولم يعلم تدريس أي مدرسة أخذ بعد أن ترك مدرسة بغداد أم أنه لم يأخذ تدريس غيرها لكن علمنا من تاريخ ولادة ولده الشيخ البهائي ببعلبك في 18 ذي الحجة سنة 953 أنه كان في ذلك الوقت ببعلبك ولعله أخذ تدريس مدرسة أخرى بها أو جاء مع الشهيد الثاني إليها وبقي يقرأ عليه، الله اعلم فان الصواب أن ولادة البهائي كانت ببعلبك ومن قال أنه ولد بقزوين فقد اشتبه بأخيه عبد الصمد مع أن سفر المترجم إلى إيران كان بعد قتل شيخه الشهيد الثاني الذي استشهد سنة 965 كما ستعرف فيمكن أن يكون المترجم سافر مع الشهيد الثاني من اسلامبول إلى خرأسان لزيارة المشهد الرضوي ثم إلى العراق لزيارة المشاهد الشريفة بها ثم عادا إلى الوطن ويمكن أن يكون المترجم فارق الشهيد الثاني من اسكدار وعاد إلى بعلبك أو غيرها فالشهيد الثاني يقول في وصف رحلته هذه خرجنا من اسكدار يوم السبت لليلتين خلتا من شعبان سنة 952 ووصلنا إلى مدينة سيواس يوم الاثنين لخمس بقين من شعبان وخرجنا منها يوم الأحد 2 شهر رمضان وخرجنا في حال نزول الثلج وبتنا ليلة الاثنين على الثلج ومن غريب ما اتفق لي تلك الليلة أن نمت يسيرا فرأيت كأني في حضرة شيخنا الجليل الكليني ومعي جماعة من أصحابي منهم رفيقي وصديقي الشيخ حسين بن عبد الصمد الخ وظاهر قوله رفيقي أنه رفيقه في ذلك السفر حال رؤيته المنام لا الذي كان رفيقه قبلا ثم أنه ما انتظره في اسكدار إلا ليرافقه ولو كان فارقه من اسكدار لذكر ذلك ولم يذكر أنه بقي معه لأنه باق على ما كان عليه قبل وإذا كان الشهيد الثاني وصل اسكدار 11 رجب سنة 952 وانتظر المترجم بها 21 يوما ثم خرجا يكون خروجهما منها في 2 شعبان سنة 952 كما ذكره الشهيد الثاني في الرحلة هذا ولكن الشهيد الثاني قال في آخر الرحلة وكان وصولنا إلى البلاد 15 صفر سنة 953 وبعدها باشر التدريس في بعلبك ولم يعلم مدة بقائه فيها.

قال: ثم فارقناها إلى بلدنا وبقينا في بلدنا إلى سنة 955 وإذا كانت ولادة البهائي في بعلبك في 18 ذي الحجة سنة 953 تكون ولادته قبل ورود الشهيد الثاني إليها بشهرين إلا يومين فيكون المترجم قد وردها في ذلك التاريخ أو قبله إلا أن يكون البهائي ولد في غياب أبيه أو يكون قد فارق الشهيد الثاني من العراق وجاء قبله بمدة إلى بعلبك أو فارقه من اسكدار، الله أعلم. ثم أن المترجم كان في سنة 954 باقيا في جبل عامل كما يدل عليه مقابلته كتب الحديث مع شيخه المذكور بهذا التاريخ كما مر.

سفره إلى إيران وسببه

ثم سافر باهله وعياله واتباعه وفيهم ولده البهائي إلى إيران بعد شهادة شيخه الشهيد الثاني كما صرح به صاحب تاريخ عالم آراي فيما مر وكما يدل عليه قول المترجم في خطبة رسالته في الدراية التي يظهر أنه ألفها في إيران: ومما حثني على تأليف هذه الرسالة بعد هربي من أهل الطغيان والنفاق وأوجبه علي بعد اتصالي بدولة الإيمان والوفاق الخ. فدل على أنه كان الباعث على سفره ما حدث من الخوف على العلماء في جبل عامل بسبب ما جرى على الشهيد الثاني ولم يكن لهم ملجأ في ذلك الوقت غير إيران التي عرف ملوكها بتعظيم أهل العلم مضافا إلى علو همته واعتياده على الأسفار وتحمل المشاق أما تاريخ سفره إلى إيران فيمكن كونه في أثناء سنة 965 التي استشهد فيها شيخه المذكور ويمكن كونه في السنة التي بعدها أو أكثر والاعتبار يقتضي أن يكون سفره فيها أو بعدها بقليل أما ما حكاه صاحب اللؤلؤة عن بعض مشايخه المعاصرين من أن المترجم لما سافر من جبل عامل إلى إيران كان عمر ولده البهائي سبع سنين فلا يكاد يصح لأن البهائي ولد سنة 953 فإذا كان عمره عند سفر أبيه سبع سنين يكون سفر أبيه سنة 960 فيكون سفره في حياة الشهيد الثاني لا بعد شهادته وقد عرفت أنه كان بعد شهادته.

