جلال الدين الحسن بن منصور بن أحمد ابن المبارك المعروف بابن شواق الاسنائي المصري
ولد في رمضان (632) وتوفي سادس جمادى الآخرة 706.
(والاسنائي) نسبة إلى أسنا بلد بصعيد مصر.
ذكره صاحب الطالع السعيد فقال: كان رئيس الذات، الصفات حسن الأخلاق كريما في نهاية الكرم جوادا يخجل جوده الديم حليما في الحلم علم أوضح للسارين من علم شاعرا أديبا عاقلا لبيبا تنتمي إليه أهل الأدب وتنسل إليه الفضلاء من كل حدب واسع الصدر رحب الذرع كريم لقاء كثير الاتضاع وكان بنو السديد بأسنا تحسده وتعمل عليه حتى أوصلوا شرا إليه وعلموا عليه بعض العوام فرماه بالتشيع. ولما حضر بعض الكشاف إلى أسنا حضر إليه شخص يقال له عيسى بن إسحاق وأظهر التوبة من الرفض قال أن شيخهم ومدرسهم فيه القاضي جلال الدين والمذكور، فصودر وأخذ ماله ولما وصل إلى القاهرة اجتمع بالصاحب تاج الدين محمد ابن الصاحب فخر الدين ابن الصاحب بهاء الدين فأعجبه وطلب منه أن يفطر عنده شهر رمضان فامتنع وقال: في مثل هذا الشهر يفطر عندي جماعة. وأخبرني الفقيه العدل جلال الدين محمد ابن الحكيم عمر أنه في تلك السفرة عرض عليه أن يكون في ديوان الإنشاء فلم يفعل وقال: لا تركت أولادي يقال لهم والدكم خدم. وعرض عليه أن يكون شاهد ديوان السلطان حسام الدين لاجين قبل أن يكون ملكا فلم يفعل. ورأيته وقد افتقر وهو لا يأكل وحده وإذا لم يكن عنده أحد طلب من يأكل معه، والناس ينتابونه ويقصدونه. كان ريض الأخلاق حكي لي بعض أصحابنا أنه في الصيف أغلق بابه واطلع إلى السطح وإذا بشخص من الفلاحين طرق الباب فكلمه فقال إنزل، فظن أن ثم أمرا مهما فنزل وفتح الباب، فقال له: علم الدين ابنك جاء إلى الساقية وسيب المهر على الوجمة (يعني جرن الغلة) فقال: ما هذا إلا ذنب عظيم، اربط المهر واغلق الباب. وطلع ولم ينزعج. وله نظم رائق وثير فائق ومن مشهور شعره ما أنشدني ابنه وغيره من أصحابه القصيدة الحائية التي أولها:
كيف لا يحلو غرامي وافتضاح | وأنا بين غبوق واصطباح |
مع رشيق القد معسول اللمى | أسمر فاق على سمر الرماح |
جوهري الثغر ينحو عجبا | رفع المرضى لتعليل الصحاح |
نصب الهجر على تمييزه | وابتدا بالصد جدا في مزاح |
فلهذا صار أمري خبرا | شاع في الآفاق بالقول الصراح |
يا أهيل الحي من نجد عسى أن | تجبروا قلب أسير من جراح |
كم خفضتم قدر صب حازم | ما له نحو حماكم من براح |
فلئن أفرطتموا في هجره | ورأيتم بعده عين الصلاح |
فهو راج لولا آل العبا | معدن الإحسان طرا والسماح |
قلدوا أمرا عظيما شأنه | فهو في أعناقهم مثل الوشاح |
أمناء الله في السر الذي | عجزت عن حمله أهل الصلاح |
هم مصابيح الدجى عند السرى | وهم أسد الشرى عند الكفاح |
تشرق الأنوار في ساحاتهم | ضوؤها يربو على ضوء الصباح |
أهل بيت الله إذ طهرهم | فجميع الرجس عنهم في انتزاح |
آل طه لو شرحنا فضلهم | رجعت منا صدور في انشراح |
أنتم أعلى وأغلى قيمة | من قريضي وثنائي وامتداح |
جدكم أشرف من داس الحصى | في مقام وغدو ورواح |
وأبوكم بعده خير الورى | فارس الفرسان في يوم الكفاح |
وارث الهادي النبي المصطفى | ما على من قال حقا من جناح |
لو يقاس الناس جمعا بكم | لرجحتم جمعهم كل رجاح |
يا بني الزهراء يرجو حسن | بكم الخلد مع الحور الصباح |
قد أتاكم بمديح نظمه | كجمان الدر في جيد الرداح |
فاسمعوا يا خير آل ذكرهم | ينعش الأرواح مع مر الرياح |
وعليكم صلوات الله ما | غشيت شمس الضحى كل الضواح |
وسرى ركب وغنى طائر | ألف النوح بتكرار النواح |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 5- ص: 317