التصنيفات

الحسن بن إسحاق الطوسي وزير الب أرسلان السلجوقي يأتي بعنوان الحسن بن علي بن إسحاق.

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 5- ص: 20

الخواجة نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي ولد سنة 408 وقتل 10 رمضان سنة 485.
ذكرناه في ج 1 من هذا الكتاب في عداد وزراء السلجوقية الشيعة ولسنا نعلم الآن مأخذه ولا بد ان نكون أخذناه من مصدر معتمد مع اننا فتشنا الآن على مأخذه فلم نجده.
أقوال العلماء فيه‏
قال ابن الأثير في الكامل: كان عالما دينا جوادا عادلا حليما كثير الصفح عن المذنبين طويل الصمت ومجلسه عامر بالقراء والفقهاء وأئمة الدين وأهل الخير والصلاح امر ببناء المدارس في سائر الأمصار والبلاد اجرى لها الجرايات العظيمة واملى الحديث ببغداد وخراسان وغيرها وكان يقول اني لست من أهل هذا الشأن ولكني أحب ان اجعل نفسي على قطار نقلة حديث رسول الله ص وكان إذا سمع المؤذن أمسك عن كل ما هو فيه وبدأ بالصلاة وإذا غفل المؤذن امر الأذان وأسقط المكوس والضرائب وكان الوزير عميد الملك الكندري حسن للسلطان طغرل لعن الرافضة فأمره بذلك فأضاف إليهم الاشعرية ولعن الجميع (وفي هذا نظر لان الكندري شيعي بنص ابن كثير فلا بد ان يكون وقع هنا اشتباه) فلهذا فارق كثير من الائمة بلادهم كامام الحرمين وأبي القاسم القشيري وغيرهما فلما ولى ألب ارسلان 165 السلطنة أسقط نظام الملك ذلك جميعه وأعاد العلماء إلى أوطانهم وكان إذا دخل عليه القشيري وأبو المعالي الجويني يقوم لهما ويجلس في مسنده وإذا دخل عليه أبو علي القارمذي يقوم اليه ويجلسه في مكانه ويجلس بين يديه فقيل له في ذلك فقال ان هذين وأمثالهما إذا دخلوا علي يثنون علي بما ليس في فيزيدني ذلك عجبا وتيها وهذا الشيخ يذكر لي عيوب نفسي وما انا فيه من الظلم فتنكسر نفسي وارجع عن كثير مما انا فيه (ومن هنا يعلم ان من يتزلفون إلى الحكام بالثناء عليهم بالباطل ينقصون عندهم ومن صدقهم القول عظم في أعينهم) قال: وقال نظام الملك كنت اتمنى ان يكون لي قرية خالصة ومسجد أتفرد فيه لعبادة ربي ثم بعد ذلك تمنيت ان يكون لي قطعة ارض أتقوت بريعها ومسجد اعبد الله فيه واما الآن فأتمني ان يكون لي رغيف كل يوم ومسجد اعبد الله فيه. وكانت عادته ان يحضر الفقراء طعامه ويقربهم اليه ويدنيهم قيل كان ليلة يأكل الطعام وبجانبه أخوه أبو القاسم وبالجانب الأخر عميد خراسان وإلى جانب العميد إنسان فقير مقطوع اليد فرأى نظام الملك العميد يتجنب الاكل مع المقطوع فقرب المقطوع اليه وأكل معه وأخباره كثيرة قد جمعت لها المجاميع السائرة في البلاد اه. وفي مختصر تاريخ آل سلجوق بعد ذكر فتوحات ملك شاه السلجوقي قال وهذه السعادة كلها انما تيسرت بسعادة الوزير الكبير خواجه بوزرك قوام الدين نظام الملك أبي علي الحسن بن علي بن إسحاق رضي أمير المؤمنين الوارف الظل الوافر الفضل وكانت وزارته للدولة حلية كأنما خلقه الله للملك والجلالة وكان الإقبال له معلما والطفر الظفر مسخرا قد مشى في ركابه سلطان العرب مسلم بن قريش وقبل حافر مركوبه وكانت ملوك الروم وغزنة وما وراء النهر في ظل حمايته وكانت ملوك الأطراف يقبلون كتفه ويتشرفون بلبس خلعه وكانوا انجادا له وجر الجحافل الثقيلة وبقي في الوزارة ثلاثين سنة قال وكانت علامة نظام الملك الحمد لله على نعمه وكان مؤيدا موفقا مخصوصا من الله بالنصر والدهماء ساكنة في أيامه وأهل الدين والعلم راتعون في انعامه وفي أيامه نشا للناس أولاد نجباء وتوفر على تهذيب الأبناء الاباء ليحضروهم في مجلسه فإنه كان يرشح كل أحد لمنصب يصلح له بمقدار ما يرى فيه من الرشد والفضل ومن وجد في بلده قد تميز في العلم بنى له مدرسة ووقف عليها وقفا وجعل فيها دار كتب وكأنما عناه أبو الضياء الحمصي بقوله:

