السيد أبو محمد معز الدين الميرزا حسن ويقال محمد حسن ابن الميرزا محمود ابن الميرزا إسماعيل ويقال محمد إسماعيل ابن السيد فتح الله بن عابد بن لطف الله بن محمد مؤمن الحسيني الشيرازي. نزيل النجف الأشرف ثم سامراء الشهير بالميرزا الشيرازي.
مولده ووفاته ومدفنه
ولد في شيران سنة 1230 وتوفي أول ليلة الأربعاء 24 شعبان سنة 1312 بسامراء وحمل إلى النجف ودفن في المدرسة التي كان أنشأها ناصر علي خان الأفغاني المقيم في لاهور قرب باب الصحن الشريف العلوي الشمالي المعروف بباب الطوسي على يسار الداخل إلى الحسن ويمين الخارج منه وعمل على قبره صندوق وفوقه شباك من الشبه الأصفر وأخرج له شباك كبير من الحديد على الفضاء الذي يدخل منه إلى الحسن الشريف ليكون قبره ظاهرا للمارة وحمل في كثير من الطريق على الأعناق فكلما قارب نعشه بلدا خرج أهلها إلى مسافة وحملوه على الرقاب وعند الخروج منها يحملونه أيضا مسافة وكنا يومئذ بالنجف فبعض أهل النجف وصل إلى خان الحماد وبعضهم إلى خان المصلى وبعضهم إلى وادي السلام فخرجنا للقاء جنازته فيمن خريج إلى وادي السلام وشهدنا تشييعه العظيم ووصلت جنازته إلى النجف يوم الثلاثاء الثلاثين من شعبان عند العصر وبقي إلى الليلة يوم الثلاثاء الثلاثين من شعبان عند العصر وبقي إلى الليلة الأربعاء غرة شهر رمضان ودفن تلك الليلة وكان قد ضعف في آخر أيامه وانقطع عن الدرس والصلاة جماعة ومرض أياما قلائل توفي وكان يوم وفاته يوما عظيما كثرت فيه الحسرات وسالت العبرات وأقيمت له مجالس الفاتحة في جميع مدن العراق وإيران وغيرها من بلاد الشيعة ورثاه الشعراء بالقصائد الكثيرة وأقام له مجالس الفاتحة في النجف من العلماء شيخنا الشيخ محمد طه نجف والشيخ ميرزا حسين الخليلي والشيخ ملا كاظم الخراساني وغيرهم. هذا عدا ما أقيم له من مجالس الفاتحة في جميع الأقطار.
وصفه
كان إماما عالما فقيها ماهرا محققا مدققا رئيسا دينيا عالما ورعا تقيا راجح العقل ثاقب الفكرة بعيد النظر مصيب الرأي حسن التدبير واسع الصدر منيع الخلق طليق الوجه صادق النظر أصيل الرأي صائب الفراسة قوي الحفظ على جانب عظيم من كرم الأخلاق يوقر الكبير ويحنو على الصغير ويرفق بالضعيف والفقير أعجوبة في أحاديثه وسعة مادته وجودة قريحته آية في ذكائه ودقة نظره وغوره أديبا يحب الشعر وإنشاده ويجيز عليه ولذلك قصده الشعراء من سائر البلاد عربا وعجما وراجت بضاعة الأدب في أيامه وانتهت إليه رئاسة الإمامية الدينية العامة في عصره وطار صيته واشتهر ذكره ووصلت رسائله التقليدية وفتاواه إلى جميع الأصقاع وقلد في جميع الأقطار والأمصار في بلاد العرب والفرس والترك والهند وغيرها. وكان في عصره من أكابر العلماء المجتهدين المقلدين من العرب والفرس والترك أمثال الشيخ محمد حسين والشيخ محمد طه نجف والسيد حسين الكوهكمري والشيخ آقا رضا الهمذاني والشيخ ملا كاظم الخراساني والشيخ حسن المامقاني والملا محمد الشرابيانى والميرزا لطف الله والملا محمد الإيروانى والشيخ زين العابدين المازندراني الحائري والميرزا حسين الميرزا خليل الطهراني والسيد كاظم اليزدي وغيرها جمهور الناس كان مقلدا له.
