السيد حسين ابن السيد رضا ابن السيد مهدي بحر العلوم الطباطبائي النجفي
ولد بالنجف سنة 1221 وتوفي سنة 1306 أراد النزول من سطح داره فزلت رجله وسقط من الدرج وبقي من الفجر إلى الزوال وتوفي ودفن بالنجف في مقبرة جده بجنب قبة الشيخ الطوسي.
كان فقيها ماهرا أصوليا أديبا شاعرا جليلا نبيلا زاهدا ورعا عرضت عليه الأموال الهندية المعروفة وهي الموضوعة في البنك الانكليزي من قبل امرأة هندية من الشيعة ليكون ريعها يصرف في النجف وكربلاء على يد المجتهدين وهي في كل شهر خمسة آلاف روبية فلم يقبلها بل خرج من النجف وسكن كربلاء مدة فرارا من الرياسة وانزوى وكان لا يأذن لأحد بالدخول عليه كف بصره في آخر عمره فسافر إلى بلاد إيران سنة 1284 للمداواة وزار مشهد الرضا عليه السلام فلما قارب الحضرة الشريفة أنشد قصيدته التي مطلعها:
كم أنحلتك على رغم يد الغير | فلم تدع لك من رسم ولا أثر |
زدنا هوى والبين أنحلنا ضني | فالبين فينا لم يزل بمزيد |
لكنني عود الخلال من الضنى | أحكي وتحكيه هلال العيد |
هاتها صهباء تحكي للندامى | لون خديك لهيبا وضراما |
قام يجلوها ويسقيني من الثغر | حاما ومن الصهباء جاما |
فحباني بحميا ريقه | وانثنى يسقي نداماي المداما |
انس الصب المعنى بالهوى | من سنا وجنته نارا فهاما |
جل من قد جعل النار بها | أية للحسة بردا وسلاما |
إن بدا ذاك المحيا في دجى | بسنا طلعته يجلو الظلاما |
طلعة يشبهها البدر إذا | ما حوى البدر كمالا وتماما |
عبقت في الحي من أنفاسه | نفحة تزري بأنفاس الخزامي |
مفرد في حسنه مهما انثنى | أخجل الأغصان عطفا وقواما |
أفأسلوه وفي قلبي هوى | البس الجسم نحولا وسقاما |
لا وعينيه ولو اقضي أسى | لست أسلوه فدع عنك الملاما |
رحت تلحو في ملامي جاهدا | أو يجدي اللوم صبا مستهاما |
يا خليلي إذا ما جئتما | أهل ودي فاقرءا عني السلاما |
البسوا جسمي سقاما بعدما | سلبوا بالهجر من عيني المناما |
واسألا بدر ثم غاب عن | ناظري هل حل هاتيك الخياما |
عجبا أشكو نواه ولقد | حل في أكناف قلبي وأقاما |
حبذا أيام انس سلفت | بالحمى أذكرها عاما فعاما |
طال شجوي يا منى النفس فكم | ذا التجني وإلى ما وعلى ما |
كلما ازددت صدودا وقلى | زدت في حبك شوقا وهياما |
أفهل من نظرة تحيي حشي | مدنف أم رشفة تشفى الأواما |
ذاب قلبي من شجي فيك فجد | لي بوصل قبلما ألقى الحماما |
وترفق بمعنى طالما | ناح حتى علم النوح الحماما |
فإلى من اشتكى جور رشا | لا يراعي لي عهدا وذماما |
ويرى سفك دمي حلاله | ووصال الوامق العاني حراما |
فاتر اللحظ متى نحوي رنا | سل من أجفان عينيه حساما |
فاق أرام الحمى جيدا كما | فقت أهل الحب وجدا وغراما |
وسما البدر سناء مثلما | قد سما خير الوصيين الأناما |
ذاك صنو المصطفى الهادي ومن | شرف الله به البيت الحراما |
العلي المرتقي في عزه | وعلاه مرتقى عز مراما |
خصه الله بعلم وعلى | واصطفاه للورى طرا إماما |
وحباه بمزايا لم تنل | أبد الدهر وجلت أن تراما |
اسمها المشتق من أسمائه | ينعش الأرواح بل يحيي العظاما |
وولاه العروة الوثقى التي | لا ترى فيها انقصاما وانفصاما |
معدن الأسرار والعلم فكم | كشف الأستار عنه واللثاما |
آية الله ولولاه لما | عرف الله ولا الدين استقاما |
حيدر الكرار حامي الجار | والقاسم الجنة والنار سهاما |
قوله الحق إذا قال وإن | صال يوما صدم الجيش اللهاما |
طلق الدنيا ثلاثا عفة | ورأى تطليقها ضربا لزاما |
يا إماما شاد أعلام الهدى | وغدا للدين والدنيا قواما |
لم تزل للخلق ملجأ ورجا | وثمالا للأيامى واليتامى |
وحمى يستدفع الخطب به | إن دهى الخطب وللكون نظاما |
جللته قبة حفت بها | زمر الأملاك عزا واحتراما |
كعبة الوفاد لم تبرح على | بابها الناس عكوفا وقياما |
والى نحو حماه لم تذل | بهم أيدي المهارى تترامى |
أخجل البحر صلات وندى | وقضى الدهر صلاة وصياما |
طاهر من نسل طهر طاهر | والد الأطهار من سادوا الأناما |
يا هداة بدأ الله بهم | وبهم قد جعل الله الختماما |
