التصنيفات

السيد أبو محمد معز الدين الميرزا حسن ويقال محمد حسن ابن الميرزا محمود ابن الميرزا إسماعيل ويقال محمد إسماعيل ابن السيد فتح الله بن عابد بن لطف الله بن محمد مؤمن الحسيني الشيرازي. نزيل النجف الأشرف ثم سامراء الشهير بالميرزا الشيرازي.
مولده ووفاته ومدفنه
ولد في شيران سنة 1230 وتوفي أول ليلة الأربعاء 24 شعبان سنة 1312 بسامراء وحمل إلى النجف ودفن في المدرسة التي كان أنشأها ناصر علي خان الأفغاني المقيم في لاهور قرب باب الصحن الشريف العلوي الشمالي المعروف بباب الطوسي على يسار الداخل إلى الحسن ويمين الخارج منه وعمل على قبره صندوق وفوقه شباك من الشبه الأصفر وأخرج له شباك كبير من الحديد على الفضاء الذي يدخل منه إلى الحسن الشريف ليكون قبره ظاهرا للمارة وحمل في كثير من الطريق على الأعناق فكلما قارب نعشه بلدا خرج أهلها إلى مسافة وحملوه على الرقاب وعند الخروج منها يحملونه أيضا مسافة وكنا يومئذ بالنجف فبعض أهل النجف وصل إلى خان الحماد وبعضهم إلى خان المصلى وبعضهم إلى وادي السلام فخرجنا للقاء جنازته فيمن خريج إلى وادي السلام وشهدنا تشييعه العظيم ووصلت جنازته إلى النجف يوم الثلاثاء الثلاثين من شعبان عند العصر وبقي إلى الليلة يوم الثلاثاء الثلاثين من شعبان عند العصر وبقي إلى الليلة الأربعاء غرة شهر رمضان ودفن تلك الليلة وكان قد ضعف في آخر أيامه وانقطع عن الدرس والصلاة جماعة ومرض أياما قلائل توفي وكان يوم وفاته يوما عظيما كثرت فيه الحسرات وسالت العبرات وأقيمت له مجالس الفاتحة في جميع مدن العراق وإيران وغيرها من بلاد الشيعة ورثاه الشعراء بالقصائد الكثيرة وأقام له مجالس الفاتحة في النجف من العلماء شيخنا الشيخ محمد طه نجف والشيخ ميرزا حسين الخليلي والشيخ ملا كاظم الخراساني وغيرهم. هذا عدا ما أقيم له من مجالس الفاتحة في جميع الأقطار.
وصفه
كان إماما عالما فقيها ماهرا محققا مدققا رئيسا دينيا عالما ورعا تقيا راجح العقل ثاقب الفكرة بعيد النظر مصيب الرأي حسن التدبير واسع الصدر منيع الخلق طليق الوجه صادق النظر أصيل الرأي صائب الفراسة قوي الحفظ على جانب عظيم من كرم الأخلاق يوقر الكبير ويحنو على الصغير ويرفق بالضعيف والفقير أعجوبة في أحاديثه وسعة مادته وجودة قريحته آية في ذكائه ودقة نظره وغوره أديبا يحب الشعر وإنشاده ويجيز عليه ولذلك قصده الشعراء من سائر البلاد عربا وعجما وراجت بضاعة الأدب في أيامه وانتهت إليه رئاسة الإمامية الدينية العامة في عصره وطار صيته واشتهر ذكره ووصلت رسائله التقليدية وفتاواه إلى جميع الأصقاع وقلد في جميع الأقطار والأمصار في بلاد العرب والفرس والترك والهند وغيرها. وكان في عصره من أكابر العلماء المجتهدين المقلدين من العرب والفرس والترك أمثال الشيخ محمد حسين والشيخ محمد طه نجف والسيد حسين الكوهكمري والشيخ آقا رضا الهمذاني والشيخ ملا كاظم الخراساني والشيخ حسن المامقاني والملا محمد الشرابيانى والميرزا لطف الله والملا محمد الإيروانى والشيخ زين العابدين المازندراني الحائري والميرزا حسين الميرزا خليل الطهراني والسيد كاظم اليزدي وغيرها جمهور الناس كان مقلدا له.