وصوله إلى أصفهان وانتقاله إلى قزوين

فوصل أولا إلى أصفهان وكانت عاصمة الملك يومئذ قزوين وبها الشاه طهماسب الصفوي الأول وكان في أصفهان عالم من علماء جبل عامل وهو الشيخ زين الدين علي العاملي المعروف أبوه بمنشار وهو الذي تزوج الشيخ البهائي بعد ذلك ابنته وكان الشيخ علي المذكور شيخ الإسلام بأصفهان في ذلك الوقت فعطفته على المترجم عاطفة الوطن بكون كل منهما عامليا وما رأى من فضل المترجم ومن مهاجرته باهله وعياله مع قلة ذات يده في مثل تلك الحال وهو في بلاد الغربة ولا بد أن الشيخ علي كان على جانب من التقوى والإخلاص فلم تخالجه سجية الحسد الموجودة في جملة من أهل العلم الذين يخافون من تفوق غيرهم أن يفوتهم شيء من عرض الدنيا فأخبر الشيخ علي الشاه طهماسب بورود المترجم إلى أصفهان ووصف له علمه وفضله وجلالة قدره وكان الملوك الصفوية في حاجة إلى مثل المترجم لينصبوه في مرتبة شيخ الإسلام فأرسل الشاه إليه بهدايا ولعل هذه العاطفة سببت تزوج البهائي بابنة الشيخ علي المنشار المذكور. وفي الرياض أن المترجم توجه في زمن الشاه طهماسب الصفوي من جبل عامل مع جميع توابعه وأهل بيته إلى أصفهان وأقام بها ثلاث سنين مشتغلا بإفادة العلوم الدينية وإفاضة المعارف اليقينية ويستفيد منه فيها علماء عراق العجم ولما اطلع الفاضل الشيخ علي الملقب بالمنشار الذي هو شيخ الإسلام بأصفهان على وروده أخبر الشاه طهماسب بوروده وكان الشاه في بلدة قزوين فكتب الشاه كتابا بخط يده إلى المترجم وأرسل له الخلعة وطلب منه الحضور إلى بلدة قزوين مقر سلطنته في ذلك الوقت فحضر إلى قزوين فعظمه الشاه وبجله غاية التعظيم و التبجيل وجعله شيخ الإسلام بقزوين وهو أكبر منصب علمي ديني في الدولة الصفوية كما كان في الدولة العثمانية، وصاحب الرياض يقول أنه بمنزلة منتصب قاضي القضاة، واستمر على ذلك سبع سنين. وكان يقيم بها صلاة الجمعة بدل الظهر فإنه ممن يرى وجوب صلاة الجمعة عينا كما هو رأى شيخنا الشهيد الثاني. قال المؤلف: ربما كان رأي الشهيد أولا ثم عدل عنه إلى الوجوب التخييري. والعلماء العامليون الذين هاجروا من أوطأنهم إلى بلاد أخرى قد ظهر فيهم نوابغ ظهرت لهم مقامات عالية في كل عصر وزمان. ثم أن في كلام صاحب الرياض المتقدم ما يوشك أن يكون متدافعا فهو يقول في أوله أنه توجه من جبل عامل إلى أصبهان وأقام بها ثلاث سنين ثم يقول لما اطلع الشيخ علي المنشار على وروده أخبر الشاه بذلك فأحضره إلى قزوين والتدافع بينهما ظاهر فصدر الكلام يقتضي أنه حضر إلى قزوين بعد إقامته بأصبهان ثلاث سنين وما بعده يدل على أنه حضر إليها بعد وروده إلى أصفهان بمدة يسيرة ولم تطل إقامته بأصفهان ثم العادة قاضية بان يكون أخبار الشيخ علي للشاه عند أول وروده إلى أصفهان لا بعد أن يقيم بها ثلاث سنين على أنه إذا كان جاء إلى أصفهان سنة 965 وأقام بها ثلاث سنين وفي قزوين سبع سنين ومدة في المشهد كما يأتي وأقل ما يفرض فيها سنة أو بعض سنة وفي هراة ثمان سنين كما يأتي يكون قد بقي في هراة إلى سنة 984 مع أن وفاته كانت في تلك السنة فأين ذهبت مدة إقامته في البحرين فالظاهر أن إقامته ثلاث سنوات بأصبهان وقع سهوا من النساخ فان الرياض كانت أجزاؤه باقية في المسودات وبيضها من جاء بعده فوضع بعض ما كان في الهامش في غير موضعه وان إقامة ثلاث سنين كانت في البحرين لا في أصفهان وان قوله ويستفيد منه فيها علماء عراق العجم إلى إقامته في قزوين كل هذه في الهامش فوضعها النساخ في غير مواضعها.

سفره إلى المشهد المقدس الرضوي

قال ثم فوض إليه منصب شيخ الإسلام في المشهد المقدس الرضوي والإقامة فيه فأقام فيه مدة.

سفره إلى هراة

قال ثم لما كان أكثر أهل هراة في ذلك الوقت غير عارفين بالأئمة الاثني عشر وبمذهب أهل البيت عليه السلام أمره الشاه المذكور بالتوجه إلى هراة والإقامة بها لارشاد أهلها وأعطاه ثلاث قرى من قرى تلك البلاد وأمر الشاه المذكور الأمير شاه قلي سلطان يكان أعلى حاكم بلاد خرأسان بان يحضر الأمير محمد خدابنده ميرزا ولد الشاه طهماسب كل يوم جمعة بعد الصلاة إلى الجامع الكبير بهراة إلى خدمة المترجم لاستماع الحديث والفقه وأمر حاكم خرأسان المذكور أن يكون منقادا لأوامر المترجم ونواهيه وان لا يخالفه أحد فأقام المترجم بهراة ثمان سنين على هذا المنوال مشتغلا بإفادة العلوم الدينية وإجراء الأحكام الشرعية وإظهار الأوامر الملية فتشيع لذلك خلق كثير ببركة أنفاسه في هراة ونواحيها وتوجه إلى حضرته الطلبة بل والعلماء والفقهاء من الأطراف والأكناف من أهل إيران وتوران لأجل مقابلة الحديث وأخذ العلوم الدينية وتحقيق المعارف الشرعية ثم أنه توجه من هراة إلى قزوين لملاقاة الشاه بها وطلب الرخصة منه له ولولده البهائي بحج بيت الله الحرام فأذن الشاه له ولم يأذن لولده لئلا تخلو هراة من مرشد وأمر ولده الشيخ البهائي بالإقامة في هراة والاشتغال بتدريس العلوم الدينية. وبالطبع كان ولده المذكور مقيما معه في هراة مدة مقامه بها وكذلك في قزوين والمشهد وقد اقتفى طريق أبيه في هذه المدة وتعلم منه وسلك مسلكه وهو في ريعان الشباب لا يزيد سنه عن خمس وعشرين سنة إلا قليلا فإنه كان عمره لما جاء مع أبيه سبع سنين على قول البعض أو أكثر وبقي معه في قزوين سبع سنين وفي المشهد نحو سنة أو أكثر وفي هراة ثمان سنين فهذه ثلاث وعشرون سنة فإذا أضفنا إليها سنتين مما يمكن أن يكون أقامه في المشهد مع بعض الكسر كانت خمسا وعشرين أو أزيد بقليل فأقام البهائي في هراة مكان أبيه مشتغلا بما كان يشتغل به سادا مسده أو موفيا عليه وقد تعلم اللغة الفارسية وأتقنها فإنه دخل إيران وعمره حوالي سبع سنين وتوجه أبوه إلى الحج وزار المدينة المنورة ورجع من طريق البحرين وتوطنها وكتب إلى ولده الشيخ البهائي ما معناه أن كنت تريد الدنيا فاذهب إلى الهند وان كنت تريد الآخرة فاذهب إلى البحرين وان كنت لا تريد الدنيا ولا الآخرة فتوطن ببلاد العجم، ولكن ما أسداه إليه الشاه لا يوجب ذلك، وقد نظم في نظير ذلك بعض شعراء العجم فقال في رباعية له:

قال وأقام المترجم في بلاد البحرين واشتغل بتدريس العلوم الدينية برهة من الزمان في أواخر عمره إلى أن توفي بها وقبره معروف مزور متبرك به انتهى ما في الرياض.