وظهر من تدبيره في سياسة الممالك ما قاله سليمان بن عبد الملك عجبت لهؤلاء الأعاجم ملكوا ألف سنة فلم يحتاجوا إلينا ساعة وملكنا مائة سنة لم نستغن عنهم ساعة وفي عصره نشات طبقات الكتاب الجياد وفرعوا المناصب وولوا المراتب ولم يزل باب بابه مجمع الفضلاء وملجا العلماء وكان نافذا بصيرا ينقب عن أحوال كل منهم ويسال عن تصرفاته وخبرته ومعرفته ومن تفرس فيه صلاحية الولاية ولاه ومن رآه مستحقا لرفع قدره رفعه ومن رأى الانتفاع بعلمه رتب له ما يكفيه حتى ينقطع إلى إفادة العلم وربما سيره إلى إقليم خال من العلم. تولى الوزارة والملك قد اختل والدين قد تبدل بأواخر دولة الديلم وأوائل دولة الترك وقد خربت الممالك بين إقبال هذه وادبار تلك فأعاد الملك إلى النظام وعمر الولايات وكانت العادة جارية بجباية الأموال وصرفها إلى الأجناد فرأى ان الأموال لا تحصل من البلاد لخرابها ولا يصح منها ارتفاع فاقطعها الأجناد فتوفرت دواعيهم يدلون بنسبة ويستطيلون لأنهم ذوو قرابته فقصر أيديهم وساس جمهورهم بتدبيره وربما قرر لجندي
ألف دينار في السنة ووجه نصفه على بلد من الروم ونصفه على وجه في أقصى خراسان وكان ينظر في الأوقاف والمصالح ويرتب عليها الأمناء ويشدد في أمرها ويكلها إلى الآمنة ووظف على ملوك الأطراف حمولا لخزانة السلطان وقرر معهم الحضور إلى الخدمة والوصول بالعساكر حتى ملأ الخزائن بالمال والبلاد بالعساكر ونشا له أولاد فاوطا عقبهم ولما وفر الأموال على الخزانة والعسكر جعل فيها للعلماء وأصحاب الحقوق نصيبا وصير إحسان السلطان بين أهل العلم ميراثا فلا جرم تذللت له المصاعب وتيسرت له المطالب ودانت له المشارق والمغارب اه.
ابتداء حاله ومجمل اخباره‏
قال ابن الأثير في الكامل كان من أبناء الدهاقين بطوس فزال ما كان لأبيه من مال وملك وتوفيت أمه وهو رضيع فكان أبوه يطوف به على المرضعات فيرضعنه حسبة حتى شب وتعلم‏العربيةو سر الله فيه يدعوه إلى علو الهمة والاشتغال بالعلم فتفقه وصار فاضلا وسمع الحديث الكثير ثم اشتغل بالأعمال السلطانية ولم يزل الدهر يعلو به ويخفض حضرا وسفرا وكان يطوف بلاد خراسان ووصل إلى غزنة في صحبة بعض المتصرفين ثم لزم أبا علي بن شاذان متولي الأمور ببلخ لداود والد السلطان ألب ارسلان فحسنت حاله معه وظهرت كفايته فلما حضرت ابن شاذان الوفاة اوصى به الملك ألب ارسلان وعرفه حاله فولاه شغله ثم صار وزيرا له إلى ان ولي السلطنة بعد عمه طغرلبك واستمر على الوزارة وظهرت منه كفاية عظيمة وآراء سديدة قادت السلطنة إلى ألب الاسلان ارسلان فلما توفي ألب ارسلان قام بامر ابنه ملك شاه وهذا إجمال يأتي تفصيله. وقيل ان ابتداء امره انه كان يكتب للأمير تاجر صاحب بلخ وكان الأمير يصادره في كل سنة ويقول له قد سمنت يا حسن ويدفع اليه فرسا ومقرعة ويقول هذا يكفيك فلما طال عليه ذلك أخفى ولديه فخر الملك ومؤيد الملك وهرب إلى جغري بك داود والد ألب ارسلان فوقف فرسه في الطريق فسال الله فرسا يخلصه عليه فلقيه تركماني تحته فرس جواد فأعطاه إياه وأخذ فرسه وقال له لا تنس هذا يا حسن قال فقويت نفسي وعلمت انه ابتداء سعادة فسار إلى مرو ودخل على داود فسلمه إلى ولده ألب ارسلان وقال هذا حسن الطوسي فاتخذه والدا لا تخالفه وكان الأمير تاجر لما سمع بهربه تبعه إلى مرو فقال لداود هذا كاتبي ونائبي وقد أخذ اموالي فقال له داود حديثك مع محمد يعني ألب ارسلان فلم يتجاسر على خطابه ورجع. وفي مختصر تاريخ آل سلجوق نقلا عنه قال كنت في مبدأ امري في خدمة الأمير بيجير اسفهسلار خراسان فاشخصني اليه من موضع كنت متوليا له وانا متوجه نحوه الأمل منكسر القلب على فرس حرون هزيل يتعبني سيره وانا في ضر شديد من ركوبه فبينما انا سائر إذ ظهر من صدر البرية تركماني على فرس يجري جري الماء رهوان فتمنيت ان أكون راكبا مثله فتقرب التركماني مني واختلط بالموكلين بي وكلمهم ثم التفت إلي وقال هل لك ان تقايض فرسك بفرسي فحسبت انه يهزأ بي وقلت له يجوز مع ما انا فيه من هذه المحنة ان لا تستهزئ بي فنزل في الحال عن فرسه وأعطانيه وأخذ فرسي واليوم منذ ثلاثين سنة اتمنى لقاءه واسال عنه ولا أجده.
اخباره مع ألب ارسلان السلجوقي وابنه ملك شاه.
قد عرفت ان ألب ارسلان استوزره قبل ان يلي السلطنة: ولما ولي السلطنة بعد عمه طغرل استمر نظام الملك على وزارته. في مختصر تاريخ آل سلجوق تأليف عماد الدين محمد الاصفهاني واختصار الفتح بن علي البنداري الاصفهاني لما ورد ألب ارسلان الري بعد وفاة عمه ومعه وزيره نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي تلقاه عميد الملك أبو نصر محمد بن منصور الكندري وزير طغرل وأول وزراء السلجوقية وأجلسه على السرير فغار نظام الملك واحتال في قبضه فلما كان سنة 359 459 زار عميد الملك نظام الملك وترك بين يديه منديلا فيه خمسمائة دينار فلما انصرف سار أكثر العسكر في خدمته فتخوف السلطان من عاقبة ذلك فقبض على الكندري وقتله واستوى بذلك امر نظام الملك وقال ابن الأثير في حوادث سنة 456 سمع ألب ارسلان السلجوقي ان قتلمش وهو سلجوقي أيضا عصى عليه وخرج لحربه فأرسل اليه ينكر عليه فعله فقال نظام الملك لألب ارسلان قد جعلت لك من خراسان جندا ينصرونك ولا يخذلونك ويرمون دونك بسهام لا تخطئ وهم العلماء والزهاد فقد جعلتهم بالإحسان إليهم من أعظم أعوانك وليس لبس نظام الملك السلاح واقتتلوا فانهزم قتلمش واستولى القتل والأسر على عسكره فأراد السلطان قتل الأسرى فتشفع فيهم نظام الملك فعفا عنهم واطلقهم ووجد قتلمش ميتا فبكى السلطان لموته وعظم عليه فقده فسلاه نظام الملك اه.
(وكم تدل هذه الاخبار على ما لنظام الملك من المحاسن). قال وفيها سار السلطان لغزو الروم وجمع من العساكر ما لا يحصى وجعل مكانه في عسكره ولده ملك شاه ونظام الملك وزيره فسار إلى قلعة فيها جمع كثير من الروم وساروا منها إلى قلعة سرماري فملكوها وبالقرب منها قلعة اخرى ففتحها ملك شاه وأراد تخريبها فنهاه نظام الملك وقال هي ثغر للمسلمين وشحنها بالرجال والذخائر والأموال والسلاح وسار ملك شاه ونظام الملك إلى مدينة مريم نشين وهي مدينة حصينة وعندها نهر كبير فأعد نظام الملك لقتالهما ما يحتاج اليه من السفن وغيرها وواصل قتالهما ليلا ونهارا وجعل العسكر عليها يقاتلون بالنوبة فضجر أهلها ووصل المسلمون إلى سورها ونصبوا عليه السلالم وصعدوا إلى أعلاه لان المعاول كلت عن نقبه لقوة حجره ودخل ملك شاه ونظام الملك البلد ثم استدعاهما ألب ارسلان وفرح بالفتح اه.
المدرسة النظامية
وقال في حوادث سنة 457 فيها ابتدئ بعمارة المدرسة النظامية ببغداد (وهي مدرسة عمرها نظام الملك هذا فنسبت اليه) وقال في حوادث سنة 459 فيها في ذي القعدة فرغت عمارة المدرسة النظامية وتقرر التدريس بها للشيخ أبي إسحاق الشيرازي ولما اجتمع الناس لحضور الدرس طلب فلم يوجد لانه لقيه صبي فقال له كيف تدرس في مكان مغصوب فتغيرت نيته عن التدريس بها ولم يبق ببغداد من لم يحضر غير الوزير فلما ايس الناس من حضوره قال بعضهم لا يجوز ان ينفصل هذا الجمع الا عن مدرس فأشير بابن الصباغ صاحب كتاب الشامل فجلس للدرس ولما بلغ الخبر نظام الملك لم يزل يرفق بأبي إسحاق حتى درس وكانت مدة تدريس ابن الصباغ عشرين يوما. وفي مختصر تاريخ آل سلجوق فيها طلق ألب ارسلان زوجته بنت ملك الكرج وزوجها لنظام الملك وزيره وقال ابن الأثير في حوادث سنة 462 فيها تزوج عميد الدولة بن جهير بابنة نظام الملك
بالري وعاد إلى بغداد. (وعميد الدولة هو وزير الخليفة ابن فخر الدولة أبي نصر محمد بن محمد بن جهير وزير الخليفة) (أقول) وفي ذلك يقول علي بن الحسن بن الفضل الملقب بابن (صردر) قال ابن الأثير كان يلقب بابن صربعر وكان نظام الملك قال له أنت ابن صردر لا صربعر فبقي ذلك عليه يقول في هذه القصيدة:
وقال ابن الأثير في حوادث سنة 463 فيها قصد ملك الروم بلاد المسلمين فبلغ ألب ارسلان الخبر وهو بمدينة خوي فسير الأثقال مع زوجته ونظام الملك إلى همذان وسار هو بخمسة عشر ألف فارس فصادفت مقدمته عند خلاط مقدم الروسية في نحو عشرة آلاف واقتتلوا فانهزمت الروسية وانفذ السلطان بالسلب إلى نظام الملك وامره ان يرسله إلى بغداد ولما تقارب العسكران أرسل السلطان إلى ملك الروم يطلب المهادنة فقال لا هدنة الا بالري ثم حملوا على الروم فانزل الله نصره على المسلمين وانهزم وأسر ملكهم اسره غلام لكوهرائين وكان هذا الغلام قد عرضه كوهرائين على نظام الملك فرده استحقارا له فاثنى عليه كوهرائين فقال نظام الملك عسى ان يأتينا بملك الروم أسيرا-استهزاء به-فكان كذلك وفي حوادث سنة 464 ان الخليفة كان غاضبا على ايتكين السليماني لانه قتل أحد المماليك الدارية فأرسله السلطان شحنة إلى بغداد وكان نظام الملك يعني بالسليماني فلم يقبل الخليفة. وفيها ان الخليفة القائم بامر الله أرسل عميد الدولة بن جهير يخطب ابنة ألب ارسلان لولي العهد المقتدي بامر الله فأجيب إلى ذلك وكان جهير الوكيل في قبول النكاح ونظام الملك الوكيل من جهة السلطان في العقد. قال وفيها سير السلطان ألب ارسلان وزيره نظام الملك في عسكر إلى بلاد فارس ففتح قلعة فضلوان وجاء به أسيرا فاطلقه السلطان. وفي سنة 465 قتل ألب ارسلان وكان اوصى بالسلطنة لابنه ملك شاه وكان المتولي تحليف العسكر له نظام الملك وتولى نظام الملك وزارة ملك شاه وكان ألب ارسلان يثق بنظام الملك كل الثقة حكى ابن الأثير انه كتب اليه بعض السعاة سعاية في نظام الملك وذكر ما له في ممالكه من الرسوم والأموال وتركت على مصلاة فقرأها ثم سلمها إلى نظام الملك وقال له ان صدقوا فهذب أخلاقك وأصلح أحوالك وان كذبوا فاغفر لهم زلتهم وأشغلهم بما يشتغلون عن السعاية. ولما بلغ قاورت بك وفاة أخيه ألب ارسلان سار طالبا للري ليستولي عليها فسبقه إليها ملك شاه ونظام الملك والتقى قاروت وملك شاه فانهزم قاورت ثم قبض عليه وخنق. وامتدت ايدي العسكر إلى اموال الرعية وقالوا ما يمنع السلطان ان يعطينا الأموال الا نظام الملك فذكر ذلك نظام الملك للسلطان وبين له ما في هذا الفعل من الوهن وخراب البلاد وذهاب السياسة ففوض الأمر اليه وقال افعل ما تراه مصلحة فأنت الوالد وحلف له واقطعه اقطاعا زائدا على ما كان من جملته طوس مدينة نظام الملك وخلع عليه ولقبه القابا من جملتها أتابك ومعناه الأمير الوالد فظهر من كفايته وشجاعته وحسن سيرته ما هو مشهور فمنه ان امرأة ضعيفة استغاثت اليه فوقف يكلمها فدفعها بعض حجابه فأنكر ذلك وصرفه عن حجبته.
167 وذكر في حوادث سنة 466 ان ملك شاه سار يريد سمرقند ففارقها صاحبها وانفذ يطلب المصالحة ويضرع إلى نظام الملك في اجابته إلى ذلك فأجيب اليه. وفي حوادث سنة 467 انه لما توفي القائم وبويع المقتدي كان ممن بايعه مؤيد الملك ابن نظام الملك. قال وفيها جمع نظام الملك والسلطان ملك شاه جماعة من أعيان المنجمين وجعلوا النيروز أول نقطة من الحمل وكان النيروز قبل ذلك عند حلول الشمس نصف الحوت. وفي حوادث سنة 468 ان نظام الملك قصد أبا الحسن بن أبي طلحة الداودي عبد الرحمن بن محمد راوي صحيح البخاري فجلس بين يديه فوعظه وفي مختصر تاريخ آل سلجوق انه في سنة 468 أرسل المقتدي القاضي محمد البيضاوي بصحبة مؤيد الدولة إلى والده نظام الملك لاخذ البيعة على صاحب غزنة ففعل وقال ابن الأثير في حوادث سنة 470 كان فيها فتنة بين أهل سوق المدرسة وسوق الثلاثاء بسبب الاعتقاد (الشافعية والحنابلة) وكان مؤيد الملك بن نظام الملك ببغداد فأرسل إلى العميد والشحنة فحضروا ومعهم الجند فضربوا الناس فقتل بينهم جماعة وانفصلوا. وفيها توفيت ابنة نظام الملك زوجة عميد الدولة ابن جهير نفساء بولد مات من يومه ودفنا بدار الخلافة ولم تجر بذلك عادة لاحد فعل ذلك إكراما لأبيها وجلس الوزير فخر الدولة ابن جهير وابنه عميد الدولة للعزاء ثلاثة أيام وفي حوادث سنة 471 عزل فخر الدولة أبو نصر بن جهير من وزارة الخليفة المقتدي وسبب ذلك ما مر من الفتنة بين الشافعية والحنابلة فنسب أصحاب نظام الملك ما جرى إلى الوزير فخر الدولة وإلى الخدم وكتب محمد بن علي بن أبي الصقر الواسطي الفقيه الشافعي إلى نظام الملك (انتصارا للشافعية):
