الشيخ حسن ابن الملا محمد القيم الحلي الشاعر المشهور
ولد في بغداد سنة 1276 وتوفي سنة 1319 أو قبلها بسنة.
كان أديبا شاعرا مجيدا من أسرة كانوا قواما في بعض المشاهد فلذلك لقب بالقيم وكان يحذو حذو مهيار في شعره ويعارض قصائده ويتحرف بتطريز الأحزمة والمناطق كغيره من أهل بيته ويجلس إليه في دكانه أدباء وقته. وكان أبوه أيضا شاعرا خفيف الروح أخذ المترجم عن السيد حيدر الحلي والشيخ حمادي بن نوح وغيرهما رأيته بالنجف أيام إقامتنا بها لطلب العلم وأنشدت له قصيدة تهنئة في عرس السيد حسن القزويني وقد كان شعره محبوبا لكنه احترق سنة 1335 في واقعة الأتراك بالحلة ولم يبق منه غير ما كان محفوظا أو مثبتا في المجاميع فمن شعره قوله في رثاء الحسين عليه السلام.
إن تكن جازعا لها أو صبورا | فلياليك حكمها أن تجورا |
ربما استكثر القليل فقير | وغني قد استقل الكثيرا |
فكأن الفقير كان غنيا | وكان الغني كان فقيرا |
نذرت أن تسيء فعلا فأمست | في بني المصطفى تقضي النذورا |
يوم عاشور الذي قد أرانا | كل يوم مصابه عاشورا |
يوم حفت بابن النبي رجال | يملؤون الدروع بأسا وخيرا |
عمروها في الله أبيات قدس | جاوزت فيه بيته المعمورا |
ما تعرت بالطف حتى كساها اللهـ | ـه في الخلد سندسا وحريرا |
ثم تعثر أقدامها يوم أمسى | قدم الموت بالنفوس عثورا |
بقلوب كأنما البأس يدعو | ها بقرع الخطوب كوني صخورا |
رفعت جرد خيلهم سقف نقع | ألف الطير في ذراه الوكورا |
عشقوا الغادة التي أنشقتهم | من شذاها النقع المثار عبيرا |
فتلقوا سهامها بصدور | تركوهن للسهام جفيرا |
فجثوا أنجما وغابوا بدورا | وهووا أجيلا وغاضوا بحورا |
من صريع مرمل غسلته | من دماء السيوف ماء طهورا |
عفر الترب منهم كل وجه | علم البدر في الدجى أن ينيرا |
يوم أمسى الحسين منعفر الخد | ين فيه ونحره منحورا |
أفتدي منه مخدرا صار يحمي | بشبا السيف من نساء الخدورا |
ليس تدري محبوكة الدرع ضمت | شخصه في ثيابه أم ثبيرا |
أعدت السيف كفه في قراها | فغدا في الوغى يضيف النسورا |
صار سدرا لجسمه ورق البيـ | ـض ونقع الهيجا له كافورا |
ونساء كادت بأجنحة الرعـ | ـب شظايا قلوبها أن تطيرا |
لو يروم القطا المثار جناحا | لأعارته قلبها المذعورا |
يا لحسرى القناع لم تلق إلا | آثما من أمية أو كفورا |
أوقفوها على الجسوم اللواتي | صرن للبيض روضة وغديرا |
لمن الطلول كأنهن رقوم | تصحو لعينيك تارة وتغيم |
عطن بذات الوصل وهو قديم | حنت بودايه الخماص الهيم |
وتذكرت بالأنعمين مرابعا | خضر الأديم ونبتهن عميم |
أيام مرتبع الركائب باللوا | خضل وماء الواديين جميم |
ومن العذيب تخب في غلس الدجى | للمدلجين مسومات كوم |
والركب يتبع ومضة من حاجر | فكأنه بزمامها مخطوم |
سل أبرق الحنان عن أحبابنا | هل حيهم بالأجرعين مقيم |
والثم ثرى الدار التي بجفوننا | يوم الوداع ترابها ملثوم |