وبلغ من الرئاسة وجلالة الشأن مبلغا لم يكن لأحد غير الأمراء والملوك في أيامه وجبيت إليه الأموال غير أقصى وما وراء النهر فما دون ذلك فكان ينفقها في وجوهها سخي النفس بها ومات ولم يخلف لأولاده عقارا ولا ثروة وكان كثير الرفق بالطلاب والحنو عليهم حسن العشرة معهم جزيل الاحترام والضيافة لهم يشاور أكابرهم ويشركهم آرائه وافر العطاء ينفق الأموال في وجوهها ويعول الوفاء الناس في سائر البلاد منهم أربعمائة أو أكثر من طلاب العلم والعلماء وله وكلاء في الأطراف يرسل إليهم دفاتر بأسماء العلماء الذين في نواحيهم ليبثوا فيهم العطاء وله بالمجاورين في المشاهد الشريفة ويعول سرا جماعات من أهل البيوتات ومن التجار أخنى عليهم الدهر فينفق عليهم بدون أن يعلم يسألك أحد فلما توفي فقدوا ذلك وضاقت بعد الحال ووصفه كثير ممن ترجموه أو ذكروا اسمه في مؤلفاتهم بالمجدد مشيرين بذلك إلى الحديث المعروف أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها. وألف الشيخ آقا بزرك الطهراني كتابا مستقلا في ترجمته.
مبدأ أمره وكيفية تحصيله ومنتهى أمره
نشأ في مدينة شيراز وكان من أهل بيت يلون الأمر ديوان دولة فارس في شيراز ثم ترك العمل في ديوان شيراز واشتغل بطلب العلم وبعدما قرأ العلوم الآلية وشطرا من السطوح واستغنى عن القراءة في شيراز خرج إلى أصفهان سنة 1248 أو 1243 وهي العلم يومئذ فقرأ على الشيخ محمد تقي صاحب حاشية المعالم مدة قليلة وبعد وفاة المذكور في هذه السنة اختص بالسيد حسن البيدابادي الشهير بالمدرس وشهد المذكور بفضله ولما يبلغ العشرين وحضر درس الملا محمد إبراهيم الكلباسي أيضا وأكثر أخذه عن المدرس.
ثم توجه إلى العراق فورد النجف سنة 1259 وكان عازما على الرجوع إلى بلاد إيران اكتفاء بما حصله في أصفهان ولكنه لما ورد النجف ولقي الشيخ مرتضى الأنصاري وكانت الرحلة إليه وحضر درسه وجد نفسه محتاجا إلى ما عنده فعزم على البقاء في النجف.
وسمع في النجف من صاحب الجواهر في آخر أيامه ونص على اجتهاده في كتاب كتبه إلى والي فارس ومن الشيخ مشكور الحولاوي ومن الشيخ حسن ابن الشيخ جعفر صاحب أنوار الفقاهة ومن السيد علي التستري وسمع في كربلاء من صاحب الضوابط ولكن عمدة قراءته ومعظمها على الشيخ مرتضى الأنصاري فلازم درسه من ذلك التاريخ إلى سنة 1281التي توفي فيها الأنصاري وهو نحو 22 سنة فقها وأصولا وأكب على النظر في مطالبه ففهمها وحذقها وتوغل فيها وزاد عليها حتى صار من أشهر المدرسين والمقرئين وتهافت عليه الناس وكان من وجوه تلاميذه بل أوجههم وصار يشار إليه بين تلاميذه وينوه الشيخ بفضله ويعظمه في مجلس ويرى فيه مخايل الرئاسة وسمو المرتبة في العلم والفضل وإذا تكلم في أثناء الدرس يصفي إلى كلامه ويأمر الحاضرين بالسكوت قائلا أن جناب الميرزا يتكلم وأشار غير مرة إلى اجتهاده لأنه لم يكن يصرح باجتهاد أحد كما يقال كما أنه كان يعظم شيخه الأنصاري كلما ذكر.
ولما توفي الأنصاري تساءل الناس عن أفضل تلاميذه ليقلدوه فاجتمع أفاضل تلاميذه من العرب والعجم في دار الميرزا حبيب الله الرشتي قال الميرزا حسن الآشتياني فاتفقنا على تقديم الميرزا الشيرازي (المترجم). وكان بينهم يومئذ الأقا حسن النجمابادي والميرزا عبد الرحيم النهاوندي والميرزا الوشتي والأشتياني وهم وجوه تلاميذ الأنصاري فقدموه في الدرس والصلاة وصاروا يرشدون الناس إليه وجعل يترقى ويتقدم.
أما الترك فقدموا السيد حسين الكوهكمري المعروف بالسيد حسين الترك وأرشدوا أبناء جلدتهم إلى تقليده.
