أبو علي الحسين بن حمدان بن حمدون بن الحارث بن منصور بن لقمان التغلبي العدوي عم سيف الدولة.
قتل في جمادى الأولى سنة 306 قتله المقتدر العباسي في بغداد. في شذرات الذهب أنه ذبح في حبس المقتدر بامره وفي صلة تاريخ الطبري لعريب القرطبي أنه مات في الحبس وقد قيل أنه قتل اه. ذكر نسبه كما ذكرناه المسعودي في مروج الذهب ومر ما يعرف به تمام 491 نسبه في ترجمة أبي فراس الحارث بن سعيد بن حمدان بن حمدون. وفي تاريخ ابن عساكر كما في النسخة المطبوعة كما يأتي الحسين بن أحمد بن حمدان التغلبي ولم يذكره غيره فيما عثرنا عليه بل كلهم قالوا الحسين بن حمدان فاما أن تكون لفظة أحمد زائدة من النساخ أو أن يكون أحمد هو حمدان كما ذكرناه في حمدان ولفظة ابن زائدة.
أحواله
كان أميرا شجاعا مهيبا فارسا فاتكا كريما كما يستفاد من اخباره الآتية وكان خلفاء بني العباس يعدونه لكل مهم وهو الذي قبض هارون بن عبد الله الشاري بعد ما استفحل أمره فندبه المعتضد لقتاله وأتى به أسيرا إلى المعتضد وندبه المكتفي لحرب القرامطة واستئصال شافتهم فكان له في ذلك المقام المحمود وندبه المكتفي أيضا لقتال الطولونية بدمشق وولاه المقتدر الحرب بقم وقاشان فأظهر كفاءة وأرسله المقتدر لحرب القرامطة وكاتبه المقتدر في انجاد أمير جند قنسرين لما حاصره بنو تميم فاسرى إليهم واستاصلهم كما يأتي تفصيل ذلك كله.
وقال أبو عبد الله الحسين بن خالويه النحوي في شرح ديوان أبي فراس سمعت من غير واحد أنه كان في خزائن الحسين بن حمدان نيف وعشرون طوقا من ذهب لنيف وعشرين فتحا بالمشرق والمغرب والحسين نازل الأسد ثلاث مرات فقتله إحداهن بين يدي المعتضد وكان أحسن ما فعله إنه قتله ومسح سيفه في جلده ورده إلى غمده وسار في عرض الناس ولم يلتفت إلى الخليفة ولا احتفل به وقال كما يأتي وخبره في قتله العباس بن الحسن وفاتكا المعتضدي مشهور وزحفه إلى دار الخلافة وإحراقه بابها معروف اه. وفي تاريخ دمشق لابن عساكر الحسين بن أحمد بن حمدان التغلبي عم سيف الدولة كان من وجوه الأمراء.
أخباره
قال ابن عساكر قدم دمشق في جيش أنفذه المكتفي لقتال الطولونية وقدمها مرة اخرى لقتال القرامطة في أيام المكتفي وخلع عليه المقتدر وولاه ديار ربيعة سنة 299 وغزا الصائفة سنة 301 ففتح حصونا كثيرة وقتل خلقا من الروم ثم خالف فبعث اليه المقتدر عسكرا فظفروا به وادخل بغداد فحبس ثم قتل سنة 306 وعن تاريخ الإسلام للذهبي أنه قدم الشام لقتال الطولونية في جيش من قبل المكتفي وقدم دمشق لحرب القرامطة أيام المقتدر ثم ولاه ديار ربيعة فغزا وافتتح حصونا وقتل خلقا من الروم ثم خالف فسجن ثم قتل سنة 306 اه. وقال الطبري أنه في سنة 282 لما طلب المعتضد حمدان بن حمدون والد المترجم فلم يحضر اليه وجه اليه المعتضد الجيوش وكان ابنه الحسين بن حمدان في قلعة بموضع يعرف بدير الزعفران من أرض الموصل فلما رأى الحسين أوائل العسكر مقبلين طلب الامان فأومن وصار الحسين إلى المعتضد وسلم القلعة فأمر بهدمها اه. ومن وقائع الحسين بن حمدان وكان خرج بنواحي الموصل سنة 283 فندبه المعتضد لقتاله فقاتله وأسره وجاء به إلى المعتضد.
قال ابن خالويه لما استفحل أمر هارون الشاري وغلب على الأعمال وهزم جيوش السلطان وكان بنو حمدان في بقية النكبة التي نكبهم بها المعتضد فأشار بدر على المعتضد بإنفاذ الحسين بن حمدان فأنفذه ومعه جيوش كثيرة و سار إلى هارون فأوقع به وقتل رجاله وأسره وسار به متوجها إلى المعتضد وخالفه موشكير إلى الموصل فلم ير الحسين بها وكتب للمعتضد بهزيمته ومطابقته للشاري فغلظ ذلك على المعتضد فأمر بقتل أبيه حمدان بن حمدون وكان محبوسا في حبس المعتضد فسأله بدر التوقف وقدم الحسين بالشاري فاشتد سرور المعتضد وحكمه في ثلاث حوائج فسال اطلاق أبيه فأطلق وإزالة الاتاوة عن بني تغلب فازيلت وإثبات خمسمائة فارس منهم يضمون اليه فأثبتوا وفي ذلك يقول أبو فراس في رائيته الطويلة:
و اقبل بالشاري يقاد أمامه | وللقد في كلتا يديه ظفائر |
أماط عن الاعراب ذل اتاوة | تساوى البوادي عندها والحواضر |
