التصنيفات

الحسن بن محمد بن عبد الصمد ابن أبي الشخباء أبو علي العسقلاني الملقب بالمجيد ذو الفضلين
توفي سنة 482 معتقلا بمصر في خزانة البنود ذكر ذلك علي بن بسام في كتاب الذخيرة.
في معجم الأدباء: أحد البلغاء الفصحاء الشعراء له رسائل مدونة مشهورة قيل أن القاضي الفاضل عبد الرحيم ابن البيساني منها استمد وبها اعتد وأظنه كتب في ديوان الرسائل للمستنصر صاحب مصر لأن في رسائله جوابات إلى الباسيري إلا أن أكثر رسائله أخوانيات وما كتبه عن نفسه إلى أصدقائه ووزراء وأمراء زمانه (اه) وقد نقل له صاحب معجم الأدباء عدة رسائل تدل على تقدمة في صناعة النثر وحسبك أن يكون القاضي الفاضل الكاتب المشهور يستمد من رسائله وسننقل نموذجا منها بعد هذا وذكر ابن بسام موته محبوسا كما سمعت ولم يذكر سبب ذلك وكيف كان فهو من نوابغ كتاب الدولة الفاطمية بمصر ومجيدي شعرائها.
تشيعه
يمكن أن يستفاد تشيعه مما اشتمل عليه كتابه الآتي إلى صارم الدولة ابن معروف حيث استشهد فيه بأبيات فيها هذا البيت:

وقال في آخره: ويقتدون بالحضرة السامية في خوض الرهج وارخاص المهج وتحمل الأعباء في (موالاة أصحاب العباء) ومن قوله في كتاب آخر سيأتي والله تعالى يسهل من ألطافه الخفية ما يجمع الشمل ويقرب الدار ويدني المزار محمد وآله الأئمة الأطهار.
شيء من نثره
أورد له ياقوت في معجم الأدباء نثرا كثيرا نقتطف منه فقرات نوردها فيما يلي :
من كتاب إلى صديق له: لما حديت ركاب مولاي أخذ صبري معه وصحبه قلبي وتبعه.
وبقيت بعده أقاسي أمورا تخف الحليم وأما الوحشة فقد اصطحبت منها كأسا مترعة وتجرعت من صابها أمر جرعة ورأيت فؤادي إذا مر ذكر مولاي يكاد يخرج من خدره ويرغب في مفارقة صدره حنينا يجدده المسرع وزفرة تدمي في عذارها وتطلع في التراءب شرارها.
وأما ما أعاني بعد مسيره فأشياء منها عبث الألم ومنها اضطراري إلى كثرة مكابر من أعلم ذحل سرائره واختلاف باطنه وظاهره وتكلف اللقاء لا بصفحة مستبشرة وإلله يعلم نفور طباعي ممن رآه أهل الأدب من الأدب غفلا لكن لسياسة تقتضي اعتماد ما ذكرت وإن كان موردا غير عذب وثقيلا على العين والقلب.
ومنها انعكاس كثير من الآمال وارتشاف الصبابة الباقية من الحال بجوائح مصرية وشامية وفوادح أرضية وسمائية ولا أشكو بل أسلم له مذعنا وأرى فعله كيف تصرفت الأحوال جميلا حسنا.
والله تعالى المسؤول أن يهذب لي من قرب مولاي ما يأسو هذه الكلوم فجميع الحوادث إذا قربت الخطوة تمسي غير مذكورة.
وكتب إلى أبي الفرج الموفقي جوابا عن رقعة: وصلت رقعة مولاي فكانت بشهادة الله صبح الآداب ونهارها وثمار البلاغة وازدهارها قد توشحت بضروب من الفضل تقصر قاصية المدى وتجري به في مضمار الأدب مفردا.
