التصنيفات

أبو محمد الحسن بن سهل بن عبد الله السرخسي أخو الفضل بن سهل
توفي مستهل ذي الحجة سنة 236 وقيل 225 بمدينة سرخس في أيام المتوكل.
(والسرخسي) بفتح السين المهملة والراء وسكون الخاء المعجمة بعدها سين مهملة نسبة إلى سرخس بلدة من بلاد خراسان.
أقوال العلماء فيه
كان الحسن عالي الهمة رفيع المنزلة ثاقب الرأي عاقلا مدبرا تولى وزارة المأمون وكان جوادا ممدحا أديبا شاعرا عارفا بالنجوم جامعا لأسباب الفضل والكمال ذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الرضا عليه السلام فقال الحسن بن سهل أخو الفضل ذي الرياستين ويعرف الحسن بذي القلمين اه. وفي التعليقة هو الذي أخذ في جملة من أخذ عند قتل الفضل عمه في الحمام اه. وأقول الفضل أخو الحسن لا عمه والحسن لم يؤخذ يومئذ فما ذكره من سهو القلم إن لم تكن النسخة مغلوطة وقال ابن خلكان: أبو محمد الحسن بن سهل ابن عبد الله السرخسي تولى وزارة المأمون بعد أخيه ذي الرياستين الفضل وحظي عنده وكان المأمون قد ولاه جميع البلاد التي فتحها طاهر بن الحسين وكان عالي الهمة كثير العطاء للشعراء وغيرهم. وفي الفخري استوزره المأمون بعد أخيه الفضل ومال إليه وتلافاه جبرا لمصابه بقتل أخيه وتزوج ابنته بوران إلى أن قال كان الحسن بن سهل أعظم الناس منزلة عند المأمون وكان المأمون شديد المحبة لمفاوضته فكان إذا حضر عنده طاوله في الحديث وكلما أراد الانصراف منعه فانقطع زمان الحسن بذلك وثقلت عليه الملازمة فصار يتراخى عن الحضور بمجلس المأمون ويستخلف أحد كتابه كأحمد ابن أبي خالد وأحمد بن يوسف وغيرهما اه. وكان الفضل بن سهل وأخوه الحسن بن سهل من صنائع آل برمك. ويحيى بن خالد هو الذي اختار الفضل لخدمة المأمون في حياة الرشيد كما يأتي في ترجمة الفضل وكان الحسن وأخوه يتشبهان بالبرامكة في الجود والسخاء وحكى الصدوق في العيون عن أبي علي الحسين بن أحمد السلامي في كتابه أخبار خراسان أن الفضل بن سهل كان مجوسيا فأسلم على يدي يحيى بن خالد وصحبه وقيل: بل أسلم سهل والد الفضل على يد المهدي وفي تجارب السلف ما ترجمته أن الفضل كان من أولاد ملوك الفرس. وأبوه سهل كان مجوسيا وكان مقربا عند يحيى بن خالد وكان يحيى موكلا أموره إليه وأسلم سهل في أيام الرشيد وكان الأب والابن عالمين بالنجوم اه.
معرفته بالنجوم
مر عن تجارب السلف أنه كان عالما بالنجوم ويدل خبر رواه الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه السلام أن الحسن بن سهل كان عالما بالنجوم فقد روى بسنده عن ياسر الخادم أنه لما خرج المأمون والفضل بن سهل والرضا عليه السلام من مرو طالبين العراق قال ياسر: فلما كنا في بعض المنازل ورد على ذي الرياستين الفضل بن سهل كتاب من أخيه الحسن بن سهل إني نظرت في تحويل هذه السنة في حساب النجوم فوجدت فيه إنك تذوق في شهر كذا يوم الأربعاء حر الحديد وحر النار وأرى أن تدخل أنت والرضا وأمير المؤمنين الحمام في ذلك اليوم فتحتجم أنت فيه وتصب الدم على بدنك ليزول نحسه عنك الحديث وفيه أن الفضل دخل الحمام فدخل عليه قوم الحمام فقتلوه فيه كما أن أخاه الفضل أيضا كان عالما بالنجوم كما يأتي في ترجمته وفي تاريخ الحكماء لابن القفطي أن سهل بن بشر الإسرائيلي المنجم كان يخدم طاهر ابن الحسين ثم الحسن بن سهل وأن الحارث المنجم كان منقطعا إلى الحسن بن سهل.
تشيعه
كان الحسن وأخوه الفضل يتشيعان ونص على تشيع الفضل ابن خلكان في تاريخه وأخوه الحسن كان على طريقته. وربما يدل على تشيع الحسن ذكر الشيخ له في أصحاب الرضا عليه السلام كما مر.
واستدل بعضهم على تشيعه بأنه وأخاه الفضل من صنائع البرامكة والظاهر أن البرامكة كانوا يتشيعون واستدلوا على تشيع البرامكة بما في كتاب تجارب السلف من أن الرشيد سلم علويا إلى جعفر بن يحيى وأمره بقتله فأطلقه فبلغ ذلك الرشيد فسأل جعفرا عن العلوي فقال محبوس، فقال: بحقي عليك؟ فقال: بحقك لا أحلف كاذبا قد أطلقته فقال: نعم ما صنعت فلما قام قال الرشيد: قتلني الله إن لم أقتلك (انتهى).
ولكن هناك ما يناقض هذا وهو ما روي من أن يحيى البرمكي جاء من الرقة من عند الرشيد إلى بغداد وأمر السندي ابن شاهك بسم الإمام الكاظم ففعل، وأنه هو الذي كان السبب في مجيء علي بن إسماعيل من المدينة وسعايته بالكاظم عليه السلام حسدا لجعفر بن محمد بن الأشعث والله أعلم.