وقال ابن الأثير في حوادث سنة 283 فيها سار المعتضد إلى الموصل بسبب هارون الشاري فوصل إلى تكريت واقام بها واحضر الحسين بن حمدان التغلبي وسيره في طلب هارون بن عبد الله الخارجي في جماعة من الفرسان والرجالة فقال له الحسين ان انا جئت به فلي ثلاث حوائج عند أمير المؤمنين قال له اذكرها قال إحداهن اطلاق أبي وحاجتان اذكرهما بعد مجيئي به فقال له المعتضد لك ذلك فانتخب ثلاثمائة فارس وسار بهم ومعهم وصيف بن موشكير فقال له الحسين تامره بطاعتي فأمره بذلك وسار بهم الحسين حتى انتهى إلى مخاضة في دجلة فقال الحسين لوصيف ولمن معه لتقفوا هناك فإنه ليس له طريق ان هرب غير هذا فلا تبرحن من هذا الموضع حتى يمر بكم فتمنعوه عن العبور واجيء انا أو يبلغكم اني قتلت ومضى حسين في طلب هارون فلقيه وواقعه وقتل بينهما قتلى وانهزم هارون واقام وصيف على المخاضة ثلاثة أيام فقال له أصحابه قد طال مقامنا ولسنا نأمن ان يأخذ حسين الشاري فيكون له الفتح دوننا والصواب ان نمضي في آثارهم فاطاعهم ومضى وجاء هارون منهزما إلى موضع المخاضة فعبر وجاء حسين في اثره فلم ير وصيفا وأصحابه في الموضع الذي تركهم فيه ولا عرف لهم خبرا فعبر في اثر هارون وجاء إلى حي من احياء العرب فسال عنه فكتموه فتهددهم فأعلموه انه اجتاز بهم فتبعه حتى لحقه بعد أيام وهارون في نحو مائة رجل فناشده الشاري ووعده فأبى حسين الا محاربته فحاربه فالقى الحسين نفسه عليه فأخذه أسيرا وجاء به إلى المعتضد فانصرف المعتضد إلى بغداد وخلع على الحسين بن حمدان وطوقه وخلع على اخوته وادخل هارون على الفيل وامر المعتضد بحل قيود حمدان بن حمدون والتوسعة عليه والإحسان اليه ووعد باطلاقه. وفي مروج الذهب انه في سنة 283 نزل المعتضد تكريت وسار الحسين بن حمدان في الأولياء لحرب هارون الشاري فكانت بينهم حرب عظيمة كانت للحسين بن حمدان عليه فاتى به المعتضد أسيرا بغير أمان ومعه أخوه ثم خلع المعتضد على الحسين بن حمدان خلعا شرفه بها وطوقه بطوق من ذهب وخلع على جماعة من فرسانه ورؤساء أصحابه واهله وشهرهم في الناس كرامة لما كان من فعلهم وحسن بلائهم ثم امر بالشاري فاركب فيلا وخلفه أخوه على جمل فالج وهو ذو السنامين وسيرهم في اثر الحسين بن حمدان وأصحابه ثم دخل المعتضد في اثره (اه) وفي هذه السنة أعني سنة 283 سير المعتضد بدرا المعتضدي ومعه 492 بنو حمدان وفيهم المترجم لحرب بكر بن عبد العزيز بن أبي دلف العجلي.
قال ابن خالويه: كان لبكر بن عبد العزيز بن أبي دلف العجلي صاحب وكان صاحب الحسين بن حمدان وضافه وقد شاهد الحسين في وقائعه وكان يكثر ذكره فلما سار بدر المعتضدي ومعه بنو حمدان إلى الجبل لحرب بكر بن عبد العزيز وكان أبو جعفر محمد بن الغمر بن احمد بن حمدون ابن عم الحسين طليعة للحسين فأسر فظن الحسين انه قد قتل فالتقى العسكران والحسين منفرد بأصحابه وانهزم جيش السلطان ولم يمهل بكر صاحبه ان قال ما أغنى عنهم الحسين فلما استولى بكر على العسكر خرج الحسين ينادي يا لثارات أبي جعفر محمد بن الغمر حتى وقع على سواد بكر فاحتوى عليه ووجد أبا جعفر مقيدا فاستنفذه فالتقاه بكر واشتد القتال وتبارزوا فكشفه الحسين وتمكن منه ورفع السيف عنه فلم يمهل صاحبه ان ذكره ما كان يصفه به وفي ذلك يقول أبو فراس:
و صدق في بكر مواعيد ضيفه | وثور بابن الغمر والنقع ثائر |
أذل بني عبد العزيز بوقعة | كثيرة ما القى القنا المتشاجر |
يريد به بكر بن عبد العزيز بن أبي دلف العجلي ويريد بضيفه صاحب بكر الذي كان يكثر ذكر الحسين بن حمدان لانه كان قبل ذلك ضيفا عند الحسين وورد الكتاب من بدر إلى المعتضد في صدر النهار يخبره بهزيمة عسكره فأمر بإخراج مضاربه وتلاه في آخر النهار كتاب الحسين يخبره بالفتح وهزيمة بكر بن عبد العزيز فرد مضاربه فقال الشاعر:
أقمت عمود الدين دين محمد | وقد مال أو كادت تميل جوانبه |
و أقررت رب الملك في دار ملكه | وذكرته ما كان يزعم صاحبه |
و أقررت بابن الغمر عين ربيعة | وقد كثرت بين البيوت نوادبه |
أراد برب الملك بكر بن عبد العزيز فإنه رفع السيف عنه ورده إلى ملكه وفي سنة 290 ظهر بالشام خارجي من القرامطة يعرف بالشيخ واسمه يحيى فحاصر دمشق وضيق على أهلها ثم قتل على باب دمشق فاجتمع أصحابه على أخيه الحسين وسمى نفسه احمد وهو المعروف بصاحب الشامة لانه أظهر شامة في وجهه وزعم انها آيته قال ابن الأثير ودعا الناس فأجابه أكثر أهل البوادي وغيرهم ثم كتب أهل الشام ومصر إلى المكتفي يشكون ما يلقون من القرمطي فتأهب وخرج بالجند إلى الشام وقدم بين يديه أبا الأغر في عشرة آلاف رجل فكبسهم صاحب الشامة قريبا من حلب فقتل منهم خلقا كثيرا وسلم أبو الأغر ثم تحارب صاحب الشامة وبدر مولى ابن طولون فانهزم القرمطي وقتل من أصحابه خلق كثير ومضى من سلم منهم نحو البادية فوجه المكتفي في أثرهم الحسين بن حمدان وغيره من القواد.