فأما ما تضمنته من وصفي فقد صارت حضرته السامية فتسامح في الشهادة بذلك فلتراجع نقدها تجدني لا أستحق من ذلك الإسهاب فصلا ولا أعد لكلمة واحدة منه أهلا فالله ينهضني بشكر هذا الإنعام الذي يقف عنه الثناء ويضلع ويحصر دونه الخطيب المصقع.
ومن كلامه يهنى اتسز بكسر الغزي.
وكان ذلك لثمان ساعات مضين من يوم الاثنين في العشر الأخير من جمادى الآخرة سنة 469.
{الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم}. قد ارتفع الخلاف بين الكافة إن الله ذخر للدولة الفاطمية من الحضرة العلية المنصورة الجيوشية خلد الله سلطانها من حمى سوادها ونصر أعلامها وحفظ سريرها ومنبرها بعد أن كان الأعداء الذين ارتضعوا در أنعامها وتوسموا بشرف أيامها فطردت يد الاصطناع إملاقهم وأثقلت قلائل الإحسان أعناقهم خفروا ذمم الولاء وكفروا سوابغ الآلاء ففجأتهم الحوادث من كل طريق ونعب بهم غرائب الشتات والتفريق واستباحتهم يد الشدائد وأتى الله بنيانهم عن القواعد. ولم تزل النفوس منذ طرق اتسز بن أوق اللعين هذه البلاد وأنجم فيها أنجم الفساد وتعدى حدود الله وكلماته وتعرض لمساخطه ونقماته عالمة بأن إملاء الحضرة العلية مد الله ظلها على الكافة لم يكن عن استعمال رخصة في هذه الحال ولا سكون إلى عوارض من الإغفال والإهمال بل هو أمر ركب فيه متن التدبير واتبع فيه قوله تعالى: {فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكيير}. وحين قدمته المطالع المودية إلى القاهرة مؤملا انفصام عروة الله المتينة وأفول ما توقد من شجرة مباركة زيتونة سكنت النفوس إلى أن الحضرة العلية ثبت الله مجدها ستجرد له من عزماتها الباقية ما يعجل دماره وتنتضي له من آرائها الكاملة ما يعفي آثاره وحين توالت الأنباء بانكسار اللعين وما منحته الحضرة من النصر المبين وولى المخذول على أدباره علم أن لله عناية بالدولة الزاهرة وتحقق أن له سبحانه رعاية بالملة الطاهرة والله المحمود على ما منح الأمة من هذه النعمة والمسؤول أن يشد ببقاء الحضرة العلية قواعد الإسلام ويستخدم لها السيوف والأقلام حتى لا يبقى على الأرض مفحص قطاة إلا وقد دوخته سنابك خيولها ولا مسقط نواة إلا وقد ركزت فيه صدور رماحها ونصولها فقد دفعت خطبا جسيما {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وكان فضل الله عليك عظيما} فأما العبد المملوك فقد تلاعبت به أيدي الأقدار وقذفته العطلة في هوة بعيدة الأقطار وهو يعد نفسه ويمنيها أن مراحم الحضرة تسعد كساد بضاعته نفاقا واضطراب حاله انتظاما واتساقا وسكون ريحه خفوقا وغروب حظه شروقا إن شاء الله تعالى.
وكتب إلى بعض إخوانه:
اغب كتاب مولاي حتى أضرم نارا في الفؤاد وحالف بين جفني والسهاد ثم وافي بلفظه الرائق العذب وأغنى عن الزلال البرود وقرأته متنزها في روضه وغديره جمل البلاغة كلها تختال بين سطوره فالدر في منظومه والسحر في منثوره.
والله تعالى يسهل من ألطافه الخفية ما يجمع الشمل ويقرب الدار ويدني المزار بمحمد وآله الأئمة الأطهار وأما حالي بعده وتأسفي على الفائت من أخلاقه التي هي من الحس أدق ومن الماء أصفى وأرق فحال صب حولف بين طرفه وسهاده وحرم لذيذ رقاده وأما عتبه علي لتأخر كتبي عنه فهو يعلم إنني إذا واصلت أو أغببت أنه سمير خاطري وإن غاب عن ناظري.