ما جرى له مع الشاه ناصر الدين
في سنة 1287 زار الشاه ناصر الدين القاجاوي العتبات المقدسة في العراق وكان الوالي على بغداد مدحت باشا الشهير فلما قصد الشاه كربلاء خرج لاستقباله علماؤها جميعهم إلى المسيب فسلم عليهم وهو راكب ومضى ولما ورد النجف الأشرف خرج أيضا لاستقباله علماؤه بعضهم إلى خان الحماد في منتصف الطريق وبعضهم إلى خان المصلى على ثلاثة فراسخ من النجف فسلم عليهم راكبا أيضا ومضى لما دخل النجف حضر جميع العلماء لزيارته إلا المترجم فلم يخرج لاستقباله ولم يزره فأرسل إلى كل واحد مبلغا من النقود فقبله وأرسل إلى المترجم فلم يقبل فأرسل الشاه وزيره حسن خان إليه يعاتبه ويطلب منه أن يزوره فأبى فقال له الوزير: لا يمكن أن يجيء ملك إيران إلى النجف ولا يراك فهل تترقب أن يجيء الشاه لزيارتك فقال له: أنا رجل درويش ما لي وللملوك فقال: هذا لا يمكن ولما ألح عليه قال: اجتمع معه في الحضرة الشريفة العلوية فاجتمعا هناك وصافحه الشاه وقال له تفضل وزر لنزور بزيارتك فتلا المترجم الزيارة وتابعه الشاه وافترقا وزادت منزلة المترجم بذلك علوا عند الشاه وعند كافة الناس وكان ذلك أول ما ظهر من مخايل كياسته وبعد نظره في الأمور.
إدراره العطاء وحجه
ولما كانت سنة 1288 صار قحط وغلاء في النجف وسائر البلاد فتعهد الناس وطلاب العلوم في البلد وأدر عليهم العطاء ولم يطل ذلك حتى جاء الرخاء وحج بيت الله الحرام في حدود تلك السنة عن طريق نجد.
هجرته إلى سامراء
خرج من النجف إلى سامراء للمجاورة فيها في شعبان سنة 1291ووصلها في 21 منه وأمضى فيها 21 سنة.
سبب هجرته إليها
قيل أن سبب ذلك أنه لما صار الغلاء في النجف سنة 1288وصار يدر العطاء على أهلها كما مر ثم جاء الرخاء عن قريب جعل الناس يكثرون الطلب عليه وجعل بعض أعيان النجف يفتل في الذروة والغارب لينفر الناس منه فتضايق من ذلك وخرج إلى كربلاء في رجب سنة 1291 ثم توجه إلى الكاظمية فسامراء ودخلها في شعبان من تلك السنة وأقام فيها أياما ثم عزم على الإقامة فيها وأرسل على كتبه وأثاثه وتبعه أصحابه.
وقيل: أن سبب هجرته أنه تضايق من وجود بعض الفرق الجاهلة فيها. أي -الزكرت والشمرت- والذي يغلب على الظن أن السبب الوحيد الباعث له على الهجرة أمر وراء ذلك هو أدق وأسمى وأبعد غورا مما يظن وهو إرادة الانفراد لانحياز سامراء وبعدها عن مجتمع العلماء ومن يرعي العلم فيتم له فيها ما لا يتم له في غيرها والقرب من الخاصة فيه العناء والتعب وفي البعد عنهم الراحة واجترع الأمر وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام في عهده إلى الأشتر أنه ليس أشد مؤونة على الوالي من الخاصة وربما يكون ما يحدث في النجف من الطائفتين وما حدث من بعض الأعيان مقويا للعزم على الهجرة، أما أن يكون هو السبب الوحيد فلا، وربما يكون من مقويات العزم أيضا إرادة عمران البلد وتسهيل أمور الزائرين الوافدين إليها ورفع ما كان يقع عليهم من المشقات.
فعمرت سامراء به وصارت إليها الرحلة وتردد الناس إليها وأمها أصحاب الحاجات من أقطار الدنيا وعمر فيها الدرس وقصدها طلاب العلوم وشيد فيها المدارس والدور ولكنها بعد وفاته عادت إلى سيرتها الأولى كما ستعرف وأما مدرسة النجف فلم تتأثر بخروجه إلى سامراء بل بقيت عامرة حافلة بالطلاب والدروس فيها قائمة ومجالس الدروس عامرة كثيرة منتشرة ذلك لأن الذين خرجوا معه إلى سامراء جماعة معه ودون وجمهور الطلاب والعلماء ومعظمهم بقي في النجف والطلاب تقصدها من جميع الأقطار ولا تقصد سامراء حتى أحصيت طلاب النجف باثني عشر ألفا فيما يقال لكن إدرار النفقات والمشاهرات من سامراء لا ينقطع عن النجف.
عمران سامراء في عهده
كانت سامراء قبل سكناه فيها بمنزلة قرية صغيرة فلما سكنها عمرت عمرانا فائقا وبنيت فيها الدور والأسواق وسكن فيها الغرباء ومن يطلب المعايش وكثر إليها الوافدون وصار فيها عدد من طلاب العلم والمدرسين لا يستهان به.