واحلب جفونك إن طفل نباتها | عن ضرع غادية الحيا مفطوم |
عجبا لدار الحي انتجع الحيا | وأخو الغوادي جفني المسجوم |
ومولع باللوم ما عرف الجوى | سفها يعنف واجدا ويلوم |
فأجبته والنار بين جوانحي | دعني فرزئي بالحسين عظيم |
أنعاه مفطور الفؤاد من الظمى | وبنحره شجر القنا محطوم |
جم المناقب منه يضرب للعلى | عرق بأعياص الفخار كريم |
لباس محكمة القتير مفاضة | يندق فيها الرمح وهو قويم |
يعدو وحبات القلوب كأنها | عقد بسلك قناتة منظوم |
فمضى بيوم كان في سمر القنا | قصد وفي بيض الظبا تثليم |
ثاو بظل السمر تشكر فعله | في الحرب مصرعه بها معلوم |
فدماؤه مسفوكة وحريمه | مهتوكة وتراثه مقسوم |
عجبا رأى النيران بابن قسيمها | بردا خليل الله إبراهيم |
وابن النبي قضى بجمرة غلة | منها يذيب الجامدات سموم |
وكريمة الحسبين بابن زعيمها | هتفت عشية لا يجيب زعيم |
فتعج بالحادي ومن أحشائها | جمعت شظايا ملؤهن كلوم |
بأي حمى قلب الخليط مولع | وفي أي واد كاد صبرك ينزع |
إذا أنكرت منك الديار صبابة | فقد عرفتها أدمع منك همع |
وقفنا بها لكنها أي وقفة | وجدنا قلوبا قد جرت وهي أدمع |
مضت ومضى القلب المشوق يؤمها | فلا نأيها يدنو ولا القلب يرجع |
فأرسلت دمعي فيهم حيث أسرعوا | وودعت قلبي فيهم حيث ودعوا |
ترجع ورقاء الصدا في عراصها | فتنسيك من بالأيك باتت ترجع |
جزعت ولكن لا لمن بان ركبهم | ولولاك يوم الطف ما كنت أجزع |
قضت فيك عطشى من بني الوحي عصـ | ـبة سقتها العدى كأس الردى وهو مترع |
بيوم أهاجوا للهياج عجاحة | تقنع وجه الشمس من حيث تطلع |
فيا لوجوه في ثرى الطيف غيبت | ومن نورها ما في الأهلة يطلع |
فيا منجد الإسلام إن عز منجد | ويا مفزع الداعي إذا عز مفزع |
حسامك من ضرب الرقاب مثلم | ورمحك من طعن الصدور مصدع |
فما خضت بحر الحتف إلا وقد طغى | بهام الأعادي موجه المتدفع |
إذا حسرت سود المنايا لثامها | فللشمس وجه بالغبار مقنع |
فجمعت شمل الدين وهو مفرق | وفرقت شمل الشرك وهو مجمع |
إذا لم تفدهم خطبه سيفك اغتدى | خطيبا على هاماتهم وهو مصقع |
بنفسي جسما قد حمى جانب العلى | عشية لا تحمي سيوف وأدرع |
وقفت وقد حملت ما لو حملته الـ | ـجبال الرواسي أصبحت تتصدع |
بحيث الرماح السمهريات تلتوي | عليك وبيض المشرفيات تلمع |
تشيع ذكر الطف وقفتك التي | بقيت لديها عاريا لا تشبع |
إذا لم نضع عهد دمع جفوننا | عليك فعهد الصبر منا مضيع |
تروي القنا الخطار وهى عواطش | وتشبع ذؤبان الفلا وهي جوع |
أموقع يوم الطف أوقعت حرقة | لها كل آن بين جنبي موضع |
سأبكيك دهري ما حييت وإن أمت | فلي مقلة عبرى وقلب مروع |
تقول لي في ذكركم قرايحي | هذا أوان الشعر يا مهياره |
قد حملت نشرك يا معطاره | صبا بنجد طيبت عراره |
سرت برياك فظن صاحبي | قد فض دارين لنا عطاره |
رأت نساء الحي برق حاجز | يزجي إلى خبث نقى عشاره |