ميله إلى التصوف

في رياض العلماء: كان له رضي الله عنه رغبة في مدح مشايخ الصوفية ونقل كلماتهم كما هو ديدن ولده الشيخ البهائي أيضا وكأنه أخذ ذلك من أستاذه الشهيد الثاني لكن زاد في الطنبور نغمة ومن ذلك ما أورده في رسالته المسماة بالعقد الطهماسبي حيث قال في أواخرها في أثناء موعظته للشاه طهماسب الصفوي ما لفظه: ولهذا كان بعض الملوك والأكابر من أهل الدنيا إذا علت همتهم وكثر علمهم بالله ولحظتهم العناية الربانية تركوا الدنيا بالكلية وتعلقوا بالله وحده كإبراهيم بن أدهم وبشر الحافي وأهل الكهف وأشباههم فأنهم لكمال رشدهم لا يرضون أن يشغلوا قلوبهم بغير الله لحظة عين ولكن هذه مقامات آخر ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات قال المؤلف: قد ذكرنا في ترجمة ولده البهائي أن الميل إلى التصوف الصحيح لا منقصة فيه كما كان عليه جماعة من علمائنا كالشيخ أحمد بن فهد الحلي وغيره أما التصوف الباطل فينزه عنه أمثال المترجم وابنه وشيخه الشهيد الثاني وأما مدح مشايخ الصوفية ونقل كلماتهم فلا شك أنه كان لهم فيه غرض صحيح ومن مدحوهم كانوا غالبا على طريقة مستقيمة وتصوف إبراهيم بن أدهم وبشر الحافي وأهل الكهف كان محض الزهد في الدنيا ومن مثل أهل الكهف غير الأنبياء والمرسلين، فقوله زاد في الطنبور نغمة هفوة منه سامحه الله، وكفى هؤلاء العلماء مدحا وفخرا ما جرى على أيديهم من المنافع العامة والهداية والإرشاد والمؤلفات التي انتفع بها الناس إلى اليوم والى يوم القيامة.

وفي الرياض هو ثاني مؤلف في علم الدراية من طريقة أصحابنا وقد سبقه أستاذه الشهيد الثاني بذلك. يعني من العلماء المتأخرين وإلا فقد سبقهما إلى ذلك الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك ولكنه بطرز غير هذا الطرز المتأخر الذي انفرد به الشهيد الثاني وتلميذه فهذه مفخرة للعلماء العامليين انفردوا بها.

سبب سكناه البحرين وما جرى له فيها

في لؤلؤة البحرين: ذكر بعض مشايخنا المعاصرين أنه لما هاجر من بلاد العجم كان لابنه البهائي سبع سنين وفي اللؤلؤة وكشكول البحراني: أخبرني والدي قدس الله سره وبحظيرة القدس سره أن السبب في مجيء الشيخ إلى البحرين أنه كان في مكة المشرفة قاصدا الجوار فيها إلى أن يموت وانه رأى في المنام أن القيامة قد قامت وجاء الأمر من الله سبحانه بان ترفع ارض البحرين وما فيها إلى الجنة فلما رأى هذه الرؤيا آثر الجوار فيها والموت في أرضها ورجع من مكة المشرفة وجاء البحرين ولما سمع علماء البحرين بقدومه وكان لهم مجتمع يجتمعون فيه للدرس ويحضره الفضلاء منهم في مسجد من مساجد قرية جد حفص علموا أن الشيخ لا بد أن يحضر بعد قدومه هذا المجتمع وكان من جملة فضلاء البحرين الشيخ داود بن أبي شافير وكانت له يد طولي في علم الجدل وقد كانت بينهم وبينه منافرة أوجبت غضبه وعدم حضوره ذلك المجتمع مدة وخروجه من جد حفص ولما سمعوا بقدوم الشيخ أرسلوا للشيخ داود المذكور وأصلحوه والتمسوا منه الحضور كما كان سابقا فاتفق أن الشيخ لما وصل إلى البحرين زاروه وعظموه بما هو أهله فاتفق أنه سمع بذلك المجتمع فحضره ذات يوم وليس في ذلك الوقت فيهم من هو في مرتبته واتفق البحث كما هي العادة الجارية بين العلماء في جميع الأصقاع فابتدر الشيخ داود لمنازعة الشيخ والبحث معه مع أنه لا نسبة له في ذلك فأطال النزاع والجدال معه فلما انقضى المجلس مضى الشيخ قدس سره وكتب هذين البيتين ثم لم يحضر بعد هناك حتى توفي:

لا نسلم يعني أنه متى ادعى دعوى طلبوا منه الدليل وإذا أقام الدليل منعوا. وأقام الشيخ في البلاد المذكورة حتى توفي إلى رحمة الله وقبره في قرية المصلى من قرى البحرين معروف إلى الآنوعن السيد نعمة الله الجزائري أنه كان قاضيا بالبحرين في قرية هجر ولم نجده لغيره.

أخلاقه مع عياله

في مجموعة الشيخ محمد بن علي ابن حسين بن محمد بن صالح الجباعي بخط الشيخ البهائي ما صورته: كان والدي طاب ثراه إذا استشير في طبخ طعام جعل الخيرة إلى المستشير ولم أذكر أنه أمر بطعام يشتهيه أبدا.