فلما سمع نظام الملك ما جرى من الفتن وقصد مدرسته والقتل بجوارها مع ان ابنه فيها عظم عليه وأعاد كوهرائين إلى شحنكية العراق وحمله رسالة إلى الخليفة بالشكوى من بني جهير وسال عزل فخر الدولة وامر كوهرائين بأخذ أصحاب بني جهير وإيصال المكروه إليهم فسمع بنو جهير الخبر فسار عميد الدولة إلى نظام الملك ليستعطفه وسلك الجبال وتجنب الطريق خوفا ان يلقاه كوهرائين فيناله ووصل كوهرائين بغداد وأبلغ الخليفة رسالة نظام الملك فأمر فخر الدولة بلزوم منزله ووصل عميد الملك إلى المعسكر السلطاني ولم يزل يستصلح نظام الملك حتى رضي وزوجه ابنة بنته وعاد إلى بغداد فلم يرد الخليفة أباه إلى وزارته وأمرهما بملازمة منازلهما واستوزر أبا شجاع محمد بن الحسين ثم ان نظام الملك راسل الخليفة في اعادة بني جهير إلى الوزارة فأعيد عميد الدولة إلى الوزارة وأذن لأبيه فخر الدولة في فتح بابه وذلك في صفر سنة 472 وفيها سعى خمارتكين وكوهرائين إلى السلطان في قتل ابن علان اليهودي ضامن البصرة وكان ملتجئا إلى نظام الملك وبينهما وبين نظام الملك عداوة فأمر السلطان بتغريقه فغرق وانقطع نظام الملك عن الركوب ثلاثة أيام وأغلق بابه ثم أشير عليه بالركوب فركب وعمل للسلطان دعوة عظيمة وعاتبه على فعله فاعتذر اليه. وفي سنة 473 أسقط ملك شاه من العسكر سبعة آلاف لم يرض حالهم فقيل ان نظام الملك قال له ان هؤلاء ليس فيهم من له صنعة غير الجندية فإذا اسقطوا لم نأمن ان يقيموا رجلا منهم و يقولون ان هذا السلطان ويخرج عن أيدينا أضعاف ما لهم من الجاري إلى ان نظفر بهم فلم يقبل السلطان قوله فمضوا إلى أخيه تكش فقوي بهم وأظهر العصيان فندم السلطان على مخالفة وزيره حيث لم ينفع الندم وفيها أو في سنة 477 لما خرج على ملك شاه أخوه تكش بخراسان وخرج لحربه ومعه نظام الملك اجتاز بمشهد علي بن موسى الرضا بطوس فزاره فلما خرج قال لنظام الملك باي شي‏ء دعوت قال دعوت الله ان ينصرك فقال اما انا فقلت اللهم انصر أصلحنا للمسلمين وفيها تسلم مؤيد الدولة بن نظام الملك تكريت من صاحبها المهرباط. وفي سنة 474 أرسل الخليفة أبا نصر بن جهير إلى أصبهان يخطب بنت السلطان لنفسه فأمر السلطان نظام الملك ان يمضي معه إلى أمها فمضى وتم ذلك. وفيها أرسل السلطان إلى بغداد بإخراج أبي شجاع الذي وزر للخليفة بعد بني جهير فأرسله الخليفة إلى نظام الملك وسير معه رسولا وكتب معه إلى نظام الملك كتابا بخطه يأمره بالرضا عن أبي شجاع فرضي عنه وإعادة إلى بغداد. وفي سنة 475 مات جمال الملك منصور بن نظام الملك مسموما وسبب موته ان مسخرة كان لملك شاه يعرف بجعفرك كان يحاكي نظام الملك ويذكره في خلواته مع السلطان فبلغ ذلك جمال الملك وكان واليا ببلخ فسار مجدا إلى والده والسلطان وهما بأصبهان فقتل جعفرك فاحضر السلطان عميد خراسان وقال أيما أحب إليك جمال الملك أم رأسك فقال بل رأسي قال لئن لم تعمل في قتله لأقتلنك فاجتمع بخادم ابله يختص بجمال الملك فقال له ان السلطان يريد قتل جمال الملك ولان تقتلوه سرا أصلح لكم من ان يقتله السلطان جهرا ويسلب نعمتكم فظن ان ذلك صحيح فسمه في كوز فقاع فمات فلما علم السلطان بقتله قال لنظام الملك انا ابنك وأنت اولى من صبر واحتسب وجلس أخوه مؤيد الملك للعزاء ببغداد وحضر فخر الدولة بن جهير وابنه عميد الملك معزيين وأرسل الخليفة اليه في اليوم الثالث فأقامه من العزاء. قال وفيها ورد بغداد الشريف أبو القاسم البكري المغربي الواعظ وكان أشعريا وكان قد قصد نظام الملك فأحبه ومال اليه وسيره إلى بغداد واجرى عليه الجراية الوافرة فوعظ بالمدرسة النظامية وكان يذكر الحنابلة ويعيبهم وفيها أرسل الخليفة أبا إسحاق الشيرازي إلى ملك شاه ونظام الملك برسالة تتضمن الشكوى من عميد العراق فأكرمه السلطان ونظام الملك وجرى بينه وبين امام الحرمين أبي المعالي الجويني مناظرة بحضرة نظام الملك وأجيب إلى كف يد عميد العراق وفي سنة 476 عزل ابن جهير عن وزارة الخليفة وطلب السلطان ونظام الملك إرسال بني جهير وأهلهم ونساءهم إلى السلطان فأرسلوا وصادفوا منه ومن نظام الملك الإكرام والاحترام. وفيها سمل أبو المحاسن بن أبي الرضا وكان أبوه قد قرب من ملك شاه كثيرا وأبوه يكتب بالطغراء فقال أبو المحاسن لملك شاه سلم إلي نظام الملك وأصحابه وانا أسلم إليك منهم ألف ألف دينار وعظم عنده أموالهم وذخائرهم فبلغ ذلك نظام الملك فعمل سماطا عظيما وأقام عليه مماليكه وهم ألوف من الأتراك وخيلهم وسلاحهم على حيالهم وقال للسلطان اني خدمتك وأباك وجدك ولي حق الخدمة وقد بلغك اخذي لعشر أموالك وصدق وانا آخذه لهؤلاء الغلمان الذين جمعتهم لك وأصرفه في الصدقات والصلات والوقوف التي أعظم ذكرها وشكرها وأجرها لك وجميع ما أملكه بين يديك وانا اقنع بمرقعة وزاوية فأمر السلطان بسمل عيني أبي المحاسن وحبسه بقلعة ساوه وبلغ أباه الخبر فاستجار بدار نظام الملك فسلم وبذل مائتي ألف دينار وعزل عن الطغراء ورتب مكانه مؤيد الملك بن نظام الملك (قال المؤلف) في هذه القصة عدة عبر ان من حفر لأخيه 168 حفرة أوقعه الله فيها الوشاية وخيمة العاقبة الطمع يجر إلى الدمار الأمور التي قال النظام ان أجرها لمخدومه يتمنى مخدومه السلامة من وزرها لو كان يقنع بمرقعة وزاوية لما طلب الوزارة رؤية النظام في النوم الآتية تكشف عن اعمال السلطان والوزير الخيرية قال وفيها توفي أبو إسحاق الشيرازي مدرس النظامية فرتب مؤيد الملك بن نظام الملك بدله أبو سعد عبد الرحمن بن المأمون المتولي فأنكر ذلك نظام الملك وقال كان يجب ان تغلق المدرسة بعد أبي إسحاق سنة، (وهذا نوع من السياسة أو دال على ان المدارس لم يكن الغرض منها وجه الله) وفي سنة 479 دخل ملك شاه بغداد ومعه نظام الملك وأرسل السلطان هدايا كثيرة إلى الخليفة وأرسل من الغد نظام الملك إلى الخليفة خدمة كثيرة فقبلها وزار السلطان ونظام الملك مشهد موسى بن جعفر وقبر معروف وابن حنبل وأبي حنيفة وغيرها من القبور المعروفة فقال ابن زكرويه الواسطي يهنئ نظام الملك بقصيدة منها:
وطلب نظام الملك إلى دار الخلافة ليلا فمضى في الزبزب وعاد من ليلته ومضى السلطان ونظام الملك إلى الصيد في البرية فزار المشهدين مشهد أمير المؤمنين علي ومشهد الحسين ع وعاد السلطان إلى بغداد ودخل إلى الخليفة فخلع عليه ولما خرج لم يزل نظام الملك قائما يقدم أميرا أميرا إلى الخليفة وخلع الخليفة على نظام الملك ودخل نظام الملك إلى المدرسة النظامية وجلس في خزانة الكتب وطالع فيها كتبا وسمع الناس عليه بالمدرسة جزء حديث واملى جزءا آخر. وفيها ورد الشريف أبو القاسم علي بن أبي يعلى الحسني الدبوسي إلى بغداد ورتب مدرسا بالنظامية بعد أبي سعد المتولي وفي سنة 480 زفت ابنة السلطان ملك شاه إلى الخليفة وحضر نظام الملك فمن دونه وكل منهم معه من الشمع والمشاعل الكثير وفيها توفي أمير الحاج أبو منصور قتلغ ولما مات قال نظام الملك مات اليوم ألف رجل وفي سنة 482 ملك السلطان ملك شاه ما وراء النهر ووصل اليه وهو بأصبهان رسول ملك الروم ومعه الخراج المقرر عليه فأخذه نظام الملك معهم إلى ما وراء النهر وحضر فتح البلاد فلما وصل إلى كاشغر أذن له نظام الملك في العود إلى بلاده وقال أحب ان يذكر عنا في التواريخ ان ملك الروم حمل الجزية وأوصلها إلى باب كاشغر لينهي إلى صاحبه سعة ملك السلطان ليعظم خوفه منه ولا يحدث نفسه بخلاف الطاعة قال ابن الأثير وهذا يدل على همة عالية تعلو على العيوق وفي حوادث سنة 484 عزل الوزير أبو شجاع من وزارة الخليفة وكان سببه ان يهوديا يقال له أبو سعد بن سمحا كان وكيل السلطان ونظام الملك فلقيه إنسان يبيع الحصر فصفع اليهودي صفعة أزالت عمامته عن رأسه فاخذ الرجل وسئل عن السبب في فعله فقال هو وضعني على نفسه فسار كوهرائين ومعه ابن سمحا اليهودي إلى العسكر يشكيان من الوزير باتفاق منهما ونقل عنه أيضا إلى السلطان ونظام الملك انه يقبح أفعالهم حتى انه لما ورد الخبرقال وما هذا مما يبشر به كأنه قد فتح بلاد الروم هل اتى الا إلى قوم مسلمين موحدين فاستباح منهم ما لا يستباح من المشركين فلما وصل كوهرائين وابن سمحا وشكيا من الوزير إلى السلطان ونظام الملك أرسلا إلى الخليفة في عزله‏
وأرسل الخليفة إلى السلطان ونظام الملك يستدعي ابن جهير ليستوزره فسير اليه فاستوزره وركب اليه نظام الملك فهنأه بالوزارة في داره. وفيها وصل السلطان ومعه نظام الملك إلى بغداد وابتدأ نظام الملك والأمراء الكبار بعمل دور لهم يسكنونها إذا قدموا بغداد فلم تطل مدتهم بعدها وتفرق شملهم بالموت والقتل وغير ذلك في باقي سنتهم ولم تغن عنهم عساكرهم وما جمعوا شيئا فسبحان الدائم الذي لا يزول امره وفي آخر هذه السنة مرض نظام الملك ببغداد فعالج نفسه بالصدقة فكان يجتمع بمدرسته من الفقراء والمساكين من لا يحصى وتصدق عنه الأعيان والأمراء من عسكر السلطان فعوفي وأرسل له الخليفة خلعا نفيسة. وفيها توفي أبو طاهر عبد الرحمن بن محمد الفقيه الشافعي ومشى أرباب الدولة السلطانية كلهم في جنازته الا نظام الملك فإنه اعتذر بعلو السن وأكثر البكاء عليه.
مقتل نظام الملك
قال ابن الأثير قتل في سنة 485 عاشر رمضان بالقرب من نهاوند وكان هو والسلطان بأصبهان وقد عاد إلى بغداد فلما كان بهذا المكان بعد إفطاره خرج في محفته إلى خيمة حرمه فأتاه صبي ديلمي من الباطنية في صورة مستميح أو مستغيث فضربه بسكين كان معه فقضى عليه وهرب فعثر بطنب خيمة فأدركوه فقتلوه وبقي وزير السلطان ثلاثين سنة سوى ما وزر للسلطان ألب ارسلان صاحب خراسان أيام عمه طغرلبك قبل ان يتولى السلطنة وكان سبب قتله انه ولى حفيده عثمان رئاسة مرو وأرسل السلطان إليها شحنة من أكبر مماليكه فجرى بينه وبين عثمان منازعة فحملت عثمان حداثة سنة وطمعه بجدة على ان قبض عليه واهانه ثم أطلقه فشكى ذلك إلى السلطان فأرسل السلطان إلى نظام الملك رسالة مع جماعة من أرباب دولته يقول له ان كنت شريكي في الملك والسلطنة فلذلك حكم وان كنت نائبي فيجب ان تلزم حد التبعية والنيابة فهؤلاء أولادك قد استولى كل واحد منهم على ولاية كبيرة ولم يقنعهم ذلك حتى تجاوزوا امر السياسة ففعلوا كذا وكذا وأرسل معهم بعض خواصه وقال له تعرفني ما يقول فربما كتم هؤلاء شيئا فابلغوا نظام الملك الرسالة فقال لهم قولوا للسلطان ان كنت ما علمت اني شريكك في الملك فاعلم فانك ما نلت هذا الأمر الا بتدبيري أ ما يذكر حين قتل أبوه وقمعت الخوارج عليه من اهله وغيرهم فلما قدت الأمور اليه وفتحت له الأمصار اقبل يتجنى لي الذنوب ويسمع في السعايات قولوا له عني ان ثبات تلك القلنسوة معذوق بهذه الدواة ومتى أطبقت هذه زالت تلك وأشياء من هذا القبيل فلما خرجوا من عنده اتفقوا على كتمان ما قاله عن السلطان وان يقولوا له ما مضمونه العبودية والتنصل ومضى العين الذي معهم إلى السلطان فأعلمه ما جرى وبكروا إلى السلطان وهو ينتظرهم فقالوا له من الاعتذار ما كانوا اتفقوا عليه فقال بهم انه لم يقل هذا وانما قال كيت وكيت فأشاروا بكتمان ذلك رعاية لحق نظام الملك وسابقته فوقع التدبير عليه حتى تم عليه من القتل ما تم. ومات السلطان بعده بخمسة وثلاثين يوما فانحلت الدولة ووقع السيف وكان قول نظام الملك شبه الكرامة له اه. ويظهر من ذلك ان الصبي الباطني كان قد دسه السلطان لقتله وبذلك 169 صرح صاحب مختصر تاريخ آل سلجوق فإنه قال انه قتل غيلة بسكين ملحد ثم قال وكان ما جرى عليه من الاغتيال تجويزا من السلطان مضمرا وامرا مبيتا مدبرا.
مدائحه‏
قال علي بن الحسن الشهير بصردر يمدحه عن لسان بعض الرؤساء من قصيدة:
وتقدم ان صردر أيضا مدحه في ضمن قصيدة.
ومن مدحه من الشعراء طاهر بن الحسين أبو الوفاء البندنيجي الهمذاني قال ابن الأثير كان شاعرا أديبا وكان يمدح لا لعرض الدنيا ومدح نظام الملك بقصيدتين كل واحدة منهما تزيد على أربعين بيتا إحداهما ليس فيها نقطة والاخرى جميع حروفها منقوطة.
مراثيه‏
قال ابن الأثير وأكثر الشعراء من مراثيه فمن جيد ما قيل فيه قول شبل الدولة مقاتل بن عطية:
قال ورأى بعضهم نظام الملك بعد قتله في المنام فسأله عن حاله فقال كان يعرض علي جميع عملي لو لا الحديدة التي أصبت بها يعني القتل اه.

