الحسن بن إسحاق الطوسي وزير الب أرسلان السلجوقي يأتي بعنوان الحسن بن علي بن إسحاق.
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 5- ص: 20
الخواجة نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي ولد سنة 408 وقتل 10 رمضان سنة 485.
ذكرناه في ج 1 من هذا الكتاب في عداد وزراء السلجوقية الشيعة ولسنا نعلم الآن مأخذه ولا بد ان نكون أخذناه من مصدر معتمد مع اننا فتشنا الآن على مأخذه فلم نجده.
أقوال العلماء فيه
قال ابن الأثير في الكامل: كان عالما دينا جوادا عادلا حليما كثير الصفح عن المذنبين طويل الصمت ومجلسه عامر بالقراء والفقهاء وأئمة الدين وأهل الخير والصلاح امر ببناء المدارس في سائر الأمصار والبلاد اجرى لها الجرايات العظيمة واملى الحديث ببغداد وخراسان وغيرها وكان يقول اني لست من أهل هذا الشأن ولكني أحب ان اجعل نفسي على قطار نقلة حديث رسول الله ص وكان إذا سمع المؤذن أمسك عن كل ما هو فيه وبدأ بالصلاة وإذا غفل المؤذن امر الأذان وأسقط المكوس والضرائب وكان الوزير عميد الملك الكندري حسن للسلطان طغرل لعن الرافضة فأمره بذلك فأضاف إليهم الاشعرية ولعن الجميع (وفي هذا نظر لان الكندري شيعي بنص ابن كثير فلا بد ان يكون وقع هنا اشتباه) فلهذا فارق كثير من الائمة بلادهم كامام الحرمين وأبي القاسم القشيري وغيرهما فلما ولى ألب ارسلان 165 السلطنة أسقط نظام الملك ذلك جميعه وأعاد العلماء إلى أوطانهم وكان إذا دخل عليه القشيري وأبو المعالي الجويني يقوم لهما ويجلس في مسنده وإذا دخل عليه أبو علي القارمذي يقوم اليه ويجلسه في مكانه ويجلس بين يديه فقيل له في ذلك فقال ان هذين وأمثالهما إذا دخلوا علي يثنون علي بما ليس في فيزيدني ذلك عجبا وتيها وهذا الشيخ يذكر لي عيوب نفسي وما انا فيه من الظلم فتنكسر نفسي وارجع عن كثير مما انا فيه (ومن هنا يعلم ان من يتزلفون إلى الحكام بالثناء عليهم بالباطل ينقصون عندهم ومن صدقهم القول عظم في أعينهم) قال: وقال نظام الملك كنت اتمنى ان يكون لي قرية خالصة ومسجد أتفرد فيه لعبادة ربي ثم بعد ذلك تمنيت ان يكون لي قطعة ارض أتقوت بريعها ومسجد اعبد الله فيه واما الآن فأتمني ان يكون لي رغيف كل يوم ومسجد اعبد الله فيه. وكانت عادته ان يحضر الفقراء طعامه ويقربهم اليه ويدنيهم قيل كان ليلة يأكل الطعام وبجانبه أخوه أبو القاسم وبالجانب الأخر عميد خراسان وإلى جانب العميد إنسان فقير مقطوع اليد فرأى نظام الملك العميد يتجنب الاكل مع المقطوع فقرب المقطوع اليه وأكل معه وأخباره كثيرة قد جمعت لها المجاميع السائرة في البلاد اه. وفي مختصر تاريخ آل سلجوق بعد ذكر فتوحات ملك شاه السلجوقي قال وهذه السعادة كلها انما تيسرت بسعادة الوزير الكبير خواجه بوزرك قوام الدين نظام الملك أبي علي الحسن بن علي بن إسحاق رضي أمير المؤمنين الوارف الظل الوافر الفضل وكانت وزارته للدولة حلية كأنما خلقه الله للملك والجلالة وكان الإقبال له معلما والطفر الظفر مسخرا قد مشى في ركابه سلطان العرب مسلم بن قريش وقبل حافر مركوبه وكانت ملوك الروم وغزنة وما وراء النهر في ظل حمايته وكانت ملوك الأطراف يقبلون كتفه ويتشرفون بلبس خلعه