وقال ابن الأثير في حوادث سنة 291 ان الحسين بن حمدان كان أكثر الناس أثرا في حرب صاحب الشامة. وكتب محمد بن سليمان الكاتب - كاتب الجيش-إلى المكتفي يثني على الحسين بن حمدان وعلي بني شيبان فإنهم اصطلوا الحرب وهزموا القرامطة وأكثروا القتل فيهم والأسر حتى لم ينج منهم الا قليل (اه) وهذا إجمال لما فصله الطبري حيث ذكر في حوادث سنة 291 خبر الظفر بالقرمطي وان محمد بن سليمان -كاتب الجيش-كتب إلى الوزير بالفتح وذكر الكتاب بطوله ومن جملته: فلما رأى بعضنا بعضا حمل الكردوس الذي كان في ميسرتهم فقصد الحسين بن حمدان وهو في
وبموضعه من سائر أصحابه برماحهم فكسروها في صدورهم فانفلوا عنهم وعاود القرامطة الحمل عليهم فأخذوا السيوف واعترضوا ضربا للوجوه فصرع من الكفار الفجرة ستمائة فارس في أول وقعة وأخذ أصحاب الحسين خمسمائة فرس واربعمائة طوق فضة وولوا مدبرين مغلولين واتبعهم الحسين فرجعوا عليه فلم يزالوا حملة وحملة وفي خلال ذلك يصرع منهم الجماعة بعد الجماعة حتى أفناهم الله عز وجل فلم يفلت منهم الا أقل من مائتي رجل (اه) وفي الكتاب تفصيلات كثيرة فعل فلان كذا وفلان وهو مما يدل على تسافل أمور الدولة فلم تجر العادة في كتب الفتوح بمثل هذا التطويل والفضول وقال ابن خالويه لما عظم امر صاحب الشامة بالشام والمهينمة معه وهم من كلب فاجتمعت معه العرب وهزم العساكر فنهض اليه المكتفي حتى نزل بالرقة وجهز العساكر وانهض اليه الحسين بن حمدان فلحقه في أرض السماوة فأوقع به فهزمه وقتل رجاله وعاد وانحل بعدها امره حتى انهزم منفردا وأخذ في طريق الفرات مختفيا فاخذ وكان دليل الحسين في السماوة جلهمة الكلبي فعدل بهم عن الماء عصبية لقومه فأمر بضرب عنقه وسار يطلب الماء فلحقه بعد ان هلك خلق كثير من أصحاب أصحابه فقال بعض أصحاب الحسين:
لله ما أدرك منا جلهمه | أدرك ثار قومه المهينمة |
وقال عمارة الكلبي:
اما ورب المسجد المسجف | والمسجد الأقصى وآي المصحف |
لو لا الحسين فندف | وخيله ورجله لم تشتف |
نفس أمير المؤمنين المكتفي
وفي ذلك يقول أبو فراس في رائيته الطويلة:
و شن على ذي الخال خيلا تناهيت | سماوة كلب فيئها وعراعر |
اضقن عليه البيد وهي فضافض | واضللنه عن قصده وهو خابر |
قال ابن الأثير: في سنة 292 وجه المكتفي محمد بن سليمان إلى حدود مصر لحرب هارون بن خمارويه بن احمد بن طولون وسار حتى دنا من مصر. قال ابن خالويه وسار أبو علي الحسين بن حمدان وأبو سليمان داود بن حمدان المزرفن وأبو الوليد سليمان بن حمدان الحرون وأبو جعفر محمد بن الغمر بن احمد بن حمدون وسائر قواد السلطان مع محمد بن سليمان إلى مصر لحرب الطولونية وأحسن كل منهم الأثر وضرب الحسين صاحب جيشهم فقتله وهزم الجيش ودخل مصر وضرب أبو جعفر وسط الرجالة حتى سقط فرسه وقلد الحسين امر مصر فكرهها وفي ذلك يقول أبو فراس:
و أجلت له عن فتح مصر سحائب | من الطعن سقياها المنايا الحواضر |
تخالط فيها الجحفلان كلاهما | فغبن القنا عنها ونبن البوائر |
وقال الطبري وابن الأثير في حوادث سنة 293 ان زكرويه بن مهرويه القرمطي بعد ما قتل ابنه صاحب الشامة انفذ رجلا اسمه 493 عبد الله بن سعيد فتسمى نصرا ليعمي امره وقال ابن الأثير قيل ان المنفذ كان ابن زكرويه فاستغوى جماعة من كلب واستولوا على بصرى وأذرعات والبثنية وقصد دمشق فدافعهم أهلها فقصدوا طبرية فأنفذ الخليفة- المكتفي - الحسين بن حمدان وجماعة من القواد في طلبهم فورد دمشق وقد دخل أعداء الله طبرية فلما اتصل خبره بهم عطفوا نحو السماوة وتبعهم الحسين يطلبهم في برية السماوة وهم يتنقلون من ماء إلى ماء ويغورونه حتى لجئوا إلى مائين يعرف أحدهما بالدمعانة والأخر بالحبالة (بالحالة) وانقطع الحسين من اتباعهم لعدم الماء وعادة عاد إلى الرحبة واسرى القرامطة مع نصر إلى هيت فصبحوها وأهلها غافلون لتسع بقين من شعبان مع طلوع الشمس فنهبوا ربضها وامتنع أهل المدينة بسورهم فسير المكتفي إليهم محمد بن إسحاق بن كنداجيق إلى هيت فهربوا منه إلى المائين فتبعهم فوجدهم قد غوروا المياه فأنفذ اليه من بغداد الأزواد والروايا وكتب إلى الحسين بن حمدان بالنفوذ من جهة الرحبة إليهم ليجتمع هو ومحمد بن إسحاق على الإيقاع بهم فلما أحس الكلبيون بإقبال الجيش إليهم وثبوا بنصر فقتلوه قتله رجل منهم يسمى الذئب بن القائم وسار برأسه إلى الخليفة متقربا بذلك ومستأمنا لمن بقي منهم فأجيب إلى ذلك وقيل بل جاء برأسه إلى