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 5- ص: 165

الوزير نظام الملك الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس الوزير أبو علي نظام الملك قوام الدين الطوسي، كان مجلسه عامرا بالفقهاء والقراء.
أمر ببناء المدارس في الأمصار ورغب في العلم كل أحد. وسمع الحديث، وأملى في البلاد، وحضر مجلسه الحفاظ.
وزر للسلطان ألب أرسلان، وكان يدبر أمره، وجرى على يديه من الرسوم المستحسنة، ونفي الظلم، وإسقاط المؤمن ما شاع وذاع، ثم وزر بعده لملكشاه بن ألب أرسلان.
وسمع هذا الوزير من أبي مسلم محمد بن علي بن مهريزد الأديب بإصبهان، ومن أبي القاسم القشيري، وأبي حامد الأزهري، وهذه الطبقة.
وروى عنه جماعة منهم: الوزير علي بن طراد الزينبي، والقاضي أبو الفضل محمد بن عمر الأرموي، وأبو القاسم نصر بن نصر بن علي العكبري.
وهو أول من بنى المدارس في الإسلام، بني نظامية بغداد ونظامية نيسابور، ونظامية طوس، ونظامية إصبهان، وغير ذلك من الربط وأنواع البر.
ودخل على الإمام المقتدي بالله، فأجلسه، وقال: يا حسن، رضي الله عنك برضى أمير المؤمنين عنك.
وكان كثير الإنعام على الصوفية، فسئل عن ذلك، فقال: أتاني صوفي، وأنا في خدمة بعض الأمراء، فوعظني، وقال: اخدم من ينفعك خدمته، ولا تخدم من تأكله الكلاب غدا. فلم أعلم معنى كلامه، فشرب ذلك الأمير من الغد، وكانت له كلاب كالسباع تفترس الغرباء في الليل، فغلبه السكر، فخرج وحده، ولم تعرفه الكلاب فمزقته، فعلمت أن الصوفي كوشف بذلك، فأنا أخدم الصوفية لعلي أظفر بمثله.
وكان إذا سمع الأذان أمسك عما هو فيه، وكان يسمع الحديث ويقول: إني لأعلم لست أهلا لذلك، ولكن أريد أن أربط نفسي في قطار النقلة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان رحمه الله تعالى ممدحا أكثر من في دمية القصر من الشعراء: شعراؤه ومادحوه.
وكانت ولادته سنة ثمان وأربعمائة بنوقان. وتوجه صحبة ملكشاه إلى إصبهان، فلما كانت ليلة السبت عاشر شهر رمضان سنة خمس وثمانين وأربعمائة، أفطر وركب في محفته، فلما بلغ قرية قريبة من نهاوند قال: هذا الموضع قتل فيه خلق كثير من الصحابة زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم؛ فطوبى لمن كان منهم، فاعترضه صبي ديلمي على هيئة الصوفية معه قصة، فدعا له وسأله تناولها، فمد يده ليأخذها، فضربه بسكين في فؤاده، فحمل إلى مضربه، ومات في التاريخ، رحمه الله، وقتل قاتله في الحال بعدما هرب، فعثر في طنب خيمة، وحمل الوزير إلى إصبهان ودفن بها.
يقال: إن السلطان دس عليه من قتله لأنه سئم طول حياته، واستكثر ما بيده من الإقطاعات، ولم يعش السلطان بعده سوى خمسة وثلاثين يوما، فقال ختنه شبل الدولة أبو الهيجاء، مقاتل بن عطية بن مقاتل البكري يرثي الوزير:

وقال صدقة بن إبراهيم التنوخي المعري:
وقال أبو المعالي مسلم بن محمد الطرابلسي:
وقال بعض شعراء إصبهان:
قال التميمي: كان نظام الملك ممدحا، فيقال؛ إن مداحه كانوا خمسة آلاف شاعر وزيادة، ومدح بثلاثمائة ألف قصيدة.
ومن شعرائه: أبو طالب علي بن الحسن العلوي، ومنهم أبو الفضل المظفر بن أحمد، ومنهم أبو عبد الله ألكيا، ومنهم أبو نصر الزوزني، ومنهم أسعد بن علي الزوزي، وأكثر شعراء دمية القصر من مداحه.
ومن شعر الوزير نظام الملك:
ومنه:
وكان لنظام الملك عدة أولاد فمنهم: أحمد، وزر لمحمد بن ملكشاه وللمسترشد، وعلي، وزر لتاج الدولة تتش، ولقبه فخر الملك، ومؤيد الملك عبيد الله، وزركياروق. ومن أولاده عز الملك، وعبد الرحيم، وغيرهم.