وكانوا انجادا له وجر الجحافل الثقيلة وبقي في الوزارة ثلاثين سنة قال وكانت علامة نظام الملك الحمد لله على نعمه وكان مؤيدا موفقا مخصوصا من الله بالنصر والدهماء ساكنة في أيامه وأهل الدين والعلم راتعون في انعامه وفي أيامه نشا للناس أولاد نجباء وتوفر على تهذيب الأبناء الاباء ليحضروهم في مجلسه فإنه كان يرشح كل أحد لمنصب يصلح له بمقدار ما يرى فيه من الرشد والفضل ومن وجد في بلده قد تميز في العلم بنى له مدرسة ووقف عليها وقفا وجعل فيها دار كتب وكأنما عناه أبو الضياء الحمصي بقوله:
و ما خلقت كفاك الا لأربع | وما في عباد الله مثلك ثاني |
لتجريد هندي وإسداء نائل | وتقبيل أفواه وأخذ عنان |
كفاك نظام الملك أكبر همه | وأتعب في ارائة السر والجهرا |
همام إذا ماهز في الخطب رأيه | فلا عجب ان يخجل البيض والسمرا |
إذا هو امضى نعمة قد تعنست | تخير اخرى من مواهبه بكرا |
و من رأيه الميمون عقد حباله | بحبلك حتى قد شددت به ازرا |
لئن كنت المشتري في سمائه | علوا لقد قارنت في أفقه الشعرى |
فاصبحتما كالفرقدين تناسبا | فأكرم بذا حموا وأكرم بذا صهرا |
يا نظام الملك قد حل ببغداد النظام | وبقي القاطن فيه مستهان مستضام |
و بها اودى له قتلى غلام وغلام | والذي منهم تبقى سالما فيه سهام |
يا قوام الدين لم يبق ببغداد مقام | عظم الخطب وللحرب اتصال ودوام |
فمتى لم تحسم الداء أياديك الحسام | ويكف القوم في بغداد قتل وانتقام |
فعلى مدرسة فيها ومن فيها السلام | واعتصام بحريم لك من بعد حرام |
زرت المشاهد زورة مشهودة | ارضت مضاجع من بها مدفون |
فكأنك الغيث استهل بتربها | وكأنها بك روضة ومعين |
فازت قداحك بالثواب وأنجحت | ولك الاله على النجاح ضمين |
و من نظام الملك لي جنة | حصينة ما مثلها واقي |
نعم الحمى ان عرضت خطة | قد لفها الليل بسواق |
لا يهجم السخط على حلمه | ان عثر الأخمص بالساق |
و لا يهز الكبر اعطافه | وهو على طود العلا راق |
في لفظه والخط مندوحة | عن صارم الحدين ذلاق |
أبلج مصباح سنا نوره | لسنة البدر باشراق |
ذو بهجة غراء ميمونة | زينها ديباج أخلاق |
يحل ما يبديه من بشره | عقد لسان الهائب اللاقي |
أبوابه للوفد مفتوحة | كأنها أجفان عشاق |
مسافة العلياء ان اقصيت | فهو بها عمر بن براق |
و العيس عيس فإذا زرنه | فإنها أسباب أرزاق |
ليس يخيب الظن فيه ولا | يعود راجيه باخفاق |
اضحت صروف الدهر مامورة | للحسن القرم بن إسحاق |
أوامر تملؤها طاعة | أهل أقاليم وآفاق |
ما بين جيحون فقالي قلا | وبين اشام واعراق |
في كل يوم باراضي العدي | سجل دم بالطعن مهراق |
مثل بني الأصفر اودى بهم | أروع يردي كل مراق |
ذاق مليك الروم من صابها | ما لم يكن قبل بذواق |
و الشمس لا يمنعها بعدها | من فعل انماء وإحراق |
كان الوزير نظام الملك لؤلؤة | يتيمة صاغها الرحمن من شرف |
عزت فلم تعرف الأيام قيمتها | فردها غيرة منه إلى الصدف |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 5- ص: 165
الوزير نظام الملك الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس الوزير أبو علي نظام الملك قوام الدين الطوسي، كان مجلسه عامرا بالفقهاء والقراء.