والله يعلم إني لم أغفل كتابه صرما وهجرا فإنه من العين بمكان السواد ومن الصدر بموضع الفؤاد وكتابه هو فسحة للصدر ومنية ما يطلب من الدهر ولرأيه علوه في إمضائه إلي ووفوده علي.
وكتب إلى ابن المغربي يهنئه بالفتوح: أطال الله سيدنا الوزير الأجل ما سطع الصبح بعموده وهمهم السحاب برعوده:
فقد ألبس الله الدهر من مناقب الحضرة السامية ما أخرس اللائمة وأفاض على الكافة من آلائها ما تملك به رق المآثر ويعجز عنه كل ناظم وناثر يقصر عنه لسان البليغ ويفضل عن مقلة الناظر فما ينفك خلد الله أيامه يذود عن الدولة برأي صائب وحسام قاضب.
وما وقفت في هذا المقام موقفا وحشيا ولا وقع عندها موقعا أجنبيا بل اقتفت آثار أسلاف خفقت عليها ألوية المعالي وبنودها ووسمت بأسمائهم جباه الممالك وخدودها.
كان العبد خدم المجلس السامي بخدمة التهنئة بما فتح الله تعالى من الظفر بالعدو الذي أطاع شيطانه واتبع ما أسخط الله وكره رضوانه وجرى الله على جميل عادته زلزلة أطراده واستئصال أحزابه وأجناده الذين غدت الرماح تستقي مياه نحورهم والسيوف تنهب ودائع صدورهم.
وأرجو أن يكون التوفيق قضى بوصولها وأذن في قبولها:
وكتب إلى صارم الدولة بن معروف -وكأنه من أمراء الفاطميين- أطال الله بقاء الحضرة الصارمية يجري القدر على حسب أهويتها ويعقد الظفر بعزائم ألويتها وتحلى بذكرها ترائب الأيام العاطلة وتنجز بكرمها عدات الحظوظ المماطلة ما أصحب الجامح وأضاء السماك الرامح.
فالحمد لله الذي جعل الحضرة السامية عقال الخطوب العوارم ونظام المحاسن والمكارم يعتدها الزمن نسيب أصائله وزهر خمائله وشموس مشارقه وتيجان مفارقه فيجب على كل من ضم على اليراعة بنانه وأطلق في ميدان البراعة عنانه أن لا يخلي مجلسه من مدح معروضة وخدم مفروضة.
فكم أهل (بلد) هدته نصر الله عزائمها بعد الضلال وحر استنقذته من حبائل الإقلال ومرهق خففت عنه وطأة الزمن المتثاقل وطريد برأته من حرمها أمنع المعاقل.
فحرس الله محاسن الحضرة السامية التي جباه الأنام بها موسومة ولا زالت الدولة الفاطمية تحمد عزائمها.
يسابقون إلى العدو الأعنة فتطعن عزائمهم قبل الأسنة ويقتدون بالحضرة السامية في خوض الرهج وارخاص المهج وتحمل الأعباء في موالاة أصحاب العباء ولا سلب الله هذا الثغر وأهله ما وهب لهم من إنعامه الذي يتهافت إليهم متناسقا ويعيد غصن مجدهم ناضرا باسقا.
شعره
لا يبعد أن تكون الأبيات المتقدمة التي ضمنها نثره هي من نظمه وأورد له ياقوت أبياتا من جملتها.

