الشيخ حسن ابن الشيخ صالح ابن الشيخ مهدي ابن الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء النجفي
توفي في حياة أبيه في 22 شعبان سنة 1314 بالنجف الأشرف وعمره 34 أو 35 سنة ولم يعقب كان عالما فاضلا مشهورا بالعلم والفضل ورعا تقيا ثقة حسن الأخلاق جيد التقرير قرأ على الشيخ الفقيه الشيخ محمد حسين الكاظمي والمحقق الشيخ ملا كاظم الخراساني والمحقق الشيخ ميرزا حبيب الله الرشتي والإمام السيد ميرزا حسن الشيرازي وكان ينوه به وقرأت عليه مع جماعة مدة في عوائد النراقي فرأيت من فضله وحسن تقريره ومكارم أخلاقه شيئا كثيرا وكنت في أوائل ورودي إلى النجف الأشرف سنة 1308 نظمت قصيدة في تهنئة آل القزويني الشهيرين بزفاف وصار للقصيدة وقع واستحسان في المجلس الذي تليت فيه من جميع الحاضرين وكان المترجم حاضرا في ذلك المجلس وليس بيني وبينه سابق معرفة فلما خرجنا من المجلس قال لي لك عندي نصيحة فقلت ما هي قال أن لا تعود إلى نظم غير هذه القصيدة في مثل هذه المحافل لأن ذلك يشغلك عما هاجرت إليه من بلادك من طلب العلم لأنك متى عرفت بذلك تبتلي ولا تقدر على رد الطالبين لهذا فقلت له نصيحتك مقبولة وجزيت خيرا. وهذه القصيدة كانت قضية في واقعة لها سبب خاص وقد عملتها وأنا عازم على عدم العود إلى مثلها. ولما توفي جاءني أحد أبناء عمه وهو الشيخ محمد حسين ابن الشيخ أمين وهو شريكنا في الدرس وطلب مني قصيدة في رثائه لينسبها إلى نفسه فلم يمكنني رد طلبه وهي مدرجة في القسم الأول من الرحيق المختوم ورثاه جملة من الشعراء كالسيد إبراهيم الطباطبائي والسيد جعفر الحلي والشيخ محمد السماوي وغيرهم وقصيدتي هي هذه:
أي المدامع لما غبت ما سفحا | وأي قلب عليك اليوم ما قرحا |
لا يألف الطرف إلا السهد بعدك والـ | ـفؤاد أقسم أن لا يألف الفرحا |
هل يعلم الدهر من أردت مخالبه | ومن نحا بسهام الغدر حين نحا |
وهل درى الزمن الغدار حين سطا | أي الذنوب أتاها اليوم واجترحا |
أني أساء إليك الدهر وهو يرى | ميزان إحسانه لولاك ما رجحا |
يا نيرا غاب من بعد التمام ويا | بحرا تغيض عنا بعد ما طفحا |
إن تمس بعد اقتراب الدار منتزحا | فما نأى ذكرك الزاكي ولا نزحا |
أين الطباع كأزهار الربيع إذا | ما راشح الطل في أرجائها رشحا |
عزم يفل حدود البيض مع خلق | سهل يحاكي نسيم الروض إذ نفحا |
أعملت في العلم فكرا كم فتحت به | من مغلق أعجز الأفهام فانفتحا |
مددت للمجد كفا طالما لمست | كف الثريا وطرفا للسهى طمحا |
بفطنة لأياس دون غايتها | مشى الضليع ونطق أخرس الفصحا |
لأبكينك ما كر الجديد وما | ناح الحمام على الأغصان أو صدحا |
قد كنت يا حسن حسن لزمان فمذ | أزمعت عنه رحيلا وجهه قبحا |
كنا نؤمل أن تحيا بهمته | معالم الدين لوفي عمره فسحا |
سرى على نهج آباء له سلفوا | علما وحلما فما أعيا ولا رزحا |
من كل قرم همام عيلم علم | ندب يرد جماح الدهر إن جمحا |
إن جذ فرع من الدوح الذي اتخذت | أغصانه في ذرى العيوق منتدحا |
فإن جرثومة العلياء ثابتة | بصالح وذوي أرحامه الصلحا |
قوم لهم شرف العلياء من قدم | دون الورى وبهم نهج الهدى اتضحا |
صبرا على نوب الدنيا أبا حسن | فالصبر أفضل ما وصى به النصحا |
إن النوائب لما قابلتك رأت | خلقا سجيجا وصدرا منك منشرحا |
إنا رأيناك في الأيام واحدها | بمثلك الزمن الخوان ما سمحا |
وأنت للمجد دون الناس قطب رحى | وهل تدور بغير القطب منه رحى |
فلم تزل كفك البيضا إذا انتجعت | ولم يزل زندك الواري إذا اقتدحا |
لا زال رمس ثوى في طيه حسن | بوابل العفو مغبوقا ومصطحبا |
لم يبق في الدهر شيء بعد ذا حسن | قد أزمع الحسن والإحسان والحسن |