وبلغ من الرئاسة وجلالة الشأن مبلغا لم يكن لأحد غير الأمراء والملوك في أيامه وجبيت إليه الأموال غير أقصى وما وراء النهر فما دون ذلك فكان ينفقها في وجوهها سخي النفس بها ومات ولم يخلف لأولاده عقارا ولا ثروة وكان كثير الرفق بالطلاب والحنو عليهم حسن العشرة معهم جزيل الاحترام والضيافة لهم يشاور أكابرهم ويشركهم آرائه وافر العطاء ينفق الأموال في وجوهها ويعول الوفاء الناس في سائر البلاد منهم أربعمائة أو أكثر من طلاب العلم والعلماء وله وكلاء في الأطراف يرسل إليهم دفاتر بأسماء العلماء الذين في نواحيهم ليبثوا فيهم العطاء وله بالمجاورين في المشاهد الشريفة ويعول سرا جماعات من أهل البيوتات ومن التجار أخنى عليهم الدهر فينفق عليهم بدون أن يعلم يسألك أحد فلما توفي فقدوا ذلك وضاقت بعد الحال ووصفه كثير ممن ترجموه أو ذكروا اسمه في مؤلفاتهم بالمجدد مشيرين بذلك إلى الحديث المعروف أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها. وألف الشيخ آقا بزرك الطهراني كتابا مستقلا في ترجمته.
مبدأ أمره وكيفية تحصيله ومنتهى أمره
نشأ في مدينة شيراز وكان من أهل بيت يلون الأمر ديوان دولة فارس في شيراز ثم ترك العمل في ديوان شيراز واشتغل بطلب العلم وبعدما قرأ العلوم الآلية وشطرا من السطوح واستغنى عن القراءة في شيراز خرج إلى أصفهان سنة 1248 أو 1243 وهي العلم يومئذ فقرأ على الشيخ محمد تقي صاحب حاشية المعالم مدة قليلة وبعد وفاة المذكور في هذه السنة اختص بالسيد حسن البيدابادي الشهير بالمدرس وشهد المذكور بفضله ولما يبلغ العشرين وحضر درس الملا محمد إبراهيم الكلباسي أيضا وأكثر أخذه عن المدرس.
ثم توجه إلى العراق فورد النجف سنة 1259 وكان عازما على الرجوع إلى بلاد إيران اكتفاء بما حصله في أصفهان ولكنه لما ورد النجف ولقي الشيخ مرتضى الأنصاري وكانت الرحلة إليه وحضر درسه وجد نفسه محتاجا إلى ما عنده فعزم على البقاء في النجف.
وسمع في النجف من صاحب الجواهر في آخر أيامه ونص على اجتهاده في كتاب كتبه إلى والي فارس ومن الشيخ مشكور الحولاوي ومن الشيخ حسن ابن الشيخ جعفر صاحب أنوار الفقاهة ومن السيد علي التستري وسمع في كربلاء من صاحب الضوابط ولكن عمدة قراءته ومعظمها على الشيخ مرتضى الأنصاري فلازم درسه من ذلك التاريخ إلى سنة 1281التي توفي فيها الأنصاري وهو نحو 22 سنة فقها وأصولا وأكب على النظر في مطالبه ففهمها وحذقها وتوغل فيها وزاد عليها حتى صار من أشهر المدرسين والمقرئين وتهافت عليه الناس وكان من وجوه تلاميذه بل أوجههم وصار يشار إليه بين تلاميذه وينوه الشيخ بفضله ويعظمه في مجلس ويرى فيه مخايل الرئاسة وسمو المرتبة في العلم والفضل وإذا تكلم في أثناء الدرس يصفي إلى كلامه ويأمر الحاضرين بالسكوت قائلا أن جناب الميرزا يتكلم وأشار غير مرة إلى اجتهاده لأنه لم يكن يصرح باجتهاد أحد كما يقال كما أنه كان يعظم شيخه الأنصاري كلما ذكر.