محمد بن إسحاق وبقي على المائين بقية منهم ممن له بصيرة في دينهم فكتب الخليفة إلى الحسين بن حمدان يأمره بمعاودتهم واجتثاث أصلهم. فأرسل زكرويه إلى القرامطة ومناهم النصر وواعدهم الكوفة يوم النحر سنة 293 فوافوها في ثمانمائة فارس فاوقعوا بمن لقوه من أهل الكوفة وقاتلهم أهلها فخرجوا عنها واستمد أهل الكوفة الخليفة فأمدهم بعسكر وجرت بينهم وقعة في موضع يعرف بالصوان فكانت الغلبة على عسكر الخليفة. ثم فتك القرامطة بالحاج سنة 294 فجهز المكتفي الجيوش لحرب القرامطة فأسر زكرويه بعد ما جرح ومات بعد خمسة أيام وانهزم جماعة من أصحابه إلى الشام وأخذوا طريق الفرات فأوقع بهم الحسين بن حمدان فقتلوهم جميعا وأخذوا جماعة من النساء والصبيان وذلك في جمادى الآخرة من هذه السنة. وفيها وجه الحسين بن حمدان من طريق الشام رجلا يعرف بالكيال مع ستين رجلا من أصحابه إلى السلطان كانوا استأمنوا اليه من أصحاب زكرويه وفيها كانت وقعة بين الحسين بن حمدان - عم سيف الدولة -و بين اعراب من بني كلب وطيئ واليمن وأسد وغيرهم (اه) وفي صلة تاريخ الطبري لعريب ان هذه الوقعة كانت بين الحسين بن حمدان واعراب كلب والنمر وأسد وغيرهم كانوا خرجوا عليه فهزموه حتى بلغوا به باب حلب (اه). وفي تجارب الأمم انه في سنة 296 كان التدبير يقع من محمد بن داود بن الجراح مع الحسين بن حمدان على إزالة أمر المقتدر ونصب عبد الله بن المعتز مكانه وواطا على ذلك جماعة من القواد والكتاب والقضاة وقال ابن الأثير في حوادث سنة 296 فيها اجتمع القواد والقضاة والكتاب مع الوزير العباس بن الحسن على خلع المقتدر والبيعة لابن المعتز وأرسلوا إلى ابن المعتز فأجابهم على ان لا يكون فيه سفك دم وكان الرأس في ذلك العباس بن الحسن وابن الجراح واحمد بن يعقوب القاضي ومن القواد الحسين بن حمدان وبدر الاعجمي ووصيف وقال الطبري واطا محمد بن داود بن الجراح جماعة من القواد على الفتك بالمقتدر والبيعة لعبد الله بن المعتز وكان العباس بن الحسن على مثل رأيهم وقال الطبري وابن الأثير ان الوزير لما رأى امره صالحا مع المقتدر بدا
له في ذلك فوثب به الآخرون فقتلوه وكان الذي تولى قتله منهم الحسين بن حمدان وبدر الاعجمي ووصيف وذلك في 20 ربيع الأول وفي تجارب الأمم فركب يوما العباس بن الحسن يريد بستانه المعروف ببستان الورد فاعترضه الحسين بن حمدان وعلاه بالسيف وقتله وكان إلى جانب فاتك المعتضدي يسايره فصاح بالحسين منكرا عليه فعطف عليه الحسين وقتله واضطرب الناس (اه).
وفي مروج الذهب: بويع المقتدر وعلى وزارته العباس بن الحسن إلى ان وثب الحسين بن حمدان ووصيف بن سوارتكين وغيرهما من الأولياء على العباس بن الحسن فقتلوه وفاتكا معه وذلك في يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة 296 (اه) وفي تكملة تاريخ الطبري لعريب: كان الحسين بن حمدان يحلف مجتهدا انه سمع العباس وزير المقتدر يكفر ويستخف بحق الرسول ص وانه قال في بعض ما جرى من القول قد كان أجيرا لخديجة ثم جاء منه ما رأيت قال فاعتقدت قتله من ذلك الوقت واعتقد غيره من القواد فيه مثل ذلك واجتمعت القلوب على بعضه بغضه فحينئذ وثب به القوم فقتلوه وكان الذي تولى قتله بدر الاعجمي والحسين بن حمدان ووصيف بن سوارتكين (اه) قال ابن الأثير وركض الحسين بن حمدان إلى الحلبة ظانا ان المقتدر هناك يلعب بالكرة فيقتله فلم يصادفه لانه كان هناك فبلغه قتل الوزير فركض دابته فدخل الدار وغلقت الأبواب فندم الحسين حيث لم يبدأ بالمقتدر وخلع المقتدر من الغد وبويع لابن المعتز.
وعاد الحسين بن حمدان بكرة إلى دار الخلافة فقاتله الخدم والغلمان والرجالة من وراء السور عامة النهار فانصرف عنهم آخر النهار فلما جنة الليل سار عن بغداد بأهله وكل ماله إلى الموصل لا يدري لم فعل ذلك وفي تكملة تاريخ الطبري لعريب انه في هذا اليوم كانت بين الحسين بن حمدان وبين غلمان الدار التي كان بها المقتدر حرب شديدة من غدوة إلى انتصاف النهار قال ابن الأثير: وكان ابن المعتز أرسل إلى المقتدر يأمره بالانتقال من دار الخلافة لينتقل هو إليها فأجابه بالسمع والطاعة وساله الإمهال إلى الليل. ولما هم المقتدر بالانتقال عن الدار قال من معه بعضهم لبعض لا نسلم الخلافة من غير ان نبلي غدرا فذهبوا إلى الدار التي فيها ابن المعتز فهرب الذين مع ابن المعتز على وجوههم وقالوا ان الحسين بن حمدان عرف ما يريد ان يجري فهرب من الليل وهذه مواطاة بينه وبين المقتدر وكان هذا سبب هربه قال ابن الأثير: وكان في هذه الحادثة عجائب إلى أن قال: ومنها أن ابن حمدان على شدة تشيعه وميله إلى علي ع وأهل بيته يسعى في البيعة لابن المعتز على انحرافه عن علي وغلوه في النصب (اه). ويظهر من ابن خالويه في شرح ديوان أبي فراس ان الحسين بن حمدان أحرق باب دار الخلافة حين حاصرها وحاربه غلمان المقتدر فإنه قال:
وخبره في قتله العباس بن الحسين -وزير المقتدر -و فاتكا المعتضدي -الأمير- مشهور وزحفه إلى دار الخلافة وإحراقه بابها معروف وفي ذلك يقول أبو بسام:
يا وزراء احترسوا بعدها | فمثلها ليس بمأمون |
و اين لليث واقرانه | فتك ابن حمدان بن حمدون |
وقال:
بهرام شونيز هذه الأمة | أنقذها سيفه من الظلمة |
494 لله در الحسين من ملك | مبرز في جلالة الهمة |
لم يعط عباس إذ طغى وبغى | عليه فيما اراده الصمة |
حتى علاه بمرهف خذم | ميد في قحف رأسه كمه |
ويظهر ذلك أيضا من شعر أبي فراس حيث يقول من قصيدته الرائية الطويلة:
و عمي الذي أردى الوزير وفاتكا | وما الفارس الفتاك الا المجاهر |
أذاقهما كاس الحمام مشيع | مشاور غارات الزمان مساور |
يطيعهم ما أصبح العدل فيهم | ولا طاعة للمرء والمرء جائر |
لنا في خلاف الناس عثمان اسوة | وقد جرت البلوى عليه الجرائر |
و سار إلى دار الخلافة عنوة | فحرقها والجيش بالدار دائر |
المراد بالوزير العباس بن الحسن وبفاتك المعتضدي قال ابن الأثير وسيرت العساكر من بغداد في طلب الحسين بن حمدان فتبعوه إلى الموصل ثم إلى بلد فلم يظفروا به فعادوا إلى بغداد فكتب الوزير إلى أخيه أبي الهيجاء- عبد الله-بن حمدان وهو الأمير على الموصل يأمره بطلبه فسار اليه إلى بلد ففارقها الحسين إلى سنجار وأخوه في اثره فدخل البرية فتبعه أخوه عشرة أيام فأدركه فظفر أبو الهيجاء وأسر بعض أصحابه وأخذ منه عشرة آلاف دينار وعاد عنه إلى الموصل ثم انحدر إلى بغداد فلما كان فوق تكريت أدركه أخوه الحسين فبيته فقتل منهم قتلى وانحدر أبو الهيجاء عبد الله إلى بغداد وأرسل الحسين إلى ابن الفرات وزير المقتدر وهو علي بن محمد بن الفرات يسأله الرضا عنه فشفع فيه إلى المقتدر بالله ليرضى عنه فرضي عنه ودخل الحسين بغداد فرد عليه أخوه ما أخذ منه واقام الحسين ببغداد إلى ان ولي قم فسار إليها وأخذ الجرائد التي فيها أسماء من أعان على المقتدر فغرقها في دجلة وقال في حوادث هذه السنة أيضا أي سنة 296 فيها سير القاسم بن سيما وجماعة من القواد في طلب الحسين بن حمدان فساروا حتى بلغوا قرقيسيا والرحبة فلم يظفروا به فكتب المقتدر إلى أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان وهو الأمير بالموصل يأمره بطلب أخيه الحسين فسار هو والقاسم بن سيما فالتقوا عند تكريت فانهزم الحسين فأرسل أخاه إبراهيم بن حمدان يطلب الامان فأجيب إلى ذلك ودخل بغداد وخلع عليه وعقد له على قم وقاشان فسار إليها وصرف عنها العباس بن عمرو (اه) وقال الطبري فيها أي سنة 296 وجه القاسم بن سيما مع جماعة من القواد والجند في طلب حسين بن حمدان بن حمدون فشخص لذلك حتى صار إلى قرقيسيا والرحبة والدالية وكتب إلى أخي الحسين عبد الله بن حمدان بن حمدون بطلب أخيه فالتقى هو وأخوه بموضع يعرف بالأعمى بين تكريت والسودقانية بالجانب الغربي من دجلة فانهزم عبد الله وبعث الحسين يطلب الامان فاعطي ذلك ولسبع بقين من جمادى الآخرة وافى الحسين بن حمدان بغداد فنزل باب حرب ثم صار إلى دار السلطان من غد فخلع عليه وعقد له على قم وقاشان (اه).
وفي تجارب الأمم في حوادث سنة 296: فيها كوتب أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان في قصد أخيه الحسين ومحاربته وأمد بالقاسم بن سيما في اربعة آلاف فاجتمعا ولقيا الحسين فانهزما وانحدر إبراهيم بن حمدان لاصلاح أمر أخيه الحسين فأجيب إلى ما التمس وكتب للحسين أمان وصار إلى الحضرة ونزل في الصحراء من الجانب الغربي ولم يدخل دار السلطان وقلد اعمال الحرب بقم وحملت اليه الخلع فلبسها ونفذ إلى قم وانصرف عنها العباس بن عمرو اه وفي كلام هؤلاء المؤرخين اختلافات (أحدها) أن مسكويه في تجارب الأمم يقول إن الذي قتل العباس بن الحسن الوزير هو الحسين بن حمدان علاه بالسيف وقتله وغيره يقول أن الذي تولى قتله الحسين بن حمدان وبدر الاعجمي ووصيف (ثانيها) أن ابن الأثير يقول ان الذي انهزم فيهو الحسين والطبري يقول ان الذي انهزم هو عبد الله وكذلك