وكانت في أكثر الأوقات لا تزال محتشدة بالوافدين والزائرين حتى اضطر إلى الحجاب إلا في أوقات مخصوصة يأذن فيها للناس إذنا عاما وللخواص منهم إذنا خاصا وكان لا يخرج من داره إلا لزيارة المشهد وصلاة الجماعة وللحمام في أوقات مخصوصة وأهل درسه يقرأون عليه في داره.
وقد رأيته في سامراء مرتين (الأولى) سنة 1308 فوردناها وهي تعج عجيجا بالزائرين والقاصدين والدخول عليه لا يكون إلا بإذن وإذا كثر الزائرون خرج إلى دهليز داره فيوضع له كرسي ويجلس عليه في ثياب زهيدة الثمن ويأذن للناس إذنا عاما فيدخلون عليه ويسلمون وينصرفون ومن كانت له حاجة أو استفتاء أفضى بها إليه (والثانية) سنة 1311 دخلت إليه في داره مع جماعة وكان جالسا في صحن الدار على طنفسة وسألته عن مسألة فالتفت إلى الحاضرين وسأل كلا منهم عنها ثم أجابني عنها وهذه كانت عادته مع كل من يسأله وكانت المسألة أن من نذر وتردد المذكورين أمرين فقال يستخرج بالقرعة.
أعماله العمرانية في سامراء
بنى فيها مدرسة كبيرة فخمة لطلاب العلم فيها إيوان كبير وغرف جمة ولها ساحة واسعة وبنى سوقا كبيرا بمال بذله بعض أغنياء الهند ولم يكن في سامراء جسر وكان الناس يعبرون في القفف من غربي دجلة إلى الجانب الشرقي الذي فيه المدينة وكذلك الدواب والأحمال وكان أصحاب القفف يشتطون في الأجرة ويلقى منهم الزوار أذى كثيرا فبنى جسرا محكما على دجلة من السفن بالطريقة المتبعة في العراق تسهيلا للعبور ورفقا بالزوار والواردين وكانت نفقته ألف ليرة عثمانية ذهبا وسلمه للدولة تتقاضى هي أجوره رجاء لدوامه وبنى عدة دور للمجاورين وبقيت هذه الأعمال قائمة مدة حياته وبعد وفاته بمدة قليلة بطلت كل هذه الأعمال ولم يوجد من يقوم مقامه في إدارة شؤونها ونزغ الشيطان بينهم وتفرقوا أيدي سبا وتعطلت المدرسة وفي السنين الأخيرة أشرفت على الخراب وكذلك السوق وأما الجسر فما زال أهل البلد يسعون في خرابه لأنه يضر بمنفعتهم المالية حتى خرب وعادوا إلى سيرتهم الأولى.
ولا بد هنا من القول بأن الشيعة رغما من سخائهم في سبيل الخير وتميزهم بذلك لا يكون لأعمالهم الخيرية الأثر الكافي في الدوام والاستمرار ويكون عمر تلك الأعمال مقرونا بأعمار القائمين عليها من العلماء الأبرار ولعل الأثر في ذلك لعدم إحكام أسباب دوامها.
ومع ما بذله المترجم من الجهود في عمران سامراء ودفع المشقات عن الزوار والإحسان إلى أهل سامراء الأصليين وما أسداه من البر إليهم وما أدر عليهم عمرانها وكثرة تردد الناس إليها من الرزق لم يتم له ما أراده وعادت البلدة بعد وفاته إلى سيرتها الأولى.
بل في أواخر أيام وجوده كثر التعدي حتى وصل إليه وكان ذلك بتحريك ممن لهم الحكم وممن يمت إليهم إذ تيقنوا أنها ستنقلب عن حالها إلى حال أخرى فهيج ذلك من نفوسهم فوقعت عدة تعديات على الطلاب والمجاورين وعليه والحاكمون يظهرون المدافعة في الظاهر ويشجعون في الباطن فوقع لأجل ذلك اضطراب شديد وفتن وتعد على النفوس والأموال وغيرها وسافر لأجل ذلك إلى سامراء فقهاء النجف وعلماؤه وطلبوا إليه الخروج منها فأبى ولم تطل المدة حتى مرض وتوفي.
استغاثة السيد جمال الدين الأسدابادي
المتقمص بالأفغاني به لما نفي من إيران
لما نفي الشاه ناصر الدين القاجاري السيد جمال الدين الأسدابادي الحسيني من إيران ووصل بغداد أرسل إلى المترجم وهو في سامراء كتابا يذم فيه الشاه ويبالغ في سبه وشتمه ويستنجد بالمترجم عليه وقد ذكرنا الكتاب في ترجمة السيد جمال الدين في حرف الجيم من هذا الكتاب وكنا يومئذ في النجف ولم نسمح أن المترجم فاه في ذلك بكلمة لأنه كما قال القائل:

فسخ امتياز الدخان
سلطان الدين أقوى من كل سلطان.