مناظرة جرت بينه وبين أحد فضلاء حلب سنة 951

وذلك قبل سفره إلى إيران وكتب في ذلك رسالة فريدة في بابها. وقد رأيت في النجف الأشرف مجموعة فيها عدة رسائل فقهية للشهيد الثاني بخط تلميذه من آل سليمان العامليين الذي غاب عني اسمه الآن وعليها إجازة للتلميذ بخط الأستاذ ومع هذه الرسائل رسالة المترجم المذكورة وقد استنسخت يومئذ أكثر تلك الرسائل ثم طبعت ولم استنسخ الرسالة المذكورة لأنها لم تكن همتي يومئذ متوجهة إلى مثلها لأنها ليست فقيهة ثم أسفت على عدم استنساخها وبحثت عنها فلم أعثر عليها ثم أني وجدتها والحمد لله في كرمانشاه في سفري إلى خرأسان سنة 1353 فاستنسخها لي السيد البار التقي السيد جواد بن إسماعيل الحسيني جزاه الله خيرا. وتدل هذه المناظرة على أن المترجم كان لا يترك التجوال في البلاد للهداية والإرشاد ويستصحب معه الكتب ويرحل إلى حلب وغيرها التي تبعد عن وطنه مسيرة أيام. وها أنا انقل هنا أكثر تلك الرسالة قال فيها، هذه صورة بحث وقع لهذا الفقير إلى رحمة ربه الغني حسين بن عبد الصمد الجباعي في حلب سنة 951 أضافني بعض فضلائها وكان ذكيا بحاثا وكان لي معه خصوصية وصداقة وكيدة بحيث لا أتقيه وكان أبوه من أعيان حلب. فقلت له أنه يقبح بمثلي ومثلك بعد أن صرف كل منا عمره في تحصيل العلوم الإسلامية وتحقيق مقدماتها أن يقلد في مذهبه الذي يلقي الله به والتقليد مذموم بنص القرآن وليس حجة منجية لأن كل أحد يقلد سلفه فلو كان حجة كان الكل ناجين وليس كذلك فقال: هلم نبحث، فقلت هل عندكم نص على وجوب اتباع الإمام أبي حنيفة فقال لا فقلت فما سوع لك تقليده فقال أنه مجتهد وأنا مقلد والمقلد فرضه أن يقلد مجتهدا من المجتهدين قلت فما تقول في جعفر بن محمد الصادق هل كان مجتهدا. فقال هو فوق الاجتهاد وفوق الوصف في العلم والتقى والنسب وعظم الشأن وقد عدد بعض علمائنا من تلاميذه نحو أربعمائة رجل كلهم علماء فضلاء مجتهدون والإمام أبو حنيفة أحدهم. فقلت قد اعترفت باجتهاده وتقواه وجواز تقليد المجتهد ونحن قد قلدناه فمن أين تعلم أنا على الضلالة وأنكم على الهداية مع أنا نعتقد عصمته وأنه لا يخطئ بل ما يحكم به هو حكم الله ولنا على ذلك أدلة مدونة وليس كأبي حنيفة يقول بالقياس والرأي والاستحسان ويجوز عليه الخطأ، وبعد التنزل عن عصمته والاعتراف بأنه يقول بالاجتهاد كما تزعمون فلنا دلائل على جواز اتباعه ليس في أبي حنيفة واحد منها أحدهما إجماع أهل الإسلام حتى الأشاعرة والمعتزلة على غزارة علمه ووفور تقواه وعدالته وعظم شانه بحيث أني إلى يومي هذا مع كثرة ما رأيت من كتب أهل الملل والتواريخ والسير وكتب الجرح والتعديل ونحو ذلك لم أر قط طاعنا طعن عليه بشيء من مخالفيه وأعداء شيعته مع كثرتهم وعظم شأنهم في الدنيا لأنهم كانوا ملوك الأرض والناس تحب التقرب إليهم بالصدق والكذب ولم يقدر أحد أن يفتري عليه كذبا في الطعن ليتقرب به إلى ملوك عصره وما ذاك إلا لعلمه أنه إذا افترى كذبا كذبه كل من سمعه وهذه مزية تميز هو وآباؤه وأبناؤه الستة بها عن جميع الخلق فكيف يجوز ترك تقليد من أجمع الناس على علمه وعدالته وجواز تقليده وتقليد من وقع فيه الشك والطعن مع أن الجرح مقدم على التعديل كما تقرر وهذا إمامكم الغزالي صنف كتابا سماه النجل موضوعه الطعن عليه بل فوق الطعن وصنف بعض فضلائكم كتابا اسماه النكت الشريفة في الرد عليه رأيته في مصر ذكر فيه جميع ما ذكره الغزالي وزاد أشياء اخر ولا شبهة في وجوب تقليد المتفق على علمه وعدالته لأن ظن الصواب معه أغلب ولا يجوز العمل بالمرجوح مع وجود الراجح إجماعا والجرح مقدم على التعديل كما تقرر وثانيها أنه عندنا من أهل البيت المطهرين بنص القرآن والتطهير هو التنزيه من الآثام وعن كل قبيح كما نص عليه ابن فارس في مجمل اللغة وهذا نفس العصمة التي يدعيها الشيعة وأبو حنيفة ليس منهم إجماعا ويتحتم تقليد المطهرين بنص القرآن لتيقن النجاة معهم. فقال نحن لا نسلم أنه من أهل البيت إذ قد صح في أحاديثنا أنهم خمسة. فقلت سلمنا أنه ليس من الخمسة ولكن حكمه حكمهم في العصمة ووجوب الاتباع لوجهين الأول أن كل من قال بعصمة الخمسة قال بعصمته ومن لا فلا وقد ثبتت عصمة الخمسة بنص القرآن فثبتت عصمته لأنه قد وقع الإجماع على أنه لا فرق بينه وبينهم فالقول بعصمتهم دونه خلاف إجماع المسلمين الثاني أنه قد اشتهر بين أهل النقل والسير أن جعفر الصادق وآباءه عليه السلام لم يترددوا إلى مجالس العلماء أصلا ولم ينقل ترددهم مخالف ولا مؤالف مع كثرة المصنفين في الرجال وطرق النقل وتعداد الشيوخ والتلاميذ وإنما ذكروا أنه اخذ العلم عن أبيه محمد الباقر وذكروا أنه أخذ العلم عن أبيه زين العابدين وهو اخذ عن أبيه الحسين عليه السلام وهو من أهل البيت إجماعا وقد صح عندنا عنهم عليه السلام أنه لم يكن قولهم بطريق الاجتهاد ولهذا لم يسأل أحد منهم قط صغيرا ولا كبيرا عن مسألة فتوقف في جوابها أو احتاج إلى مراجعة وقد صرحوا عليه