وحكى الصدوق في العيون عن أبي علي الحسين ابن أحمد السلامي في كتاب خراسان أن الفضل بن سهل هو الذي أشار على المأمون بأن يجعل الرضا ولي عهده فلما بلغ العباسيين ببغداد ساءهم ذلك وبايعوا إبراهيم بن المهدي المغني فلما بلغ ذلك المأمون بعث إلى الفضل من قتله في الحمام بسرخس ودس إلى الرضا عليه السلام سما فمات اه. أما أقول الصدوق في العيون والصحيح عندي أن المأمون إنما ولاه العهد وبايع له للنذر الذي قد تقدم ذكره - يعني نذره إن أظفره الله بالمخلوع أن يجعلها في أفضل آل أبي طالب - وأن الفضل لم يزل معاديا ومبغضا له وكارها لأمره لأنه كان من صنائع آل برمك اه. فهو اجتهاد منه يمكن أن لا يكون إصاب فيه فالمأمون إن كان ولاه العهد لذلك النذر فلا ينافي ذلك أن يكون الفضل قوى عزمه وبعثه عليه وكون الفضل لم يزل معاديا للرضا وكارها لأمره لم يثبت وينافيه قول ابن خلكان أنه كان يتشيع وكونه من صنائع آل برمك يقوي تشيعه لما عرفت من أنهم كانوا يميلون إلى التشيع وقد روى الصدوق نفسه أن الفضل بن سهل وهشام بن إبراهيم أخرجا يمينا مكتوبة بالعتق والطلاق وما لا كفارة له إنا جئناك لنقول كلمة حق وصدق وقد علمنا أن الإمرة إمرتكم والحق حقكم على أن نقتل المأمون ونخلص لك الأمر فشتمهما وقال لهما: كفرتما النعمة فلا يكون لكما سلامة ولا لي إن رضيت بما قلتماه فقالا: أردنا أن نجربك وذهبا فأخبرا المأمون بذلك وقالا: إنهما جرباه فقال المأمون وفقتما اه. ويمكن أن يكون هذا مما حدا بالمأمون على قتل الفضل والله أعلم وشتم الإمام لهما لما يعلم ما في ذلك من المفسدة عليه وعليهما كما أشير إليه قوله فلا يكون لكما سلامة ولا لي فلا ينافي ذلك تشيعهما. وتدل بعض الأخبار المتقدمة في سيرة الرضا عليه السلام من القسم الثاني من الجزء الرابع من هذا الكتاب أن الحسن بن سهل كان حاضرا حينما أراد المأمون البيعة للرضا عليه السلام وأنه كان شريك أخيه الفضل في كل ما يتعلق بذلك فقد ذكرنا هناك حكاية المفيد عن جماعة من أصحاب الأخبار ورواة السير والآثار وأيام الخلفاء أن المأمون أحضر الفضل بن سهل فأعلمه بما قد عزم عليه من العقد للرضا عليه السلام وأمره بالاجتماع مع أخيه الحسن بن سهل فاجتمعا بحضرته فجعل الحسن يعظم ذلك عليه ويعرفه ما في إخراج الأمر من أهله عليه فقال له المأمون إني عاهدت الله على أنني إن ظفرت بالمخلوع أخرجت الخلافة إلى أفضل آل أبي طالب، وما أعلم أحدا أفضل من هذا الرجل على وجه الأرض فلما رأى الحسن والفضل عزيمته على ذلك أمسكا عن معارضته فيه فأرسلهما إلى الرضا عليه السلام فعرضا ذلك عليه فامتنع منه فلم يزالا حتى أجاب ورجعا إلى المأمون فعرفاه إجابته فسر بذلك اه. وهذا يدل على اشتراكهما في السعي في بيعة الرضا عليه السلام. أما تعظيم الحسن ذلك على المأمون فلعله كان من باب النصيحة له والنظر في العواقب لما يعلمه من كراهة العباسيين ورجال الدولة لذلك لعلمهم أنه لا يتم لهم مع الرضا ما يتم لهم مع المأمون فلا ينافي تشيع الحسن أو أنه أراد أن يتوثق من المأمون في ذلك والله أعلم.
ثم إنه سيأتي أن المأمون ولى الحسن بن سهل ما افتتحه طاهر من كور الجبال والعراق وفارس والأهواز سنة 198 وقدم الحسن وتسلم ذلك سنة 199 وإن الحسن كان بالنهروان سنة 200 وإنه كان بالمدائن لما ذهب هرثمة إلى خرسان في سنة 200 أيضا وأنه أول سنة 201 سار الحسن من المدائن إلى واسط وتأتي أمور أخر تدل على أنه سنة 201 كان بالعراق وأنه سنة 202 كتب إليه المأمون بلبس الخضرة ومحاصرة بغداد وإن بيعة الرضا عليه السلام كانت سنة 201 فإذا الحسن كان بالعراق قبل بيعة الرضا عليه السلام وعندها وبعدها وهو ينافي ما مر من أنه عندها كان في خرسان وأنه اجتمع مع أخيه الفضل بحضرة المأمون إلى غير ذلك إلا أن يكون حضر من العراق وعاد إليها والله أعلم.
رأيه الثاقب في إشارته على المأمون
قد عرفت أن اتصال الفضل بالمأمون كان قديما في حياة الرشيد وباتصاله به اتصل به أيضا أخوه الحسن وفي تاريخ ابن الأثير أنه لما ابتدأ الاختلاف بين الأمين والمأمون سنة 193 كان الفضل مع المأمون وهو من أعظم أرباب الدولة عنده وكان يشير على المأمون المرة بعد المرة فيكون الصواب في رأيه فزادت منزلته عنده حتى قال له المأمون مرة جعلت الأمر إليك فقم به وكذلك أخوه الحسن كان يشير بالرأي على المأمون فيكون الصواب فيه قال ابن الأثير لما أمر الأمين بالدعاء على المنابر لابنه موسى سنة 194 وطلب من المأمون أن ينزل له عن بعض كور خراسان وأن يكون له عنده صاحب بريد يكاتبه بالأخبار استثمار المأمون خواصه وقواده فأشاروا باحتمال هذا الشر والإجابة إليه خوفا من شر هو أعظم منه فقال لهم الحسن بن سهل: أتعلمون أن الأمين طلب ما ليس له قالوا: نعم ويحتمل ذلك لضرر منعه قال: فهل تثقون بكفه بعد إجابته فلا يطلب غيرها قالوا: لا قال: فإن طلب غيرها فما ترون قالوا: فمنعه قال فهذا خلاف ما سمعناه من قول الحكماء: استصلح عاقبة أمرك باحتمال ما عرض من مكروه في يومك ولا تلتمس هدنة يومك بأخطار ما أدخلته على نفسك في غدك واستشار الفضل فأشار بمثله فامتنع المأمون من إجابته إلى ما طلب.
