الشيخ جمال الدين أبو منصور حسن
صاحب المعالم ابن الشيخ زين الدين الشهيد الثاني ابن علي يحيى بن أحمد بن محمد بن جمال الدين ابن تقي الدين بن صالح تلميذ العلامة ابن شرف أو مشرف العاملي النحاريري الجبعي.
مولده ووفاته
ولد بجبع في 27 شهر رمضان 959 وتوفي مفتتح المحرم سنة 1011 في جبع وقبره بها معروف مشهور زرته غير مرة لكنه مشرف على الاندراس والدثور كغيره من قبور عظماء العلماء العامليين في تلك المقبرة الشريفة التي حظها بعد مماتهم كحظهم في حياتهم. أما تاريخ مولده فقد ذكره ولد ولده الشيخ علي ابن الشيخ محمد في كتابه الدر المنثور فقال: وبخطه الشريف عندي ما صورته: مولد العبد الفقير إلى عفو ربه وكرمه حسن بن زين الدين بن علي بن أحمد ابن جمال الدين بن تقي عفى الله عن سيآتهم وضاعف حسناتهم في العشر الأخير من شهر الله الأعظم شهر رمضان سنة 959 قال وبخطه أيضا ما لفظه: وبخط والدي رحمه الله بعد ذكر تاريخ بعض إخواني ما هذا لفظه ولد أخوه حسن أبو منصور جمال الدين عشية الجمعة 27 شهر رمضان المعظم سنة 959 والشمس في ثالث الميزان والطالع العقرب اه. وأما تاريخ وفاته ففي أمل الآمل رأيت بخط السيد حسين ابن محمد بن علي ابن أبي الحسن العاملي ما صورته: توفي العلامة الفهامة الشيخ حسن ابن الشيخ زين الدين العاملى قدس الله روحيهما في المحرم سنة 1011 في قرية جبع اه. ووقع هنا اشتباهات (أحدها) قول صاحب حدائق المقربين أنه توفي بالنجف فإنه لا ريب في أن وفاته كانت بجبع (ثانيها) ما في السلافة قال: أخبرني من أثق به أن والده السعيد لما توفي كان عمر ولده المترجم 12 سنة وذلك في سنة 965 ما في خلاصة الأثر من أنه ولد سنة 954 تقريبا قال: فإني رأيت في تاريخ الشلي أن والده مات سنه 965 وكان عمره إذ ذاك 12 سنة فيكون مولده على هذا سنة 54 كما ذكرته اه. وبما تقدم من خطه وخط والده تكون قد قطعت جهيزة قول كل خطيب إذ لا يعقل أن يكون أحد أعرف بتاريخ ولادته من أبيه ومنه وإذا فالصواب أنه كان عند شهادة أبيه ابن سبع سنين أو ست سنين للخلاف في شهادة أبيه أنها كانت سنة 965 أو 966 (ثالثها) ما في أمل الآمل أنه كان عند قتل أبيه ابن أربع سنين قال: كذا وجدت التاريخ ويظهر من تاريخ قتل أبيه ما ينافيه وإن عمره كان حينئذ سبع سنين اه. وذلك أن شهادة أبيه كانت سنة 926 على أحد القولين وولادته هو سنة 959 كما مر ولا حاجة إلى تأييد بعضهم ذلك بأنه يروي عن أبيه وابن السبع قابل للرواية دون ابن الأربع مع أنه يمكن أن يجيزه وهو صغير بالرواية إذا كبر (رابعها) ما في اللؤلؤة من أن عمره 52 سنة و3 أشهر بعدما صحح ولادته ووفاته كما ذكرنا وهو اشتباه بعد السنة الأولى كاملة مع أنه لم يمض منها إلا ثلاثة أشهر ونص هو على ذلك من عد السنة الأخيرة كاملة أيضا مع أنه لم يمض منها إلا يوم واحد.
نسبته
(النحاريري) وقعت هذه النسبة في كلام والده ولا يعلم إلى أي شيء هي ووقع في شعر لبعض تلاميذ والده وهو الشيخ شمس الدين محمد الحياني العاملي المهاجر إلى النجف وطوس نسبة إلى بني حيان القرية المعروفة في جبل عامل ذكر لأرض النحارير ولعلها قرية كانت بتلك المواضع وخربت وكان منها أبو الشهيد الثاني أو جده يقول فيها :
ولا كنت عن أرض النحارير نائيا | ولا عن بني حيان ما ساعد الأجل |
نقش خاتمه
وجد طبع خاتمه الشريف على ظهر نسخة من الفقيه قد استنسخها في الغري لنفسه وبالغ في مقابلتها بالنسخ الكثيرة وأظهر في خاتمة كل من أجزائها الأربعة تضجرا شديدا من اختلاف أساس الفقه ونظام الحديث في ذلك الزمان وشكاية اختلاف أساس الفقه ونظام الحديث في ذلك الزمان وشكاية من رداءة خطوط نساخ الكتاب ونقش ذلك الخاتم المبارك بيت من الشعر وهو:
بمحمد والآل معتصم | حسن بن زين الدين عبدهم |
أقوال العلماء فيه
في أمل الآمل كان عالما فاضلا عاملا متبحرا محققا ثقة ثقة فقيها وجيها نبيها محدثا جامعا للفنون أديبا شاعرا زاهدا عابدا ورعا جليل القدر عظيم الشأن كثير المحاسن وحيد دهره أعرف أهل زمانه بالفقه والحديث والرجال واجتمع بالشيخ بهاء الدين في الكرك لما سافر إليها وكان ينكر كثرة التصنيف مع عدم تحريره وكان حسن الخط جيد الضبط عجيب الاستحضار حافظا للرجال والأخبار والأشعار وشعره حسن كاسمه والجيد منه كثير ومحاسنه أكثر وقد نقلت من خطه في بعض مجاميعه ما ذكرته من شعره ورأيت أكثر شعره ومؤلفاته بخطه وكان يعرب الأحاديث بالشكل في المنتقى عملا بالحديث الذي رواه الكليني وغيره عن أبي عبد الله عليه السلام: أعربوا حديثنا فإنا قوم فصحاء ولكن للحديث احتمال آخر اه. والاحتمال الآخر هو ما عن شراح الأحاديث وهو أن يكون المراد إظهار الحروف وإبانتها بحيث لا تشبه بمقارباتها أو الأمران معا وكان والد البهائي من تلاميذ والد المترجم فالمترجم والبهائي في عصر واحد وذكره حفيده الشيخ علي بن محمد بن الحسن في كتاب الدر المنثور وأثنى عليه ثناء بليغا فقال: بلغ من التقوى والورع أقصاهما ومن الزهد والعبادة منتهاهما ومن الفضل والكمال ذروتهما وأسناهما وكان لا يحوز أكثر من قوت أسبوع أو شهر الشك مني فيما نقلته عن الثقات لأجل القرب إلى مساواة الفقراء والبعد عن التشبه بالأغنياء اه. وفي رياض العلماء: الفقيه الجليل والمحدث الأصولي الكامل النبيل المعروف بصاحب المعالم ذو النفس الطاهرة والفضل الجامع والمكارم الباهرة هو مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: (الولد سر أبيه بل هو أعلم) ومظهر المثل السائر ومن يشابه أباه فما ظلم كان رضي الله عنه علامة عصره وفهامة دهره وهو وأبوه وجده الأعلى وجده الأدنى وابنه وسبطه قدس الله أرواحهم كلهم من أعاظم العلماء اه. وقال السيد مصطفى بن الحسين التفريشي في نقد الرجال الحسن بن زين الدين بن علي بن أحمد العاملي رضي الله عنه وجه من وجوه أصحابنا ثقة عين صحيح الحديث ثبت واضح الطريقة نقي الكلام جيد التصانيف مات سنة 1011 له كتب منها كتاب منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان اه. وفي السلافة شيخ المشايخ الجلة ورئيس المذهب والملة الواضح الطريق والسنن الموضح الفروض الذى ينضب ولا يغيض المحقق الذي لا يراع له يراع والمدقق الذي راق فضله ورع المتفنن في جميع الفنون والمفتخر به الآباء والبنون قام مقام والده في تمهيد قواعد الشرائع وشرح الصدور بتصنيفه الرائق وتأليفه الرائع فنشر للفضائل حللا مطرزة الأكمام وأماط عن مباسم أزهار العلوم لثام الأكمام وشنف الأسماع بفرائد الفوائد وعاد على الطلاب بالصلات والعوائد وأما الأدب فهو روضه الأريض ومالك زمام السجع منه والقريض والناظم لقلائده وعقوده والمميز عروضه من نقوده وسأثبت منه ما يزدهيك إحسانه وتصبيك خرائده وحسانه اه. وهذه سنة جرى عليها أهل ذلك في التسجيع في التراجم ووصف الشخص بما فيه وبما ليس فيه فإن وصف صاحب المعالم بما يرجع إلى العلم والفضل لا يعدو الحقيقة مهما بولغ فيه أما وصفه شعره بما وصفه به فلا ينطبق على شيء من الحقيقة وكان يكفيه أن يقول الشاعر أو له شعر منه قوله. أو ما يشبه هذا ومثل هذا الوصف الذي وصف به شعره لو قيل في شعر أبي تمام أو البحتري أو المتنبي وأمثالهم لم يكن تقصيرا. وفي اللؤلؤة أما صاحب المدارك وخاله المحقق المدقق الشيخ حسن ففضلهما أشهر من أن ينكر ولا سيما الشيخ حسن فإنه كان فاضلا محققا وكان ينكر كثرة التصنيف مع عدم تحريره ويبذل جهده في تحقيق ما ألفه وتحريره وهو حق حقيق بالاتباع فإن جملة من علمائنا وإن أكثروا التصنيف إلا أن مصنفاتهم عارية عن التحقيق كما هو حقه والتحبير مشتملة على المكررات والمجازفات والمساهلات وهو أجود تصنيفا وأحسن تحقيقا وتأليفا ممن تقاسمه اه. ويأتي قوله: إن تصانيفه على غاية من التحقيق والتدقيق وفي روضات الجنات أمره في العلم والفقه والتبحر والتحقيق وحسن السليقة وجودة الفهم وجلالة القدر وكثرة المحاسن والكمالات أشهر من أن يذكر وأبين من أن يسطر اه. ويكفي في علو شأنه ما كتبه شيخه الأردبيلي في آخر وصية كتبها له فعبر عن المترجم بأنه مولاه وأنه كتبها له امتثالا لأمره ورضاه. فإنه حكي أن الشيخ حسن لما عزم على الرجوع لبلاده طلب من أستاذه الأردبيلي شيئا يكون تذكرة له ونصيحة فكتب له بعض الأحاديث وكتب في آخرها: كتبه العبد أحمد لمولاه لأمره ورضاه وفي مقدمات المقاييس عند ذكر الكنى والألقاب: ومنها أبو منصور للشيخ الفاضل الفقيه المحدث الأديب الوجيه المحقق المدقق المتبحر النبيه العابد الزاهد الرباني جمال الدين حسن ابن الشهيد الثاني رفع الله درجته وأعلى منزلته وكان معاصرا للبهائي وأصغر منه بست سنين تقريبا واجتمع معه في الكرك ومات قبله بما يقرب من عشرين سنة وعمره 52 سنة وحكى البهائي بعض المطالب عنه في مصنفاته وكتب حاشية على اثني عشريته ومات والده وهو صغير ابن أربع سنين أو أكثر وتلمذ على تلامذة أبيه وغيرهم وروى عنهم واستفاد منه جماعة كثيرة من الفضلاء ورووا عنه اه. وفي رجال بحر العلوم الحسن شيخنا الشهيد الثاني زين الدين بن علي بن أحمد الشامي العاملي الجبعي. علم التحقيق والتدقيق الجامع بين الرأي الوثيق واللفظ الرشيق أوحد زمانه علما وعملا وفضلا وأدبا وأرفعهم ذكرا وشأنا وحسبا ونسبا حقق الفقه والحديث والأصول والرجال أحسن تحقيق وبيان وصنف فيها أيضا التصانيف الجيدة الحسان التي تزدوي بقلائد العقيان وعقود الدر والمرجان وأحسنها كتاب معالم الدين وملاذ المجتهدين وكتاب منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان وقد خرج من الأول مقدمته الموضوعة في الأصول الملقاة في الأقطار بالقبول والمعتني بشرحها وتعليقها كثير من العلماء الفحول وقليل من الفروع ينبئ عن فقه كثير وعلم غزير ومن الثاني وهو المنتقى الذي بلغ في ضبط الحديث سندا ومتنا أعلى مرتقى تمام العبادات وهو كتاب نفيس عظيم الشأن عديم النظير في مصنفات العلماء الأعيان وهو مع ما فيه من المحاسن والفوائد الكثيرة المتعلقة بضبط الأسانيد والمتون يختص بالفرق بين ما هو صحيح عند الجميع وما هو صحيح عند المشهور القائلين بالاكتفاء في التعديل بتزكية العدل الواحد حيث وضع للأول علامة صحي أي صحيحي بناء على أن الصحيح عنده صحيح عند الكل وللثاني صحر أي الصحيح عند المشهور لا عنده ولا ريب أن الفرق بين النوعين مهم على كلا القولين فإن مرجعه إما إلى الفرق بين الصحيح وغير الصحيح والفائدة فيه ظاهرة أو الصحيح والأصح وهو أمر مطلوب في مقام الترجيح لأن الأصح مقدم على الصحيح وقد ذكر شيخنا المذكور جماعة هو معاصريه والمتأخرين عنه ونعتوه بما هو أهل له اه.
اشتباه من صاحب خلاصة الأثر
وفي خلاصة الأثر: حسن بن زين الدين الشهيد العاملي الشهير بالشامي نزيل مصر من حسنات الزمان وأفراده ذكره الخفاجي في ريحانته وقال في وصفه: ماجد صيغ من معدن السماح وابتسمت في جبينه غرة الصباح إلى آخر ما قاله وذكر من شعر قوله:
مصر تفوق على البلاد بحسنها | وبنيلها الزاهي ورقة آسها |
من كان ينكر فالتحاكم بيننا | في روضة والجمع في مقياسها |
وهو يقرب من قول القائل:
إن مصر لأطيب الأرض عندي | ليس في حسنها البديع قياس |
فإذا قستها بأرض سواها | كان بيني وبينك المقياس |
اه وفي ذلك اشتباه من وجوه (أولا) أن المترجم لم ينزل مصر ولم يدخلها (ثانيا) أنه لم يشتهر بالشامي وإن كان من بلاد الشام (ثالثا) أن المترجم ليس ممن يوصف بما وصفه به صاحب الريحانة ولا يوصف إلا بما يوصف به أجلاء العلماء (رابعا) أن ما ذكره صاحب الريحانة هو شخص آخر شامي نزل مصر معاصر لصاحب الريحانة فتوهم المحبي أنه المترجم للاشتراك في الاسم والنسبة. ففي الريحانة حسن ابن الشامي ما جد الخ ما مر ثم قال اللطف حشو أهابه والفضل لا يلبس غير جلبابه.
لو مثل اللطف جسما | لكان للطف روحا |
إذا نزل بدار ارتحلت الهموم وارتضع من أخلاقه أخلاق بنت الكروم فمما أنشدنيه من أبياته ونزه سمعي في ربى مقطعاته قوله. وذكر البيتين.