ولما توفي الأنصاري تساءل الناس عن أفضل تلاميذه ليقلدوه فاجتمع أفاضل تلاميذه من العرب والعجم في دار الميرزا حبيب الله الرشتي قال الميرزا حسن الآشتياني فاتفقنا على تقديم الميرزا الشيرازي (المترجم). وكان بينهم يومئذ الأقا حسن النجمابادي والميرزا عبد الرحيم النهاوندي والميرزا الوشتي والأشتياني وهم وجوه تلاميذ الأنصاري فقدموه في الدرس والصلاة وصاروا يرشدون الناس إليه وجعل يترقى ويتقدم.
أما الترك فقدموا السيد حسين الكوهكمري المعروف بالسيد حسين الترك وأرشدوا أبناء جلدتهم إلى تقليده.
ما جرى له مع الشاه ناصر الدين
في سنة 1287 زار الشاه ناصر الدين القاجاوي العتبات المقدسة في العراق وكان الوالي على بغداد مدحت باشا الشهير فلما قصد الشاه كربلاء خرج لاستقباله علماؤها جميعهم إلى المسيب فسلم عليهم وهو راكب ومضى ولما ورد النجف الأشرف خرج أيضا لاستقباله علماؤه بعضهم إلى خان الحماد في منتصف الطريق وبعضهم إلى خان المصلى على ثلاثة فراسخ من النجف فسلم عليهم راكبا أيضا ومضى لما دخل النجف حضر جميع العلماء لزيارته إلا المترجم فلم يخرج لاستقباله ولم يزره فأرسل إلى كل واحد مبلغا من النقود فقبله وأرسل إلى المترجم فلم يقبل فأرسل الشاه وزيره حسن خان إليه يعاتبه ويطلب منه أن يزوره فأبى فقال له الوزير: لا يمكن أن يجيء ملك إيران إلى النجف ولا يراك فهل تترقب أن يجيء الشاه لزيارتك فقال له: أنا رجل درويش ما لي وللملوك فقال: هذا لا يمكن ولما ألح عليه قال: اجتمع معه في الحضرة الشريفة العلوية فاجتمعا هناك وصافحه الشاه وقال له تفضل وزر لنزور بزيارتك فتلا المترجم الزيارة وتابعه الشاه وافترقا وزادت منزلة المترجم بذلك علوا عند الشاه وعند كافة الناس وكان ذلك أول ما ظهر من مخايل كياسته وبعد نظره في الأمور.
إدراره العطاء وحجه
ولما كانت سنة 1288 صار قحط وغلاء في النجف وسائر البلاد فتعهد الناس وطلاب العلوم في البلد وأدر عليهم العطاء ولم يطل ذلك حتى جاء الرخاء وحج بيت الله الحرام في حدود تلك السنة عن طريق نجد.
هجرته إلى سامراء
خرج من النجف إلى سامراء للمجاورة فيها في شعبان سنة 1291ووصلها في 21 منه وأمضى فيها 21 سنة.
سبب هجرته إليها
قيل أن سبب ذلك أنه لما صار الغلاء في النجف سنة 1288وصار يدر العطاء على أهلها كما مر ثم جاء الرخاء عن قريب جعل الناس يكثرون الطلب عليه وجعل بعض أعيان النجف يفتل في الذروة والغارب لينفر الناس منه فتضايق من ذلك وخرج إلى كربلاء في رجب سنة 1291 ثم توجه إلى الكاظمية فسامراء ودخلها في شعبان من تلك السنة وأقام فيها أياما ثم عزم على الإقامة فيها وأرسل على كتبه وأثاثه وتبعه أصحابه.