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 5- ص: 256

الحسن بن محمد بن عبد الصمد بن أبي الشخباء أبو علي العسقلاني: صاحب الرسائل، مات في ما ذكره علي بن بسام في كتاب الذخيرة في سنة اثنتين
وثمانين وأربعمائة معتقلا بمصر في خزانة البنود، وكان يلقب بالمجيد ذي الفضيلتين، أحد البلغاء الفصحاء الشعراء، له رسائل مدونة مشهورة قيل إن القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني منها استمد وبها اعتد، وأظنه كتب في ديوان الرسائل للمستنصر صاحب مصر لأن في رسائله جوابات إلى الفساسيري، إلا أن أكثر رسائله إخوانيات وما كتبه عن نفسه إلى أصدقائه ووزراء وأمراء زمانه، وها أنا أكتب منها ما سنح لتعرف قدر بضاعته ومغزى صناعته، نظما ونثرا؛ قال من قصيدة:

وقد كتب إلى صديق له: لما حديت ركاب مولاي، أخذ صبري معه، وصحبه قلبي وتبعه:
وبقيت بعده أقاسي أمورا تخف الحليم وترعي الهشيم، إن رجوت منها غفلة
اقتحمت، وإن رمت منها فرجة تضايقت والتحمت. وأما الوحشة فقد اصطبحت منها كأسا مترعة، وتجرعت من صابها أمر جرعة. ورأيت فؤادي إذا مر ذكر مولانا به يكاد يخرج من خدره، ويرغب في مفارقة صدره، حنينا يجدده السماع، وصدودا تنتقض منه الأضلاع، وزفرة تدمي في عذارها، ويطلع في الترائب شرارها:
وأما ما أعاني بعد مسيره فأشياء منها عيث الألم مرة بعد مرة، وزوال الاستمتاع بما يعرفه من تلك المسرة؛ ومنها اضطراري إلى كثرة مكاثرة من أعلم دخل سرائره، واختلاف باطنه وظاهره، وتكلف اللقاء له بصفحة مستبشرة، وأخلاق غير متوعرة.
والله يعلم نفور طباعي ممن رآه أهل الأدب من الأدب غفلا، ومن ذخائره مقفلا، لكن السياسة تقتضي اعتماد ما ذكرت، وتوجب قصد ما شرحت، وإن كان موردا غير عذب، وثقيلا على العين والقلب:
ومنها انعكاس كثير من الآمال، وارتشاف الزمن الصبابة الباقية من الحال، بجوائح مصرية وشامية، وفوادح أرضية وسمائية. ولا أشكو بل أسلم له مذعنا، وأرى فعله كيف تصرفت الأحوال جميلا حسنا:
والله تعالى المسؤول أن يهب لي من قرب مولاي ما يأسو هذه الكلوم، ويجدد من المسرة عافي الرسوم، فجميع الحوادث، وسائر النوائب الكوارث، إذا قربت الخطوة، واستجيبت هذه الدعوة، تمسي غير مذكورة، وبجناح التجاوز مكفورة.
وكتب إلى أبي الفرج الموفقي جوابا عن رقعة: وصلت رقعة مولاي والصبح
قد سل على الأفق مقضبه، وأزال بأنوار الغزالة غيهبه، فكانت بشهادة الله صبح الآداب ونهارها، وثمار البلاغة وأزهارها، قد توشحت بضروب من الفضل تقصر قاصية المدى، وتجري به في مضمار الأدب مفردا:
فأما ما تضمنته من وصفي فقد صارت حضرته السامية تتسمح في الشهادة بذلك مع مناقشتها في هذه الطريقة، وأنها لا توقع ألفاظها إلا مواقع الحقيقة، فإن كنت قد بهرجت عليها فلتراجع نقدها، تجدني لا أستحق من ذلك الإسهاب فصلا، ولا أعد لكلمة واحدة منه أهلا. وبالجملة فالله ينهضني بشكر هذا الانعام الذي يقف عند الثناء ويظلع، ويحصر دونه الخطيب المصقع:
وأما الفصل الذي أودعه الرقعة الكريمة من قوله: «فأما فلان فيحل في قومه ويفرح بالضيوف فرح حنيفة بابن الوليد، قدوره عمارية، وعطسات جواريه أسدية، تراهن أبدا يمشين في حلل الشباب ويهوين لو خلق الرجال خلق الضباب، يتضوعن النشر العبقسي، ويرضعن مراضع ثعالة المجاشعي» وما أمرت حضرته السامية من ذكر ما عندي فيه، فقد تأملته طويلا وعثر الخادم فيه بما أنا ذاكره، راغبا في الرضى بما بلغت اليه المقدرة، وتجليل ذلك بسجوف الصفح.