حسبنه خلف البيوت ضرما | فقمن ليلا يقتبسن ناره |
زر على السحب بنجد جيبه | وحل في تهامة أزراره |
يا هل حرست طنبا لغلمة | تحرس في نجم القنا أقماره |
خمرن وجها لو تراه لبست | شمس الضحى من خجل أخماره |
وبالخبا ريا الشباب سجفها | تمنع عنه قومها من زاره |
تشير لي خلف الخبا بمعصم | فعمته قد فصمت سواره |
لو ينتضي موتورهم من لحظها | سيفا لرد مدركا أوتاره |
أو أدركوا في الطعن رمح قدها | عافوا القنا واعتقلوا خطاره |
أحبب بليل مية وقد غدا | يقضي أخو اللهو بها أوطاره |
يستاف طورا في ورود خدها | وتارة يلثم جلناره |
حتى إذا كف الصباح لطمت | وجه الدجى وخرقت أقماره |
أرخت عن الواشي لها غدائرا | سودا أقال ليلها نهاره |
يا من رأى لي بالكناس ناشئا | يعقد فوق بانة زناره |
عاقر في وردية مازجها | خدا أرى في كأسها احمراره |
هب بجرعاء العمى فشوقا | برق كثغر مية تألقا |
وساق من نجد عشار ديمة | مدت لروض الواديين عنقا |
من لأخي صبابة أعادها | غورية نام بها وأرقا |
آنس نار بارق تضرمت | من جانب الغور فخر صعقا |
فيا سقى ربيعه منابتا | بذي الغضى لو نفعت فيا سقى |
من لفتاة عوذتها قومها | بسحرها لا بالتميم والرقى |
كل فتى يسل دون خدرها | سيفا أخا جفونها مذلقا |
ومعلم يهز أخت قدها | سمراء عن طعن تمج علقا |
أعن بانة الوادي ترنح هيفها | معاطف منها ليس يصحو نزيفها |
وترتج عن كثبان رملة عالج | من السرب أكفال ثقيل خفيفها |
فتبصر من أعطافهن غصونها | وتوجد في أردافهن حقوفها |
نظرنا فضرجنا الخدود وطالما | أدرن عيونا ضرجتنا سيوفها |
ضعائف يصرعن القوي وأنه | لأقطع حدا في السيوف رهيفها |
يريني هلال الأفق شكل سوارها | فقيرا وتبدي لي الثريا شنوفها |
قد عن لي بالرقمتين من الحمى | طنب لقومك بالرماح مسردق |
وطرقت خدرك والنجوم تروعني | فأخالها مقل العواسل ترمق |
فسرقتها من بين قومك نظرة | لم تدر من بين الأسنة تسرق |
لأقرب من لمياء لابن صبابة | ورقيب كلتها السنان الأزرق |
ما أعتقت رقي وليس لمية | بمعرس الحيين رق يعتق |
لو أن طفل الليل أدرك فرعها | ما شاب منه بالصباح المفرق |
حيتك بالطيف الطروق وحبذا | لك من فتاة الحي طيف يطرق |
رقت حواشي الليل في تدليسه | زورا تكاذب بالوداد وأصدق |
فنعمت منه بلثم خد بله | ماء الشباب ودمعي المترقرق |
أهالوها على قمر منير | ثرى فياحة بشذى العبير |
بها نشرت مرفرفة الغوادي | مطارف بهجة الروض النضير |
يدبجها الحيا بسقيط طل | فتكسى حلية الدر النثير |
برغمي أن تبيت رهين لحد | يضمك والسماح ثرى القبور |
مضيت موفرا كرم المساعي | أسير المجد فكاك الأسير |
وما قدرت أن تلج المنايا | عليك عرينة الليث الهصور |
وما قدرت تغمر منك عودا | صليبا عند أحداث الدهور |
لقد حطمتك فحل مخاصميه | تلحلجهم بشقشقة الهدير |
هل ابتسمت عن لؤلؤ لم يثقب | عشية جالت بالوشاح المذهب |