مذاقه الفقهي
هو لا يعمل إلا بالحديث الصحيح أو الحسن ويعد بين الفقهاء من أكابر المحققين ومن أهل السلائق المعتدلة في الغاية والأنظار الصائبة ومن نماذج مذاقه في الفقه ما ذكر في مناسك الحج عند ذكر النية حيث قال: طال في بيانها كلام المتأخرين وخلا منها حديث أهل البيت عليهم السلام رأسا وكذلك قدماء فقهائهم الذين لم يتجاوزوا المأثور عنهم فيما دونوه من الأحكام الشرعية ولم يجنحوا إلى مضاهاة أهل الخلاف في توليد المسائل. وقال عند ذكر الطواف: ثم يقف بإزاء الحجر الأسود مستقبلا له جاعلا أول جزء منه مما يلي الركن اليماني محاذيا لأول كتفه الأيمن ولو ظنا على المعروف في كلام متأخري الأصحاب ولا بأس بالتزام ما ذكروه خروجا من خلافهم فأحاديث أئتمنا عليهم السلام خالية عن التعرض لهذا التحرير ظاهرة في نفي المضايقة بهذا المقدار ثم قال: ويراعي في آخر الشوط السابع الختم بما بدا به فيحاذي بأول بدنه أول جزء من الحجر على نحو ما ذكر في الابتداء والحال ها هنا غير ما قلنا هناك من عدم الدليل على اعتبار هذا التضييق لكنه المعروف في كلامهم ولا بأس بوفاقهم ولم يتعرض للزوم الانحراف عند فتحتي الحجر أصلا مما ضيق به المتأخرون بدون دليل وقال عند ذكر مواقيت الإحرام ومن كان منزله دون هذه المواقيت إلى مكة أحرم منه والمعروف في كلام الأصحاب شمول هذا الحكم لأهل مكة فيكون إحرامهم بالحج من منازلهم مع أن النص الوارد بالحكم لا يتناولهم وفي حديثين من مشهوري الصحيح ما يخالف ذلك (أحدهما) عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام قلت له إني أريد الجوار فكيف أصنع قال إذا رأيت هلال ذي الحجة فاخرج إلى الجعرانة فأحرم منها بالحج (والثاني) عن سالم الحناط قال كنت مجاورا بمكة فسألت أبا عبد الله عليه السلام من أين أحرم بالحج قال من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة والعجب من عدم التفات الأصحاب إلى هذين الحديثين مع انتفاء المنافي لهما من الأخبار وصحة طريقهما اه.
رأيه في حجية الأخبار
المعروف عنه أنه كان لا يرى حجية غير الصحيح والحسن ولذلك صنف منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان وكذلك ابن أخته السيد محمد صاحب المدارك وذلك لاعتبار العدالة في الراوي التي لا تجتمع مع مخالفة الحق قال صاحب اللؤلؤة بعد ما وصفه بما مر إلا أنه مع السيد محمد قد سلكا في الأخبار مسلكا وعرا ونهجا عسرا أما السيد محمد صاحب المدارك فإنه رد أكثر الأحاديث من الموثقات والضعاف باصطلاحه وله فيها اضطراب كما لا يخفي على من راجع كتابه - المدرك - فيما بين أن يردها تارة وما بين أن يستدل بها أخرى يدور في ذلك مدار غرضه وأما خاله الشيخ حسن فإن تصانيفه على غاية من التحقيق والتدقيق إلا أنه بما اصطلح عليه في كتاب المنتقى من عدم صحة الحديث عنده إلا ما يرويه العدل المنصوص عليه بالتوثيق بشهادة ثقتين عدلين فرمز له (بصحي) وللصحيح على المشهور (بصحر) قد بلغ في الضيق إلى مبلغ سحيق وأنت خبير بأنا في عويل من أصل هذا الاصطلاح الذي هو إلى الفساد أقرب من الصلاح حيث أن اللازم منه لو وقف عليه أصحابه فساد الشريعة فإنه متى كان الضعيف باصطلاحهم مع إضافة الموثق إليه كما جرى عليه في المدارك ليس بدليل شرعي مع أن ما عداهما من الصحيح والحسن لا يفيان لهما إلا بالقليل من الأحكام فإلى من يرجعون في باقي الأحكام الشرعية ولا سيما أصولها ولهذا ترى من جملة منهم لضيق الخناق خرجوا من اصطلاحهم في مواضع عديدة وتستروا بأعذار غير سديدة وإذا كانت الحال هذه في أمل هذا الاصطلاح فكيف الحال في اصطلاح صاحب المنتقى وتخصيصه الصحيح بما ذكره ما هذه إلا غفلة ظاهرة والواجب أما الأخذ بهذه الأخبار كما هو عليه متقاعد علمائنا الأبرار أو تحصيل دين غير هذا الدين وشريعة أخرى غير هذه الشريعة لنقصانها وعدم تمامها ولعدم الدليل على جملة من أحكامها ولا أراهم يلتزمون شيئا من الأمرين اه. وأراد بالاصطلاح تقسيم الخبر إلى أقسامه المشهورة من الصحيح والضعيف والحسن والموثق وذلك لأن الإخبارية عندهم أن جميع ما في الكتب الأربعة حجة بل ترقوا إلى أنها قطعية السند وحينئذ فلا حاجة إلى هذا الاصطلاح المستحدث الذي هو من اصطلاح غيرنا ولهذا قال بعض متطرفيهم هدم الدين مرتين إحداهما يوم ولد العلامة الحلي الذي اخترع هذا الاصطلاح. ولا يخفى أن الجماعة الذين خرجت هذه الأخبار من تحت أيديهم وهم أصحاب الكتب الأربعة التي يدعون صحة جميع ما فيما أو قطعية سندها طالما ردوا الخبر بضعف السند كما في التهذيب وغيره فالقول بقطعية سندها أو صحتها كلها مجازفة وتنويع الخبر إلى أنواعه المعروفة ليس فيه أدنى ضرر بل منفعته واضحة ليتميز حال الخبر عند من يريد الاستدلال به وله بعد ذلك حرية اجتهاده فبعضهم يرى أن ضعف السند ينجبر باشتهار العمل به وبعضهم كالشهيد الثاني ينكر ذلك حتى أنه قال في بعض مؤلفاته أن انجبار الخبر الضعيف بالشهرة ضعيف منجبر بالشهرة وبعضهم لا يرى حجية غير الصحيح وهو ما رواه العدل ويعتبر في العدالة التوثيق بعدلين وينسب ذلك إلى الشهيد الثاني بناء على أن التوثيق من باب الشهادة والحق أن الحجة من الخبر ما حصل الوثوق بصدوره جريا على عادة الناس فيما بينهم وإن الشارع لم يخترع في ذلك حكما جديدا بل أقر طريقة العرف والوثوق يحصل بكون الخبر صحيحا أي رواه العدل أن لم يخالف المشهور وبكونه موافقا للمشهور وإن ضعف سنده فالصحيح المخالف للمشهور ليس بحجة والضعيفة الموافق له حجة وكذلك الحسن والموثق وتوثيق أهل الرجال ليس من باب الشهادة لإثبات العدالة بل من باب تحصيل الوثوق وإلا فهؤلاء المعدلون لم يعاشروا الرواة وإنما عولوا على الظنون ولو كان من باب الشهادة لم يمكن من توثيق أحد لاعتبار المعاشرة في الشهادة والاستناد إلى الحمس دون الحدس ولا يوجد واحد من الموثقين هو كذلك والاستناد إلى توثيق العلامة وأمثاله لا ينفع شيئا للعلم بأنه أخذ توثيقه من كلام من تقدمه كالنجاشي وغيره فهو لا يزيد عنا في ذلك شيئا تبع الشهيد الثاني في الاقتصار على الصحيح ولده صاحب المعالم لكنه أفاض إليه الحسن وابن بنته صاحب المدارك ولذلك صنف الأول كتابا في الأخبار لم يتجاوز فيه العبادات أسماه منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان وهو المشار إليه في كلام صاحب اللؤلؤة والطريقة الوسطى أعدل فلا جميع الأخبار حجة ولا الصحيح فقط. وأما