في سنة 1312 وهي سنة وفاته وقيل سنة 1309 أعطى الشاه ناصر الدين القاجاري امتياز حصر التوتن والتنباك لشركة انكليزية فشاع أن المترجم أفتى بتحريم التدخين بهما ولا بد أن يكون أفتى بذلك وإن كانت صورة الفتوى لم تنتشر بين الناس فترك جميع أهل إيران التدخين وكسرت كل نارجيلة وكل آلة تستعمل للتدخين في بلاد إيران حتى أن نساء قصر الشاه كسروا كل نارجيلة في القصر والشاه لا يعلم بذلك فطلب من خادمه إصلاح نارجيلة والإتيان بها على العادة فذهب الخادم وعاد وأبطأ حضور النارجيلة فأمره بإحضارها فذهب وعاد بدونها حتى فعل ذلك ثلاث مرات وفي المرة الثالثة غضب الشاه وانتهره فأجابه الخادم عفوا لم يبق في القصر نارجيلة واحدة وكلها كسرها الخانمات وقلن أن الميرزا الشيرازي حرم التدخين وحتى أن بعض الفسق كانوا في المقهى فكسروا نرجيلاتهم لما سمعوا أن الميرزا حرم التدخين فقال لهم بعض الجالسين أنتم ترتكبون كل منكر ولا تتورعون عن محرم وتفعلون هذا لأنكم سمعتم أن الميرزا حرم التدخين فقالوا: إننا نفعل المعاصي ولنا أمل بالرسول وآل بيته أن يشفعوا لنا إلى الله في غفران ذنوبنا والميرزا اليوم هو نائبهم وحامي شرعهم ومؤديه إلى الناس فنحن نأمل أن يشفع لنا عندهم فإذا أغضبناه فمن الذي يشفع لنا وهكذا ترك عشرون مليونا في إيران التدخين عملا بأمر الميرزا الشيرازي لأنه بلغهم أنه حرم التدخين فاضطر الشاه إلى فسخ الامتياز مع الشركة الانكليزية ودفع ما خسرته بسبب ذلك.
فقايس بين هذا وبين ما جرى للدولة الفرنسية حين أرادت تجديد امتياز حصر الدخان في سوريا ولبنان وساء ذلك البطريرك الماروني في لبنان وعلاقته بالفرنسيين وثيقة فأرسل برقية من فلسطين التي هي تحت الانتداب الانكليزي إلى دولة فرنسا يطلب فيها عدم تجديد الامتياز ولم يستطع إرسالها من سوريا أو لبنان اللذين كانا تحت الانتداب الفرنسي لكن الفرنسيين لم يلتفتوا إلى ذلك ومضوا في تجديد امتيازهم.
وقد ألف أحد تلاميذه الشيخ حسن علي الكربلائي في ذلك رسالة.
ما جرى بعد وفاته في أمر التقليد
كان في حياته جماعة من أكابر العلماء ولكل منهم مقلدون ولكن جمهور الناس مقلد له كما مر فلما توفي تفرق مقلدوه فرقا وتوزعوا بين المجتهدين السابقين فزاد ومقلدة البعض وقلد بعض من لم يكن مقلدا واشتهر من كان غير مشتهر. وكان في النجف رجل صحاف من العجم اسمه الحاج باقر يجلد الكتب ويصلحها فقلنا له -ونحن جماعة- من باب المطايبة- أنت يا حاج باقر لمن قلدت فقال: قلدت السيد كاظم اليزدي فقلنا ولماذا: فقال لما توفي الميرزا رفع كل واحد من العلماء بيرقا أما السيد كاظم فذهب إلى مسجد السهلة وانزوى فلذلك قلدته.
جملة مما صدر منه من الأقوال والأفعال والأعمال الحكيمة الدالة على رجحان عقله وحسن تدبيره وإخلاص نيته وبعد نظره.