أخباره في خلافة المأمون
في سنة 195 أرسل الفضل بن سهل جيشا مع طاهر ابن الحسين الخزاعي إلى الري في أقل من أربعة آلاف وأرسل الأمين جيشا على بن عيسى بن هامان في خمسين ألف فارس فهزم جيش الأمين وقتل قائده علي بن عيسى وأرسل طاهر رأسه إلى المأمون وفي سنة 196 بعث المأمون هرثمة في جيش كثير إلى طاهر وكتب إليه يأمره بتسليم ما حوى من المدن والكور إلى هرثمة ويتوجه هو إلى الأهواز ففعل وفيها خطب للمأمون بإمرة المؤمنين ولقب الفضل بن سهل ذا الرياستين رياسة الحرب والقلم وولى الحسن بن سهل ديوان الخراج وفي سنة 198 استولى طاهر على بغداد وقتل الأمين وفيها استعمل المأمون الحسن بن سهل على ما كان افتتحه طاهر من كور الجبال والعراق وفارس والأهواز والحجاز واليمن وكتب إلى طاهر بتسليم ذلك إليه فقدم الحسن بين يديه علي ابن أبي طاهر سعيد فدافعه طاهر بتسليم الخراج حتى وفي الجند أرزاقهم وسلم إليه العمل وقدم الحسن سنة 199 وفرق العمال وأمر طاهر أن يسر إلى الرقة وكتب المأمون إلى هرثمة يأمره بالمسير إلى خراسان اه. فكان نصيب طاهر الحرمان مما افتتحه وتسييره إلى الرقة وتسليم ذلك إلى الحسن بن سهل وكان هذا بتدبير الفضل بن سهل قال ابن الأثير لما صرف المأمون طاهرا عما كان إليه من الأعمال التي افتتحها ووجه الحسن بن سهل إليها تحدث الناس بالعراق أن الفضل بن سهل قد غلب على المأمون وأنه أنزله قصرا أحجبه فيه عن أهل بيته وقواده، أنه يستبد بالأمر دونه فغضب لذلك بنو هاشم ووجوه الناس واجترأوا على الحسن بن سهل وهاجت الفتن في الأمصار.
حرب أبي السرايا مع عساكر الحسن بن سهل
في سنة 199 ظهر بالكوفة أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب عليه السلام المعروف بابن طباطبا يدعو إلى الرضا من آل محمد والقيم بأمره في الحرب أبو السرايا السري بن منصور فبايع ابن طباطبا وأخذ الكوفة وكان العامل عليها للحسن بن سهل سليمان بن المنصور فلامه الحسن ووجه زهير بن المسيب الضبي إلى الكوفة في عشرة آلاف فارس وراجل فهزمه ابن طباطبا وأبو السرايا واستباحوا عسكره ثم مات ابن طباطبا فجأة فأقام أبو السرايا مكانه غلاما اسمه محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب عليه السلام فوجه الحسن بن سهل عبدوس بن محمد المروزي في أربعة آلاف فارس فخرج إليه أبو السرايا فقتل عبدوس ولم يسلم من رجاله أحد بين قتيل وأسير وكان بواسط عبد الله بن سعيد الحرشي واليا عليها من قبل الحسن ابن سهل فانهزم من أصحاب أبي السرايا إلى بغداد فلما رأى الحسن أن أصحابه لا يثبتون أرسل إلى هرثمة يستدعيه لمحاربة أبي السرايا وكان قد سار إلى خراسان مغاضبا للحسن فحضر بعد امتناع وسار إلى الكوفة وسير الحسن إلى المدائن وواسط علي بن سعيد فوجه أبو السرايا جيشا إلى المدائن فدخلها أصحابه وتقدم هو حتى نزل بنهر صرصر وجاء هرثمة فعسكر بإزائه وسار علي بن سعيد إلى المدائن وقاتل أصحاب أبي السرايا فهزمهم واستولى عليها وفي سنة 200 هرب أبو السرايا إلى قصر ابن هبيرة وسار هرثمة في طلبه فوجد جماعة من أصحابه فقتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحسن بن سهل ثم أن أبا السرايا خرج من الكوفة في ثمانمائة فارس حتى انتهى إلى السوس فأتاه الحسن بن علي المأموني وأمره بالخروج من عمله وكره قتاله فأبى أبو السرايا إلا قتاله فهزمه المأمون ومعه محمد بن محمد بن زيد فظفر بهم حماد الكندغوش فأخذهم وأتى بهم الحسن بن سهل وهو بالنهروان فقتل أبا السرايا وبعث محمد بن محمد إلى المأمون ولما فرغ هرثمة من أبي السرايا لم يأت الحسن ابن سهل وأتى خراسان فأتته كتب المأمون أن يأتي الشام أو الحجاز فأبى وقال: لا أرجع حتى ألقى أمير المؤمنين إدلالا منه عليه بنصيحته وأراد أن يعرف المأمون أن الفضل يكتم عنه فعلم الفضل بذلك فأفسد أمره عند المأمون فلما دخل عليه أهين وحبس ودسوا إليه من قتله وقالوا: مات.