ما هول به صاحب اللؤلؤة من أنه في عويل من أصل هذا الاصطلاح وزعمه أنه إلى الفساد أقرب من الصلاح فليخفف من عويله وتهويله وغلوائه فما هذا الاصطلاح إلا عين الصلاح وزعم الزاعم أنه أقرب إلى الفساد عين الفساد لما عرفت وزعمه أن اللازم منه فساد الشريعة لو ترك الضعيف والموثق فقد تركهما من ذكره ولم تفسد الشريعة ووقت الأحاديث الصحيحة بمعظم الشريعة لا بالقليل منها فالشريعة جلها ضروري أو إجماعي وما لم يكن كذلك فيه أحاديث صحيحة لا يبقى بعد العمل بها إلا أقل قليل لا يلزم من الرجوع فيه إلى الأصول الثابتة بالأدلة القطعية شيء من الفساد أما قوله أن جملة منهم لضيق الخناق خرجوا من اصطلاحهم في مواضع عديدة وتستروا بأعذار غير سديدة فكأنه يريد بذلك جعلهم الخبر الضعيف ينجبر بالشهرة في الفتوى أو الرواية أو غير ذلك والعذر فيه سديد ليس عنه من محيد لما عرفت أن المدار في قبول الخبر على حصول الاطمئنان الوثوق وهو يحصل بمثل ذلك وما قال صاحب المنتقى قد ساقه إليه الدليل ولم يقله تشهيا وإبطاله لا يكون إلا بإبطال دليله لا بهذه التهويلات التي لا ترجع إلى محصل (نحن في عويل من هذا الاصطلاح هو إلى الفساد أقرب من الصلاح يلزم فساد الشريعة يلزم تحصيل دين آخر وشريعة أخرى) وأمثال هذه الكلمات فإن المتبع هو الدليل ولم يستطع الاخبارية تصحيح جميع هذه الأخبار ولا إثبات أنها قطعية وأقل ما في قولهم هذا أن الذين خرجت من تحت أيديهم هذه الأخبار كالشيخ والصدوق بل والكليني يريدون جملة منها بضعف السند وبغيره فإذا كان هذا حالهم مع قرب عهدهم فكيف بنا مع بعد عهدنا فما ذكره صاحب اللؤلؤة ومن على رأيه ما هو إلا غفلة ظاهرة. وأما زعمه أن متقدمي علمائنا الأبرار كانوا يأخذون الأخبار كلها ففيه (أولا) أنه لا يلزمنا تقليدهم وهم غير معصومين من الخطأ (وثانيا) أنهم كانوا يردون بعضها بضعف السند وغيره وأما أنه يلزم بقاء بعض الأحكام بغير دليل فقد عرفت فساده.
نسبته إلى صاحب المدارك وأخيه نور الدين علي
كان الشيخ حسن خال صاحبه المدارك وكان السيد نور الدين علي أخو صاحبه المدارك لأبيه أخا الشيخ حسن لأمه وما يوجد في بعض نسخ أمل الآمل المخطوطة من أنه أخو صاحب المدارك لأمه اشتباه وإنما أخوه لأمه هو نور الدين علي أخو صاحب المدارك كما ذكرنا ولعله كان كذلك في أصل النسخة ثم أصلح وذلك أن أباه الشهيد الثاني كان قد مات له أولاد كثيرون صغارا فكان لا يعيش له ولد ذكر وذلك هو الذي حداه على تأليف مسكن الفؤاد عند فقد الأحبة والأولاد إلى أن ولد له الشيخ حسن أخيرا وكان السيد علي بن الحسين ابن أبي الحسن الموسوي والد صاحب المدارك متزوجا ابنة الشهيد الثاني أخت الشيخ حسن من أبيه وأمها غير أم الشيخ حسن فولد له منها صاحب المدارك، لذا يعبر صاحب المدارك عن الشهيد الثاني في المدارك بجدي ولما قتل الشهيد الثاني تزوج علي المذكور زوجته أم الشيخ حسن فكان الشيخ حسن ربيبه فولد له منها السيد نور الدين أخو صاحب المدارك لأبيه وأخو الشيخ حسن لأمه فالشيخ حسن خال صاحب المدارك وأخو أخيه السيد علي نور الدين لأمه.
أخباره مع صاحب المدارك
في أمل الآمل كان هو والسيد محمد بن علي ابن أبي الحسن العاملي صاحب المدارك كفرسي رهان شريكين في الدروس عند مولانا أحمد الأردبيلي ومولانا عبد الله اليزدي والسيد علي ابن أبي الحسن وغيرهم اه وقال صاحب الدر المنثور وغيره كان هو والسيد محمد صاحب المدارك ابن أخته كفرسي رهان ورضيعي لبان وكانا متقاربين في السن والسيد محمد أكبر فبقي الشيخ حسن بعده بقدر تفاوت ما ينهما في السن تقريبا وكتب على قبر السيد محمد: {رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} ورثاه بأبيات كتبها على قبره وهي:
لهفي لرهن ضريح صار كالعلم | للجود والمجد والمعروف والكرم |
قد كان للدين شمسا يستضاء به | محمد ذو المزايا طاهر الشيم |
سقى ثراه وهناه الكرامة والريحـ | ـان والروح طرا بارئ النسم |
ثم قال والحق أن بينهما فرقا في دقة النظر يظهر لمن تأمل مصنفاتهما وأن الشيخ حسن كان أدق نظرا وأجمع لأنواع العلوم وكانا مدة حياتهما إذا اتفق سبق أحدهما إلى المسجد وجاء الآخر يقتدي به في الصلاة بل كان كل منهما إذا صنف شيئا عرضه على الآخر ليراجعه فيتفقان فيه على ما يوجب التحرير وكذا إذا رجح أحدهما مسألة وسئل عنها الآخر يقول ارجعوا إليه فقد كفاني مؤنتها اه. قال في اللؤلؤة: ما ذكره في فضل جده الشيخ حسن على السيد محمد جيد في محله كما لا يخفي على من تأمل مصنفاتهما اه. وبالجملة لم يسمع بمتعاصرين مثلهما في تآخيهما وتصافيهما وتساويهما كانا كفرسي رهان متصافيين شريكين في الدرس عند والد صاحب المدارك والمولى عبد الله اليزدي والأردبيلي وكان كل منهما يقتدي بالآخر في الصلاة فمن سبق إليها اقتدى به الآخر ومن سبق إلى الدرس حضر الآخر حلقة درسه واشتركا في بعض التلاميذ. ويظهر من المحكي عن الدر المنثور أن تتلمذهما على المولى عبد الله اليزدي وهو صاحب حاشية ملا عبد الله المشهورة في المنطق كان في جبل عامل حين وردها وأنه صنف الحاشية هناك وأنهما قرآ على المولى عبد الله المذكور المنطق والرياضيات وقرأ عليهما الفقه والحديث وغيرهما ولكن في روضات الجنات أن قراءتهما على ملا عبد الله اليزدي وقراءته عليهما كانتا في النجف الأشرف والله أعلم ومن أخباره مع صاحب المدارك ما ذكره السيد نعمة الله الجزائري في الأنوار النعمانية قال حدثني أوثق مشايخي أن السيد الجليل محمد صاحب المدارك والشيخ المحقق الشيخ حسن صاحب المعالم قد تركا زيارة المشهد الرضوي على ساكنه السلام خوفا من أن يكلفهما الشاه عباس الأول بالدخول عليه مع أنه كان من أعدل سلاطين الشيعة فبقيا في النجف الأشرف ولم يأتيا إلى بلاد العجم احترازا من ذلك اه. وأنا أظن إن كنت لا أعلم أن ذلك لا صحة له وإن حدث الجزائري بذلك أوثق مشايخه فهو لم يره ولم يسمعه منهما بل حكاه له من لا نعلم حاله ولو صح ذلك لكان إلى القدح أقرب منه إلى المدح وإلى اعوجاج السليقة أقرب منه إلى استقامة الطريقة وليس شيء من الورع يوجب ذلك ويقتضيه وقد صاحب الشاه عباس من لم يكن دونهما في التقوى والورع الشيخ البهائي والسيد الداماد وغيرهما ولكن الناس اعتادوا المبالغة في الفضائل بما يغير حقائقها وهذان الإمامان لم يتشرفا بزيارة المشهد الرضوي في ذلك الوقت مع بعد الشقة وعادا لبلادهما فجعل الناقل لذلك هذا السبب.