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 12- ص: 0

الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس الطوسي الوزير الكبير العالم العادل أبو علي الملقب نظام الملك
وزير غالى الملوك في سمعتها وغالب الضراغم وكانت له النصرة مع شدة منعتها وضاهى الخلفاء في عطائها وباهى الفراقد فكان فوق سمائها
ملك طائفة الفقهاء بإحسانه وسلك في سبيل البر معهم سبيلا لم يعهد قبل زمانه هو أشهر من بنى لهم المدارس وشيد أركانهم ولولاه خيف أن يكون كالطلال الدارس
كان جوادا يخجل لديه كل ذي جبين وضاح ويتنافس على أريج ثنائه مسك الليل وكافور الصباح طمس ذكر من كنا نسمع في المكارم من الملوك خبره وغرس في القلوب شجرات إحسانه المثمرة
دولته كلها فضل وأيامه جميعها عدل ووقته وابل بالسماح مغدق ومجلسه بجماعة العلماء صباح مشرق
كل يوم من أيامه مقداره ألف سنة وكل معدلة من أحكامه أنامت الأنام فأمن كل واستطاب وسنه
لو هدد الدهر بعدله لما تعدى بصروفه ولو عرض نداه في كل ناد من الخلفاء لعرف من بينهم بمعروفه
إن جلس بين العلماء جلس وعليه سيما الوقار وله من التأدب معهم ما شهدت به في التواريخ الأخبار
يتضاءل بين العلماء ويتنازل وإن كان منزله أعلا من نجم السماء
خلق أرق من النسيم ومحيا تعرف فيه نضرة النعيم