مخالفة علي بن أبي سعيد على الحسن بن سهل
وفي سنة 200 أيضا خالف علي ابن أبي سعيد على الحسن بن سهل المأمون بسراج الخادم وقال له: إن وضع علي يده في يد الحسن أو شخص إلي وإلا فاضرب عنقه فشخص إلى المأمون مع هرثمة بن أعين.
ما جرى بين الحربية والحسن بن سهل
الحربية يظهر من كلام المؤرخين أنهم فرقة من الجند ولا نعلم ما وجه هذه النسبة والحربية محلة ببغداد قال الطبري وابن الأثير في حوادث سنة 200 فيها كان الشغب ببغداد بين الحربية والحسن بن سهل وسبب ذلك أن الحسن بن سهل كان بالمدائن حين شخص هرثمة إلى المأمون ولم يزل مقيما بها إلى أن اتصل بأهل بغداد والحربية ما صنعه المأمون بهرثمة فبعث الحسن بن سهل إلى علي بن هشام وهو والي بغداد من قبله إن أمطل الجند من الحربية والبغداديين أرزاقهم ولا تعطهم وكانت الحربية حين خرج هرثمة إلى خراسان وثبوا وقالوا: لا نرضى حتى نطرد الحسن بن سهل وعماله عن بغداد فطردوهم وصيروا إسحاق ابن موسى بن المهدي خليفة للمأمون ببغداد فدس الحسن إليهم وكاتب قوادهم حتى يثبوا من جانب عسكر المهدي فحول الحربية إسحاق إليهم وجاء زهير بن المسيب فنزل في عسكر المهدي وبعث الحسن بن سهل علي بن هشام في الجانب الآخر هو ومحمد ابن أبي خالد بن الهندوان المروروذي وقاتل علي بن هشام الحربية ثلاثة أيام وبلغهم خبر هرثمة فأخرجوا علي بن هشام وقيل: كان السبب في شغب الأبناء أن الحسن بن سهل جلد عبد الله بن علي ابن ماهان الجد فغضب الأبناء (كأنهم الحربية) وخرجوا فلما بلغ الحسن بن سهل إخراج أهل بغداد علي بن هشام سار الحسن من المدائن إلى واسط ذلك أول سنة 201.
حرب محمد ابن أبي خالد
وأولاده مع الحسن بن سهل
وقدم عيسى بن محمد ابن أبي خالد من الرقة من عند طاهر في هذه الأيام فوافق أباه على قتال الحسن بن سهل فذهبا ومن معهما إلى قرب واسط فلقيهما في طريقهما عساكر الحسن بن سهل فهزماها وكان زهير بن المسيب مقيما بإسكاف بني الجنيد عاملا للحسن على جوخى فركب إليه محمد وأخذه أسيرا وأرسله إلى بغداد ثم وجه محمد ابنه هارون من دير العاقول إلى النيل وبها نائب للحسن فهزمه هارون وتبعه إلى الكوفة ثم سار المنهزمون من الكوفة إلى الحسن بواسط وسار محمد وهارون نحو واسط فسار الحسن عنها ونزل خلفها وسار محمد إلى الحسن على تعبية فوجه إليه الحسن قواده وجنده فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزم أصحاب محمد وثبت حتى جرح جراحات شديدة ونزل محمد بفم الصلح وأتاهم الحسن فاقتتلوا فلما جنهم الليل ارتحل محمد وأصحابه فنزلوا المبارك فأتاهم الحسن فاقتتلوا فلما جنهم الليل ارتحلوا حتى أتوا جبل واشتدت جراحات محمد فحمله ابنه أبو زنبيل إلى بغداد فمات بها وصار عيسى ابن محمد مكان أبيه وقتل أبو زنبيل زهير بن المسيب الذي كان أسره أبوه. وبلغ الحسن بن سهل موت محمد فسار إلى المبارك وبعث جيشا فالتقوا بأبي زنبيل فهزموه وانحاز إلى أخيه هارون بالنيل فتقدم جيش الحسن إليهم فاقتتلوا انهزم هارون وأصحابه فأتوا المدائن واجتمع بنو هاشم والقواد فأرادوا منصور بن المهدي على الخلافة فأبى فجعلوه خليفة للمأمون ببغداد والعراق وقالوا: لا نرضى بالمجوسي ابن المجوسي الحسن بن سهل ونطرده حتى يرجع إلى خراسان وقيل: أن عيسى لما ساعده أهل بغداد على حرب الحسن ابن سهل علم الحسن أنه لا طاقة له به فبعث إليه وبذل المصاهرة ومائة ألف درهم والأمان له ولأهل بيته ولأهل بغداد وولاية أي النواحي شاء فطلب كتاب المأمون بخطه فأجابه الحسن بن سهل إلى ذلك وجرت بينهما مكاتبة واصطلحوا ورحل عيسى فدخل بغداد فرضي أهل بغداد بما صالح عليه.
ما فعله الحسن بن سهل عند بيعة الرضا عليه السلام
قال الطبري وابن الأثير لما بايع المأمون للرضا عليه السلام بولاية العهد سنة 201 وكتبه بذلك إلى الآفاق كتب الحسن ابن سهل إلى عيسى بن محمد ابن أبي خالد يعلمه أن المأمون قد جعل علي بن موسى ولي عهده من بعده وذلك أنه نظر في بني العباس وبني علي فلم يجد أحدا أفضل ولا أورع ولا أعلم منه وأنه سماه الرضا من آل محمد وأمره بطرح السواد ولبس الخضرة وأمره أن يأمر من قبله من أصحابه والجند والقواد وبني هاشم بالبيعة له وأن يأخذهم بلبس الخضرة في أقبيتهم وقلانسهم وأعلامهم ويأخذ أهل بغداد جميعا بذلك فدعاهم عيسى إلى ذلك على أن يجعل لهم رزق شهر والباقي إذا أدركت الغلة فأجاب بعض وامتنع بعض وقالوا: لا نبايع ولا نلبس الخضرة ولا نخرج هذا الأمر من ولد العباس وإنما هذا دسيس من الفضل بن سهل - وهذا يدل على أن الفضل كان عند الناس أنه هو الذي حسن ذلك للمأمون ثم بايعوا إبراهيم بن المهدي المغني في أول سنة 202.