أخبارهما مع الأردبيلي
بعدما قرأ هو وصاحب المدارك في جبل عامل عند السيد علي والد صاحب المدارك سافرا معا إلى العراق وقرآ على الأردبيلي. وفي روضات الجنات أن سفرهما إلى العراق كان في حدود سنة 993 في عصر المولى أحمد الأردبيلي فقرءا عند الأردبيلي بعض المتون الأصولية والفقهية وعن اكثر الكتب أنهما لم يبقيا في النجف اى مدة قليلة سنتين أو اكثر بقليل بقليل ووجد مجلدان من جمهرة ابن دريد عليهما خط الشيخ حسن بما صورته صار هذا الكتاب في نوبة العبد المفتقر إلى الله سبحانه حسن بن زين الدين ابن علي العاملي عامله الله بلطفه ملكه بالابتياع الشرعي بالمشهد المقدس الغروي في أوائل شهر رمضان سنة 983 اه وهو يدل على أن قدومهما النجف كان قبل ذلك التاريخ الذي ذكره في الروضات مع أن ذلك تاريخ وفاة أستاذهما الأردبيلي وقد نص الشيخ علي سبط الشيخ حسن في الدر المنثور أنه لما رجع الشيخ حسن إلى البلاد صنف المعالم والمنتقى قبل وفاة ملا أحمد اه. فكون ورودهما إلى العراق بذلك التاريخ غلط قطعا وعن حدائق المقربين أنهما لما قدما العراق سألا المولى الأردبيلي أن يعلمهما ماله دخل في الاجتهاد فأجابهما إلى ذلك وعلمهما أولا شيئا من المنطق وأشكاله الضرورية ثم أرشدهما إلى قراءة أصول الفقه وقال أن أحسن ما كتب في هذا الشأن هو شرح العميدي على تهذيب العلامة غير أن بعض مباحثه لا دخل له بالاجتهاد وقراءتها تضييع للعمر فكانا يقرءان عليه ويتركان تلك المباحث قال وعندنا نسخة من شرح العميدي وهي التي كانا قرآها على الأردبيلي وعليها حواش بخط الأستاذ والتلميذ مشتملة على غاية التحقيق وليس في تلك النسخة شيء من هذه المباحث الغير النافعة ونقل أن شيخهما المذكور كان عند قراءتهما عليه مشغولا بشرح الإرشاد فكان يعطيهما أجزاءه ويقول أنظرا في عبارته وأصلحا منها ما شئتما فإني أعلم أن بعض عباراته غير فصيح ويقال إنهما طلبا من الأردبيلي أن يذكر لهما نظره في كل مسألة يخالف رأيه فيها رأي صاحب الكتاب ويترك ما عداه فكانا يقرءان في اليوم الواحد ما يقرأه سواهما في أيام فكان طلبة العجم يسخرون منهما لذلك فيقول لهم الأردبيلي قريبا يذهبان إلى بلادهما ويؤلفان من الكتب ما تقرأون فيه فكان كذلك فإنهما لما رجعا إلى بلادهما ألف الشيخ حسن المعالم والسيد محمد المدارك ووصلت نسختاهما إلى العراق قبل وفاة الأردبيلي وصار الكتابان معول طلبة العرب والعجم في القراءة.
مشايخه
كان شريك ابن أخته صاحب المدارك في المشايخ الذين قرءا كلاهما عليهم في جبل عامل والعراق ورويا عنهم:
(ا) الشيخ أحمد بن سليمان العاملي النباطي.
(2) السيد على والد صاحب المدارك وله منه إجازه بتاريخ 984.
(3) السيد علي الصائغ المدفون بقرية صديق قرب تبنين والظاهر أن ذلك قبل ذهابهم للعراق فقد حكى صاحب الدر المنثور عن جماعة من مشايخه وغيرهم أن الشهيد الثاني كان له اعتقاد تام في السيد علي الصائغ هذا وأنه كان يرجو من فضل الله إن رزقه الله ولدا أن يكون مربيه ومعلمه السيد علي الصائغ فحقق الله رجاءه وتولى السيد علي الصائغ والسيد علي ابن أبي الحسن رحمهما الله تربيته إلى أن كبر وقرأ عليهم خصوصا على السيد علي الصائغ هو والسيد محمد - صاحب المدارك - أكثر العلوم التي استفاداها من والده من معقول ومنقول وفروع وأصول وعربية ورياضي اه.
(4) الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي والد الشيخ البهائي وله منه إجازة بتاريخ سنة 983 وهؤلاء الأربعة كلهم من تلاميذ أبيه.
(5) المولى أحمد الأردبيلي.
(6) المولى عبد الله اليزدي قرأ عليه المنطق والرياضيات في جبل عامل وقرأ عليهما الفقه والحديث وغيرهما وقيل أن ذلك كان في النجف كما مر ويروي أيضا عن هؤلاء المذكورين عن أبيه ما عدا اليزدي فلا رواية للمترجم عنه وما عدا الأردبيلي فإنه لا يروي عن أبيه وعد في الرياض من مشايخه في الرواية السيد نور الدين علي ابن فخر الدين الهاشمي العاملي عنه عن والده الشهيد الثاني قال على ما يظهر من بعض إجازات الشيخ جعفر بن كمال الدين البحراني ويروي بالإجازة عن أبيه الشهيد الثاني والظاهر أنه أجازه وهو صغير لأنه كان عمره عند شهادة أبيه سبع سنين كما مر.
تلاميذه
له تلاميذ كثيرون منهم نجيب الدين علي بن محمد ابن مكي بن عيسى بن حسن العاملي الجبيلي ثم الجبعي وهو الذي خمس قصيدة له في كشكول البحراني ومنهم الشيخ عبد اللطيف بن محيي الدين العاملي وفي أمل الآمل رأيت جماعة من تلامذته وتلامذة السيد محمد وقرأت على بعضهم ورويت عنهم عنه مؤلفاته وسائر مروياته منهم جدي الآتي الشيخ عبد السلام بن محمد الحر العاملي عم أبي ونرويها أيضا عن الشيخ حسين بن الحسن الظهيري العاملي عن الشيخ نجيب الدين على بن محمد بن مكى اه. ومن تلاميذه السيد نجم الدين بن محمد الموسوي السكيكي يروي عنه إجازة ولا يعلم أقرأ عليه أم لا وممن يظن أنه من تلاميذه الشيخ موسى بن علي الجبعي بخطه نسخة التحرير الطاووسي في الخزانة الرضوية كتبه سنة 1011 وهي سنة وفاة المؤلف ومن تلاميذه الشيخ أبو جعفر محمد والشيخ أبو الحسن علي لهما منه إجازة بتاريخ 990.
مؤلفاته
له مؤلفات جيدة نقية سديدة فائقة على سائر التصانيف أكثرها غير تام وفي الرياض قد رأيت أكثر مؤلفاته بخطه وخطه غاية في الجودة والحسن ورأيت المعالم في الأصول ما خرج من الفروع بخطه الشريف ونسخة أخرى قد قرئت عليه وعليها حواش منه كثيرة اه.