مضت بمؤتمن عمن مضى خلف | باق وحين مضى لم يبق مؤتمن |
لا در در زمان أساء بما | قد نال من حسن يا قبح الزمن |
وصاحب لي قد ألوى لطيته | اتبعته شجنا لو عاقه الشجن |
أخفي عليه تباريحي وأعلنها | وليس ينفعني سر ولا علن |
حتى رميت بوجد غير مكتمن | والوجد يبرز أحيانا ويكتمن |
من ينظر المرء في أيامه يره | كالغصن يذبل بعد النضرة الغصن |
والدهر أول ما تمضي له محن | كذاك آخر ما تبقى له محن |
إن الأنام وإن طالت سلامتها | لا بد يقرنها في ميتة قرن |
لا ينفع المرء مال يستعد به | ولا شجاعة إن أودى ولا جبن |
لو كان مما يرد الحتف طعن قنا | لردت الحتف عنها بالقنا اليزن |
أو كان مما يرد الموت ضرب ظبي | لردت الموت عنها بيضها اليمن |
يمشي بنا أجل تلقاه غايته | وليس تنفعنا زغف ولا جنن |
أودى الذي ملأ الأيام سابقة | وكان مذ كان هو السابق الأرن |
أصات ناعيك لكن بالشجى شرقا | بحيث لولا لسان الدمع ما نطقا |
فلم يدع سامعا إلا وعبرته | بصره اعتلجت حتى بها اخنقا |
ناع نعاك نعى الدنيا وزهرتها | والعلم فيه غراب البين قد نعقا |
آه عليك فما في الدهر من حسن | سواك حتى كأن الحسن ما خلقا |
لو كنت تفدى لهانت فيك أنفسنا | لكن فيك قضاء الله قد سبقا |
مثل الشهاب هوت كف الزمان به | من بعد ما جاوزا الجورا على ورقى |
بعدت عنا وما أدلجت راحلة | ولا انطلقت مع الحي الذي انطلقا |
أكلما ناظري بالنوم قد خفقا | أبصرت طيف خيال منك قد طرقا |
فمذ فتحت له باعي أعانقه | مضى وزود قلبي الهم والقلقا |
لا طاب بعدك تعليل الرفاق إذا | بعدت يا سلوة الأحباب والرفقا |
لأبكينك ما ناحت مطوقة | لفقد ألف بإشراك الردى علقا |
أي والذي خلق الإنسان من علق | حق لإنسان عيني لو جرى علقا |
عليك قد كنت أخشى من مفكرة | فتحت فيها رتاج العلم والغلقا |
ما زلت في مشكلات العلم تشعلها | فأرسلت شعلة للقلب فاحترقا |
ففي سبيل الهدى قلب به ذهبت | أيدي العلوم التي عالجتها فرقا |
ما أن عشقت سوى بكر العلى أبدا | وقل من للمعالي الغر قد عشقا |
أهلوك بالعلم قد حدوا على نسق | وأنت تابعت منهم ذلك النسقا |
بجدهم كشف الله الغطاء وأنـ | ـوار الفقاهة فيهم ضوؤها ائتلقا |
ولو سلمت لعادت غضة لكم | طرية تستجد النور والورقا |
وجه فقدناه فيه للعلا سمة | يا ليتنا لا عرفناه ولا خلقا |
يرى انتصارا إذا الموتور صابحه | وعادم الورق أن يبصر به رزقا |
كناقة الله قد كانت مباركة | زاد المقل وللظامي روى وسقا |
وصالح ناصح للناس يرشدهم | وهم بقايا ثمود ضلة وشقا |
تورث العلم من آبائه فضفت | عليه درع علا محبوكة حلقا |
يقي الأنام بها في كل حادثة | وليس كالعلم يوما جنة ووقا |
من ذا يساميه في خلق وفي خلق | والله هذب منه الخلق والخلقا |
يزداد بشرا على ما فيه من ألم | كالمسك يزداد طيبا كلما سحقا |
من آل جعفر لا زالت وجوههم | مثل المصابيح تجلو الليل أن غسقا |
لم يذخروا غير كنز العلم في ورق | والناس تدخر الأموال والورقا |
هم مرجع العلماء في كل مشكلة | لم تبق يوما لها ذهنا ولا حذقا |
إن فاه نطق أبي الهادي له استمعوا | كأن وحيا به جبريل قد نطقا |
رعاه رب السما من عالم علم | سما بعلياه حتى زاحم الأفقا |
قل للذي رام جهلا أن يطاوله | ينصب له سلما أو يتخذ نفقا |
لا غرو أن عاد عنه من يسابقه | لخجلة تعتريه يمسح العرقا |
بالبيض والصفر تهمي سحب أنمله | على البرية لا قطرا ولا ودقا |
تستشرف الركب منه في مفاوزها | صدق المخيلة كالغيث الذي برقا |
يحدون نحو أبي الهادي بقولهم | يا ناق سيري إلى ربع الندى عنقا |
سقى الإله ضريحا حله حسن | سحاب عفو به يمسى الثرى غدقا |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 5- ص: 123