ما جرى للحسن بن سهل بعد بيعة إبراهيم المغنى
قال الطبري في حوادث سنة 202 ذكر أن الحسن ابن سهل أتاه وهو مقيم بالمبارك - قرية بين واسط وفم الصلح - كتاب المأمون يأمره بلبس الخضرة وأن يبايع لعلي ابن موسى الرضا بولاية العهد من بعده ويأمره أن يتقدم إلى بغداد حتى يحاصر أهلها فارتحل الحسن وكتب إلى حميد بن عبد الحميد وهو عامله على قصر ابن هبيرة أن يتقدم إلى بغداد فيحاصرها من ناحية أخرى ويأمره بلبس الخضرة ففعل قال الطبري وابن الأثير وكان مع حميد من القواد سعيد ابن الساجور وغيره فكاتبوا إبراهيم بن المهدي على أن يأخذوا له قصر ابن هبيرة فكانوا يكتبون إلى الحسن بن سهل يخبرونه أن حميد يكاتب إبراهيم وكان حميد يكتب فيهم بمثل ذلك فكتب الحسن إلى حميد يستدعيه فلم يفعل خاف أن يسير فيأخذ هؤلاء القواد ماله وعسكره فلما ألح الحسن عليه سار إليه وكتب أولئك القواد إلى إبراهيم أن يرسل إليهم عيسى ابن محمد ابن أبي خالد فأرسله إليهم فانتهبوا ما في عسكر حميد وبلغ الخبر الحسن بن سهل وحميد عنده فقال له حميد: ألم أعلمك بذلك ولكنك خدعت ثم سار حميد إلى الكوفة فأخذ أموالا كانت له فيها وولى على الكوفة العباس ابن موسى بن جعفر العلوي وقد كان الحسن وجه حكيما الحارثي حين بلغه الخبر إلى النيل فلما بلغ ذلك عيسى خرج إليهم فواقعهم حكيم فهزموه ودخلوا النيل ثم توجهوا إلى الكوفة فخرج إليهم علي بن محمد بن جعفر في عسكر فقاتلوهم فانهزم علي بن محمد ودخل الكوفة وجاء عيسى فنزل الحيرة وفي اليوم الثاني اقتتلوا إلى الليل ثم اقتتلوا في اليوم الثالث ثم أصلح بينهم رؤساء أهل الكوفة على أن يخرج العباس وأصحابه منها بالأمان ودخلها عيسى وأصحابه. وأمر إبراهيم بن المهدي عيسى أن يسير إلى ناحية واسط وأمر آخرين من القواد بذلك عسكروا قرب واسط فكانوا يركبون حتى يأتوا عسكر الحسن بواسط كل يوم فلا يخرج إليهم أحد وهم متحصنون بالمدينة ثم خرج إليهم الحسن وأصحابه فاقتتلوا قتالا شديدا إلى الظهر وانهزم عيسى وأصحابه.
وزارة الحسن بن سهل للمأمون بعد قتل أخيه الفضل
قال الطبري وابن الأثير في حوادث سنة 202 فيها سار المأمون من مرو إلى العراق لأن علي بن موسى أخبره بما فيه من الفتنة منذ قتل الأمين وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من الأخبار وإن أهل بيته والناس بايعوا إبراهيم ابن المهدي وإن الحرب قائمة بين الحسن بن سهل وإبراهيم والناس ينقمون عليك مكانه ومكان أخيه الفضل ومكاني ومكان بيعتك لي من بعدك (أقول) وهذا وفاء من الإمام الرضا عليه السلام ونصيحة للمأمون وإن كان الفضل وأخوه يتشيعان لأن المفسدة في ترك ذلك عظيمة فآثر الإمام الرضا عليه السلام المصلحة العامة على المصلحة الخاصة قال الطبري وابن الأثير فقال المأمون: ومن يعلم ذلك قال: وجوه العسكر فأخبروه لما أمنهم من الفضل بالبيعة لإبراهيم بن المهدي وإن أهل بغداد سموه الخليفة السني واتهموا المأمون بالرفض لمكان علي بن موسى منه وأعلموه بما هو عليه الفضل من أمر هرثمة بن أعين وإن هرثمة إنما جاءه لينصحه فقتله الفضل وإن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعته فأخرج من الأمر كله وجعل في زاوية من الأرض بالرقة لا يستعان به في شيء وأنه لو كان ببغداد لضبط الملك فأمر المأمون بالرحيل فلما أتى سرخس وثب قوم بالفضل بن سهل فقتلوه في الحمام فقتلهم المأمون وبعث برؤوسهم إلى الحسن بن سهل وأعلمه ما دخل من المصيبة بقتل الفضل وأنه قد صيره مكانه فلم يزل الحسن بواسط حتى أدركت الغلة وجبى بعض الخراج اه.