أمر ببناء المدارس في الأمصار ورغب في العلم كل أحد. وسمع الحديث، وأملى في البلاد، وحضر مجلسه الحفاظ.
وزر للسلطان ألب أرسلان، وكان يدبر أمره، وجرى على يديه من الرسوم المستحسنة، ونفي الظلم، وإسقاط المؤمن ما شاع وذاع، ثم وزر بعده لملكشاه بن ألب أرسلان.
وسمع هذا الوزير من أبي مسلم محمد بن علي بن مهريزد الأديب بإصبهان، ومن أبي القاسم القشيري، وأبي حامد الأزهري، وهذه الطبقة.
وروى عنه جماعة منهم: الوزير علي بن طراد الزينبي، والقاضي أبو الفضل محمد بن عمر الأرموي، وأبو القاسم نصر بن نصر بن علي العكبري.
وهو أول من بنى المدارس في الإسلام، بني نظامية بغداد ونظامية نيسابور، ونظامية طوس، ونظامية إصبهان، وغير ذلك من الربط وأنواع البر.
ودخل على الإمام المقتدي بالله، فأجلسه، وقال: يا حسن، رضي الله عنك برضى أمير المؤمنين عنك.
وكان كثير الإنعام على الصوفية، فسئل عن ذلك، فقال: أتاني صوفي، وأنا في خدمة بعض الأمراء، فوعظني، وقال: اخدم من ينفعك خدمته، ولا تخدم من تأكله الكلاب غدا. فلم أعلم معنى كلامه، فشرب ذلك الأمير من الغد، وكانت له كلاب كالسباع تفترس الغرباء في الليل، فغلبه السكر، فخرج وحده، ولم تعرفه الكلاب فمزقته، فعلمت أن الصوفي كوشف بذلك، فأنا أخدم الصوفية لعلي أظفر بمثله.
وكان إذا سمع الأذان أمسك عما هو فيه، وكان يسمع الحديث ويقول: إني لأعلم لست أهلا لذلك، ولكن أريد أن أربط نفسي في قطار النقلة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان رحمه الله تعالى ممدحا أكثر من في دمية القصر من الشعراء: شعراؤه ومادحوه.
وكانت ولادته سنة ثمان وأربعمائة بنوقان. وتوجه صحبة ملكشاه إلى إصبهان، فلما كانت ليلة السبت عاشر شهر رمضان سنة خمس وثمانين وأربعمائة، أفطر وركب في محفته، فلما بلغ قرية قريبة من نهاوند قال: هذا الموضع قتل فيه خلق كثير من الصحابة زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم؛ فطوبى لمن كان منهم، فاعترضه صبي ديلمي على هيئة الصوفية معه قصة، فدعا له وسأله تناولها، فمد يده ليأخذها، فضربه بسكين في فؤاده، فحمل إلى مضربه، ومات في التاريخ، رحمه الله، وقتل قاتله في الحال بعدما هرب، فعثر في طنب خيمة، وحمل الوزير إلى إصبهان ودفن بها.