السلام بان قول الواحد منهم كقول آبائهم وقول آبائهم كقول النبي ص. وثبت ذلك عندنا بالطرق المصححة المتصلة بهم فقوله هو قول المطهرين بنص القرآن وثالثها ما ثبت في صحاح أحاديثكم بالطرق الصحيحة المتكثرة المتحدة المعنى المختلفة اللفظ من قوله عليه السلام أني مخلف فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض وفي بعض الطرق أني تارك فيكم خليفتين كتاب الله وعترتي فصرح بان المتمسك بكتاب الله وعترته لن يضل ولم يتمسك بهما إلا الشيعة كما لا يخفى وأما باقي الطوائف فأنهم جعلوا عترته كباقي الناس وتمسكوا بغيرهم ولم يقل مخلف فيكم كتاب الله وفلان وفلان من أهل المذاهب فكيف يجوز ترك التمسك بمن يتحقق النجاة بالتمسك به ويتمسك بمن لم تعلم النجاة معه أن هذا لمحض السفه والضلال وهذا يقتضي العلم بوجوب اتباعهم وأن نوزع فيه فلا ريب في اقتضائه ظن وجوب الاتباع وذلك كاف لوجوب العمل بالراجح وحيث لهم هذه المرجحات على غيرهم من المجتهدين فلا يكون العدول عنهم إلا اتباعا للهوى والتقليد المألوف فقال أنا لا أشك في اجتهادهم وغزارة علمهم ونجاة مقلدهم ولكن مذهبهم لم ينقل ولم يشتهر كما نقلت مذاهب الأربعة فقلت أن كان مرادك أن الحنفية والشافعية لم ينقلوه فمسلم ولكن لا يضرنا لأنا لم ننقل مذهبهما أيضا والشافعية لم ينقلوا مذهب أبي حنيفة وبالعكس، وكذا باقي المذاهب وليس ذلك طعنا فيها عندكم. وان كان مرادك أنه لم ينقله أحد من المسلمين فهذه مكابرة محضة لأن شيعتهم وكثيرا من أهل السنة وباقي الطوائف قد نقلوا أقوالهم وآدابهم وعاداتهم واعتنى الشيعة بذلك أشد الاعتناء وبحثوا عن تصحيح الناقلين وجرهم وتعديلهم أشار البحث وهذه صحاح أحاديثهم وكتب الجرح والتعديل عندهم مدونة مشهورة بينهم لا يمكن إنكارها وعلماء الشيعة وان كانوا أقل من علماء السنة ولكن ليسوا أقل من فرقة من فرق المذاهب الأربعة خصوصا الحنابلة والمالكية فان الشيعة أكثر منهم يقينا ولم يزل بحمد الله علماء الشيعة في جميع الأعصار اعلم العلماء وأتقاهم وأحذقهم في فنون العلم أما في زمان الأئمة الإثني عشر فواضح أنه لم يساوهم أحد في علم ولا عمل حتى فاق تلاميذه بغزارة العلم وقوة الجدل كهشام بن الحكم وهشام بن سالم وجميل بن دراج وزرارة بن أعين ومحمد بن مسلم وأشباههم ممن قد عرفهم مخالفوهم في المذهب وأثنوا عليهم بما لا مزيد عليه واما بعد زمان الأئمة فمنهم مثل بني بابويه والشيخ المفيد والشيخ الطوسي والسيد المرتضى وأخوه وابن طاوس وخواجة نصير الدين الطوسي وميثم البحراني والشيخ أبي القاسم المحقق والشيخ جمال الدين بن المطهر الحلي وولده فخر المحققين وأشباههم من المشايخ المشاهير الذي قد ملأوا الخافقين بمصنفاتهم ومباحثهم ومن وقف عليها علم علو شأنهم وبلوغهم مرتبة الاجتهاد وقوة الاستنباط وإنكار ذلك اما لتنصب أو جهل فقد لزمك القول بصحة مذهبنا وأرجحية من قلدنا بل يلزم ذلك كل من وقف نفسه على جادة الإنصاف ولا يلزمنا القول بصحة مذهبك لأنا قد شرطنا في المتبع العصمة فنكون نحن الفرقة الناجية إجماعا وأنتم وان لم تقولوا بصحة مذهبنا ولكن يلزمكم ذلك بحسب قواعدكم للدليل المسلم المقدمات عندكم إذ سبب نجاتكم انكم قلدتم مجتهدا وهذا بعينه حاصل لنا باعترافكم مع ترجيحات فيمن اتبعناه لا يمكنكم إنكارها فبهت ولم يجب بشيء، ولكن عدل عن البحث وقال أني سائلك عن قولكم في أكابر الصحابة وأقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين نصروه بأموالهم وأنفسهم حتى ظهر الدين بسيوفهم في حياته وبعد موته حتى فتحوا البلاد ونصروا دين الله بكل ما أمكنهم والفتوحات التي فتحها الخليفة الثاني لم يقع مثلها في زمن أحد من الخلفاء وهي أكثر من الفتوحات التي وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كمصر والشام وبيت المقدس والروم والعراق وخرأسان وعراق العجم وتوابع ذلك مما يطول شرحه ولا يمكن إنكاره كما لا يمكن إنكار قوته في الدين وسطوته وشدة بأسه واني إذا نظرت في أدلتكم وجدتها واضحة قوية وإذا نظرت قولكم في أكابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخواصه الذين سبقوا في الإسلام وكانوا من المقربين عنده حتى تزوج بناتهم وزوجهم ببناته ومدحهم الله في كتابه بقوله تعالى محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا إلى آخر الآية فإذا رأيت ذلك نفرت نفسي وجزمت بفساد مذهبكم فقلت له ليس في مذهبنا وجوب القدح في أحد منهم وإنما قد يقع ذلك من عوام الناس المتعصبين وأما علماؤنا فلم يقل أحد منهم بذلك، وأقسمت له أنه لو عاش أحد ألف سنة وهو يتدين بمذهب أهل البيت ويتولاهم ويبرأ من أعدائهم ولم يقم منه ما قلت لم يكن مخطئا ولا في إيمانه قصور، فتهلل وجهه، فقلت له: فإذا ثبت عندك غزارة علم أهل البيت واجتهادهم وعدالتهم وترجيحهم على غيرهم فهم أولى الاتباع فتابعهم، فأقل أشهد أني متابع لهم، لكني لا اقدح في الصحابة فقلت له لا تقدح في أحد منهم ولكن أن اعتقدت عظم شان أهل البيت عند الله ورسوله فما تقول فيمن عاداهم وآذاهم؟ فقال أنا برئ منه. وأشهد الله وملائكته ورسله أنه محب لهم ومتابع وبرئ من أعدائهم، وطلب مني كتابا في فقههم فأعطيته المختصر النافع. وتفرقنا إلى أن قال: فقلت له في ليلة أخرى ما تقول في الصحابة الذين قتلوا الخليفة الثالث؟ فقال أن ذلك وقع باجتهادهم وأنهم غير مأثومين وقد صرح أصحابنا بذلك فقلت له ما تقول في الصحابة الذين حاربوا عليا يوم الجمل وقتل في حربهم من الفريقين نحو ستة آلاف؟ وما تقول في الذين حاربوه في صفين وقتل من الفريقين نحو ستين ألفا؟ فقال كالأول، فقلت: هل جواز الاجتهاد مقصور على فرقة من المسلمين دون فرقة، فقال لا، كل أحد له صلاحية الاجتهاد فقلت إذا جاز الاجتهاد في قتل أكابر الصحابة وقتل خلفاء المسلمين وحرب أخي رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه وزوج فاطمة سيدة نساء العالمين اعلم الخلق وأزهدهم وأقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووارث علمه الذي قام الإسلام بسيفه ومن أثنى عليه الله ورسوله بما لا يمكن إنكاره حتى جعله الله ولي الناس كافة بقوله تعالى: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا يعني علينا بالإجماع وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من كنت مولاه فعلي مولاه، أنا مدينة العلم وعلي بابها، اللهم ائتني بأحب خلقك إليك، أنت مني بمنزلة هارون من موسى وأشباه ذلك مما يطول تعداده فلم لا يجوز الاجتهاد فيما هو دون ذلك؟ فنحن نوالي المخلصين منهم ونسكت عن المجهول حاله، ومدح الله لهم في القرآن نقول به لأنهم ممدوحون بقول مطلق لأن فيهم أتقياء أبرار وليس كلهم كذلك جزما بنص القرآن، وحديث الحوض يوضح ذلك وهو ما رواه صاحب الجمع بين الصحيحين في الحديث 131 من المتفق عليه من مسند انس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليردن على الحوض رجال ممن صاحبني إذا رأيتهم ورفعوا إلي رؤوسهم اختلجوا فلأقولن أي ربي، أصحابي فليقال لي انك لا تدري ما أحدثوا بعدك ورواه أيضا في الجمع بين الصحيحين من مسند ابن عباس بلفظ آخر والمعنى متفق، وفي آخره زيادة أنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ورواه أيضا في الجمع بين الصحيحين من مسند سهل بن سعد في الحديث 22 من المتفق عليه وفي آخره زيادة فأقول سحقا سحقا لمن بدل بعدي ورواه أيضا في الحديث 267 من مسند أبي هريرة من عدة طرق وفي آخره زيادة: فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم. وقد روي مثل ذلك من مسند عائشة بعدة طرق ومن مسند أم سلمة بعدة طرق ومن مسند سعيد بن المسيب بعدة طرق. وذكرت له أمثال ذلك مما يطول شرحه، واتفق الأشاعرة والمعتزلة على نقله فلم يمكنهم إنكاره فلذا تأولوه بتكلفات تصغر عن النقل ويحكم بفسادها كل ذي عقل، وكان يجيبني في المجلس بما ذكروه من التكلفات فأرده بأيسر وجه، وقلت له: أن اتباع الحق يحتاج إلى إنصاف وترك الهوى والتقليد المألوف وإلا فمعاجز نبينا الدالة على صدقه لا يبقي لأحد شك فيها والكفار لما سلكوا التعصب والعناد والتقليد المألوف لهم لم تشرب أنفسهم قبول ذلك وقابلوه بالشبهات فبقوا على كفرهم، فاعترف بذلك. ودخلت إلى عنده يوما فرأيت بين يديه كتبا منها صحيح البخاري فتذكرت الأحاديث التي فيه يذكر فيها أن الأئمة اثنا عشر فأريته إياها وذلك أنه روي في صحيح البخاري بطريقين أحدهما إلى جابر بن سمرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يكون بعدي اثنا عشر أميرا فقال كلمة لم اسمعها فقال أبي كلهم من قريش وثانيهما إلى ابن عيينة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا ثم تكلم بكلمة خفيت علي فسالت أبي ما ذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كلهم من قريش وروي في صحيح البخاري بطريق آخر إلى ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان وذكرت له أن مسلما روى في صحيحه هذا الحديث بلفظه وروى مسلم أيضا في صحيحه هذا الحديث بلفظه وروى مسلم أيضا في صحيحه الحديث الأول بطرق متعددة وكان صحيح مسلم عنده فأتى به فأريته ذلك فيه وفي بعضه: لا يزال هذا الدين عزيزا فقلت له هذا عين ما تقوله الشيعة وشاهد بصحة معتقدهم لأنهم هم المتمسكون بالخليفتين اللتين لن يفترقا حتى يردا الحوض القائلون بالاثني عشر خليفة الموادون أهل بيت نبيهم الذين جعل الله ودهم اجر الرسالة بقوله تعالى قل لا اسألهم عليه أجرا إلا المودة في القربى فإن غير الشيعة لم يميزوهم عن غيرهم بل قدموا غيرهم عليهم، ثم باحثته في مسائل كلامية كالرؤية والقضاء والقدر وفي مسائل فرعية كالمسح والمتعة وذلك بعد أن أذعن واستقر الإيمان في قلبه وصار من خواص الشيعة والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين إلى يوم الدين. انتهى ما أردنا نقله من هذه الرسالة وتركنا منها أشياء لم ننقلها.