أخباره حين تزوج المأمون ابنته بوران
في كتاب تجارب السلف تأليفه هندوشاه بن سنجر ابن عبد الله النخشواني ما تعريبه أن المأمون خطب بوران بنت الحسن بن سهل فزوجه إياها عمها الفضل بن سهل وعقد عليها غرة المحرم سنة 202 اه وينبغي أن يكون هذا العقد في خراسان وهي مع أبيها في العراق وقال الطبري وابن الأثير في حوادث سنة 202 فيها تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل ثم ذكرا في حوادث سنة 210 أنه في هذه السنة بني المأمون ببوران ابنة الحسن بن سهل اه. فدل ذلك على أن التزويج كان أولا مجرد الأملاك ثم بنى بها بعد الأملاك بثمان سنين بعدما جاء من خراسان إلى العراق وكان بناؤه بها بفم الصلح قال ابن خلكان فم الصلح بفتح الفاء بعدها ميم وكسر الصاد المهملة وبعد السلام الساكنة حاء مهملة وهي بلدة قريبة من واسط كذا ذكره السمعاني وقال العماد الكاتب في الخريدة الصلح نهر كبير يأخذ من دجلة بأعلى واسط عليه نواح كثيرة وقد علا النهر وآل أمر تلك المواضع إلى الخراب قال ابن خلقان والعماد بذلك أخبر من السمعاني لأنه أقام بواسط زمانا طويلا متولي الديوان بها اه. وفي معجم البلدان الصلح نهر كبير فوق واسط بينها وبين جبل عليه عدة قرى وفيه بنى المأمون ببوران اه. فيظهر أن الصلح اسم للنهر وفم الصلح يمكن أن يكون هو مخرجه من دجلة وعلى فمه قرية تسمى فم الصلح وبها دار الحسن قال الطبري في حوادث سنة 210 شخص المأمون حين شخص إلى هنالك للبناء ببوران راكبا زورقا حتى أرسى على باب الحسن وكان العباس بن المأمون قد تقدم أباه على الظهر فتلقاه الحسن خارج عسكره في موضع قد اتخذاه على شاطئ دجلة بني له فيه جوسق فلما عاينه العباس ثنى رجله لينزل فحلف عليه الحسن أن لا يفعل فلما ساواه ثنى رجله الحسن لينزل فقال له العباس: بحق أمير المؤمنين لا تنزل فاعتنقه الحسن وهو راكب ودخلا جميعا منزل الحسن ووافى المأمون في وقت العشاء وذلك في شهر رمضان من سنة 210 فأفطر هو والحسن والعباس وفي الليلة الثالثة دخل ببوران وفي تجارب السلف وغيره أنها ليلة الزفاف كانت حائضا فقالت: يا أمير المؤمنين أتى أمر الله فلا تستعجلوه ففهم مرادها - وهذا كان سبب تأخير دخوله بها إلى اليوم الثالث وعلى ذلك من فصاحتها وحسن كنايتها - وأوقد في تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون منافي تور من ذهب فأنكر المأمون ذلك عليهم وقال: هذا سرف - وهكذا كانت تنفق أموال الأمة في السرف والملاذ والشهوات وكم في الأمة من يتيم أو فقير بيت جائعا ولا يجد القوت - قال: وذكر أن المأمون أقام عند الحسن بن سهل سبعة عشر يوما (وقيل أكثر) يعد له في كل يوم ولجميع من معه جميع ما يحتاج إليه وأن الحسن خلع على القواد على مراتبهم وحملهم ووصلهم وكتب الحسن رقاعا فيها أسماء ضياعه ونثرها على القواد وعلى بني هاشم فمن وقعت في يده رقعة منها فيها اسم بعث فتسلمها وفي الفخري أنه جعل الرقاع في بطاطيخ من عنبر قال الطبري وكان مبلغ النفقة عليهم خمسين ألف ألف درهم وأمر المأمون غسان بن عباد عن منصرفه أن يدفع إلى الحسن عشرة آلاف ألف من مال فارس وأقطعه الصلح فحملت إليه ففرقها في قواده وأصحابه وحشمه فلما انصراف المأمون شيعه الحسن ثم رجع إلى فم الصلح وفي تجارب السلف أن الحسن بن سهل كان قد بنى مدينة في الموضع المعروف بفم الصلح وأقام فيها وبعدما جاء المأمون إلى بغداد ذهب إلى فم الصلح بجميع أهله وعسكره ونزل هناك فعمل له الحسن بن سهل ولجميع عسكره دعوة عظيمة لم يرو ولم يسمع بمثلها جمعت أنوع المأكل والمطاعم الشريفة الكثيرة التي عجز الناس عن حملها ويقال أن المتوكل عمل دعوة عظيمة اجتمع عليها خلق كثير فلما جلسوا على السماط قال المتوكل: انظروا هل هنا أحد ممن رأى دعوة فم الصلح وكان هناك شيخ طاعن في السن فقال: أنا رأيتها فقال له المتوكل كيف دعوتنا هذه بالنسبة إليها فسكت الشيخ فقال المتوكل: قل ما عندك ولا تخف فقال: أقول مختصرا أو مطولا فقال: بل مختصرا فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين لما فرغ الناس من الطعام ذلك اليوم وذهبوا إلى مواضعهم بقي تل عظيم من القلوب والكروش والريش وغيرها وتعفن وبقوا مدة ينقلونه على الدواب والجمال ويلقونه في دجلة ووضعوا الصحون أمام الناس وكلها من لحوم الدجاج فندم المتوكل على هذا السؤال وأغلق الباب. وبالجملة كان مع المأمون لما ذهب إلى فم الصلح أربعة آلاف ملاح يسيرون السفن. ومن هنا يعلم كم كان عدد الخواص والخدم والعساكر الذين ركبوا في السفن وهؤلاء الجماعة كلهم بقوا مدة في ضيافة الحسن بن سهل اه. وحكى ابن خلكان في تاريخه وغيره أنه فرش للمأمون في دار الحسن بن سهل حصير منسوج بالذهب فلما وقف عليه نثرت على قدميه لآلىء كثيرة فقال: قاتل الله أبا نواس كأنه شاهد هذه الحال حين قال في وصف الخمر والحباب الذي يعلوها عند المزاج :

قال: وأطلق له المأمون خراج فارس وكور الأهواز مدة سنة وقالت الشعراء والخطباء في ذلك فأطنبوا ومما يستظرف فيه قول محمد بن حازم الباهلي.