بكم استمسكت للعفو ومن | بكم استمسك لم يلق آثاما |
ذخر الباري لمن والاكم | غرفا فيها يلقون سلاما |
ولمن عاداكم نار لظى | إنها ساءت مقرا وسقاما |
أهل بيت قد علا بيتهم | ركن بيت الله قدرا واحتراما |
وبه تزدحم الأملاك | والمورد العذب ترى فيه ازدحاما |
حجج الله على الخلق ومن | بهم في الجدب نستسقي الغماما |
ولكم في محكم الذكر لهم | مدح فاقت على العقد انتظاما |
أعرضوا عن كل لغو وزكوا | فإذا مروا به مروا كراما |
ومشوا في الأرض هونا وإذا | جاهل خاطبهم قالوا سلاما |
وسيصلي الله من خالفهم | لهب النار وإن صلى وصاما |
صاح إن جئت إلى أبوابهم | فالزم الأعتاب لثما واستلاما |
حتام يرمي بالنوى متيما | قد أخلص الحب له وامحضا |
يا خير آرام النقي رفقا بمن | يرى هواك خير فرض فرضا |
هب أنه يغضي ولكن الحشي | ملهبة منك بنيران الغضا |
لو أنه يفضي إليك بعض ما | يكتمه لضاق عن ذاك الفضا |
يجرع ما يجرع بالهجر وهل | لذي الهوى إلا الرضا إن رفضا |
قد أضرم الأحشاء حب شادن | علقته دون الظباء عرضا |
لم أدر إن رنا بأسهم اللخط | قضت أم بأسياف القضا |
نواظر ترمي على البعد الحشي | أشد من وقع السهام مضضا |
يعبث في سفك دمي لا عن رضا | يا حبذا لو كان ذاك عن رضا |
ملكته كلي طوعا فلما | غادرني يوم النوى مبعضا |
لم انقض العهد ولم أسل وإن | نسي العهود ساليا أو نقضا |
كم من عذول لا مني فيه ولا | أراه إلا حاسدا أو مبغضا |
هيهات لا أصغي للوم لائم | إن صرح اللائم بي أو عرضا |
وليس لي عمر الزمان في الورى | من غرض حسبي رضاه غرضا |
فاحكم بما شيءت علي لست في | حكمك يا أحلى الورى معترضا |
غدوت من فرط الصدود والجفا | أكابد الوجد وأشكو المرضا |
ولم يزل بعدك طرفي ساهرا | فلا وعينيك غفا أو غمضا |
وطالما اعترضت دمعي مغريا | فهل ترى اليوم فتى لي معرضا |
لله أيام مضت بقربكم | وصفو عيش بالغضى قد انقضى |
فلست أرضى أحدا من الورى | عنكم ورب المأزمين عوضا |
أهل قضى الدهر علي بالنوى | والدهر لا يعدل كيفما قضى |
بالرغم قد صوح روض حسنه | مثل شهاب في دجى الليل أضا |
راع الظباء الراعيات وخطه | بأبيض يحكي الحسام المنتضي |
متيم فرط الهوى أنحله | فكاد لا يقوى على أن ينهضا |
بالرغم قد صوح روض حسنه | والروض يذوي بعد ما قد روضا |
شاب ولكن لم تشب آماله | أبعد شيب المرء عيش يرتضى |
يأمل بعد أربعين حجة | أن يرجع العمر له وقد مضى |
أما يرى به الهموم طنبت | والشيب حل والشباب قوضا |
عالج وداو داء حب مزمن | أعياك يا صاحب بمدح المرتضى |
من كون الكون له ومن له | فصل القضا حتما بيوم الانقضا |
من فاق آفاق السماء رفعة | بها سوى الباري تعالى خفضا |
من كان نفس المصطفى فهل ترى | يحكي علاه جوهرا أو عرضا |
من بات في مضجعه وقاله | فقام في عبء العلى منتهضا |
من مرد الصم العتاة سيفه | سيف يهابه القضا إن ومضا |
من بارئ الخلق بفرض وده | في محكم الذكر عيانا فرضا |
من بغدير خم في إمرته | هادي البرايا للبرايا حرضا |
سر الوجود حجة المعبود من | إليه أمر النشأتين فوضا |
محض كمال نوره القدسي من | أنوار بارئ الورى تمحضا |
جدل كل ضيغم إذا سطا | بصارم يجلو الدياجي ابيضا |
ما مسكت كف القضا مقبضة | إلا وللأرواح طرا قبضا |
يا محرزا أسرار إعلام الورى | بأسرها وللضلال مدحضا |
وماضي العزم فما ماثله | قط نبي من أولي العزم مضى |
نور سامي ذكرك الأكوان ما | أنار بدر في الدياجي وأضا |
إذا الدهر أصلح من جانب | ألح فأفسد من جانب |
فلم يجد منه وعدوائه | احتراز المقيم ولا الهارب |
لكل امرئ أجل محرز | بذاك جرى قلم الكاتب |
أرى الموت أقرب من حاجب | لعين وعين إلى حاجب |
أبا محسن إن حسن الفعال | يعقب حسنا إلى الراغب |
أطاعك عزم ولا صارم | إذا السيف عاصى يد الضارب |
لقد كنت في زمن ما حل | كمثلك في زمن خاصب |
رثيت ولم اقض من واجب | علي ولا البعض من واجب |
سقيت وإن كنت صوب الحيا | سكوبا بصوب الحيا الساكب |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 6- ص: 18