أما قوله: «يفرح بالضيوف فرح حنيفة بابن الوليد» فيقع لي أنه أراد خالد بن الوليد المخزومي، وذلك أن مسيلمة الحنفي كان قد تنبأ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه مشهور، فبعث إليه أبو بكر رضي الله عنه خالد بن الوليد المقدم ذكره في جيش كثيف من المسلمين، ففتح اليمامة وقتل مسيلمة وأباد جماعة كثيرة من بني حنيفة.
وأما قوله «قدوره عمارية» فإن هذا الفصل لما كان مبنيا على الذم وجب أن يتطلب لهذا السبب معنى يجب حمله عليه، ولم يجد ما ينسب إليه إلا قول الفرزدق:
وأما قوله «عطسات جواريه أسدية» فيقوى في وهمي أنه أراد قول الأول في هجائه:
وأما قوله: «يهوين لو خلق الرجال خلق الضباب» فإن الجاحظ ذكر في «كتاب الحيوان» أن للضب أيرين وللضبة حرين، وحكى أن أير الضب أصله واحد، وإنما يتفرق فيصير أعلاه اثنين، واستشهد على ذلك بقول الفزاري:
والنزك: اسم أير الضب، وأنشد الأصمعي لأبي درماء فيما رواه أبو خالد النميري:
ومن ها هنا قالت حبى المدنية لما عذلها أبوها في تزوجها ابن أم كلاب:
وأما قوله: «يتضوعن النشر» فمن أمثال العرب: «هو أخسر صفقة من شيخ مهو» وهو بطن من عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن نزار بن معد بن عدنان، وكان من خبره أن إيادا كانت أفسى العرب، فوفد وافدهم إلى الموسم بسوق عكاظ ومعه حلة نفيسة، فقال: يا معشر العرب من يشتري مني مثلبة قوم لا تضره بحلتي هذه؟ فقال الشيخ المهوي: أنا أشتريها، فقال الإيادي: أشهدكم يا معشر العرب أني قد بعت فساء إياد لوافد عبد القيس بحلتي هذه، وتصافحا وافترقا متراضيين، وقد شهد عليهما أهل الموسم فصارت عبد القيس أفسى العرب. وقيل لابن مناذر: كيف الطريق إلى عبد القيس؟ فقال: شم ومر:
وأما قوله: «أعطش من ثعالة المجاشعي» فمن أمثال العرب فيما ذكره الكلبي قال: هما رجلان من بني مجاشع عطشا، فالتقم كل واحد منهما أير صاحبه يشرب بوله، فلم يغن عنهما شيئا وماتا عطشا، ووجدا على تلك الحال، قال جرير يهجو بني دارم:
هذا ما وقع لي في هذا الفصل، وأرجو أن تكون قد ذهبت إلى ما قصده قائله.