مسكويه صاحب تجارب الأمم يقول ان عبد الله وابن سيما انهزما (ثالثها) أن مسكويه يقول ان الحسين بن حمدان نزل في الصحراء ولم يدخل دار السلطان -و كأنه خاف الغدر-و الطبري يقول انه صار إلى دار السلطان وابن الأثير يقول انه دخل بغداد وهو محتمل للأمرين (رابعها) ما في كلام ابن الأثير من التنافي فان كلامه الأول يدل على أن أبا الهيجاء تواقع وحده مع أخيه مرتين مرة له ومرة عليه وذهب في الثانية إلى بغداد وأن أخاه تشفع بابن الفرات فشفع له فدخل بغداد وولي على قم وكلامه الثاني يدل على أنه واقع أخاه مع ابن سيما فهرب أخوه وأرسل أخاه إبراهيم يطلب الامان فأجيب فدخل بغداد وولي قم وفي ذلك من التنافي ما لا يخفى والذي يلوح أن الحسين لما خرج من بغداد أرسلت العساكر في طلبه إلى الموصل ثم إلى بلد فلم يظفروا به فعادوا ثم طلب إلى أخيه أن يطلبه فسار في طلبه إلى بلد ثم إلى سنجار ثم إلى البرية فظفر أبو الهيجاء وأسر بعض أصحاب أخيه وأخذ منه عشرة آلاف دينار وجدها في رحله وهرب أخوه ثم بيته أخوه فوق تكريت وانحدر أبو الهيجاء إلى بغداد ليبين عذره في حرب أخيه وليسلم العشرة آلاف دينار التي أخذها منه إلى السلطان ثم عاد إلى الموصل ثم سير ابن سيما ومن معه في طلب الحسين فلم يظفروا به فاضطر المقتدر إلى أن يكتب لأخيه ثانيا بطلبه مع ابن سيما فانهزم الحسين وأرسل أخاه إبراهيم إلى الوزير ابن الفرات فأصلح أمره مع الخليفة ودخل بغداد وولي على قم ومن أخبار الحسين بن حمدان وهو يتولى الحرب بقم ما في تجارب الأمم في حوادث سنة 297 أن سبكرى كان متغلبا على فارس فورد عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي كاتب سبكرى بغداد وقرر أمر سبكرى مع السلطان على شيء يحمله عن فارس ثم عاد إلى صاحبه فورد الخبر بان الليث بن علي خرج من سجستان فدخل فارس وخرج عنها سبكرى فندب مؤنس الخادم للشخوص إلى فارس فسار ووجد سبكرى برامهرمز وسار الليث إلى أرجان ليلقى مؤنسا فبلغ الليث أن الحسين بن حمدان قد سار من قم إلى البيضاء فخاف أن تؤخذ منه شيراز فوجه أخاه مع قطعة من جيشه إلى شيراز ليحفظها وأخذ هو دليلا يدله على طريق مختصر قريب إلى البيضاء ليوقع بالحسين بن حمدان فاخذ به الدليل في طريق الرجالة وهو طريق صعب ضيق فتلفت دوابه ورجاله فقتل الدليل وعدل عن الطريق فخرج إلى خوابذان وقد وصل إليها مؤنس فلما أشرف الليث على عسكر مؤنس قدر أنه عسكر أخيه الذي أنفذه إلى شيراز فكبر أصحابه فخرج اليه مؤنس فأوقع به وأخذه أسيرا-و هذا ثمرة العجلة وعدم التدبر-و أشار قواد مؤنس عليه بالقبض على سبكرى فقال إذا صار إلينا في غد قبضنا عليه وكان سبكرى يركب كل يوم من مضربه إلى مؤنس فيسلم عليه فوجه اليه مؤنس سرا أن يسير مسرعا إلى شيراز فسار فلما أصبح مؤنس وتعالى النهار قال يا 495 قوم ما جاءنا سبكرى اليوم فأرسلوا يتعرفون خبره فأخبروا أنه سار إلى شيراز من أول الليل فعاد باللوم على قواده وقال من جهتكم شاع الخبر وسار مؤنس ومعه الليث راجعا إلى بغداد وانصرف الحسين إلى قم ولما حصل سبكرى بشيراز كان معه قائد يقال له القتال فسعى القائد إلى سبكرى بكاتبه عبد الرحمن بن جعفر وأعلمه أنه في جنبة السلطان وأنه قد أحلف قواده كلهم للسلطان وليس يتعذر عليه متى شاء أن يورد كتابا من السلطان بالقبض عليه ففزع سبكرى وقبض على عبد الرحمن واستكتب مكانه رجلا يعرف بإسماعيل بن إبراهيم التيمي فحمله إسماعيل على الخلاف فاحتال عبد الرحمن من محبسه وكتب إلى ابن الفرات بخبره وبخلاف سبكرى على السلطان فكتب ابن الفرات إلى مؤنس وقد صار إلى واسط كتابا يقول فيه أن كنت فتحت فقد أغلقت وإن كنت قد أسرت فقد أطلقت ولا بد من أن تعود فتحارب سبكرى فعاد مؤنس إلى الأهواز وأخذ سبكرى في ملاطفة مؤنس ومهاداته وبذل عنه مؤنس سبعة آلاف ألف فلم يرض بذلك ابن الفرات حتى بلغ تسعة آلاف ألف فلم يقنع ابن الفرات الا بثلاثة عشر ألف ألف وأبى سبكرى أن يزيد على عشرة آلاف ألف فاغتاظ الوزير من تمانن سبكرى واتهم مؤنسا بالميل اليه وأرسل محمد بن جعفر العبرتائي لحرب سبكرى فواقعه على باب شيراز فانهزم سبكرى إلى بم فتبعه إليها فهزمه ودخل مفازة خراسان وأسر القتال وورد كتاب أحمد بن إسماعيل بأسره سبكرى فكتب اليه بحمله إلى الحضرة فحمله إلى بغداد هكذا ذكر مسكويه في تجارب الأمم وليس في كلامه ذكر للحسين بن حمدان ولكن كلام ابن خالويه وشعر أبي فراس يدلان على خلاف ذلك.