وقيل: أن سبب هجرته أنه تضايق من وجود بعض الفرق الجاهلة فيها. أي -الزكرت والشمرت- والذي يغلب على الظن أن السبب الوحيد الباعث له على الهجرة أمر وراء ذلك هو أدق وأسمى وأبعد غورا مما يظن وهو إرادة الانفراد لانحياز سامراء وبعدها عن مجتمع العلماء ومن يرعي العلم فيتم له فيها ما لا يتم له في غيرها والقرب من الخاصة فيه العناء والتعب وفي البعد عنهم الراحة واجترع الأمر وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام في عهده إلى الأشتر أنه ليس أشد مؤونة على الوالي من الخاصة وربما يكون ما يحدث في النجف من الطائفتين وما حدث من بعض الأعيان مقويا للعزم على الهجرة، أما أن يكون هو السبب الوحيد فلا، وربما يكون من مقويات العزم أيضا إرادة عمران البلد وتسهيل أمور الزائرين الوافدين إليها ورفع ما كان يقع عليهم من المشقات.
فعمرت سامراء به وصارت إليها الرحلة وتردد الناس إليها وأمها أصحاب الحاجات من أقطار الدنيا وعمر فيها الدرس وقصدها طلاب العلوم وشيد فيها المدارس والدور ولكنها بعد وفاته عادت إلى سيرتها الأولى كما ستعرف وأما مدرسة النجف فلم تتأثر بخروجه إلى سامراء بل بقيت عامرة حافلة بالطلاب والدروس فيها قائمة ومجالس الدروس عامرة كثيرة منتشرة ذلك لأن الذين خرجوا معه إلى سامراء جماعة معه ودون وجمهور الطلاب والعلماء ومعظمهم بقي في النجف والطلاب تقصدها من جميع الأقطار ولا تقصد سامراء حتى أحصيت طلاب النجف باثني عشر ألفا فيما يقال لكن إدرار النفقات والمشاهرات من سامراء لا ينقطع عن النجف.
عمران سامراء في عهده
كانت سامراء قبل سكناه فيها بمنزلة قرية صغيرة فلما سكنها عمرت عمرانا فائقا وبنيت فيها الدور والأسواق وسكن فيها الغرباء ومن يطلب المعايش وكثر إليها الوافدون وصار فيها عدد من طلاب العلم والمدرسين لا يستهان به.
وكانت في أكثر الأوقات لا تزال محتشدة بالوافدين والزائرين حتى اضطر إلى الحجاب إلا في أوقات مخصوصة يأذن فيها للناس إذنا عاما وللخواص منهم إذنا خاصا وكان لا يخرج من داره إلا لزيارة المشهد وصلاة الجماعة وللحمام في أوقات مخصوصة وأهل درسه يقرأون عليه في داره.
وقد رأيته في سامراء مرتين (الأولى) سنة 1308 فوردناها وهي تعج عجيجا بالزائرين والقاصدين والدخول عليه لا يكون إلا بإذن وإذا كثر الزائرون خرج إلى دهليز داره فيوضع له كرسي ويجلس عليه في ثياب زهيدة الثمن ويأذن للناس إذنا عاما فيدخلون عليه ويسلمون وينصرفون ومن كانت له حاجة أو استفتاء أفضى بها إليه (والثانية) سنة 1311 دخلت إليه في داره مع جماعة وكان جالسا في صحن الدار على طنفسة وسألته عن مسألة فالتفت إلى الحاضرين وسأل كلا منهم عنها ثم أجابني عنها وهذه كانت عادته مع كل من يسأله وكانت المسألة أن من نذر وتردد المذكورين أمرين فقال يستخرج بالقرعة.