ومذ أرسلت من جانب الصدغ وفرة | فقد ألفت ما بين أفعى وعقرب |
ومذ فاقت التشبيه قلت فما أتت | بجيد غزال لا ولا عين ربرب |
أنت من محياها بشمس منيرة | ومن شعرها المسود جاءت بغيهب |
تحارب عبن قد وعن لمح ناظر | برمح رديني وسيف مجرب |
فيكن يا ظبيات حاجر | سهرت قلوب لا محاجر |
مهى يستعير الريم لفتة جيدها | سقت من دم العشاق ورد خدودها |
بغرتها ساري الكواكب يهتدي | ويخبط في المسرى بليل جعودها |
فهل وقفة من جانب الحي أنها | بمنعطف الجزعين ملعب غيدها |
يضم كعابا ليس أرماح قومها | بأوجع طعنا من رماح قدودها |
يزرون سجفا لو تطيق بنو الهوى | لزرت حواشيه بحبل وريدها |
عذاب الثنايا من جمان ثغورها | تنظم في الأعناق سمط عقودها |
ففي جيدها ما راق نظما بثغرها | وفي ثغرها ما راق نظما بجيدها |
أورث فؤادك في لظى وجناتها | من بعد ما جرحته في لحظاتها |
باتت بقلبك حرقة من خدها | فالنار أبرد من لظى حرقاتها |
فتمايل الأغصان من ميلانها | وتلفت الغزلان من لفتاتها |
قالوا قصير وله همة | ما قصرت عن كل أمر عسير |
قلت وقد أخبرتهم معلنا | لو أنهم أصغوا لقول الخبير |
قد يخطئ الرمح على طوله | وقد يصيب السهم وهو القصير |
فؤاد بأسياف الأسى يتقطع | وجسم بأثواب الضنا متلفع |
وبي ألم لو تستقل بحمله الـ | ـجبال الرواسي أو شكت تتصدع |
ولست وإن أضناني السقم جازعا | أبى الله أني أستكين وأجزع |
ولكنني والحمد لله حازم | أعز إذا ذل الشجاع السميذع |
أصول بسيف الصبر في حومة الأسى | فأقطع أعناق الرزايا وأجدع |
وكم فادح صعب المراس لقيته | بصدر من البيداء أفضى وأوسع |
وما زلت مذ دبت على الأرض أخمصي | أقارع خيل الحادثات وأردع |
وما انفك دهري بالرزايا ينوشي | ويطرقني بالحادثات ويقرع |
وما عابني خلي سوى أنني امرؤ | إذا ما أساء الخل لا أتتبع |
ولا تتمشى بي إلى الدون شيمتي | ولو كنت في روض الخصاصة أرتع |
أرى العيش في ظل القناعة عزة | ولا عز إلا للذي يتقنع |
خليلي مالي والزمان فإنه | بنقصان قدري دائما يتولع |
ولي فطنة تسمو على كل فطنة | وقلب من الشهب اللوامع ألمع |
وحظي منه في الحضيض وإنما | مقامي من هام السماكين أرفع |
لئن أمكنت منه الليالي وأحكمت | صنعت به ما ليس في الدهر يصنع |
ورويت رمحي منه لست براحم | وإن قيل رفقا قلت للحلم موضع |
وأما ومن برأ الجفون صوارما | ولقد مثل الصعدة السمراء |
أنا قد فتنت وفتنتي قمر المهى | وسواد خال الوجنة الحمراء |
قرشية مضرية ما عن في | أردانها ردن من الفحشاء |
مذ كنت ذرا كان رأيي حبها | وعلى سواها ما انطوت أحشائي |
أترى يليق بمن يبيت مسهدا | يشكو الظما ويرى غدير الماء |
عانقتها ورشفت ألعس ثغرها | فذهبت في شغل عن الصهباء |
لو عاذلي عرف الغرام بحقه | ترك الملام وكان من سمرائي |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 5- ص: 266