يقال: إن السلطان دس عليه من قتله لأنه سئم طول حياته، واستكثر ما بيده من الإقطاعات، ولم يعش السلطان بعده سوى خمسة وثلاثين يوما، فقال ختنه شبل الدولة أبو الهيجاء، مقاتل بن عطية بن مقاتل البكري يرثي الوزير:
كان الوزير نظام الملك لؤلؤة | نفيسة صاغها الرحمن من شرف |
عزت فلم تعرف الأيام قيمتها | فردها غيرة منه إلى الصدف |
كان النظام أبو علي للورى | صدرا وللدين العقيم إماما |
حتى إذا قتلوه ظلما منهم | عاد الضياء على الأنام ظلاما |
لم يقتلوا الشيخ الكبير وإنما | قتلوا جميع الخلق والإسلاما |
نظام الملك مذ قتلوك عادوا | حيارى ما لملكهم نظام |
نظام الملك لا يرجى نظام | لملك الترك بعدك والسلام |
مات الوزير فكلكم جذلان | لا تفرحوا فوراءه خذلان |
الملك بعد أبي علي لعبة | يلهو بها النسوان والصبيان |
بعد الثمانين ليس قوه | لهفي على قوة الصبوه |
كأنني والعصا بكفي | موسى ولكن بلا نبوه |
أتذكرها وقد خرجت عشاء | بأتراب لها كالعين رود |
فمدت من أصابعها وقالت | خضبناهن من علق الوريد |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 12- ص: 0
الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس الطوسي الوزير الكبير العالم العادل أبو علي الملقب نظام الملك
وزير غالى الملوك في سمعتها وغالب الضراغم وكانت له النصرة مع شدة منعتها وضاهى الخلفاء في عطائها وباهى الفراقد فكان فوق سمائها
ملك طائفة الفقهاء بإحسانه وسلك في سبيل البر معهم سبيلا لم يعهد قبل زمانه هو أشهر من بنى لهم المدارس وشيد أركانهم ولولاه خيف أن يكون كالطلال الدارس
كان جوادا يخجل لديه كل ذي جبين وضاح ويتنافس على أريج ثنائه مسك الليل وكافور الصباح طمس ذكر من كنا نسمع في المكارم من الملوك خبره وغرس في القلوب شجرات إحسانه المثمرة
دولته كلها فضل وأيامه جميعها عدل ووقته وابل بالسماح مغدق ومجلسه بجماعة العلماء صباح مشرق
كل يوم من أيامه مقداره ألف سنة وكل معدلة من أحكامه أنامت الأنام فأمن كل واستطاب وسنه
لو هدد الدهر بعدله لما تعدى بصروفه ولو عرض نداه في كل ناد من الخلفاء لعرف من بينهم بمعروفه
إن جلس بين العلماء جلس وعليه سيما الوقار وله من التأدب معهم ما شهدت به في التواريخ الأخبار
يتضاءل بين العلماء ويتنازل وإن كان منزله أعلا من نجم السماء
خلق أرق من النسيم ومحيا تعرف فيه نضرة النعيم
تنبي طلاقة بشره عن جوده | فيكاد يلقى النجح قبل لقائه |
وضياء وجه لو تأمله امرؤ | صادي الجوانح لارتوى من مائه |
ليس التعجب من مواهب ماله | بل من سلامتها إلى أوقاتها |
ولا كتب إلا المشرفية عنده | ولا رسل إلا الخميس العرمرم |
ولم يخل من نصر له من له يد | ولم يخل من شكر له من له فم |
ولم يخل من أسمائه عود منبر | ولم يخل دينار ولم يخل درهم |
على عاتق الملك الأعز نجاده | وفي يد جبار السموات قائمه |
في جحفل ستر العيون غباره | فكأنما يبصرن بالآذان |
قد سودت روس الجبال شعورهم | فكأن فيه مسفة الغربان |
إن السيوف مع الذين قلوبهم | كقلوبهم إذا التقى الجمعان |
يلقى الحسام على جراءة حده | مثل الجبان بكف كل جبان |
فلا عقرب إلا بخد مليحة | ولا جور إلا في ولاية ساق |
إذا مرضنا نوينا كل صالحة | فإن شفينا فمنا الزيغ والزلل |
نرجو الإله إذا خفنا ونسخطه | إذا أمنا فما يزكو لنا عمل |
دار هجر - القاهرة-ط 2( 1992) , ج: 4- ص: 309
نظام الملك، أبو علي، وزير السلطان.
ذكره غير واحد من رواة الحديث: ابن ماكولا، وأبو شجاع شيرويه، وأبو سعد عبد الكريم بن محمد الحافظ.
وكان منبع الجود والإفضال، ذا معدلة وأمانة، وصلاح وديانة، صاحب صفح، وحلم، ووقار، وأناة، وصمت، عامر المجلس بالعلماء وأعلام الدين، مأهول الفناء بالأخيار والصالحين، عالما، جدد بناء الربط والمدارس، ورغب في العلم كل الناس، وأجرى، ووقف على الطلبة والمدرسين، وصنف العلماء باسمه في أساليب الفنون تصانيف تأنقوا فيها فأحسنوا، وأحسن النظر في أمور الرعية، فصفا العيش، وانتفى العيث.