فقال المأمون: والله ما ندري خيرا أراد أم شرا اه. قال ابن الأثير كان عندهما حمدونة بنت الرشيد وزبيدة أم الأمين وجدتها أم الفضل والحسن بن سهل فلما دخل نثرت عليها جدتها ألف لؤلؤة من أنفس ما يكون فأمر المأمون بجمعه وأعطاه بوران وقال: سلي حوائجك فأمسكت فقالت جدتها: سلي سيدك فقد أمرك فسألته الرضا عنه الرحيم ابن المهدي فقال: قد فعلت وسألته الإذن لزبيدة في الحج فأذن لها وألبستها زبيدة البدلة اللؤلؤية اه. وفي كل ذلك عبرة وعظات من حوادث الدهر وفي تجارب السلف ويقال: أن البوراني المعمول من الكشك والباذنجان هو اختراع بوران هذه اه. وفي دمشق طعام يصنع من اللحم والاسبيناغ يسمونه بوراني ولعله منسوب إليها ومن أخباره في خلافة المأمون ما ذكره ابن القطفي في تاريخ الحكماء في ترجمة جبرئيل بن بختيشوع أنه لما ملك محمد الأمين وافي جبرئيل فقبله أحسن قبول وأكرمه فلما كان من أمر الأمين ما كان وولي المأمون كتب إلى بغداد بحبس جبرئيل وعالجه فبرئ في أيام يسيرة فوهب له مالا وافرا وكتب إلى المأمون يعرفه خبر علته وكيف برئ على يد جبرئيل وسأله في أمره فأجابا بالصفح عنه اه.
إخبار المأمون الحسن بن سهل بوفاة الرضا عليه السلام
قال الطبري وابن الأثير في حوادث سنة 203 فيها مات علي بن موسى الرضا عليه السلام بمدينة طوس قال ابن الأثير وقيل: أن المأمون سمه في عنب وكتب المأمون إلى الحسن بن سهل يعلمه موته وما دخل عليه من المصيبة بموته اه.
غلبة السوداء على الحسن بن سهل
قال الطبري وابن الأثير في حوادث سنة 203 فيها غلبت السوداء على الحس بن سهل فتغير عقله حتى شد في الحديد وحبس في بيت وكتب قواد الحسن بذلك إلى المأمون فكتب أن يكون على عسكره دينار بن عبد الله وأعلمهم أنه قادم على أثر كتابه وقال الطبري سبب ذلك أنه مرض مرضا شديدا فأدى ذلك إلى تغير عقله وفي الفخري ثم عرضت له سوداء كان أصلها جزعه على أخيه فانقطع بداره ليتطبب واحجب عن الناس إلا أنه أعلى الخلق مكانه واستوزر المأمون أحمد ابن أبي خالد فكان أحمد في كل وقت يقصد خدمة الحسن بن سهل وإذا حضر الحسن دار المأمون كان أعلى الناس مكانة اه. وهذا يدل على أن الحسن بن سهل برئ من مرضه ولم يذكر ماذا ولي من الأعمال سوى أنهم قالوا: أن المأمون لما بنى ببوران بنت الحسن بن سهل سنة 210 سار من بغداد إلى فم الصلح إلى معسكر الحسن بن سهل ومن يكون له معسكرا لا بد أن تكون له إمارة وقد بقي بعد ما أصابته السوداء نحوا من 33 سنة وفي الفخري لما انقطع الحسن بن سهل بمنزله هجاه بعض الشعراء بقوله:
خبره مع طاهر بن الحسين
ذكر الطبري وابن الأثير في حوادث سنة 205 إن المأمون ولى طاهر بن الحسين خراسان وكان غسان بن عباد يتولى خراسان من قبل الحسن بن سهل وهو ابن ابن عمه فلما استعمل طاهرا على خراسان كان مصارما للحسن ابن سهل وذلك أن طاهر قبل خروجه إلى خراسان وولايته لها ندبه الحسن بن سهل للخروج إلى محاربة نصر بن شبث فقال: حاربت خليفة وسقت الخلافة إلى خليفة واؤمر بمثل هذا وإنما كان ينبغي أن توجه لها قائدا من قوادي فكان هذا سبب المصارمة بين الحسين وطاهر وخرج طاهر إلى خراسان لما تولاها وهو لا يكلم الحسن بن سهل فقيل له في ذلك فقال: ما كنت لأحل عقدة عقدها لي في مصارمته اه.