ومن كلامه يهنئ بكسر أتسز الغزي، وكان ذلك لثمان ساعات مضين من يوم الاثنين في العشر الأخير من جمادى الآخرة سنة تسع وستين وأربعمائة: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم}. قد ارتفع الخلاف بين الكافة أن الله ذخر للدولة الفاطمية- ثبت الله أركانها- من الحضرة العلية المنصورة الجيوشية- خلد اله سلطانها- من حمى سوادها، ونصر أعلامها، وضم نشرها، وحفظ سريرها ومنبرها، بعد أن كان الأعداء الذين ارتضعوا در إنعامها، وتوسموا بشرف أيامها، فطردت يد الاصطناع إملاقهم، وأثقلت قلائد الإحسان أعناقهم، خفروا ذمم الولاء، وكفروا سوابغ الآلاء، ففجأتهم الحوادث من كل طريق، ونعب بهم غراب الشتات والتفريق، واستباحتهم يد الشدائد {فأتى الله بنيانهم من القواعد}. ولم تزل النفوس منذ طرق أتسز بن أوق اللعين هذه البلاد، وأنجم فيها أنجم الفساد، وتعدى حدود الله وكلماته، وتعرض لمساخطته ونقماته، عالمة بأن إملاء الحضرة العلية- مد الله ظلها على الكافة- لم يكن عن استعمال رخصة في هذه الحال، ولا سكون الى عوارض من الإغفال والإهمال، بل هو أمر ركب فيه متن التدبير، وجرت بنقله المقادير. واتبع فيه قوله تعالى: {فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير} وحين خدمته المطالع المردية إلى الأعمال القاهرة مؤملا انفصام عروة الله المتينة، وأفول ما توقد من شجرة مباركة زيتونة، سكنت النفوس إلى أن الحضرة العلية- ثبت الله مجدها- ستجرد له من عزماتها الباقية ما يعجل دماره، وتنتضي له من آرائها الكاملة ما يعفي آثاره. وحين توالت الأنباء، واصطلمت الرجال بانكسار اللعين، وما منحته الحضرة من النصر المبين، حتى نهبت الأموال وتحكمت السيوف بحكم القادر الغالب، وأكلتهم الحرب أكل الغرثان الساغب، وأنشبت فيهم أظافرها المنية، وكسيت الأرض من دمائهم حلة عسجدية، وولى المخذول على أدباره، ونكص على أعقابه بوبيل أوزاره، يخاف من نجوم الليل أن ترجمه، ومن شمس النهار أن تصطلمه، وترك ما معه يقسم يمينا وشمالا، ومن حشده يقتل ركبانا ورجالا، علم أن لله تعالى عناية بالدولة الزاهرة، وتحقق أن له سبحانه رعاية بالملة الطاهرة، تحوط أقطارها، وتضاعف أنوارها، ولطفا خفيا بهذه الرعية، ومشيئته نافذة في هذه البرية، التي لولا مقام الحضرة العلية لمزق أديمها، واستبيح حريمها. والله المحمود على ما منح الأمة من هذه النعمة، والمسؤول أن يشد ببقاء الحضرة العلية قواعد الاسلام، ويسم بمحامدها أغفال الأيام، ويستخدم لها
السيوف والأقلام، حتى لا يبقى على الأرض مفحص قطاة إلا وقد دوخها سنابك خيولها، ولا مسقط نواة إلا وقد ركزت فيه صدور رماحها ونصولها.
فقد دفعت- أدام الله جمال الدنيا ببقائها، وأعز كمال الدين ببأسها وأصالة رائها- خطبا جسيما، واستلقحت من السياسة أمرا عقيما، وأعادت شمل الأمة ملموما نظيما. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وكان فضل الله عليك عظيما. فأما العبد المملوك فقد تلاعبت به أيدي الأقدار، وقذفته العطلة في هوة بعيدة الأقطار، وهو يعد نفسه ويوفيها، ويسوفها ويمنيها، أن مراحم الحضرة- نصر الله أعلامها- تعيد كساد بضاعته نفاقا، واضطراب حاله انتظاما واتساقا، وسكون ريحه خفوقا، وغروب حظه شروقا، إن شاء الله تعالى.