وإن قعد للمظالم أقام بالكتاب والسنة وأخاف في الله ببطشه كل ذي يد عادية تغدو بعدها النفوس مطمئنة حتى أقرت له بالعدل عظماء السلاطين واستقرت في أيامه بالأمن الناس لا يخشون نازلة المتعالين
وإن أفاض جوده أخجل الغمام وأجزل كل عطاء جزل لم تره النفس إلا في آمال اليقظة أو أحلام المنام
وإن ركب الهيجاء لم يكن له حاجب إلا مواضي الصفاح ولا طليعة إلا شهب الأسنة على رءوس الرماح
يرفع لواء الإسلام ويسمع نوح الحمام على أمم أنزل بهم الحمام ويقوم فيقعد
كل كمى ويرعف أنف كل مشرفي وسمهري
يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ويناضل فلا يدع في حي الأعداء حيا ويبارز حيث تتأخر الجياد السنابك ويجاوز فلا تسمع إلا من يقول وما الناس إلا هالك وابن هالك
أسنة مسنونة وسنة مسنونة وأيام بعدله مأمونة وزمن بالنعماء مشحون وفوق الزمن السالف إذا اعتبرت السنون وأجل وكيف وفي ذلك فرد أمين ومأمون وكل أحد في زمن هذا أمين ومأمون
وملك هو نظامه وسلك هو واسطته إذا عدت أيامه وإفك هو ماحيه إذا دجى ظلامه
بطل شجاع ورجل يخافه على صافناتها الأبطال وفوق سريرها الملوك وفي أجماتها السباع
مقدم العساكر ومقدامها وأسد الممالك وضرغامها وأسد الأبطال رأيا وهمامها
لا تضع الحرب عنده أوزارها حتى يضع العصاة أوزارها وترجع إلى الله تعالى رجعة نفوس لا تبالي ولى عنها شيطانها أوزارها
ولد نظام الملك سنة ثمان وأربعمائة وكان من أولاد الدهاقين الذين يعملون في البساتين بنواحي طوس فحفظه أبوه القرآن وشغله في التفقه على مذهب الشافعي
ثم خرج من عند أبيه إلى غزنة وخدم في الديوان السلطاني ورقت به الأحوال سفرا وحضرا
وخدم في الدواوين بخراسان وغزنة واختص بأبي علي بن شاذان وزير السلطان ألب رسلان فلما حانت وفاة ابن شاذان أوصى ألب أرسلان به وذكر له كفاءته وأمانته فنصبه مكانه في الوزارة
ولم يزل السعد يخدمه والأمور تجري على وفق مراده واتفق في أيامه من محاسن الأفعال ونشر العدل وضبط الأحوال ما سارت به الركبان وتناقلته الألسنة وصار بابه محط الرحال ومنتهى الآمال
وأخذ في بناء المساجد والمدارس والرباطات وفعل أصناف المعروف بتنوع أقسامه واختلاف أنواعه واشتدت مع ذلك وطأته وعظمت مكانته وتزايدت هيبته
إلى أن انقضت دولة ألب أرسلان فملك بعده السلطان الكبير ملكشاه بتدبير نظام الملك وكفايته فازدادت حرمته وتصاعدت مرتبته
وقدم بغداد مرارا مع السلطان وقوبل من الخليفة بنهاية الإجلال والتعظيم وبنى ببغداد مدرسة ورباطا
وتوجه مع السلطان ملكشاه إلى الغزاة ببلاد الروم وفتح عدة بلاد من ديار بكر وربيعة والجزيرة وحلب ومنبج ثم عاد إلى خراسان وما وراء النهر
وجرت أموره على السداد نافذة أموره في أقطار الأرض إليه يرجع الناس بأمورهم وهو الحاكم لا كلمة لغيره ومجالسه معمورة بالعلماء
مأهولة بالأئمة والزهاد لم يتفق لغيره ما اتفق له من ازدحام العلماء عليه وتردادهم إلى بابه وثنائهم على عدله وتصنيفهم الكتب باسمه يحضر سماطه مثل أبي القاسم القشيري وأبي إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين وغيرهم
وذكر النقلة أنه لم يكن في زمانه أكفأ منه في صناعة الحساب وصناعة الإنشاء ووصفوه بسداد الألفاظ فيهما عربية وفارسية
وكان من أخلاقه أنه ما جلس قط إلا على وضوء ولا توضأ إلا وتنفل ويقرأ القرآن ولا يتلوه مستندا إعظاما له ويستصحب المصحف معه أينما توجه وإذا أذن المؤذن أمسك عن كل شغل هو فيه وأجابه ويصوم يوم الاثنين والخميس
ولا يمنع أحدا من الدخول عليه لا وقت الطعام ولا غيره إذا جلس
وهجمت امرأة عليه مرة وقت الطعام ومعها قضية فزبرها بعض الحجاب فحانت منه التفاتة إليه فلقيه بالكلام الصعب وقال إنما أريدك وأمثالك لإيصال مثل هذه وأما المحتشمون فهم يوصلون نفوسهم
وبنى مدرسة ببغداد ومدرسة ببلخ ومدرسة بنيسابور ومدرسة بهراة ومدرسة بأصبهان ومدرسة بالبصرة ومدرسة بمرو ومدرسة بآمل طبرستان ومدرسة بالموصل
ويقال إن له في كل مدينة بالعراق وخراسان مدرسة وله بيمارستان بنيسابور ورباط ببغداد
قلت وشيخنا الذهبي زعم أنه أول من بنى المدارس وليس كذلك فقد كانت المدرسة البيهقية بنيسابور قبل أن يولد نظام الملك والمدرسة السعدية بنيسابور أيضا بناها الأمير نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود لما كان واليا بنيسابور ومدرسة ثالثة بنيسابور بناها أبو سعد إسماعيل بن علي بن المثنى الإستراباذي الواعظ الصوفي شيخ الخطيب ومدرسة رابعة بنيسابور أيضا
بنيت للأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني وقد قال الحاكم في ترجمة الأستاذ لم يبن بنيسابور قبلها يعني مدرسة الأستاذ مثلها
وهذا صريح في أنه بني قبلها غيرها وقد أدرت فكري وغلب على ظني أن نظام الملك أول من قدر المعاليم للطلبة فإنه لم يتضح لي هل كانت المدارس قبله بمعاليم للطلبة أو لا والأظهر أنه لم يكن لهم معلوم
ونقلت من خط إمام الحرمين في خطبة الغياثي ما قاله يصف نظام الملك سيد الورى ومؤيد الدين والدنيا ملاذ الأمم مستخدم للسيف والقلم ومن ظل ظل الملك بيمن مساعيه ممدودا ولواء النصر معقودا فكم باشر أوزار الحرب وأدار رحى الطعن والضرب فلا يده ارتدت ولا طلعته البهية أربدت ولا عزمه انثنى ولا حده نبا قد سدت مسالك المهالك صوارمه وحصنت الممالك صرائمه وحلت شكائم العدى عزائمه وتحصنت المملكة بنصله وتحسنت الدنيا بأفضاله وفضله وعم ببره آفاق البلاد ونفى الغي عنها بالرشاد وجلى ظلام الظلم عدله وكسر فقار الفقر بذله وكانت خطة الإسلام شاغرة وأفواه الخطوب إليها فاغرة
فجمع الله برأيه الثاقب شملها ووصل بيمن نقيبته حبلها وأصبحت الرعايا في رعايته وادعة وأعين الحوادث عنها هاجعة والدين يزهى بتهلل أساريره وإشراق جبينه والسيف يفخر في يمينه يرجوه الآيس البائس في أدراج أنينه ويركع له تاج كل شامخ بعرنينه ويهابه الليث المزمجر في عرينه
انتهى
وهذا من هذا الإمام الجليل وإن لم يخل عن بعض المبالغة شاهد عدل لعلو مقدار نظام الملك عند هذا الحبر الذي يحتج بكلماته المتقدمون والمتأخرون وعنه انتشرت شريعة الله أصولا وفروعا
وحكى الأمير أبو نصر بن ماكولا قال حضرت مجلس نظام الملك وقد رمى بعض أرباب الحوائج رقعة إليه فوقعت على دواته وكان مدادها كثيرا فنال المداد عمامته وثيابه فاسودت فلم يقطب ولم يتغير ومد يده إلى الرقعة فأخذها ووقع عليها فتعجبت من حلمه فحكيت لأستاذ داره فقال الذي جرى في بارحتنا أعجب كان في نوبتنا أربعون فراشا فهبت ريح شديده ألقت التراب على بساطه الخاص فالتمست أحدهم ليكنسه فلم أجده فاسودت الدنيا في عيني وقلت أقل ما يجري صرفي وعقوبتهم فأظهرت الغضب فقال نظام الملك لعل أسبابا لهم اتفقت منعتهم من الوقوف بين أيدينا وما يخلو الإنسان من عذر مانع وشغل قاطع يصده عن تأدية الفرض وما هم إلا بشر مثلنا يألمون كما نألم ويحتاجون إلى ما نحتاج إليه وقد فضلنا الله عليهم فلا نجعل شكر نعمته مؤاخذتهم على ذنب يسير
قال فعجبت من حلمه
ويحكى عنه من هذا الباب لطائف كثيرة
قلت وفي هذه الحكاية أيضا دلالة على كثرة ما كان فيه من الحشمة لدلالتها على أن نوبة الفراشين عنده أربعون نفسا فإن كان يعمل النوب ثلاثا كعادة السلاطين في بلادنا فيدل على أن له مائة وعشرين فراشا وإن كان يعملها نوبتين كعادة نواب السلطنة والأمراء الكبار فيدل على أن له ثمانين فراشا وهذا أمر عظيم فنائب الشام وهو أعظم نواب سلطان الإسلام في هذا الزمان ليس له غير ستة عشر فراشا كل نوبة ثمانية هذا حاله وحال من قبله من زمان تنكز إلى الآن لا يزيدون على هذا القدر وأكثرهم ينقص عنه وكان من قبل تنكز دونه
ومما يدل أيضا على عظمته وحشمته مع ديانته ما حكي أن الأستاذ أبا القاسم القشيري دخل عليه مرة فوجد بين يديه الجمدارية قد اصطفت ميمنة وميسرة وكانوا ثمانين جمدارا ملبسين أحسن الملابس وكلهم مرد ملاح فقطب الأستاذ ففهم نظام الملك أن الأستاذ أنكر هذه الحالة فقال له يا أستاذ ما في هؤلاء المماليك الثمانين إلا من شراؤه فوق الثمانين ألفا ومع ذلك والله ما حللت سراويلي على حرام قط ولكن حرمة الوزارة والملك تقتضي هذا
فهذه الحكاية تدل على أن له إما مائة وستين جمدارا إن كان يعمل نوبتين أو أكثر إن كان أكثر من نوبتين وإن كان هذا عدد الجمدارية وهم عبارة عن مماليك مردان يكونون مع الملوك في غالب أحوالهم فما يكون عدد مماليكه الذين يعدهم للحرب وكل ذلك خارج عن أجناده المجندة فإن أولئك مضافون إلى السلطان لا إليه وإن كانوا في خدمته ومؤتمرين بأمره
وقد كانت حالته تقتضي أكثر من ذلك فإنه مكث في الوزارة ثلاثين سنة ولم تكن
وزارته وزارة بل فوق السلطنة فإن السلطان جلال الدولة ملكشاه بن ألب أرسلان اتسعت ممالكه فكانت تحت ملكه بلاد ما وراء النهر وبلاد الهياطلة وباب الأبواب وخراسان والعراق والشام والروم والجزيرة فمملكته من كاشغر وهي أقصى مدائن الترك إلى بيت المقدس طولا ومن قرب قسطنطينية إلى بحر الهند عرضا ولم يكن مع ذلك لملكشاه مع نظام الملك غير الاسم والأبهة والتنوع في اللذات وكان مشغولا بالصيد واللذة ونظام الملك هو الآمر المتصرف لا يجري جليل ولا حقير إلا بأمره مستبدا بذلك
ويقال إن نظام الملك أول من فرق الإقطاعات على الجند ولم يكن عادة الخلفاء والسلاطين من لدن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلا أن الأموال كلها تجبى إلى الديوان ثم تفرق العطايا على الأمراء والأجناد على حسب المقرر لهم فلما اتسعت مملكة نظام الملك رأى أن يسلم إلى كل مقطع قرية أو أكثر أو أقل على قدر إقطاعه
قال فإن فيه أنه إذا تسلمها وليس له غيرها عمرها واعتنى بها بخلاف ما إذا شمل الكل ديوان واحد فإن الخرق يتسع ففعل ذلك فكان سبب عمارة البلاد وكثرة الغلات وتناقلته الملوك بعده واستمرت إلى اليوم في بلاد الإسلام وأما بلاد العجم وممالك نظام الملك كلها الآن فما أظنها على هذا الوجه بل تغيرت أحوالها لكثرة التغيرات
وحكى أخوه أبو القاسم عبد الله بن علي بن إسحاق أنه كان بمكة وأراد الخروج
إلى عرفات فأخبره رجل أن إنسانا من الخراسانية مات ببعض الزوايا وأنه انتفخ وفسد ولزم القيام بحقه
قام فمكثت لذلك فرآني بعض من كان يأتمنه نظام الملك على أمور الحاج فقال لي ما وقوفك ها هنا والقوم قد رحلوا فحكيت له القصة فقال اذهب ولا تهتم لأمر هذا الميت فإن عندي خمسين ألف ذراع من الكرباس لتكفين الموتى من جهة الصاحب نظام الملك قال وكان أخي نظام الملك يملي الحديث بالري فلما فرغ قال إني لست أهلا لما أتولاه من الإملاء لكني أريد أن أربط نفسي على قطار نقلة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
قلت وقد سمع الحديث بأصبهان من محمد بن علي بن مهريزد الأديب وأبي منصور شجاع بن علي بن شجاع
وبنيسابور من الأستاذ أبي القاسم القشيري
وببغداد من أبي الخطاب بن البطر وغيره
وأملى ببغداد مجلسين أحدهما بجامع المهدي بالرصافة والآخر بمدرسته وحضر إملاءه الأئمة
وروى عنه جماعة منهم نصر بن نصر العكبري وعلي بن طراد الزينبي وأبو محمد الحسن بن منصور السمعاني وغيرهم
قال أبو الوفاء بن عقيل في الفنون أيامه التي شاهدناها تربي على كل أيام سمعنا بها وصدقنا بما رأيناه ما سمعناه وإن كنا قبل ذلك مستبعدين له ناسبين ما ذكر في
التواريخ إلى نوع تحسين من الكذب فأبهرت العقول سيرته جودا وكرما وعدلا وإحياء لمعالم الدين بنى المدارس ووقف الوقوف ونعش من العلم وأهله ما كان خاملا مهملا في أيام من قبله وفتح طريق الحج وعمره وعمر الحرمين واستقام الحجيج وابتاع الكتب بأوفر الأثمان وأدر الجرايات للخزان
وكانت سوق العلم في أيامه قائمة والنعم على أهله دارة وكانوا مستطيلين على صدور أرباب الدولة أرفع الناس في مجلسه لا يحجبون عن بابه بتوسل بهم الناس في حوائجهم
هذا بعض كلام ابن عقيل
وحكى عبد الله الساوجي أن نظام الملك استأذن السلطان ملكشاه في الحج فأذن له وهو إذ ذاك ببغداد فعبر دجلة وعبروا بالآلات والأقمشة وضربت الخيام على شط دجلة
قال فأردت يوما أن أدخل عليه فرأيت بباب الخيمة فقيرا يلوح عليه سيما القوم فقال لي يا شيخ أمانة توصلها إلى الصاحب
قلت نعم