(1) منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان لم يخرج منه غير العبادات في مجلدين أبان فيه عن فوائد جليلة وجعل له مقدمة مفيدة واقتصر فيه على إيراد هذين الصنفين من الأخبار على طريقة كتاب الدر والمرجان للعلامة الحلي وذلك لأنه كان لا يعمل بالظاهر بغيرهما وكذلك كانت طريقة زميله صاحب المدارك وذكر من رأى نسخته بخطه أنه كان يعرب أحاديثه بالشكل للرواية السابقة.
(2) معالم الدين وملاذ المجتهدين برز منه جزء في أصول الفقه يعرف بمعالم الأصول صار عليه المعول في التدريس من عصره إلى اليوم بعد ما كان التدريس في الشرح العميدي على تهذيب العلامة والحاجبي والعضدي فرغ منه ليلة الأحد 2 ربيع الثاني سنة 994 طبع عدة مرات وعليه حواش وتعليقات كثيرة منها حاشية لولده الشيخ محمد وحاشية لسلطان العلماء وحاشية لملا صالح المازندراني وحاشية لملا ميرزا محمد المعروف بالمدقق الشيرواني وهذه الحواشي مطبوعة على هامش الأصل وحاشية للشيخ محمد تقي الأصفهاني كبيرة مطبوعة وحاشية لشيخنا الشيخ محمد طه نجف النجفي مطبوعة إلى غير ذلك وعلق عليه الفقير مؤلفه الكتاب حاشية أيام اشتغالي بقراءته وجزء منه في الفقه يعرف بمعالم الفقه مطبوع وصل فيه إلى المطلب الثالث في الطهارة من الأحداث.
(3) التحرير الطاووسي في الرجال وذلك أن السيد جمال الدين أحمد بن موسى بن طاوس الحسني ألف كتابا في الرجال كما مر في ترجمته جمع فيه ما في الأصول الخمسة الرجالية رجال النجاشي وفهرست الطوسي ورجاله الضعفاء لابن الغضائري وكتاب الاختيار من كتاب الكشي للشيخ الطوسي وكان ابن طاوس قد حرر كتاب الاختيار وهذب أخباره متنا وسندا ووزعها في كتاب حل الإشكال ورآه مشرفا على التلف انتزع منه ما حرره ابن طاوس ووزعه في أبوابه من كتاب الاختيار خاصة وسماه التحرير الطاووسي فالتحرير الطاووسي عبارة عن جمع ما حرره ابن طاوس وهذبه من كتاب الكشي خاصة دون ما عداه وإيداعه في كتاب واحد مسمى بهذا الاسم وقد أضاف إليه التراجم في المتن والحواشي فوائد كثيرة وقال كان أكثر مواقعه قد أصابه تلف فتعبت في تحريره تعبا عظيما جدا وتركت بعض مواضعه لعدم تيسر تحريره كما حكاه في الرياض نسخ منه ضحى يوم الأحد 7 جمادى الأولى سنة 991.
(4) شرح ألفية الشهيد محمد بن مكي المشتملة على ألف واجب في الصلاة في الرياض على ما وجدته بخط الفاضل الهندي على ظهر المعالم.
(5) مناسك الحج عندي نسخة منه وجدتها في جبل عامل وقد غيرها تعاور الدخان عليها ونقص منها أوراق من أولها وآخرها ويظهر أنه صنفه في طريق مكة وافتتحها بآداب السفر وثنى بأعمال المدينة المنورة عكس المتعارف من ذكر أعمال المدينة آخرا واعتذر عن ذلك بأنه زارها قبل مكة المكرمة وطريقته في هذه المناسك أن يذكر الحكم ودليله من الأخبار الصحيحة أو الحسنة.
(6) الاثنا عشرية في الطهارة والصلاة وبعضهم قال إنها في الصلاة ولم يذكر الطهارة لأنه قال في أولها هذه رسالة في فقه الصلاة وابتدأ فيها بأكثر الطهارة فمن جعلها في الطهارة والصلاة لاحظ اشتمالها عليهما ومن جعلها في الصلاة لاحظ عنوانها وأن المقصد الأصلي منها الصلاة والطهارة شرط كباقي الشروط فرغ منها يوم الأربعاء 26 جمادى الأولى سنة 989 وشرحها جماعة منهم الشيخ البهائي والشيخ نجيب الدين علي بن محمد بن مكي والسيد نجم الدين بن محمد الموسوي السكيكي والشيخ محمد ابن المصنف والأمير فضل الله التفريشي والشيخ فخر الدين الطريحي والسيد شرف الدين علي بن حجة الله الشولستاني.
(7) رسالة صغيرة في عدم جواز تقليد الميت رأيتها مع رد تلميذه الشيخ عبد اللطيف بن محيي الدين العاملي.
(8) مشكاة القول السديد في الاجتهاد والتقليد.
(9) حواشي الكافي.
(10) حواشي الفقيه.
(11) حواشي التهذيب.
(12) حواشي الأبصار وهذه الأربعة كلها تعليقات غير مدونة.
(13) حواشي الخلاصة غير مدونة.
(14) حواشي شرح اللمعة لوالده غير مدونة أيضا وهذه الحواشي ذكرها صاحب الرياض.
(15) حاشية على المختلف مبسوطة في مجلد.
(16) شرح اللمعة مبسوط هكذا في مسودة الكتاب وهو غير حواشي شرح اللمعة.
(17) كتاب الإجازات.
(18) إجازة كبيرة معروفة أجاز بها السيد نجم الدين ابن السيد محمد الحسيني العاملي وولدي المترجم أبا جعفر محمد والد الشيخ علي وأبا الحسن علي فيها فوائد كثيرة وتحقيقات لا توجد في غيرها ونقل منها صاحب أمل الآمل في كتابه كثيرا وهي غير كتاب الإجازات المتقدم.
(19) شرح اعتقادات الصدوق ابن بابويه نسبه إليه الشيخ عبد النبي الكاظمي العاملي في تكملة الرجال.
(20) جواب المسائل المدنيات الأولى.
(21) جواب المسائل المدنيات الثانية.
(22) جواب المسائل المدنيات الثالثة سأله عن الثلاث السيد محمد بن جويبر المدني.
(23) ترتيب مشيخة من لا يحضره الفقيه ابتدأ به في النجف وفرغ منه في رمضان سنة 982.
(24) ديوان شعر كبير جمعه تلميذه الشيخ نجيب الدين علي بن محمد بن مكي العاملي.