ما وجد بخطه من تواريخ إخوته

وأولاده وغيرهم

ولا يخلو ذكره من فائدة في الرياض: رأيت في أردبيل على ظهر نسخة من إرشاد العلامة نقلا عن خط المترجم له وكتبه الكاتب في حياته ما صورته: مولد أخي الأكبر الشيخ نور الدين سنة 898 وأخي الشيخ محمد 903 ووفاته 952 وأختي... سنة 950 ووفاتها 970 وتولد أخي الحاج زين العابدين أطال الله بقاءه 909 ثم كتب غيره أو هو بعده بزمان أن وفاته 965 ثم كتب الشيخ وتولد ابنه أي ابن أخيه المذكور الشيخ تقي الدين سنة 920 ووفاته 972 ومولد هذا الفقير الكاتب أول يوم من المحرم 918 وتوفيت زوجتي خديجة بنت الحاج علي رحمهما الله تعالى في مدينة هراة 26 شهر... سنة 976 ونقلت إلى جوار ثامن الأئمة علي بن موسى الرضا عليه السلام وكتب الشيخ البهائي تحته ما صورته كتب الوالد ولدت المولودة الميمونة بنتي... ليلة الاثنين 3 صفر سنة 950 وأخوها أبو الفضائل محمد بهاء الدين أصلحه الله وأرشده عند غروب الشمس يوم الأربعاء 17 ذي الحجة سنة 953 وأختهما أم أيمن سلمى بعد نصف الليل 16 المحرم سنة 955 وأخوهم أبو تراب عبد الصمد ليلة الأحد وقد بقي من الليل نحو ساعة 3 صفر سنة 966 في قزوين وابن أخته السيد محمد ليلة السبت صفر من السنة المذكورة وتوفي قده ومولد شيخنا الشيخ زين الدين رفع الله قدره سنة 911 ووفاته 965. وقد كنى أولاده ولقبهم كما هو المستحب.

أسرته

في روضات الجنات عن صاحب حدائق المقربين عن المولى محمد تقي المجلسي الأول عن الشيخ البهائي أنه كان يقول أن آباءنا وأجدادنا في جبل عامل كانوا دائما مشتغلين بالعلم والعبادة والزهد وهم أصحاب كرامات ومقامات. وقد كان والده وجده شمس الدين محمد بن علي الذي ينقل صاحب البحار عن خطه كثيرا صاحب المجموعة من كبار العلماء وكذلك كثير من بني ابنه وعمومته وكذلكأخوه العالم الفقيه الشاعر نور الدين أبو القاسم علي بن عبد الصمد وابن ابنه الشيخ حسين بن عبد الصمد بن حسين بن عبد الصمد المار ذكره ومن ذرية ولده عبد الصمد آل مروة العامليون.

أولاده

له من الذكور ولدان أحدهما الشيخ البهائي الذائع الصيت المشتهر زيادة عن أبيه ولذلك يعرف به أبوه فيقال والد الشيخ البهائي ثانيهما الشيخ عبد الصمد وله صنف الشيخ البهائي الصمدية في النحو سمي باسم جده.

مشايخه

1- الشهيد الثاني

2- السيد حسن بن جعفر الكركي وروى عنهما بالإجازة.

تلاميذه

1- ولده البهائي ويروي عنه إجازة

2- حسن صاحب المعالم يروي عنه إجازة

3- السيد حسن بن علي بن شدقم الحسيني المدني يروي عنه إجازة

4- الشيخ رشيد الدين بن الشيخ إبراهيم الأصفهاني ويروي عنه إجازة ورأى صاحب الرياض إجازته له على ظهر إرشاد العلامة

5- الشيء خ أبو محمد الشهير ببايزيد البسطامي في الذريعة يروي عن الشيخ عز الدين الحسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي

6- المسمى ملك علي يروي عنه إجازة ورأينا إجازته له بخط يده في طهران في مكتبة فضل الله النوري الشهيد وهذا صورتها.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على ما أنعم وكفى وصلاة وسلام على سيدنا محمد المصطفى وعلى آله وخلص أصحابه أهل الكرم والوفاء. وبعد فيقول فقير ورحمة ربه الغني حسين بن عبد الصمد الحارثي أصلح الله شانه وصانه عما شانه أني أروي كتاب الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني رفع الله درجته وكتابي التهذيب والاستبصار للشيخ الطوسي رحمه الله تعالى وجميع كتب من نظم في هذه السلسلة بالطريق المذكور فيها وهو ما أخبرنا به السيد الجليل الورع الرباني المتأله ذو المفاخر والمناقب خلاصة آل أبي طالب السيد حسن ابن السيد جعفر الحسيني نور الله تربته ورفع درجته والشيخ الجليل النبيل زبدة الفضلاء العظام وفقيه أهل البيت عليه السلام زين الدنيا والدين بن علي بن أحمد العاملي أفاض الله على روحه الزكية المراحم الربانية وأسكنه مع أئمته الطاهرين في الدرجة العلية عن شيخهما التقي الفاضل الورع الشيخ علي بن عبد العالي الميسي رحمه الله تعالى عن الشيخ الجليل التقي الأصيل شمس الدين محمد بن داود المؤذن الجزيني عن الشيخ ضياء الدين علي عن والده السعيد الشهيد محمد بن مكي عن السيد فخار وعن الشيخ ضياء الدين بن محمد بن مكي عن السيد تاج الدين بن معية الحسيني عن الشيخ العلامة جمال الدين بن مطهر عن الشيخ المحقق نجم الدين ابن سعيد عن السيد فخار عن شاذان ابن جبرئيل عن أبي القاسم محمد ابن أبي القاسم الطبري عن الشيخ الفقيه أبي علي الحسن عن أبيه شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي عن الشيخ الأعظم أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان المفيد عن الشيخ الإمام أبي جعفر بن قولويه عن الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله تعالى عن عدة من أصحابنا عن علي بن أسباط عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أن أمير المؤمنين صلى الله عليه وسلم كان يقول طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه ولم ينس ذكر الله بما تسمع أذناه ولم يحزن صدره بما أعطي غيره وقد أجزت للأخ في الله المحبوب لوجه الله ملك علي أعلى الله قدره رواية جميع كتب من اندرج في هذه السلسلة فليرو ذلك بشرائطه محتاطا لي وله فهو أهل ذلك لا زال مسددا مؤيدا إلى يوم الدين انتهى.