(منها) خروجه من النجف واستيطانه سامراء وبناؤه فيها المدارس والأسواق على ما مر شرحه (ومنها) بناؤه الجسر في سامراء كما مر شرحه أيضا (ومنها) بره وإكرامه لأهل سامراء لكنهم جحدوا أخيرا النعمة وجرت منهم أمور لا تحمد وكان لهم من يشجعهم على ذلك سرا كما مرت الإشارة إليه (ومنها) تعيينه المشاهرات السرية الكثيرة لأهل البيوتات الذين يحسبهم الجاهلون أغنياء من التعفف وللمفلسين من التجار الأجلاء ولا يعلم بذلك أحد إلا بعد وفاته (ومنها) تعيينه المشاهرات للطلاب في خارج سامراء لا سيما من يتوسم فيهم الرقي وقد بلغني أن الشيخ ملا كاظم الخراساني المحقق المؤلف المدرس الشهير لم يزل يقبض المشاهرات منه وهو في النجف والمترجم في سامراء حتى توفي المترجم (ومنها) أنه كان يقصده كل محتاج ولا يرجع من عنده خائبا (ومنها) أن الواردين إلى سامراء من متوقعي البر كانوا يصلون إليها فيزورونه ويعلم بوصولهم ولا يتكلمون معه بشيء حتى تمضي لهم أيام فبعضهم أيام قليلة كأسبوع أو دونه وبعضهم قد يمضي لهم شهر ثم يأذن لهم في الذهاب فيذهبون لعلمهم من العادة الجارية أن الحوالة تتبعهم وجملة منهم يستدينون في مدة مقامهم فإذا ذهبوا أحالوا عليه فيدفع حوالتهم فقيل له في ذلك: إنك لو أذنت لهم في الانصراف ثاني يوم ورودهم لتوفر ما يستدينونه فقال: لو فعلت هذا لأتاني أضعافهم فلا أستطيع القيام بحوائجهم أما بهذه الحال فلا يأتيني غالبا إلا شديد الحاجة (ومنها) أنه كان لا يدفع لهم في سامراء بل تأتيهم الحوالة إلى الكاظمية ليلة ورودهم على يد وكيله فيها وهم يعلمون ذلك ولا يطلبون منه في سامراء لعلمهم أنه لا يمكن وهذا التدبير لدفع إلحاحهم في طلب الزيادة فإنهم إذا وصلوا الكاظمية لم يعودوا (ومنها) أنه كان يكتب حوالاته في ورقة لا تتجاوز قدر الكف ويوقعها ويختمها ولا يدع فيها مكانا لكتابة شيء وكلها بخط يده الجميل فقيل له في ذلك فقال الزيادة على هذا إسراف وإذا ملئت لم يبق محل لأن يزيد فيها أحد شيئا (ومنها) أنه كان متواضعا مقتصدا في لباسه ومعاشه وسائر أموره وكان يصرف على نفسه وعياله من حاصل أملاك له موروثة ولا يصرف مما يأتيه من الأموال شيئا إلا ما يضطر إليه بل يصرف الجميع على الفقراء والطلاب والمصالح الخيرية (ومنها) ما حدثني به بعض المطلعين على أحواله أنه كان يجمع ثقاب الكبريت التي يشعل بها تتن الليل نهارا ويشعله بها ليلا من السرج لئلا يشعل ثقابا جديدة (ومنها) أنه كان يسأل عن العلماء والطلاب الذين هم خارج سامراء ويتعرف أحوالهم من القادمين عليه فكان يعرف أحوالهم كأنهم معه حتى إذا سئل عن أحدهم لا يحتاج إلى أن يسأل أحدا (ومنها) أنه كان إذا استفتي في مسألة يلتفت إلى الحاضرين في مجلسه من أهل العلم فيسألهم واحدا واحدا ما رأيك في هذه المسألة وفي ذلك فائدتان: (إحداهما) ضم آرائهم إلى رأيه لعله يستفيد منهم شيئا لم يكن بباله (والثانية) معرفة أقدارهم في العلم لأنه قد يحتاجها إذا سئل عنهم ومر أني سألته عن مسألة ففعل مثل ذلك (ومنها) أنه كان إذا بلغه عن بعض أهل العلم ما يوجب القدح فيه ترك السؤال عنه من الوافدين لا يزيد على ذلك (ومنها) أنه سئل كتابة شهادة بالاجتهاد لبعض من اشتهر بالفضل فأبى فقيل له: هل تشك في اجتهاده فقال: لا ولكن ليس كل مجتهد يجاز ولا كل مجتهد يجيز كأنه كان ضعيف العقل (ومنها) أنه طلب منه أحد أبناء عمنا شهادة بالاجتهاد فقال له: اكتبها ولا تزد على الواقع فإن الزيادة على الواقع تضيع الواقع فقال لي: فكتبتها كما قال: فوقعها وأمضاها (وقوله) الزيادة على الواقع تضيع الواقع من أبلغ الحكم وأنفعها.
(ومنها) أنه ما وردت عليه مسألة أو أراد الخوض في بحث إلا وكتب تلك المسألة وما يمكن أن يقال فيها من نقض وإبرام قبل أن يجيب عنها أو يباحثها فكانت تجمع تلك الأوراق من مجلسه في كل أسبوع وتلقى في دجلة ولا ندري لماذا لم تكن تحفظ ولو حفظت لاستفاد منها الناس بعده ولعل الأوراق التي كانت تلقى في دجلة كانت في غير المسائل العلمية.