أعماله العمرانية في سامراء
بنى فيها مدرسة كبيرة فخمة لطلاب العلم فيها إيوان كبير وغرف جمة ولها ساحة واسعة وبنى سوقا كبيرا بمال بذله بعض أغنياء الهند ولم يكن في سامراء جسر وكان الناس يعبرون في القفف من غربي دجلة إلى الجانب الشرقي الذي فيه المدينة وكذلك الدواب والأحمال وكان أصحاب القفف يشتطون في الأجرة ويلقى منهم الزوار أذى كثيرا فبنى جسرا محكما على دجلة من السفن بالطريقة المتبعة في العراق تسهيلا للعبور ورفقا بالزوار والواردين وكانت نفقته ألف ليرة عثمانية ذهبا وسلمه للدولة تتقاضى هي أجوره رجاء لدوامه وبنى عدة دور للمجاورين وبقيت هذه الأعمال قائمة مدة حياته وبعد وفاته بمدة قليلة بطلت كل هذه الأعمال ولم يوجد من يقوم مقامه في إدارة شؤونها ونزغ الشيطان بينهم وتفرقوا أيدي سبا وتعطلت المدرسة وفي السنين الأخيرة أشرفت على الخراب وكذلك السوق وأما الجسر فما زال أهل البلد يسعون في خرابه لأنه يضر بمنفعتهم المالية حتى خرب وعادوا إلى سيرتهم الأولى.
ولا بد هنا من القول بأن الشيعة رغما من سخائهم في سبيل الخير وتميزهم بذلك لا يكون لأعمالهم الخيرية الأثر الكافي في الدوام والاستمرار ويكون عمر تلك الأعمال مقرونا بأعمار القائمين عليها من العلماء الأبرار ولعل الأثر في ذلك لعدم إحكام أسباب دوامها.
ومع ما بذله المترجم من الجهود في عمران سامراء ودفع المشقات عن الزوار والإحسان إلى أهل سامراء الأصليين وما أسداه من البر إليهم وما أدر عليهم عمرانها وكثرة تردد الناس إليها من الرزق لم يتم له ما أراده وعادت البلدة بعد وفاته إلى سيرتها الأولى.
بل في أواخر أيام وجوده كثر التعدي حتى وصل إليه وكان ذلك بتحريك ممن لهم الحكم وممن يمت إليهم إذ تيقنوا أنها ستنقلب عن حالها إلى حال أخرى فهيج ذلك من نفوسهم فوقعت عدة تعديات على الطلاب والمجاورين وعليه والحاكمون يظهرون المدافعة في الظاهر ويشجعون في الباطن فوقع لأجل ذلك اضطراب شديد وفتن وتعد على النفوس والأموال وغيرها وسافر لأجل ذلك إلى سامراء فقهاء النجف وعلماؤه وطلبوا إليه الخروج منها فأبى ولم تطل المدة حتى مرض وتوفي.
استغاثة السيد جمال الدين الأسدابادي
المتقمص بالأفغاني به لما نفي من إيران
لما نفي الشاه ناصر الدين القاجاري السيد جمال الدين الأسدابادي الحسيني من إيران ووصل بغداد أرسل إلى المترجم وهو في سامراء كتابا يذم فيه الشاه ويبالغ في سبه وشتمه ويستنجد بالمترجم عليه وقد ذكرنا الكتاب في ترجمة السيد جمال الدين في حرف الجيم من هذا الكتاب وكنا يومئذ في النجف ولم نسمح أن المترجم فاه في ذلك بكلمة لأنه كما قال القائل:
سارت مشرقة وسرت مغربا | شتان بين مشرق ومغرب |
سطا فما أخطا الأكباد والمهجا | خطب أحال صباح العالمين دجى |
رزء به ثلم الإسلام وانطمست | أعلامه وبه باب الهدى رتجا |
غداة ألوت بركن الدين نازلة | من الردى جللت وجه السما رهجا |