فأعطاني رقعة مطوية فدخلت بها ولم أنظر فيها حفظا للأمانة ووضعتها بين يدي الوزير فنظر فيها وبكى بكاء شديدا حتى ندمت وقلت في نفسي ليتني نظرت فيها فإن كان ما فيها يسوءه لم أدفعها إليه
ثم قال لي يا شيخ أدخل علي صاحب هذه الرقعة
فخرجت فلم أجده وطلبته فلم أظفر به فأخبرت الوزير بذلك فدفع إلي الرقعة فإذا فيها رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وقال لي (اذهب إلى الحسن وقل له أين تذهب إلى مكة حجك ها هنا أما قلت لك أقم بين يدي هذا التركي وأعن أصحاب الحوائج من أمتي) فرجع نظام الملك
وكان يقول لو رأيت ذلك الفقير حتى أتبرك به قال فرأيته على شط دجلة وهو يغسل خريقات له فقلت له إن الصاحب يطلبك
فقال ما لي وللصاحب إنما كانت عندي أمانة فأديتها
قال ابن الصلاح الساوجي هذا كان خيرا كثير المعروف يعرف بشيخ الشيوخ
وحكى الفقيه أبو القاسم أخو نظام الملك أنه كان عنده ليلة على أحد جانبيه والعميد خليفة على الجانب الآخر وبجنبه فقير مقطوع اليمنى
قال فشرفني الصاحب بالمواكلة وجعل يلحظ العميد خليفة كيف يلاحظ الفقير
قال فتنزه خليفة من مواكلة الفقير لما رآه يأكل بيساره فقال لخليفة تحول إلى هذا الجانب
وقال للفقير إن خليفة رجل كبير في نفسه مستنكف من مواكلتك فتقدم إلي وأخذ يواكله
وحكي عنه أنه كان بهمذان وقدم عليه ابنه مؤيد الملك من بلخ فإنه كان استقدمه لينفذه إلى بغداد حين زوجه فدخل عليه ووقف بين يديه ساعة وقضى للناس حوائجهم فلما أذن المؤذن لصلاة الظهر وتفرق الناس نظر إلى ابنه واستدناه فجعل يقبل الأرض ويدنو فضمه إليه وقبل بين عينيه وقال له يا بني توجه إلى بيتك إلى بغداد في ساعتك هذه
فودعه وقبل يده وسار من ساعته
والتفت نظام الملك إلى من عنده وقد تغرغرت عينه بالدموع وقال إن عيش أحد البقالين أصلح من عيشي يخرج إلى دكانه غدوة ويروح عشية ومعه ما قسم له من الرزق فيجتمع هو وأولاده على طعامه ويسر بقربهم منه وحضورهم معه وهذا ولدي ما رأيته منذ ولد غير أوقات يسيرة وقد نشأ هذا المنشأ وما يظهر على ما عندي من الحنو والشفقة فنهاري بين أخطار وتكلف ومشاق وليلى بين سهر وفكر تارة لتدبير الممالك والبلدان ومن أرتب في كل صقع ومكان وما يخرج لكل واحد من العطاء والإحسان وكيف أرضى هذا السلطان حتى يميل إلي ولا يتغير علي وبأي أمر أدفع شر من يقصدني فمتى يكون لي زمان ألتذ فيه بنعمتي وأستدرك أفعالي بما ينفعني عند لقاء ربي وبكى بكاء شديدا
وقال أبو الحسن محمد بن عبد الملك الهمذاني قدم نظام الملك إلى بغداد مرتين وكان يباكر دار السلطان ويعود من الديوان إذا أضحى النهار فيخلو بنفسه إلى وقت
الظهر ويصلي فيجلس ويحضر الناس ويقرأ بين يديه جزء من الحديث على شيخ كبير عالي السند ويكرمه ويجلسه إلى جانبه ويتكلم الفقهاء في المسائل ويقعد نظام الملك مطأطأ الرأس وهو يسمع جميع ما يجري في المجلس ويسأل الحوائج في أثناء ذلك الوقت ويجيب عنها وينعم بالأموال الطائلة والهبات الجزيلة
ويقال كان يتصدق في بكرة كل يوم بمائة دينار
ولم تبرح أموره على ما شرحناه وفوق ما وصفناه إلى أن خرج مع السلطان من بغداد إلى أصبهان في شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة فأقام بها شهورا فلما انقضى الحر توجها إلى بغداد في شهر رمضان وقد تغير السلطان على نظام الملك بأمور منها ما هو من محاسن نظام الملك وهو تعظيمه لأمر الخليفة وكان نظام الملك يتقرب بذلك إلى الله تعالى
ولما دخل على أمير المؤمنين المقتدي بالله أذن له في الجلوس بين يديه وقال له يا حسن بن علي رضي الله عنك برضا أمير المؤمنين عنك
وكان نظام الملك يستبشر بهذا ويفرح ويقول أرجو أن الله تعالى يستجيب دعاءه
وانضم إلى ذلك أن تاج الملك أبا الغنائم استولى على قلب السلطان وتوصل إلى أن حظي بالمنزلة الرفيعة عنده ولم يكن للسلطان من القدرة أن يعزل نظام الملك لشدة استيلاء نظام الملك على السلطنة
فلما انفصلوا عن نهاوند وعسكروا بجانبها في يوم الخميس عاشر شهر رمضان وحان وقت الإفطار اتفق في ليلته قتل نظام الملك
شرح حال مقتل نظام الملك رحمه الله تعالى
صلى نظام الملك المغرب في هذه الليلة وجلس على السماط وعنده خلق كثير من الفقهاء والقراء والصوفية وأصحاب الحوائج فجعل يذكر شرف المكان الذي نزلوه من أرض نهاوند وأخبار الوقعة التي كانت به بين الفرس والمسلمين في زمان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ومن استشهد هناك من الأعيان ويقول طوبى لمن لحق بهم
فلما فرغ من إفطاره خرج من مكانه قاصدا مضرب حرمه فبدر إليه حدث ديلمي كأنه مستميح أو مستغيث فعلق به وضربه وحمل إلى مضرب الحرم
فيقال إنه أول مقتول قتلته الإسماعيلية المسمون عندنا بالفداوية فانبث الخبر في الجيش وصاحت الأصوات وجاء السلطان ملكشاه حين بلغه الخبر مظهرا الحزن والنحيب والبكاء وجلس عند نظام الملك ساعة وهو يجود بنفسه حتى مات فعاش سعيدا ومات شهيدا فقيدا حميدا
وكان قاتله قد تعثر بأطناب الخيمة فلحقه مماليك نظام الملك وقتلوه
وقال بعض خدامه كان آخر كلام نظام الملك أن قال لا تقتلوا قاتلي فإني قد عفوت عنه وتشهد ومات
قال فمضيت أنا فإذا هو قد قتل ولو قلت لما قبل قولي
ثم اختلفت الأقاويل في الجيش فمن قائل إن الباطنية جهزوا إليه من قتله فإن ابن صباح رأس الباطنية في ذلك الوقت دخل على المستنصر صاحب مصر فأكرمه وأمره أن يدعو إلى إمامته فعاد إلى خراسان ونواحي الشرق يضل الناس وأقام
بقلعة ألموت بناحية قزوين وأظهر الزهد إغواء للناس وتسلم القلعة المذكورة بالجبل فبلغ نظام الملك فأرسل له عسكرا ضايقوه فبعث هو لما علم أنه لا قبل له بنظام الملك من قتل نظام الملك وصار الإقدام على القتل سنة للباطنية واستفحل أمرهم بعد الصاحب وهذا القول هو الأقرب عندي إلى الصحة
ومن قائل إن السلطان هو الذي دس عليه هذا القاتل وذكروا لذلك أسبابا ظهرت على السلطان حاصلها أنه كان بينهما وحشة من قبل أن نظام الملك كان يعظم أمر الخليفة كما قدمناه وكلما أراد السلطان نزع الخليفة منعه النظام وأرسل في الباطن إلى الخليفة ينبهه ويرشده إلى استمالة خاطر السلطان ولم يكن النظام يفعل ذلك إلا تدينا وذبا عن حريم الخلافة وإلا فقد كانت حالته وحشمته إضعاف أحوال الخلفاء
وفي حدود سنة سبعين لما فهم النظام التغير من السلطان على الخليفة أرسل إلى الخليفة وأشار عليه بأن يخطب ابنة السلطان لينسج الود بينهما فخطبها وكان السفير بينهما الشيخ أبو إسحاق الشيرازي صاحب التنبيه فتزوج بها ودخل بها في أول سنة ثمانين وكان عرسا هائلا تناقل أخباره المؤرخون فاستمرت معه إلى سنة اثنتين وثمانين أرسلت إلى والدها تشكو من الخليفة كثرة اطراحه لها فأرسل يطلب بنته منه طلبا لا بد منه فأرسلها الخليفة ومعها ولدها جعفر فذهبت فماتت بأصبهان في ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين
فلما كان شهر رمضان سنة خمس وثمانين توجه السلطان من أصبهان إلى بغداد عازما على تغيير الخليفة وعرف أن ذلك لا يتم له ونظام الملك في الحياة فعمل على قتله قبل الوصول إلى بغداد حسبما شرحناه
وكان من ذنوب نظام الملك عنده غير ما ذكرناه استيلاء أولاده على الممالك وشدة وطأته وأنه بالآخرة ولى ابن ابنه مرو فتوجه إليها ومعه شحنة السلطان فجرى بين شحنة السلطان بمرو وبين ولد نظام الملك ما أغضبه عليه فعمل ابن نظام الملك وقبض على الشحنة فلما بلغ السلطان الخبر غضب وبعث جماعة إلى نظام الملك يعتبه ويوبخه ويقول إن كنت شريكي في الملك فلذلك حكم وهؤلاء أولادك قد استولى كل واحد منهم على إقليم كبير ولم يكفهم حتى تجاوزا أمر السياسة
فأدوا الرسالة إلى نظام الملك
فيقال إنه قوى نفسه وأخذ يجيب بأمور وأنه قال في آخر كلامه إن كان لم يعلم أني شريكه في الملك فليعلم
فاشتد غضب السلطان وعمل عليه الحيلة سنين حتى تمت له في هذه السنة
ويقال إن أول تغيير خاطره عليه من سنة ست وسبعين وممن كان غير خاطره عليه في هذه السنة سيد الرؤساء أبو المحاسن ابن كمال الدين ابن ابي الرضا وهو رجل تقرب إلى خاطر السلطان في هذه السنة أعني سنة ست وسبعين وأربعمائة وكان أبوه كمال الملك يكتب الإنشاء للسلطان وكان أبو المحاسن هذا عنده جراءة فقال للسلطان أيها الملك سلم إلي نظام الملك وأنا أعطيك ألف ألف دينار فإنهم قد أكلوا البلاد
فبلغ ذلك نظام الملك فمد سماطا وأقام عليه مماليكه وهم ألوف من الأتراك وأقام سلاحهم وخيلهم ودعا السلطان فلما حضر قال له إني خدمتك وخدمت
أباك وجدك ولي حق خدمة وقد بلغك أخذي لأموالك وصدق القائل أنا آخذ المال وأعطيه لهؤلاء الغلمان الذين جعلتهم لك وأصرفه أيضا في الصدقات والوقوف والصلات التي معظم ذكرها لك وأجرها لك وأموالي وجميع ما أملكه بين يديك وأنا أقنع بمرقعة وزاوية
فصفا له السلطان وأمر أن تسمل عينا أبي المحاسن ونفذه إلى قلعة ساوة فسمع أبوه كمال الملك الخبر فاستجار بنظام الملك وحمل مائتي ألف دينار وعزل عن الطغراء يعني كتابة السر ووليها مؤيد الملك بن نظام الملك
ومن قائل لم يصف له السلطان باطنا ولكن عرف عجزه عنه
وهذه الحكاية حكاها ابن الأثير وأظن نظام الملك كان أعظم من أن يطلب منه ألف ألف دينار ولعل هذا المبلغ يسير مما يصل إليه كل عام
ثم لم يمتع السلطان بعد قتل نظام الملك ولم يلذ له عيش بل تنكدت أحواله وتعكست أموره
وأما نظام الملك فحمل ميتا إلى أصبهان ودفن هناك بمحلة له
فأما السلطان فاستمر ذاهبا إلى بغداد واستوزر تاج الملك أبا الغنائم وقدم بغداد متمرضا وهي المقدمة الثالثة فإنه لم يعبرها غير ثلاث مرات ووجد المقتدى قد جعل ولده المستظهر بالله ولي العهد فألزمه أن يعزله ويجعل ابن بنته جعفرا ولي العهد وكان طفلا وأن يسلم بغداد له ويخرج إلى البصرة تكون دار خلافته فشق ذلك على الخليفة وبالغ في استعطاف ملكشاه واستنزله عن هذا الرأي فلم يفعل فاستمهله عشرة أيام ليتجهز فقيل إن الخليفة جعل يصوم ويطوي وإذا أفطر جلس على الرماد ودعا على ملكشاه فقوي مرضه ومات
والحاصل أنه بعد نظام الملك لم يمتع بملكه ولم يعش غير شهر واحد وأن الوزير تاج الملك أيضا وكان رجلا خيرا كما سيأتي في ترجمته لم يمتع
ويقال من سعادة ذي المنصب ألا يليه بعده كفو له فصادف أنه ولي مكان نظام الملك فمقته الخلق مع جودته وجرى له ما سنشرحه إن شاء الله تعالى في ترجمته
ووصل الخبر إلى بغداد بوفاة نظام الملك فجلس الوزير عميد الدولة للعزاء وحضر الناس على اختلاف طبقاتهم
ورأى صاحب العدة الحسين الطبري في منامه حين توفي نظام الملك مكتوبا على أديم السماء بالنجوم رفع العدل عن أهل الأرض
ورآه آخر في المنام وهو متوج بتاج مرصع بجوهر قال فقلت له بأي شيء بلغت هذه المنزلة فقال بفضل الله وحده
ومات نظام الملك وله سبع وسبعون سنة
ومن الرواية والفوائد عن نظام الملك
أخبرنا عبد الغالب بن محمد بن عبد القاهر الماكسيني بقراءتي عليه بدمشق أخبرنا عبد المنعم بن يحيى بن إبراهيم الزهري الخطيب أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي المعالي عبد الله بن جامع البناء الصوفي في سنة ثمان وستمائة أخبرنا نصر بن نصر العكبري أخبرنا نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الوزير أخبرنا أبو بكر أحمد ابن منصور بن خلف أخبرنا أبو طاهر بن خزيمة حدثنا محمد بن إسحاق السراج حدثنا
قتيبة حدثنا مالك بن أنس عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم الأنصاري عن أبي قتادة السلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس
قال أبو سعد بن السمعاني قرأت في كتاب سر السرور لصديقنا القاضي أبي العلاء محمد بن محمود الغزنوي أن نظام الملك صادف في سفر رجلا في زي العلماء قد مسه الكلال فقال له أيها الشيخ أعييت أم أعييت فقال أعييت
فتقدم إلى حاجبه بتقديم بعض الجنائب إليه والإصلاح من شأنه وأخذ في اصطناعه
وإنما أراد بسؤاله اختباره فإن عيى في اللسان وأعيى كل وتعب
قال أبو الخير دلف بن عبد الله بن محمد التبان البغدادي سمعت الإمام عبد الرحيم ابن الشافعي القزويني بقزوين يقول دخل أبو علي القومساني على نظام الملك أبي علي الوزير في مرضة مرضها يعوده فأنشأ يقول
فبكى نظام الملك وقال هو كما يقول