شعره
له أشعار كثيرة جمعت في ديوان كما عرفت فمن شعره قوله كما في أمل الآمل:
عجبت لميت العلم يترك ضائعا | ويجهل ما بين البرية قدره |
وقد وجبت أحكامه مثل ميتهم | وجوبا كفائيا تحقق أمره |
فذا ميت حتم على الناس ستره | وذا ميت حتم على الناس نشره |
وقد غلبت عليه الفقاهة في البيت الثاني وقوله كما في أمل الآمل:
ولقد عجبت وما عجبت | لكل ذي عين قريره |
وأمامه يوم عظيم | فيه تنكشف السريره |
هذا ولو ذكر ابن آدم | ما يلاقي في الحفيره |
لبكى دما من هول ذا | لك مدة العمر القصيرة |
فاجهد لنفسك في الخلا | ص فدونه سبل عسيره |
وفي قوله: من قصيدة طويلة في الحكمة والموعظة كما في أمل الآمل وسماها النفحة القدسية لإيقاظ البرية:
تحققت ما الدنيا عليك تحاوله | فخذ حذر من يدري بمن هو قاتله |
ودع عنك آمالا طوى الموت نشرها | لمن أنت في معنى الحياة تماثله |
ولاتك ممن لا يزال مفكرا | مخافة فوت الرزق والله كافله |
ولا تكترب من نقص حظك عاجلا | فما الحظ ما تبغيه بل هو آجله |
وحسبك حظا مهلة العمر أن تكن | فرائضه قد تممتها نوافله |
فكم من معافى مبتلى في يقينه | بداء دوي ما طبيب يزاوله |
وكم من سليم في الرجال ورأيه | بسهم غرور قد أصيبت مقاتله |
وكم في الورى من ناقص العلم قاصر | ويصعد في مرقاه من هو كامله |
فيغري ويغوي وهو شر بلية | يشاركه فيها عتي يشاكله |
وقوله من قصيدة كما في أمل الآمل:
والحازم الشهم من لم يلف آونة | في غرة من مهنا عيشه الخضل |
والغمر من لم يكن في طول مدته | من خوف صرف الليالي دائم الوجل |
والدهر ظل على أهليه منبسط | وما سمعنا بظل غير منتقل |
وهذه سنة الدنيا وشيمتها | من قبل تحنو على الأوغاد والسفل |
فاشدد بحبل التقى فيها يديك فما | يجدي بها المرء إلا صالح العمل |
واركب غمار المعالي كي تبلغها | ولا تكن قانعا منهن بالبلل |
فذروة المجد عندي ليس يدركها | من لم يكن سالكا مستصعب السبل |
وإن عراك العنا والضيم في بلد | فانهض إلى غيره في الأرض وانتقل |
وإن خبرت الورى ألفيت أكثرهم | قد استحبوا طريقا غير معتدل |
إن عاهدوا لم يفوا بالعهد أو وعدوا | فمنجز الوعد منهم غير محتمل |
يحول صبغ الليالي عن مفارقهم | ليستحيلوا وسوء الحال لم يحل |
وقوله: يرثي الشيخ محمد بن محمد الحر المتوفي سنة 980 كما في أمل الآمل هكذا في النسخة المطبوعة ونسخة مخطوطة وفي الرياض سنة 985 وكأنه سهو:
عليك لعمري ليبك البيان | فقد كنت فيه بديع الزمان |
وما كنت أحسب أن الحمام | يعالج جوهر ذاك اللسان |
رمتنا بفقدك أيدي الخطوب | فخف له كل رزء وهان |
لئن عاند الدهر فيك الكرام | فما زال للحر فيه امتحان |
وإن بأن شخصك عن ناظري | ففي خاطري حل في كل آن |
فأنت وفرط الأسى في الحشا | لبعدك عن ناظري ساكنان |
وحق لأعيننا بالبكاء | لنحو افتقادك صرف العنان |
رضيع الندى فهو ذي لحمة | من الجود مثل رضيع اللبان |
سقاك المهيمن ودق السلام | وساق السحاب له أين كان |
وفي أمل الآمل قال الشيخ حسن كتب إلي الشيخ محمد الحر بهذه الأبيات يطلب كتابا:
يا سيدا جاز الورى في العلا | إذ حازها في عنفوان الشباب |
طاب ثناه وذكا نشره | إذ ظهر العنصر منه وطاب |
يسأل هذا العبد من منكم | وطولكم إرسال ذاك الكتاب |
لا زلت محفوظا لنا باقيا | مر الليالي أو يشيب الغراب |
قال: فكتبت إليه في الجواب:
يا من أياديه لها في الورى | فيض تضاهي فيه ودق السحاب |
ويا وحيد الدهر أنت الذي | تكشف عن وجه المعاني النقاب |
من ذا يجاريك بنيل العلا | وقد علا كعبك فوق الرقاب |
ها خلك الداعي له مهجة | فيها النار الشوق أي التهاب |
ينهي إليك العذر إن لم تكن | تحوي يداه الآن ذاك الكتاب |
لا زلت في ظل ظليل ولا | أفلح من عاداك يوما وخاب |
ومن شعره قوله :
لحسن وجهك للعشاق آيات | ومن لحاظك قد قامت قيامات |
يا ظالما في الهوى حكمت مقلته | في مقتلي فبدت منها جنايات |
تفديك نفسي هل للهجر من أمد | يقضي وهل لاجتماع الشمل ميقات |
ما العيش إلا ليال بالحمى سلفت | يا ليتها رجعت تلك اللييلات |
ساعات وصل بطيب الوصل رائقة | تجمعت عندنا فيها المسرات |
نامت صروف الليالي عن تقلبها | بنا فكم قضيت فيها لبانات |
سقيا لها من سويعات نضن بها | إذ صفوة العمر هاتيك السويعات |
ما كنت أحسب أن الدهر يسلبها | وإنه لحبال الوصل بتات |
ولم أكن قبل آن الهجر معتقدا | إن الحبيب له بالوصل عادات |
كم قد شكوت له وجدي عليه فلم | يسمع ولم تجد لي تلك الشكايات |
وكم نثرت عقود الدمع مرتجيا | لعطفه وهو ثاني العطف مغتات |
كيف احتيالي فيمن لا يرققه | ذاك الصريح ولا هذي الإشارات |
ظبي من الإنس في جنات وجنته | تفتحت من زهور الروض وردات |
يصطاد باللحظ منا كل جارحة | وكل قلب به منا جراحات |
يا لائمي بالهوى جهلا بمعذرتي | دع عنك لومي فما تجدي الملامات |
إن الملامة ليست لي بنافعة | من بعد ما عبثت في الصبابات |
حان الرحيل من الدنيا فقد ظهرت | من المشيب له عندي إمارات |
يا ضيعة العمر لم أعمل لآخرتي | خيرا ولا لي في دنياي لذات |
وقوله: في تقرض كتاب المسالك لوالده وهي سبعة أبيات لم نجد منها غير هذين البيتين:
لولا كتاب مسالك الأفهام | ما بان طرق شرائع الإسلام |
كلا ولا كشف الحجاب مؤلف | عن مشكلات غوامض الأحكام |
وقوله:
سقوني في الهوى كاسا | معاني حسنهم راحه |
ولي في مهجتي أصل | لوجد أين شراحه |
وقوله:
اختلف الأصحاب في محنتي | وما الذي أوجب لي البلوى |
فقيل طول النأي والبعد عن | نيل المنى من وصل من أهوى |
وقيل لا بل صدغه لم يزل | بالسحر يرمي القلب بالأسوا |
وقيل سهما لحظه إذ رنا | لم يخطيا من جسدي عضوا |
وقيل ضعف الطرف والخصر إذ | عليه قلب الصب لا يقوى |
وقيل بل كل له مدخل | فيها وعندي أنه الأقوى |
وكل شخص يتمثل في شعره بصنعته ولما كانت صناعة المترجم الفقه تمثل بها وكان رجل حدادا فتمثل في شعره بصنعته فقال:
مطارق الشوق في قلبي لها أثر | يطرقن سندان قلب حشوه الفكر |
ونار كور الهوى في القلب موقدة | ومبرد الحب لا يبقي ولا يذر |
وقوله:
ولقد نذرت صيام يوم لقائهم | مع أنه من أكبر الأعياد |
نفسي فداء أحبة في حبهم | ذهب الزمان وما بلغت مرادي |
لكنني متمسك بهدايتي | لولاء أصحاب الكسا الأمجاد |
أهل النبوة والرسالة والهدى | للخلق بعد الشرك والإلحاد |
أعني النبي المصطفى المبعوث من | أم القرى بالحق والإرشاد |