وكتب الى بعض إخوانه: أغب كتاب مولاي حتى أضرم نارا في الفؤاد، وحالف بين جفني والسهاد:
وعرفت ذكر الشوق الذي هيج أحزانا، ونكأ قرحا لا يندمل زمانا، وإن عندي بشهادة الله ما يضرم ناره، ويشب أواره، والله تعالى يسهل من ألطافه الخفية ما يجمع الشمل، ويصل الحبل، ويقرب الدار، ويدني المزار، بمحمد وآله والأئمة الأطهار. وأما حالي بعده، وارتياحي إلى ما عنده، وتأسفي على الفائت من أخلاقه التي هي من الحسن أدق، ومن الماء أصفى وأرق، فحال صب أخذ ما في فؤاده، وحولف بين طرفه وسهاده، فحرم لذلك لذيذ رقاده. وأما عتبه علي لتأخر كتبي عنه، وبعدها منه، فهو يعلم- حرس الله مدته- أنني إذا واصلت أو أغببت، أنه سمير خاطري، وإن غاب عن ناظري، وهو نازل بضمائري، وإن بان من بين مخالطي ومعاشري:
والله يعلم أني لم أغفل كتابه صرما وهجرا، ولا أهملت مجاوبته نقضا لمودته الكريمة ولا غدرا، فإنه من العين بمكان السواد، ومن الصدر بموضع الفؤاد، وبسبب هذا الاعتقاد، وما ذكرت من محض الوداد، أبثه أشجانا، وأطلعه على أسراري إسرارا واعلانا، ثقة بوده، وتمسكا بوثيق عهده وعقده، لو رآني فسح الله مدته، وضاعف علي مودته، لرأى صبا قلبه خفيق، ودمعه طليق:
هذه الأبيات تغني عما أردت أن أشرحه، وتنبئ عن مكنون ما سبيلي أن أثبته وأوضحه، والله المسؤول أن يقضي مأربي بسعادة جده، ويزيل عني ما أخشاه بتمام إقباله ومجده، وكتابه هو فسحة للصدر، ومنية ما يطلب من الدهر، ولرأيه علوه في إمضائه إلي، ووفوده علي.
وكتب إلى ابن المغربي يهنئه بالفتوح: أطال الله بقاء سيدنا الوزير الأجل ما سطع الصبح بعموده، وهمهم السحاب برعوده، وطلعت في الافق أنجم سعوده:
فقد ألبس الله الدهر من مناقب الحضرة السامية ما أخرس اللائمة، وأفاض على الكافة من آلائها ما تملك به رق المآثر، ويعجز عنه كل ناظم وناثر:
فما تنفك- خلد الله أيامها- تذود عن الدولة برأي صائب، وحساب قاضب، يتحاسد عليه الدرع والدراعة، ويتنافس فيه الصمصامة واليراعة، والملك بين هذين متين العماد، مستبحر الثماد:
وما وقفت في هذا المقام موقفا وحشيا، ولا وقع عندها موقعا أجنبيا، بل اقتفت آثار أسلاف خفقت عليهم ألوية المعالي وبنودها، ووسمت بأسمائهم جباه الممالك وخدودها، وتحيف الكرم أموالهم وهي أثيثة الجناح، وذللت عزائمهم من النوب وهي شديدة الجماح:
قد كان العبد خدم المجلس السامي بخدمة قصرها على التهنئة بما فتح الله تعالى من الظفر بالعدو الذي أطاع شيطانه، ومد في مضمار الغي أشطانه، واتبع ما أسخط الله وكره رضوانه، وجرى الله تعالى على جميل عادته في زلزلة أطواده، واستئصال أحزابه وأجناده، الذين غدت الرماح تستقي مياه نحورهم، والسيوف تنتهب ودائع صدورهم، والحمام يجول عليهم كل مجال، ويستدني إليهم نوازح الآجال:
وأرجو أن يكون التوفيق قضى بوصولها، وأذن في قبولها، فيمتد ظل، ويثري مقل، ويصوب عارض مستهل:
وبحكم ما العبد عليه من تطلع الأمل القوي، وتوقع الإنعام الكسروي، عززها بهذه المناجاة، وإن كان على ثقة أن رشاه قد ألقي في الغدير القريب، ورائده قد خيم بالمرتع الخصيب:
وله- أدام الله عزه- الرأي العالي فيه، إن شاء الله تعالى.