  • دار هجر - القاهرة-ط 2( 1992) , ج: 4- ص: 309

نظام الملك، أبو علي، وزير السلطان.

ذكره غير واحد من رواة الحديث: ابن ماكولا، وأبو شجاع شيرويه، وأبو سعد عبد الكريم بن محمد الحافظ.

وكان منبع الجود والإفضال، ذا معدلة وأمانة، وصلاح وديانة، صاحب صفح، وحلم، ووقار، وأناة، وصمت، عامر المجلس بالعلماء وأعلام الدين، مأهول الفناء بالأخيار والصالحين، عالما، جدد بناء الربط والمدارس، ورغب في العلم كل الناس، وأجرى، ووقف على الطلبة والمدرسين، وصنف العلماء باسمه في أساليب الفنون تصانيف تأنقوا فيها فأحسنوا، وأحسن النظر في أمور الرعية، فصفا العيش، وانتفى العيث.

سمع الحديث فأكثر، وروى وأملى بالعراق، وخراسان، وأصبهان، وأران، وسائر البلاد.

وحضر مجلسه الحفاظ وغيرهم، ورغب في السماع منه، والراوية عنه.

روى عن أبي مسلم محمد بن علي الأديب صاحب ابن المقرئ، وأبي حامد أحمد بن الحسن الأزهري، وأبي سهل الحفصي وغيرهم.

كان أولا من أولاد الدهاقين ببيهق وطوس، فلما نشأ علق بشيء من اللغة العربية، وشرع بواسطتها في رسوم الاستيفاء، ولم يزل يطوف والدهر يعلو به وينخفض إلى أن اتصل بالملك ألب أرسلان، ووزر له، ثم لما انتهت السلطنة إليه بوفاة عمه طغرلبك صفى لوزيره الورد، وصار سيد الوزراء، إليه مسائل الحل والإمضاء، وذلك من سنة خمس وخمسين وأربع مئة، ثم لما انقضت أيام ألب أرسلان سنة خمس وستين على تلك الصورة الهائلة قام نظام الملك بتقرير المملكة على ولده ملكشاه، فصار الملك لنظامه حقيقة ومعنى، وللملك اسما ورسما، وجرت على ذلك أمور الممالك والاستعلاء بالسعد عشرين سنة إلى أن بدت عند الكمال مبادي الزوال؛ فوجئ في شهر رمضان بين بغداد وأصبهان سنة خمس وثمانين وأربع مئة، فانحل النظام، وثارت الفتن، ولم يجر بعده جار على ذلك السنن.

ولد سنة ثمان وأربع مئة.

وحكى القاضي أبو العلاء الغزنوي في كتاب “سر السرور “ أن نظام الملك صادف في سفر راجلا في زي العلماء قد مسه الكلال؛ فقال له: أيها الشيخ، عييت أم أعييت؟ فقال: أعييت يا مولانا، فتقدم إلى حاجته بتقديم بعض الجنائب إليه، الإصلاح من شأنه، وأخذ في اصطناعه.

وإنما أراد بسؤاله اختباره، فإن عيي: في اللسان، وأعيى: كل وتعب.

وقال الحسن بن الحسين الأندقي، يحكي عن عبد الله الساوجي أن نظام الملك استأذن السلطان ملكشاه في الحج فأذن له، وهو إذ ذاك ببغداد، فعبر دجلة، وعبروا بالآلات والأقمشة، وضربت الخيام على شط دجلة.

قال: فأردت يوماً أن أدخل عليه، فرأيت بباب الخيمة فقيرا تلوح على جبينه سيما القوم، فقال لي: يا شيخ، أمانة توصلها إلى الصاحب قلت: نعم، فأعطاني رقعة مطوية، فدخلت بها، ولم أنظر فيها حفظا للأمانة، ووضعتها بين يدي الوزير، فنظر فيها، فبكى بكاء كثيرا حتى ندمت، وقلت في نفسي: ليتني نظرت فيها، فإن كان فيها شيء يسوؤه لم أدفعها إليه، ثم قال لي: يا شيخ، أدخل علي صاحب الرقعة، فخرجت، فلم أجده، وطلبته، فلم أظفر به، فأخبرت الوزير بذلك، فدفع إلي الرقعة، فإذا فيها: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، وقال لي: اذهب إلى الحسن، وقل له: أين تذهب إلى مكة؟! حجك ها هنا، أما قلت لك: أقم بين يدي هذا التركي، وأغث أصحاب الحوائج من أمتي، فرجع نظام الملك، فكان يقول لي: لو رأيت ذلك الفقير حتى نتبرك به.

قال: فرأيته على شط دجلة وهو يغسل خريقات له، فقلت له: إن الصاحب يطلبك، فقال: مالي وللصاحب؟ إنما كان عندي أمانة فأديتها.

قال عثمان - هو ابن الصلاح -: هذا معنى ما قال، فإني أبدلت بعض لفظه.

والساوجي هذا كان خيرا، كثير المعروق، يعرف ب: شيخ الشيوخ، ويقف على نظام الملك حتى أنفق عليه وعلى الفقراء باقتراحه في مدة يسيرة قريبا من ثمانين ألف دينار تامة كاملة.

وحكاية الأندقي لذلك عنه يزيدها قبولا.

وحكى أبو سعد، عن أبيه - بما وجده بخطه - أنه سمع الفقيه أبا القاسم أخا نظام الملك يحكي أنه كان عنده ليلة على أحد جانبيه، والعميد خليفة على الجانب الآخر، وبجنبه فقير مقطوع اليمنى، قال: فشرفني الصاحب بالمؤاكلة، وشرع يلحظ العميد خليفة كيف يؤاكل الفقير. قال: فتنزه خليفة من مؤاكلة الفقير لما رآه يأكل بيساره، فقال لخليفة: تحول إلى هذا الجانب، وقال للفقير: إن خليفة رجل كبير في نفسه، يستنكف من مؤاكلتك، فتقدم إلي، وأخذ يؤاكله رحمه الله.

وعن الفقيه الأجل أيضا أنه كان بمكة وأراد الخروج إلى عرفات، فتوقف لميت من الخراسانية، مات في بعض الزوايا ليقوم بتجهيزه، قال: فرآني بعض من كان يأتمنه الصاحب نظام الملك على أمور الحاج، فقال: ما وقوفك ها هنا والقوم قد ذهبوا؟ فقلت: أنا واقف لكذا وكذا، فقال: اذهب، ولا تهتم لأمر هذا الميت، فإن عندي خمسين ألف ذراع من الكرباس لتكفين الموتى من جهة الصاحب.

وقال أبو القاسم عبد الله بن علي بن إسحاق: حكى لي بعض من رآه في المنام فسأله عن حاله، فقال: لقد كاد يعرض علي جميع عملي لولا الحديدة التي أصبت بها، رحمه الله تعالى.

  • دار البشائر الإسلامية - بيروت-ط 1( 1992) , ج: 1- ص: 446

الحسن بن علي بن إسحاق الوزير أبو على نظام الملك.
اشتغل في وزارة السلجوقية قريباً من ثلاثين سنة، وكان أبوه من أولاد الدهاقين، قبر بناحية بيهق وطوس، وإليه كتب إمام الحرمين بالرسالة النظامية، قتلته الباطنية، أتاه شامى في زى صوفى فناوله ورقة فتناوله، فضربه بسكين في فؤاده في رمضان سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وكان مولده سنة ثمان وأربعمائة -وقتل قاتله قتله اللَّه- سمع بعدة بلاد وأملى ببغداد، وبنى عدة مدارس ببغداد وببلخ وهراة وأصبهان والبصرة والموصل ومرو وغيرها، ويقال إن له في كل مدينة بالعراق وخراسان مدرسة، وبعض الناس يظن أن نظام الملك أوَّل من بنى المدارس وليس كذلك فقد كانت البيهقية بنيسابور قبل أن يخلق نظام الملك، والمدرسة السعيدية بنيسابور أيضاً بناها الأمير نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود لمَّا كان والياً بنيسابور، ومدرسة أخرى بنيسابور لأصحابنا بناها أبو سعد إسماعيل بن علي بن المثنى الإستراباذى الواعظ الصوفى من أصحابنا، روى عنه الخطيب وغيره، والمدرسة التي بنيت للأستاذ أبي إسحاق الاسفرائينى قال الحاكم في ترجمة الأستاذ: لم بين بنيسابور قبلها -يعنى مدرسة الأستاذ- قال: وهذا صريح في أنه بنى قبلها غيرها. ويخر ذلك فلعل نظام الملك أول من قرر المعلوم للطلبة. وبنى نظام الملك أيضاً بيمارستان بنيسابور ورباطاً ببغداد، ويقال إنه كان يتصدق في بكرة كل يوم بألف دينار.

  • دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان-ط 1( 1997) , ج: 1- ص: 1