خبره مع المنتصر وعمر بن مكين
في تجارب السلف: قيل أن عمر بن مكين كان عند المنتصر وهو ممن كانت له إمارة في أيام المتوكل وكان أحمد بن الخصيب الكاتب حاضرا فجاء الحاجب وقال الحسن بن سهل على الباب وكان ذلك في آخر عمر الحسن وعند تراجع أمره فقال أحمد بن الخصيب: دع الرسوم الدارسة فقام عمر بن مكين وقال: يا أمير المؤمنين الحسن ابن سهل له في ذمتي حقوق النعمة وفي عنقي له منن كثيرة واليوم في دولة أمير المؤمنين لي قدرة على المكافأة فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن له بالدخول إلى مجلسه وأنا حاضر فقال المنتصر: يا أبا حفص بارك الله عليك وليكن الإحسان مع مثلك لتعرف قدره. وبعد هذا كلما أراد الحسن أن يدخل علي في ليل أو نهار فلا يحجبه أحد فقبل عمر الأرض وخرج وأتى بالحسن بن سهل متكئا على يد عمر وسلم فأمره المنتصر بالجلوس وقال له إجازة دخولك مع عمر بن مكين كلما أراد أن يأتي بك إلي فقال الحسن: بالله لم آت إلى باب أمير المؤمنين لطلب مال ولكن إرادة للنظر إليه وقام فخرج معه عمر بن مكين فلما تواروا عن نظر الخليفة قال الحسن لعمر: هكذا فليشكر الشاكرون وعلى مثل عمر فلينعم المنعمون ثم قال: بأي لسان أثني عليك فقال عمر: الثناء مني عليك أوجب لأنك أنعمت علي وأحسنت إلي في أصعب الأزمان علي جزاك الله خير ثم أرسل عمر ابنه محمدا مع الحسن إلى منزله فجرى بينهما في الطريق الحديث عن شعر زرق الشاعر وكان زرق قال في مدح الحسن قصيدة ومات زرق قبل أن ينشده إياها فقال الحسن: هل تحفظ شيئا منها قال: نعم أنشدني فأنشده وقال له محمد: إن وزنها خارج عن كتاب الخليل:
قال محمد بن عمر: هذه القصيدة ستون بيتا ووزنها خارج عن كتاب الخليل قرأتها على الحسن وهو يبكي وقال لماذا لم ينشدني إياها قلت لأنه مرض ومات في مرضه ذلك فترحم عليه الحسن ثم قال: والله لا أكون أقل من علقمة فلم أفهم معنى ذلك وقلت: جعلت فداك علقمة هذا من هو قال: هو علقمة بن علاثة أحد الأكابر مدح الحطيئة أباه بشعر ومات قبل إنشاده وهو :
فلما سمع علقمة هذه الأبيات أخذ من مال أبيه بقدر نصيب ولد وأعطاه الحطيئة وأنا لا أكون أقل منه ثم سألني هل زرق وارث قلت نعم له بنت صغيرة قال هل تعرف مكانها قلت نعم فقال ثروتي لا تفي بمرادي ثم قال لخادم له ما بقي معك من نفقتنا قال عشرة آلاف دينار قال فائت بها فجاء بها الخادم فقال خذ نصفها لك واعط نصفها لابنة زرق اه.
من طريف أخباره وحكمه
ما حكاه ابن خلكان قال خرج الحسن بن سهل مع المأمون يوما يشيعه فلما عزم على مفارقته قال له المأمون يا أبا محمد ألك حاجة قال نعم يا أمير المؤمنين تحفظ علي من قلبك ما لا أستطيع حفظه إلا بك وكتب الحسن لرجل كتاب شفاعة فجعل الرجل يشكره فقال الحسن يا هذا علام تشكرنا إنا نرى الشفاعة زكاة مروءتنا. وكان يملي كتاب شفاعة فكتب في آخره أنه بلغني أن الرجل يسأل عن فضل جاهه يوم القيامة كما يسأل عن فضل ماله. وقال لبنيه يا بني تعلموا النطق فإن فضل الإنسان على سائر البهائم به وكلما كنتم بالنطق أحذق كنتم بالإنسانية أحق اه.
كرمه وسخاؤه المفرط
يكفي في ذلك ما مر في تزويج المأمون بنته بوران من إنفاقه على المأمون وعسكره وإتباعه في مدة 17 يوما خمسين ألف ألف درهم وتفريقه العشرة آلاف درهم التي أمر له بها المأمون في مجلس واحد. وحكى الطبري عن أبي الحسن علي بن الحسين بن عبد الأعلى الكاتب أنه قال دخلت على الحسن بن سهل يوما فقال له قائل أن علي ابن الحسين أدخل ابنه الحسن اليوم الكتاب فدعا لي وانصرفت فوجدت في منزلي عشرين ألف درهم هبة للحسن وكتابا بعشرين ألف درهم وكان قد وهب لي من أرضه بالبصرة ما قوم بخمسين ألف دينار ويأتي في أخباره مع الشعراء أنه أجاز شاعرا على أربعة أبيات من الشعر بعشرة آلاف درهم ومر في خبره مع المنتصر وعمر بن مكين أنه أعطى ابنة شاعر كان قد مدحه ومات قبل إنشاده خمسة آلاف دينار وأعطى محمد ابن عمر الذي أخبره بها خمسة آلاف دينار.
أخباره مع الشعراء
قال ابن خلكان قصده بعض الشعراء وأنشده:
وفي رواية (أزم مطيتي وأشد رحلي) فأجزل عطيته وفي معجم الشعراء للمرزباني في ترجمة أبي القاسم الأعمى معاوية بن سفيان الشاعر الراوي البغدادي أنه اتصل بالحسن ابن سهل يؤدب أولاده فعتب عليه في شيء فقال يهجوه :
ويروي البيت الثالث للخوارزمي في الصاحب كما مر في ترجمة الصاحب وفي الفخري: قالوا قدم رجل إلى باب الحسن بن سهل يلتمس صلته وعارفته فاشتغل عنه مديدة فكتب إليه:
فأمر له بعشرة آلاف درهم ووقع في رقعته:
وفي تجارب السلف وجدت في بعض الأنقال أن شاعرا مدح بعض الأجواد فأبطأ في جائزته فكتب إليه:
فبعث إليه بألف درهم وبالبيتين السابقين أعني أعجلتنا فأتاك عاجل برنا الخ اه. وهذا هو الأنسب ليكون الجواب موافقا للخطاب في الوزن والقافية ولعل الحسن تمثل بهما وهما لغيره ثم قال في تجارب السلف: ومخدوم مولانا المعظم سلطان المحققين صدر الحق والملة والدين شيخ الورى علم الهدى عبد اللطيف القصري مد الله ظلاله على الإسلام والمسلمين قال في بعض الروايات أن دعبل بن علي الخزاعي قصد عبد الله بن طاهر والي خراسان فوقف على بابه وأرسل إليه مع خادمه هذين البيتين:
فبعث إلي باثني عشر ألف درهم وأرسل إليه البيتين (أعجلتنا فأتاك عاجل برنا) الخ اه. ويمكن أن يكون عبد الله بن طاهر تمثل بهما أيضا وهما لغيره وفي تجارب السلف أيضا قال يوسف الجوهري يمدح الحسن بن سهل:
ولأبي تمام قصيدتان في مدح الحسن بن سهل مرتا في ترجمة أبي تمام:

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 5- ص: 107