طود هوى بعدما حك السماد على | لو ارتقى أعصم في سفحه زلجا |
فإن تكن أرضنا رجت فلا عجب | وإن تكن شمها مادت فلا حرجا |
وعيلم فيض لما عب زاخره | وكم تهيبه الخواض أن يلجا |
ونير طالما كنا بطلعته | نجلو الظلام إذا الليل البهيم سجا |
محمد الحسن الحبر الذي سمكت | له مفاخره فوفي السما درجا |
أحيا معالم دين الله ما تركت | فيها هدايته أمتا ولا عوجا |
باهى الخضارم علما والغمام ندى | والثاقبات هدى والراسيات حجى |
ما أظلمت في وجوه الرأي مبهمة | إلا أنار بها من رأيه سرجا |
ولا استجار به المكروب إذ نزلت | به الشداشد إلا أدرك الفرجا |
اليوم عقمت الآمال وانقطعت | عرى المطالب حتى خاب كل رجا |
من للوفود الأولى زجوا رواحلهم | لباب جودك لا يبغون منعرجا |
من مرمل يبتغي من كربه فرجا | رأى يمينك تهمي بالندى فرجا |
أو من يروم على أعدائه فلجا | ألفاك حصنا منيعا في الورى فلجا |
يا طالب العرف أكدى غيثه فأقم | إن شئت أو دونك الأسحار والدلجا |
ويا يتامى الورى اللاتي نعمت به | ذوي ربيعك فاقتاتي أسى وشجى |
من للعلوم التي أوضحت منهجها | يعمي حماها وينفي الهرج والمرجا |
وكنت في وجه هذا الدهر غرته | حتى مضيت فأمسى كالحا سمجا |
لئن غدت بعدك الأيام مظلمة | فالخلد أمسى إلى لقياك مبتهجا |
وذا ثناؤك في أذاننا شنفا | يبقى وذكرك في آنافنا أرجا |
وحجة الله فينا أن مضت فلقد | أبقى الإله لنا من بعدها حججا |
هذا محمد قد أحيا بهمته | ميت العلوم ومنهاج الهدى نهجا |
ذو مقول صادق ما هز صارمه | إلا رأيت له التسديد والفلجا |
ما أعمل الفكر في إيضاح مبهمة | إلا وأبصرت صبح الحق منبلجا |
يمشي على مثل ضوء الشمس في حجج | ما خالط الشك فيها لا ولا اختلجا |
مناصل من صميم القول كم فرجت | لبس الهوى عن صريح الحق فانفرجا |
تعز للنكبة الجلى وإن عظمت | فالشبل في غاب ذاك الليث قد درجا |
هذا علي على نيل العلى طبعت | أخلاقه وبغير الفضل ما لهجا |
مطهر النفس من عيب يدنسه | كأن ريح الصبا مع خلقه امتزجا |
أنعم به خلفا يرجى لخير أب | به اقتدى وعلى منواله نسجا |
حيا الحيا جدثا حل الهمام به | مبكرا في نواحيه ومدلجا |
بمن يقيل عشارا بعدك الزمن | ومن سواك على الإسلام يؤتمن |
أنى تقوم لدين الله قائمة | وليس فيها الإمام السيل الحسن |
لا صح بعدك جنب لان مضجعه | ولا رأى الصبح طرف زاره الوسن |
ما سرت وحدك في نعش حملت به | بل أنت والعدل والتوحيد مقترن |
تحركوا بك أرقالا ولو علموا | إن السكينة في تابوتهم سكنوا |
تابوت طالوت ما كانت سكينته | سواكم لو وعاها من له أذن |
أنامل منك بالجدوى مختمة | لك ارتقت ورقاب طوقها منن |
مضيت أطهر من ماء السماء ردا | إذ كل ثوب من الدنيا به درن |
قد كنت كالسيف لكن هاشمي شبا | يفل ما طبعته الهند واليمن |
ورأيك الرمح أن ثقفت صعدته | بهزة دق منها الأسمر اللدن |
كم بت تسهر والإسلام في سنة | مطاعنا عنه من لو أهملوا طعنوا |