سمع الحديث فأكثر، وروى وأملى بالعراق، وخراسان، وأصبهان، وأران، وسائر البلاد.
وحضر مجلسه الحفاظ وغيرهم، ورغب في السماع منه، والراوية عنه.
روى عن أبي مسلم محمد بن علي الأديب صاحب ابن المقرئ، وأبي حامد أحمد بن الحسن الأزهري، وأبي سهل الحفصي وغيرهم.
كان أولا من أولاد الدهاقين ببيهق وطوس، فلما نشأ علق بشيء من اللغة العربية، وشرع بواسطتها في رسوم الاستيفاء، ولم يزل يطوف والدهر يعلو به وينخفض إلى أن اتصل بالملك ألب أرسلان، ووزر له، ثم لما انتهت السلطنة إليه بوفاة عمه طغرلبك صفى لوزيره الورد، وصار سيد الوزراء، إليه مسائل الحل والإمضاء، وذلك من سنة خمس وخمسين وأربع مئة، ثم لما انقضت أيام ألب أرسلان سنة خمس وستين على تلك الصورة الهائلة قام نظام الملك بتقرير المملكة على ولده ملكشاه، فصار الملك لنظامه حقيقة ومعنى، وللملك اسما ورسما، وجرت على ذلك أمور الممالك والاستعلاء بالسعد عشرين سنة إلى أن بدت عند الكمال مبادي الزوال؛ فوجئ في شهر رمضان بين بغداد وأصبهان سنة خمس وثمانين وأربع مئة، فانحل النظام، وثارت الفتن، ولم يجر بعده جار على ذلك السنن.
ولد سنة ثمان وأربع مئة.
وحكى القاضي أبو العلاء الغزنوي في كتاب “سر السرور “ أن نظام الملك صادف في سفر راجلا في زي العلماء قد مسه الكلال؛ فقال له: أيها الشيخ، عييت أم أعييت؟ فقال: أعييت يا مولانا، فتقدم إلى حاجته بتقديم بعض الجنائب إليه، الإصلاح من شأنه، وأخذ في اصطناعه.
وإنما أراد بسؤاله اختباره، فإن عيي: في اللسان، وأعيى: كل وتعب.
وقال الحسن بن الحسين الأندقي، يحكي عن عبد الله الساوجي أن نظام الملك استأذن السلطان ملكشاه في الحج فأذن له، وهو إذ ذاك ببغداد، فعبر دجلة، وعبروا بالآلات والأقمشة، وضربت الخيام على شط دجلة.
قال: فأردت يوماً أن أدخل عليه، فرأيت بباب الخيمة فقيرا تلوح على جبينه سيما القوم، فقال لي: يا شيخ، أمانة توصلها إلى الصاحب قلت: نعم، فأعطاني رقعة مطوية، فدخلت بها، ولم أنظر فيها حفظا للأمانة، ووضعتها بين يدي الوزير، فنظر فيها، فبكى بكاء كثيرا حتى ندمت، وقلت في نفسي: ليتني نظرت فيها، فإن كان فيها شيء يسوؤه لم أدفعها إليه، ثم قال لي: يا شيخ، أدخل علي صاحب الرقعة، فخرجت، فلم أجده، وطلبته، فلم أظفر به، فأخبرت الوزير بذلك، فدفع إلي الرقعة، فإذا فيها: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، وقال لي: اذهب إلى الحسن، وقل له: أين تذهب إلى مكة؟! حجك ها هنا، أما قلت لك: أقم بين يدي هذا التركي، وأغث أصحاب الحوائج من أمتي، فرجع نظام الملك، فكان يقول لي: لو رأيت ذلك الفقير حتى نتبرك به.
قال: فرأيته على شط دجلة وهو يغسل خريقات له، فقلت له: إن الصاحب يطلبك، فقال: مالي وللصاحب؟ إنما كان عندي أمانة فأديتها.