مشايخه
(ا) الشيخ محمد تقي الأصفهاني صاحب حاشية المعالم.
(2) السيد حسن البيدابادي الشهير بالمدرس.
(7) الملا محمد إبراهيم الكلباسي.
(4) صاحب الجواهر ويروي عنه إجازة.
(5) الشيخ حسن صاحب أنوار الفقاهة.
(6) الشيخ مشكور الحولاوي النجفي.
(7) السيد علي التستري.
(8) صاحب الضوابط.
(9) الشيخ مرتضى الأنصاري ومعظم قراءته عليه وجل استفادته منه.
تلاميذه
تخرج به عدد كبير من الأئمة الأعلام وربى خلقا كثيرا منهم جماعة من المجتهدين رأسوا بعده حتى قيل: أنه اتفق له من هذا القبيل ما لم يتفق لشيخه الشيخ مرتضى الأنصاري ولكن ذلك غير معلوم فالذين تخرجوا بالأنصاري من فحول العلماء يعسر عندهم مع امتياز الأنصاري بكثرة التأليف وذلك لأن الأنصاري لم يكن له من مشاغل الرئاسة ما كان للمترجم التي صدته عن التأليف وكان لا يحضر حلقة درس المترجم إلا المحصلون الكبار ولذلك كثر المقرون لدرسه على الطلاب الآخرين المتوسطين وغيرهم ويحكى أنه كان يقول أن حوزة درسنا أحسن من حوزة درس شيخنا الأنصاري وذلك لأن الأنصاري كان أهل درسه من جميع الطبقات ومع ذلك كان لدرسه أيضا مقررون لا يقلون عن مقرري درس المترجم إن لم يزيدوا وهذه أسماء من وصلت إلينا أسماؤهم من تلاميذه مرتبة على حروف المعجم:
(1) السيد إبراهيم الدامغاني وهو من قدماء تلاميذه وقد ألف من تقرير بحثه مجلدين أحدهما في الفقه والآخر في الأصول.
(2) السيد إبراهيم الدورودي الخراساني.
(3) الميرزا إبراهيم الشيرازي.
(4) الميرزا إبراهيم المحلاني.
(5) ملا أبو طالب السلطانابادي.
(6) الميرزا أبو الفضل كلنتر الطهراني.
(7) الشيخ إسماعيل الترشيري.
(8) السيد إسماعيل الشيرازي ابن عم المترجم.
(9) السيد إسماعيل الصدر.
(10) الشيخ إسماعيل المحلاتي المجاور بالنجف.
(11) الشيخ باقر أو محمد باقر الأصبهاناتي.
(12) الشيخ باقر بن علي بن حيدر الشروقي.
(13) الميرزا حبيب الله الخراساني.
(14) السيد حسن الصدر.
(15) الشيخ حسن علي الطهراني المتوفي في طوس.
(16) الشيخ حسن الكربلائي.
(17) الشيخ حسن ابن الشيخ محمد القابجي الكاظمي.
(18) الشيخ حسن بن محمد مهدي الشاه عبد العظيمي.
(19) الميرزا حسين السبزواري.
(20) المحدث الشهير الميرزا حسين النوري.
(21) الشيخ آقا رضا الهمذاني.
(22) الشيخ شريف الجواهري.
(23) الشيخ عباس ابن الشيخ حسن.
(24) الشيخ عباس ابن الشيخ علي كلاهما من آل الشيخ جعفر صاحب كشفه الغطاء.
(25) الشيخ عبد الجبار الجهرمي.
(26) السيد عبد المجيد الكروسي.
(27) الشيخ عبد النبي الطهراني.
(28) الشيخ علي الخيقاني النجفي.
(29) الشيخ علي الرشتي اللاري.
(30) الشيخ علي الروزدري.
(31) الملا فتحعلي السلطانابادي.
(32) الميرزا فضل الله الفيروزآبادي.
(33) الشيخ فضل الله النوري الطهراني.
(34) الأخوند ملا كاظم الهروي الخراساني.
(35) السيد كاظم اليزدي.
(36) الميرزا محسن المحلاتي.
(37) السيد محمد الأصفهاني.
(38) الشيخ محمد تقي ألاقا نجفي.
(39) الميرزا محمد تقي بن الحاج نجف علي الشيرازي خلفه في سامراء.
(40) الملا محمد تقي القمي.
(41) الحاج محمد حسن كبة البغدادي.
(42) الشيخ محمد حسن الناظر ابن الملا محمد على الطهراني.
(43) السيد محمد شرف البحراني نزيل لنجة.
(44) الميرزا محمد ابن فضل الله الفيروزآبادي.
(45) السيد محمد الهندي.
(46) الميرزا مهدي الشيرازي ابن أخت الشيخ محمد تقي.