وكتب إلى صارم الدولة ابن معروف: أطال الله بقاء الحضرة الصارمية يجري القدر على حسب أهويتها، ويعقد الظفر بعزائم ألويتها، وتحلى بذكرها ترائب الأيام العاطلة، وتنجز بكرمها عدات الحظوظ المماطلة، ما أصحب الجامح، وأضاء السماك الرامح، وعافت الماء الإبل القوامح:
أيام الناس شهود مختلفة الأقوال، وصنوف متباينة الأحوال، فيوم تؤرخ السير بسؤدده وسنائه، وينطق بمحامد قوم ألسنة أبنائه، ويوم يخبو في موقف الجد شهابه، ويعبق بمسك المدام إهابه، فالحمد لله الذي جعل الحضرة السامية عقال الخطوب العوارم، ونظام المحاسن والمكارم، يعتدها الزمن نسيم أصائله، وزهر خمائله، وشموس مشارقه، وتيجان مفارقه، فيجب على كل من ضم اليراعة بنانه، وأطلق في ميدان البراعة عنانه، أن لا يخلي مجلسه من مدح معروضة، وخدم مفروضة، يسهب فيها الواصف، ويوجبها الإنعام المتراصف:
فكم داهل هدته- نصر الله عزائمها- بعد الضلال، وحر استنقذته من حبائل الإقلال، ومرهق خففت عنه وطأة الزمن المتثاقل، وطريق بوأته من حرمها أمنع المعاقل:
ثم جاءته مناقب الحضرة العلية فتم بها مناقب تميم، وحكم لآل القعقاع أمر حكيم، ونصر لواء بني نصر، وأبدرت أهلة بني بدر، ونبه منبه هوازن، وظهرت
مزينة ومازن، وضحك لعبس عابس الدهر، وراحت الكلمة كاملة الفخر، وزادت مغايظ الأزد، وقشرت قشيرا عن بلوغ المجد، وأغمدت سيوف بني غامد، وصارت همدان كالجمر الهامد، وعنس مذحج كالعنس مذللة، وحمير بالراية الحمراء متظللة، وطوت طيء عملها استخذاء، وغضت جفنة جفونها استحياء، فحرس الله محاسن الحضرة السامية التي جباه الأنام بها موسومة، وتمم نعمها التي هي بينها وبين الناس مقسومة. ولا زالت الدولة الفاطمية تحمد عزائمها التي شهدت لها بمداومة الكفاة، وأنشرت من النصائح كل رميم رفات:
يسابقون إلى العدو الأعنة، فتطعن عزائمهم قبل الأسنة، ويقتدون بالحضرة السامية في خوض الرهج، وإرخاص المهج، وتحمل الأعباء، في موالاة أصحاب العباء ؛ ولا سلب الله هذا الثغر وأهله ما وهب لهم من إنعامه الذي يتهافت إليهم متناسقا، ويعيد غصن مجدهم ناضرا باسقا:

  • دار الغرب الإسلامي - بيروت-ط 0( 1993) , ج: 3- ص: 999

الحسن بن محمد بن عبد الصّمد العسقلانيّ.
ذكره ابن بسّام في كتاب الذّخيرة، وقال: كان من الشّعراء الفصحاء، وقد أنشأ رسائل وأكثرها إخوانيّات وما كان يكاتب به أصدقاءه، وقد كتب في ديوان المستنصر بمصر، ورأيت له أجوبة لأبي [الحارث] البساسيري. وله ديوان شعره، وكتاب رسائله.
ومات في سنة اثنتين وثمانين وأربع مائة بمصر.

  • دار الغرب الإسلامي - تونس-ط 1( 2009) , ج: 1- ص: 343