قال عثمان - هو ابن الصلاح -: هذا معنى ما قال، فإني أبدلت بعض لفظه.
والساوجي هذا كان خيرا، كثير المعروق، يعرف ب: شيخ الشيوخ، ويقف على نظام الملك حتى أنفق عليه وعلى الفقراء باقتراحه في مدة يسيرة قريبا من ثمانين ألف دينار تامة كاملة.
وحكاية الأندقي لذلك عنه يزيدها قبولا.
وحكى أبو سعد، عن أبيه - بما وجده بخطه - أنه سمع الفقيه أبا القاسم أخا نظام الملك يحكي أنه كان عنده ليلة على أحد جانبيه، والعميد خليفة على الجانب الآخر، وبجنبه فقير مقطوع اليمنى، قال: فشرفني الصاحب بالمؤاكلة، وشرع يلحظ العميد خليفة كيف يؤاكل الفقير. قال: فتنزه خليفة من مؤاكلة الفقير لما رآه يأكل بيساره، فقال لخليفة: تحول إلى هذا الجانب، وقال للفقير: إن خليفة رجل كبير في نفسه، يستنكف من مؤاكلتك، فتقدم إلي، وأخذ يؤاكله رحمه الله.
وعن الفقيه الأجل أيضا أنه كان بمكة وأراد الخروج إلى عرفات، فتوقف لميت من الخراسانية، مات في بعض الزوايا ليقوم بتجهيزه، قال: فرآني بعض من كان يأتمنه الصاحب نظام الملك على أمور الحاج، فقال: ما وقوفك ها هنا والقوم قد ذهبوا؟ فقلت: أنا واقف لكذا وكذا، فقال: اذهب، ولا تهتم لأمر هذا الميت، فإن عندي خمسين ألف ذراع من الكرباس لتكفين الموتى من جهة الصاحب.
وقال أبو القاسم عبد الله بن علي بن إسحاق: حكى لي بعض من رآه في المنام فسأله عن حاله، فقال: لقد كاد يعرض علي جميع عملي لولا الحديدة التي أصبت بها، رحمه الله تعالى.
دار البشائر الإسلامية - بيروت-ط 1( 1992) , ج: 1- ص: 446
الحسن بن علي بن إسحاق الوزير أبو على نظام الملك.
اشتغل في وزارة السلجوقية قريباً من ثلاثين سنة، وكان أبوه من أولاد الدهاقين، قبر بناحية بيهق وطوس، وإليه كتب إمام الحرمين بالرسالة النظامية، قتلته الباطنية، أتاه شامى في زى صوفى فناوله ورقة فتناوله، فضربه بسكين في فؤاده في رمضان سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وكان مولده سنة ثمان وأربعمائة -وقتل قاتله قتله اللَّه- سمع بعدة بلاد وأملى ببغداد، وبنى عدة مدارس ببغداد وببلخ وهراة وأصبهان والبصرة والموصل ومرو وغيرها، ويقال إن له في كل مدينة بالعراق وخراسان مدرسة، وبعض الناس يظن أن نظام الملك أوَّل من بنى المدارس وليس كذلك فقد كانت البيهقية بنيسابور قبل أن يخلق نظام الملك، والمدرسة السعيدية بنيسابور أيضاً بناها الأمير نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود لمَّا كان والياً بنيسابور، ومدرسة أخرى بنيسابور لأصحابنا بناها أبو سعد إسماعيل بن علي بن المثنى الإستراباذى الواعظ الصوفى من أصحابنا، روى عنه الخطيب وغيره، والمدرسة التي بنيت للأستاذ أبي إسحاق الاسفرائينى قال الحاكم في ترجمة الأستاذ: لم بين بنيسابور قبلها -يعنى مدرسة الأستاذ- قال: وهذا صريح في أنه بنى قبلها غيرها. ويخر ذلك فلعل نظام الملك أول من قرر المعلوم للطلبة. وبنى نظام الملك أيضاً بيمارستان بنيسابور ورباطاً ببغداد، ويقال إنه كان يتصدق في بكرة كل يوم بألف دينار.
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان-ط 1( 1997) , ج: 1- ص: 1