(47) الشيخ هادي المازندراني الحائري وغيرهم ممن يعسر عدهم.
مؤلفاته
هي قليلة لاشتغاله بالتدريس وأمور الرئاسة والعمدة هي الثاني وهي هذه :
(1) كتاب في الطهارة إلى الوضوء.
(2) رسالة في الرضاع.
(3) كتاب من أول المكاسب إلى آخر المعاملات.
(4) رسالة في اجتماع الأمر والهي.
(5) تلخيص إفادات أستاذه الأنصاري في الأصول من أوله إلى آخره.
61) رسالة في المشتق مطبوعة.
(7) حاشة على نجاة العباد وعلى حاشية الشيخ مرتضى لعمل المقلدين مطبوعة معها.
(8) تعليقة على معاملات ألآقا البهبهاني بالفارسية لعمل المقلدين مطبوعة.
ما جمع من فتاواه وتقريرات أبحاثه
اصطلح العلماء في عصرنا وما قاربه على أن يقرر بعض التلاميذ المتميزين ما يلقيه الشيخ في درسه الخارجي على بقية التلاميذ بعد فرغ الشيخ من الدرس ليقر ذلك في أذهانهم وليفهم بعضهم ما فاته فهمه أثناء الدرس وكان الملا محمد الشرابياني يقرر درس أستاذه السيد حسين الترك حتى عرف بالملا محمد المقرر وجملة منهم يكتب ما قرره الشيخ في الدرس ويدونه كتابا كما فعل الميرزا أبو القاسم الطهراني فدون ما كان يلقيه شيخه الشيخ مرتضى الأنصاري في كتاب طبع وعرف بالتقريرات ودون غيره كثيرون ما كان يلقيه مشايخهم وكذلك جملة من تلاميذ المترجم فعلوا مثل هذا وأول من فعل ذلك قبل عصرنا صاحب مفتاح الكرامة فدون درس أستاذه بحر العلوم الطباطبائي في الحديث حينما كان يدرس في كتاب الوافي وهذا تعداد ما دون من فتاوى المترجم وأبحاثه.
(1) مائة مسألة من فتاواه الفارسية جمعها الشيخ فضل الله النوري مطبوعة.
(2) مجموعة من فتاواه بالعربية عندي نسخة منها.
(3) بحثه في الأصول من أوله إلى آخره دونه الشيخ علي الروزدري ببسط واف.
(4) بحثه في الأصول دونه السيد محمد الأصفهاني بنمط متوسط.
(5) بحثه في الأصول والفقه دونه السيد إبراهيم الدامغاني في مجلدين.
(6) بحثه في الأصول دونه الشيخ حسن بن محمد مهدي الشاه عبد العظيمي وسماه ذخائر الأصول.
(7) تقارير من أبحاثه للشيخ باقر حيدر.
(8) تعريب معاملات الوحيد البهبهاني للشيخ حسنعلي الطهراني مطبقا لها على آراء أستاذه المترجم وذكر بعض المعاصرين جملة من مؤلفات تلاميذه وفيهم من الأجلاء الفحول وادعى أنها كلها من تقرير أبحاثه ونرى أن في ذلك هضما لحقوقهم وليس كل من استفاد من أستاذ وألف ينسب ما في تأليفه إلى أستاذه ولعل بعض المؤلفات السابقة هي من هذا القبيل.
مراثيه
رثاه الشعراء بكثير من المراثي لتتلى في مجالس الفاتحة وكل قصيدة تتلى في مجلس عالم يكون في آخرها -بالطبع- تعزية له وتنويه به على العادة وتعزية لولده السيد علي آقا فممن رثاه الفقير مؤلف الكتاب بقصيدة تليت في مجلس شيخنا الشيخ محمد طه نجف من جملتها:
ومن قصيدة السيد جعفر الحلي التي تليت في مجلس الميرزا حسين الخليلي قوله:
ومن قصيدة السيد إبراهيم الطباطبائي قوله:
ونقل الشيخ علي الجعفري من ذرية صاحب كشف الغطاء في بعض مسوداته أبياتا من عدة قصائد قيلت في رثائه لم يسم قائليها ولم يتيسر لنا حين التحرير معرفة أسمائهم فنقلنا ما ذكره منها كما ذكره قال منها وهي طويلة :
قال ومنها:
قال ومن أخرى:
وأبو المهدي هو الشيخ محمد طه نجف فيظهر أنها تليت في مجلسه.
أولاده
له ولدان من أجلة العلماء أحدهما الميرزا محمد توفي في حياته ورثاه الشعراء والثاني السيد علي آقا ممن يشار إليهم بالبنان من الرؤساء المقلدين توفي في النجف قبل سنين قليلة ونأتي ترجمته في بابها (إنش).

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 5- ص: 304