وكم حميت ثغور المسلمين وهم | ما بين أنياب خمص الأسد لو فطنوا |
قدت السلاطين قود الخيل إذ جنبت | وما سوى طاعة الباري لها رسن |
من للوفود التي تأتي على ثقة | بأن واديك فيه العارض الهتن |
إليك قد يمموا من كل قاصية | بالبر والبحر تجري فيهم السفن |
يلقون في حيك الزاهي عصيهم | كأنهم بمحاني أهلهم سكنوا |
فينزلون على خصب إذا نزلوا | ويظعنون بشكر منك إن ظعنوا |
فلا ببذلك ماء الوجه مبتذل | ولا بمنك تنكيد ولا منن |
كأن آباء أيتام الورى تركوا | لهم كنوزا بسامراء تختزن |
تسعى إليهم برزق فيه ما تعبوا | كالعشب تتعب في أرزاقه المزن |
قد كادت الفتنة العميا تحل كما | بعد النبي فشت بالأمة الفتن |
حتى أتى النص أن الدين رتبته | موروثة لحسين إذ قضى الحسن |
العيلم العلم العلامة الورع الـ | ـحبر الهزبر الخطيب المصقع اللسن |
إليه دين الهدى ألقى مقالده | وأنه بمقاليد الهدى قمن |
يسر أعماله والله يعلنها | فكان لله منه السر والعلن |
لولاه ما كفكف الإسلام مدمعه | ولا رقى للمعالي مدمع هتن |
تعز يا حجة الإسلام في خلف | لمن فقدناه فيه يطرد الحزن |
علي المتجلي في فضائله | كالشمس أقلع عنها العارض الدجن |
تفطن العلم من إملاء والده | طفلا فأصبح وهو الحاذق الفطن |
أومى إليه أبوه حين قيل له | بمن يقيل عثارا بعدك الزمن |
من صاح بالدين والدنيا إلا اعتبرا | جرى المقدر محتوما خذا وذرا |
إن عرس الركب ليلا في معرسه | لا ينحر البدن حتى ينحر البدرا |
يا صفقة الدين قد صحت على علم | أضحى به علم الإسلام منكسرا |
لو كان يحمي من الأقدار مقتدر | لرد بأسك عنك الحتف و القدرا |
من للممالك يرعاها رعايته | بناظر في خفايا السر قد نظرا |
قد عز شخصك في الأوهام مشبهه | كأن شخصك في الأحلام طيف كرى |
هذا محمد محمول له جسد | واروا به صحف إبراهيم والسورا |
ثنوا بقبرك صدر الرمح منأطرا | صم الأنابيب والصمصامة الذكرا |
يا موحش النفر الباقي لوحدته | ومؤنس النفر الماضي له سمرا |
إن العلوم إذ لاحظت أودية | أحله الله منها الورد والصدرا |
نعيت إمام المسلمين وكهفها | وندبا له قامت تعج النوادب |
نعيت فتى قد طبق الكون رزؤه | مشارق منه أظلمت ومغارب |
أعن النواظر غيبت شمس الهدى | والليل عاد على البرية سرمدا |
خلفت شرع محمد في ثكله | فكأنما فقد النبي محمدا |
قد كان فيك الليل صبحا أبيضا | فغدا النهار عليك ليلا أسودا |
قد كنت ترجع للنواظر نورها | لو كنت تتخذ النواظر ملحدا |
مصابك طبق الدنيا مصابا | ورزؤك هون النوب الصعابا |
إذا وردوا نداك رأوك بحرا | ولو وردوا سواه رأوا سرابا |
ملأت بذكرك الآفاق حمدا | ونحن اليوم نملؤها انتحابا |
بسامراء غبت وليس بدعا | ففيها قبلك المهدي غابا |
عن المهدي نبت لنا وهذا | أبو المهدي عنك اليوم نابا |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 5- ص: 304