مؤلفاته

1- رسالة في الدراية مطبوعة

2- تحفة أهل الإيمان في قبلة عراق العجم وخرأسان رد فيها على المحقق الكركي كما مر عند ذكر أقوال العلماء فيه

3- شرح الأربعين حديثا في الأخلاق ألفه باسم الشاه طهماسب الصفوي

4- شرح قواعد الأحكام للعلامة

5- شرح ألفية الشهيد في فقه الصلاة ممزوج مع المتن مبسوط فرغ من تأليفه في بلدة هراة في أواخر الشهر الأول من السنة الأولى من العشر التاسع بعد التسعمائة في نظام الأقوال لم يعمل مثله

6- شرح آخر على ألفية الشهيد فيه مناقشات مع الشهيدين والمحقق الكركي ذكره صاحب رياض العلماء

7- الرسالة الطهماسية وفي الرياض التحفة الطهماسية في المواعظ الفقهية بالبال أنها له والظاهر أن الصواب ما في رسالة مظفر علي

8- الرسالة الوسواسية كما في رسالة مظفر علي وفي أمل الآمل رسالة في الرد على أهل الوسواس سماها العقد الحسيني أو الحسني ألفها باسم الشاه طهماسب وفي الرياض رأيت من مؤلفاته العقد الطهماسي فيه مسائل عديدة من الطهارة والصلاة ومن جملتها مسألة الوسواس ألفها باسم السلطان المذكور أورد فيها مسألة الوسواس وأطال الكلام في المنع عنه حيث كان السلطان المزبور مبتلى به أما العقد الحسيني فلم أظفر به والظاهر أنه الطهماسي

9- الرسالة الرضاعية

10- حاشية الارشاد لم تنم

11- وصول الأخيار إلى أصول الأخبار في الرياض وهو كتاب حسن طويل الذيل في علم الدراية وذكر في أوله أدلة الإمامة وأطل فيها وهو كثير الفوائد

12- رسالة في الرحلة يذكر فيها وقائع ما اتفق له في أسفاره وهذه لا وجود لها ولو وجدت لكانت من الرسائل الممتعة لأنه مع علمه وكثرة اطلاعه قد طاف شرق الأرض وغربها فلا بد أن يكون حصل له أمور شتى نادرة

13- رسالة في مناظرته مع بعض علماء حلب في الإمامة سنة 951 رأيتها بالنجف الأشرف وعليها خط الشهيد الثاني بإجازتها لبعض آل سليمان العامليين ثم استنسختها في كرمانشاه سنة 1353 ونقلت أكثرها فيما مر من أخباره

14- رسالة في عينية صلاة الجمعة

15- رسالة في الاعتقادات الحقة

16- تعليقات على الصحيفة الكاملة السجادية

17- تعليقات على خلاصة العلامة في الرجال

18- كتاب الغرر والدرر في الرياض رأيت في بعض المواضع فائدة في مسألة صلاة الجمعة منقولة من كتاب الغرر والدرر للشيخ حسين بن عبد الصمد

19- رسالة في طهارة الحصر والبواري بالشمس

20- رسالة في صرف سهم الإمام من الخمس إلى فقراء السادة في الرياض لطيفة حسنة فرع منها سنة 968

21- رسالة في الواجبات الملكية وهي في الأمور الواجب معرفتها وجعلها ملكة في الاعتقادات والعمليات مذكورة في الرياض قال وهي حسنة الفوائد ولعلها رسالة الاعتقاديات الحقة المتقدمة

22- تعليقات عديدة على كتب الحديث والفقه غير مدونة كما في الرياض

23- فتاوى كثيرة متفوقة في الرياض رأيت بعضها

24- إصلاح جامع البين من فوائد الشرحين وذلك أن العلامة الحلي له تهذيب طريق الوصول إلى علم الأصول وعليه شرحان للأخوين الأعرجيين السيد عميد الدين والسيد ضياء الدين ابني أخت العلامة الحلي وقد جمع الشهيد الأول الشرحين في كتاب وزاد عليهما وسماه جامع البين من فوائد الشرحين عن كتاب كشف الحجب أن الشهيد ألف هذا الكتاب في أوائل شبابه ولم يراجع المسودة لذلك بقيت النسخة غير منقحة فوجدها المترجم وأصلحها سنة 941 جامعا فيها كلا الشرحين وزيادة الشهيد

25- جوابات الاعتراضات العشرة على قول النبي صلى الله عليه وسلم أني أحب من دنياكم ثلاثا النساء والطيب وقرة عيني الصلاة

26- جواب كتاب السلطان سليمان العثماني إلى الشاه طهماسب الصفوي يطلب منه إطلاق ولده فكتب الجواب المترجم والجواب مدرج في كتاب فضائل السادات المطبوع

27- ديوان شعر كبير.

أشعاره

قد عرفت أن له ديوان شعر كبير ومن شعره قوله أورده ولده في الكشكول:

وله قصيدة طويلة تبلغ 69 بيتا قال ولده في الكشكول عارض بها البردة وقال صاحب السلافة يزعم أنه عارض بها البردة مشيرا إلى انحطاطها عن البردة وزاد في ذلك التزامه أنواع البديع المتكلفة التي تؤثر انحطاطا في الشعر البارع فضلا عن غيره كقوله:

نقلنا منها هذا نموذجا لما تركناه منها لا لأنه مما يختار وأوردها ولده في كشكوله بتمامها يقول فيها:

ومنها في المهدي ع:

وقال البهائي في الكشكول مما أنشدنيه والدي طاب ثراه وكان كثيرا ما ينشده لي أقول فيمكن كونه من نظمه ويمكن كونه لغيره:

وقال الشيخ حسين بن عبد الصمد على طريقة أهل التصوف:

وفي أنوار الربيع من الاقتباس من الفقه قول أبي الفضل الدارمي، وقيل القاضي عبد الوهاب المالكي.

قال وقد أجاب عن ذلك جماعة من الأدباء منهم شيخنا الشيخ حسين ابن عبد الصمد العاملي رحمه الله فقال:

مراثيه

في الرياض رثاه جماعة من الشعراء وفي كشكول البهائي رثى السيد الأجل والد جامع الكتاب بقصيدة مطلعها:

ولم يذكر من هو هذا السيد الأجل ويمكن كونه الذي ذكره البهائي في كشكوله في موضع آخر فقال مما كتبته إلى السيد الأجل قدوة السادات العظام السيد رحمة الله قدس الله روحه، وممن رثاه ولده الشيخ البهائي بقصيدة ذكرها في كشكوله أولها:

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 6- ص: 56