قال ابن خالويه: وافتتح الحسين فارسا وقتل السبكرى وأسر الفتاك (القتال) وبذل له أهل فارس ثلاثمائة ألف دينار لمقامه بها وترك الموصل وديار ربيعة فأبى ذلك وفي ذلك يقول أبو فراس:
و لما طغى الفتاك وأفتل امره | حذاه العوالي احوذي مغاور |
و قاد إلى ارض السبكرى جحفلا | يسافر فيه الطرف حين يسافر |
تناسى به الفتاك في القد فتكه | ودارت برب الجيش في الدوائر |
وفي سنة 298 ولي الحسين بن حمدان ديار بكر وربيعة ذكره في شذرات الذهب وغيره فيكون قد بقي في ولاية الحرب بقم نحوا من سنتين أو أقل ثم بقي في ولاية ديار بكر وربيعة إلى سنة 303. قال ابن خالويه حاصرت بنو تميم ذكا ابن... أمير جند قنسرين والعواصم واستباحت الأموال فكاتب المقتدر الحسين بن حمدان في إنجازه فاسرى إليهم من الرحبة حتى أناخ عليهم بخناصرة فاخذ منهم اربعمائة رئيس (رأس) قسرا وحملهم في غرائر الشعر على جمالهم وانصرف فلم يلق ذكا فمات أكثرهم بالحبوس ببغداد إلى أن سال في باقيهم (فيهم) الأغر السلمي فأطلقوا ولم تسكن تميم بعدها الشام وقال شاعرهم:
أصلح ما بين تميم وذكا | أبلج يشكي بالرماح من شكا |
يبذرق الجيش إذا ما سلكا | كأنه سليكة بن السلكا |
وفي ذلك يقول أبو فراس في رائيته الطويلة:
أذل تميما بعد عز وطالما | أذل بنا الباغي وعز المجاور |
وقال ابن الأثير في حوادث سنة 303 في هذه السنة خرج الحسين بن
حمدان بالجزيرة عن طاعة المقتدر وسبب ذلك أن الوزير علي بن عيسى طالبه بمال عليه من ديار ربيعة وهو يتولاها فدافعه فأمره بتسليم البلاد إلى عمال السلطان فامتنع وكان مؤنس الخادم غائبا بمصر لمحاربة عسكر المهدي العلوي صاحب إفريقية فجهز الوزير رائقا الكبير في جيش وسيره إلى الحسين بن حمدان وكتب إلى مؤنس يأمره بالمسير إلى ديار الجزيرة لقتال الحسين بعد فراغه من أصحاب العلوي فسار رائق إلى الحسين بن حمدان وجمع لهم الحسين نحو عشرين ألف فارس وسار إليهم فلما رأوا كثرة جيشه علموا عجزهم لأنهم كانوا اربعة آلاف فارس فانحازوا إلى جانب دجلة ونزلوا بموضع ليس له طريق إلا من وجه واحد وجاء الحسين فنزل عليهم وحصرهم ومنع الميرة عنهم فأرسلوا اليه يبذلون أن يوليه الخليفة ما كان بيده ويعود عنهم فلم يقبل وحاصرهم وقاتلهم إلى أن عاد مؤنس من الشام فلما سمع العسكر بقربة قويت نفوسهم وضعفت نفوس الحسين وأصحابه فخرج العسكر اليه ليلا وكبسوه فانهزم وعاد إلى ديار ربيعة وسار العسكر فنزلوا على الموصل وسمع مؤنس الخبر فجد في المسير نحو الحسين فلما قرب منه راسله الحسين يعتذر وترددت الرسل بينهما فلم يستقر حال. وفي تجارب الأمم أنه لما صار رائق إلى الحسين بن حمدان أوقع به الحسين وصار رائق إلى مؤنس واتصلت كتب علي بن عيسى الوزير إلى مؤنس بالاسراع نحو الحسين فجد مؤنس في المسير ولما قرب من الحسين جاءه هارون كاتب الحسين وجرت بينه وبينه خطوب كتب بها مؤنس إلى علي بن عيسى وذكر أن هارون أوصل اليه كتابا من الحسين يتضمن خطابا طويلا قد افتتحه وختمه وكرر القول في فصوله أن السبب في خروجه عما كان عليه من الثقة والطاعة عدول الوزير أيده الله عما كان عليه في أمره إلى ما أوحشه وأنه لم يف له بضمانات ضمنها له وذكر أنه قد اجتمع له من قبائل العرب ورجال العشيرة ثلاثون ألف رجل وانه سال الرسول عما حمله الحسين من الرسالة اليه فذكر أنه يسأله المقام بحران إذ كانت تحمل عسكره وأن يكاتب الوزير أعزه الله في أمره ويسأله صرفه عما يتقلده من الأعمال وتركه مقيما في منزله وتقليد أخيه ديار ربيعة وأنه عرفه أن هذا متعذر غير ممكن فان عزم على اللقاء فبالله يستعين على كل من خالف السلطان أعزه الله وجحد نعمته وأن انقاد للحق وسلك سبيله فنزع عما هو عليه كان ذلك أشبه به وإن أبى وأقام على حاله من التعزز والمخرقة لقيه بمضر بأسرها وصان رجال السلطان مع وفور عددهم من التعرض لطغامه لا لنكول عنه منه لكن لاستهانته بامره وانه وكل بكاتبه هذا وانه لا يأذن له في الانصراف الا بعد أن يعرف خبر الحسين قال ابن الأثير فرحل مؤنس نحو الحسين حتى نزل بإزاء جزيرة ابن عمر ورحل الحسين نحو ارمينية مع ثقله وأولاده وتفرق عنه عسكره وصاروا إلى مؤنس وفي تجارب الأمم أنه ورد كتاب مؤنس بأنه قد صار اليه من أمراء الحسين وغلمانه وثقاته ووجوههم سبعمائة فارس وانه خلع على أكثرهم ونفذ ما كان معه من الخلع والمال قال ابن الأثير ثم أن مؤنسا جهز جيشا في اثر الحسين فتبعوه إلى تل فاقان فوجدوها خاوية على عروشها فجدوا في اتباعه فأدركوه فقاتلوه فانهزم من بقي معه من أصحابه وأسر هو وابنه عبد الوهاب وجميع أهله وقبض أملاكه وفي تجارب الأمم أنه قبض على أملاك بني حمدان باسرهم قال ابن الأثير وعاد مؤنس إلى بغداد على الموصل والحسين معه فاركب على جمل هو وابنه وعليهم البرانس واللبود الطوال وقمصان من شعر أحمر وحبس الحسين وابنه عند زيدان القهرمانة وقبض المقتدر على أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان وعلى 496 جميع اخوته وحبسوا وكان قد هرب بعض أولاد الحسين بن حمدان فجمع جمعا ومضى نحو آمد فأوقع بهم مستحفظها وقتل ابن الحسين وأنفذ رأسه إلى بغداد اه وفي تجارب الأمم أن في المقبوض عليهم من اخوة الحسين بن حمدان الذين دخل بهم مؤنس مع الحسين إلى بغداد أخواه أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان والد سيف الدولة وأخوهما إبراهيم