والطاهر الحبر الإمام المرتضى | زوج البتول أخا النبي الهادي |
والبضعة الزهراء والحسنين سا | دات الورى بهم وبالسجاد |
ومحمد وبجعفر وبكاظم | ثم الرضا ومحمد والهادي |
والعسكري ونجله المهدي من | نرجوه يروي غلة الأكباد |
يا آل أحمد حبكم لي منهج | خلف عن الآباء والأجداد |
وهي طويلة وله كما في كشكول البحراني:
قف بالديار وسلها عن أهاليها | عسى ترد جوابا إذ تناديها |
واستفهمن من لسان الحال ما فعلت | أيدي الخطوب وماذا أبرمت فيها |
فسوف تنبيك أن القوم قد رحلوا | ولم تكن بلغت منهم أمانيها |
وغادرتها صروف الدهر خالية | قد هدمت أسفا منها مغانيها |
وناب عن عزها ذل الكآبة إذ | تغيرت بعد ما بانوا معانيها |
وله من قصيدة أوردها صاحب السلافة وقال: إنها من محاسن شعره ويظهر أنه قالها في العراق يتشوق إلى وطنه في جبل عامل:
فؤادي ظاعن أثر النياق | وجسمي قاطن أرض العراق |
ومن عجب الزمان حياة شخص | ترحل بعضه والبعض باقي |
وحل السقم في جسمي فأمسى | له ليل النوى ليل المحاق |
وصبري راحل عما قليل | لشدة لوعتي ولظى اشتياقي |
وفرط الوجد أصبح بي خليطا | ولما ينو في الدنيا فراقي |
وتعبث ناره فرم الروح حينا | فيوشك أن تبلغها التراقي |
وأظماني النوى وأراق دمعي | فلا أروي ولا دمعي براقي |
وما عش امرئ في بحر غم | يضاهي كربه كرب السياق |
يود من الزمان صفاء يوم | يلوذ بظله مما يلاقي |
سقتني نائبات الدهر كأسا | مريرا من أباريق الفراق |
وفاض الكأس بعد البين حتى | لعمري قد جرت منه سواقي |
وليس لداء ما ألقى دواء | يؤمل نفعه غير التلاقي |
وله من قصيدة أوردها صاحب السلافة أيضا وكأنه قالها في العراق أيضا يتشوق إلى أوطانه في جبل عامل وحق له ذلك إذا قايس بين جبع ونسيمها العليل ورياضها النافرة وبين النجف ورياح سمومها ورمالها المحرقة:
طول اغترابي بفرط الشوق أضناني | والبين في غمرات الوجد ألقاني |
يا بارقا من نواحي الحي عارضني | إليك عني فقد هيجت أشجاني |
فما رأيتك في الآفاق معترضا | إلا وذكرتني أهلي وأوطاني |
كم ليلة من ليالي البين بت بها | أرعى النجوم بطرفي وهي ترعاني |
ويا نسيما سرى من حيهم سحرا | في طيه نشر ذاك الرند والبان |
أحييت ميتا بأرض الشام مهجته | وفي العراق له تخييل جثمان |
يا لائمي كم بهذا اللوم تزعجني | دعني فلومك قد والله أغراني |
لا يسكن الوجد ما دام الشتات ولا | تصفو المشارب لي إلا بلبنان |
في ربع إنسي الذي حل الشباب به | تمائمي وبه صحبي وخلاني |
كم قد عهدت بهاتيك المعاهد من | إخوان صدق لعمري أي إخوان |
وكم تقضت لنا بالحي أزمنة | على المسرة في كرم وبستان |
يا جيرة الحي قلبي بعد بعدكم | في حيرة بين أوصاب وأشجان |
باق على العهد راع للذمام فما | يسوم عهدكم يوما بنسيان |
وإن بكت مقلتى بعد الفراق دما | فمن تذكركم يا خير جيران |
وله من أخرى أوردها صاحب السلافة أيضا والبحراني في كشكوله:
أبهضني حمل النصب | وغالني فرط التعب |
أمر حالات النوى | علي دهري قد كتب |
لا تعجبوا من سقمي | إن حياتي لعجب |
عاندني الدهر فما | يود لي إلا العطب |
وما بقاء المرء في | بحر هموم وكرب |
لله أشكور زمنا | في طرقي الختر نصب |
فلست أغدو طالبا | إلا ويعييني الطلب |
لو كنت أدري علة | توجب هذا أو سبب |
كأنه يحسبني | في سلك أصحاب الأدب |
أخطأت يا دهر فلا | بلغت في الدنيا أرب |
كم تألف الغدر ولا | تخاف سوء المنقلب |
غادرتني مطرحا | بين الرزايا والنوب |
من بعد ما ألبستني | ثوب عناء ووصب |
في غربة صماء إن | دعوت فيها لم أجب |
وحاكم الوجد على | جميل صبري قد غلب |
ومؤلم الشوق له | قلبي المعنى قد وجب |
وكل أحبائي قد | أودعتهم وسط الترب |
فلا يلمني لائم | إن سال دمعي وانسكب |
واليوم نائي أجلي | من لوعتي قد اقترب |
إذ بان عني وطني | وعيل صبري وانسلب |
ولم يدع لي الدهر من | راحلتي سوى القتب |
لم ترض يا دهر بما | صرفك مني قد نهب |
لم يبق عندي فضة | أنفقها ولا ذهب |
وأسترجع الصفر الذي | من قبل كان قد وهب |
وزاد البحراني:
تبت يداه مثلما | تبت يدا أبي لهب |
كل ابن أنثى هالك | وسوف يأتي من حدب |
قد أحصيت أعماله | وكاتب الحق كتب |
لم يغن عنه ولد | كلا ولا جد وأب |
ولم يكن ينفعه | في الحشر إلا في ما كسب |
وله من قصيدة أوردها البحراني في كشكوله:
لله كم ليلة في العمر لي سلفت | العيش في ظلها أصفي من العسل |
والجد يسمو بمطلوبي فما ذهبت | من بعدها برهة حتى تنكر لي |
كم غر من قبلنا قوما فما شعروا | إلا وداعي المنايا جاء في عجل |
وكم رمى دولة الأحرار من سفه | بكل خطب مهول فادح جلل |
وظل في نصرة الأشرار مجتهدا | حتى غدوا دولة من أعظم الدول |
وتلبس الحر من أثوابها حللا | من البلايا وأثوابا من العلل |
وذروة المجد فيها ليس يدركها | من لم يكن سالكا مستصعب السبل |
وكن عن الناس مهما أسطعت معتزلا | فراحة النفس تهوي كل معتزل |
تقاعدت عن هوى الأخرى عزائمهم | وفي اتباع الهوى حوشوا من الكسل |
ومن شعره ما ذكر بحر العلوم في رجاله وقال أنه وجده بخط السيد الحسيب النسيب الأديب السيد نصر الله الحائري نقلا عن بعض المجاميع :
يا راكبا عج بالغري وقف على | تلك الربوع مقبلا أعتابها |
وقل ابن زين الدين أصبح بعدكم | قد ألبسته يد الشجون ثيابها |
عبثت به الأشواق ثمة أنشبت | فيه الصبابة بعدكم مخلابها |
ودعت لواعجه الشريدة جفنه | يوم الفراق إلى البكا فأجابها |
فدموعه إذ رام حبس طليقها | غلبت عليه فلا يطيق غلابها |
وله كما في مجموعة الشيخ نصر الله ابن الشيخ إبراهيم ابن يحيى العاملي:
جاء الحبيب الذي أهواه من سفر | والشمس قد أثرت في وجهه أثرا |
عجبت كيف تحل الشمس في قمر | والشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا |
ومن منثور كلامه ما قرض به كتاب فرقد الغرباء وسراج الأدباء للشيخ حسن الحانيني فقال:
الحمد الله وحده. وقفت على مودعات هذه الأوراق التي لا يعرف حقيقتها إلا الحذاق فوجدت جداول عباراتها تتدفق بمحاسن الآداب ورياض معانيها تتضوع بنشر الفضل العجاب وكنوز فوائدها تتعهد بإعطاء الأثراء لمن أملق في فنها من أولي الألباب ورموز مقاصدها تشهد بالارتقاء في صنعها إلى أعلى درجات الأدباء والكتاب فالله تعالى يحيي بفضل منشئها ما مات من آثار الفضل ويمده من جوده الوافر وهمه الواسع بهبات الإنعام.
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 5- ص: 92