بن حمدان وقال ابن الأثير في حوادث هذه السنة أي سنة 303 أيضا فيها أغارت الروم على الثغور الجزرية وقصدوا حصن منصور وسبوا من فيه وكانت الجنود متشاغلة بامر الحسين بن حمدان وفي صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي أنه في سنة 303 عظم أمر الحسين بن حمدان بنواحي الموصل فأنفذ السلطان رائقا الكبير ومعه وجوه القواد فحارب الحسين بن حمدان وهو في نحو خمسة عشر ألفا-و قد مر عن ابن الأثير أنه جمع نحو عشرين ألفا-فقتل رائق من قواد ابن حمدان جماعة ووجه الحسين بن حمدان إلى ابن رائق جماعة يسأله أن يأخذ له الامان وإنما أراد أن يشغله بهذا عن محاربته ومضى الحسين مصعدا ومعه الأكراد والاعراب وعشر عماريات فيها حرمه وكان مؤنس الخادم قد انصرف من الغزاة وصار إلى آمد فوجه القواد والغلمان في أثر الحسين فلحقوه وقد عبر بأصحابه وأثقاله واديا وهو واقف يريد العبور في خمسين فارسا ومعهم العماريات فكابرهم حتى أخذوه أسيرا وسلم عياله وأخذ ابنه أبو الصقر أسيرا فلما رأى الأكراد هذا عطفوا على العسكر فنهبوه وهرب ابنه حمزة وابن أخيه أبو الغطريف ومعهما مال ففطن بهما عامل آمد وهو سيما غلام نصر الحاجب فاخذ ما معهما من المال وحبسهما ثم ذكر أن الغطريف مات في الحبس فاخذ رأسه وكان الظفر بحسين بن حمدان يوم الخميس للنصف من شعبان ورحل مؤنس يريد بغداد ومعه الحسين بن حمدان واخوته على مثل سبيله وأكثر أهله فصير الحسين على جمل وابنه الذي كان قد هرب من مدينة السلام أبو الصقر قد حمل بين يديه على جمل وعليه قباء ديباج وبرنس وكان قد امتنع من وضع البرنس على رأسه فقال له الحسين البسه يا بني فان أباك البس البرانس أكثر هؤلاء الذين تراهم. ونصبت القباب بباب الطاق وركب أبو العباس محمد بن المقتدر وبين يديه نصر الحاجب ومعه الحربة وخلفه مؤنس وعلي بن عيسى الوزير وأخوه الحسين خلف جملة عظيمة عليهم السواد في جملة الجيش ولما صار الحسين بسوق يحيى قال له رجل من الهاشميين الحمد لله الذي أمكن منك فقال له الحسين والله لقد امتلأت صناديقي من الخلع والالوية وأفنيت أعداء الدولة وانما أصارني إلى هذا الخوف على نفسي وما الذي نزل بي الا دون ما سينزل بالسلطان إذا فقد من أوليائه مثلي وبلغ الدار ووقف بين يدي المقتدر ثم سلم إلى نذير الحرمي فحبسه في حجرة من الدار. وفي آخر شهر رمضان ادخل خمسة نفر أسارى من أصحاب الحسين فيهم حمزة ابنه ثم قبض على عبد الله وإبراهيم ابني حمدان وحبسا في دار غريب الخال (وهو خال المقتدر) ثم أطلقا اه وقد مر عن التجارب انهما قبضا معه وكان اطلاق أبي الهيجاء واخوته سنة 305 وبقي الحسين بن حمدان محبوسا إلى سنة 306 فقتل في الحبس وفي ذيل تاريخ الطبري لعريب أن علي بن محمد بن الفرات كان قد تضمن عنه قبل القبض عليه أن يغرم للسلطان مالا عظيما يقيم به الكفلاء فعورض في ذلك وقيل له انما يريد الحيلة على الخليفة فأمسك اه. وفي شذرات الذهب في سنة 303 عسكر الحسين بن حمدان والتقى هو ورائق فهزم رائقا فسار لحربه مؤنس الخادم فحاربه وتمت لهما خطوب ثم أخذ مؤنس يستميل أمراء الحسين فتسرعوا اليه ثم قاتل الحسين فاسره و استباح أمواله وادخل بغداد على جمل وأعوانه ثم قبض على أخيه أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان وأقاربه اه وقال في حوادث سنة 306 فيها ذبح الحسين بن حمدان التغلبي في حبس المقتدر بامره اه. وقال ابن الأثير في حوادث سنة 306 فيها قبض على الوزير أبي الحسن بن الفرات قيل لانه أخر اطلاق أرزاق الفرسان محتجا بضيق الأموال وطلب من المقتدر اطلاق مائتي ألف دينار من بيت المال الخاصة فتنكر له وقبض عليه وقيل كان سبب قبضه أن المقتدر قيل له ان ابن الفرات يريد إرسال الحسين بن حمدان إلى ابن أبي الساج ليحاربه وإذا صار عنده اتفقا عليك ثم ان ابن الفرات قال للمقتدر في إرسال الحسين إلى ابن أبي الساج فقتل ابن حمدان في جمادى الأولى وقبض على ابن الفرات في جمادى الآخرة (اه)
مدحه
في ديوان السري الرفا: وقال يمدح الحسين بن حمدان ولعل المراد به المترجم فإنه قد عاصره لان المترجم قتل سنة 306 و السري مات سنة 360 فمدحه له غير ممتنع لكنه يقول في القصيدة كما يأتي: هذا الحسين أبا الحسين والمترجم يكنى أبا علي ويمكن أن يكون للمترجم ولد اسمه الحسين فكناه به ليستقيم الوزن وإن كانت كنيته المشهورة أبا علي ومعاني القصيدة تدل على أنها في المترجم والله اعلم وأول القصيدة:
عنت تحاوره بطرف احور | يوم النوى وبورد خد أحمر |
غصن تعالى في كثيب اعفر | ليل تداجى في صباح مسفر |
يقول في مخلصها:
عطفت علي بصوب ماء وصالها | عطف الحسين على رجاء المقتر |
ملك أدل الوفد جود يمينه | حتى تغور في العلاء الأكبر |
تحكي يميناه يميني عابد | ويقول ان لم احكه لم اعذر |
و كذا الفتى ان لم يذكر سيفه | وفعاله بصلاته لم يذكر |
يلقى العدو بسيفه وجبينه | ويقول ليس يكون ما لم يقدر |
اي القلوب إزاره سطواته | عن سطوة منه فلم يتفطر |
أم اي وهم رام كنه صفاته | متحيرا فيه فلم يتحير |
عجل الرماح إلى الاعادي مسعر | تأبى سوى طعن الشجاع المسعر |
و إذا ارتقى درج العلى قالت له | أوفيت أقصى المرتقى فتصدر |
يقظ إذا اتقدت عزائم رأيه | اخمدن رأي الناكب المتجبر |
يا أيها الآمال أنت صوائب | هذا الحسين أبو الحسين فاقصري |
حطي رحالك بين خمس يمينه | فلقد تقوم مقام سبعة أبحر |