حسان بن مخدوج من أصحاب علي عليه السلام وكان معه يوم صفين وجعل له علي عليه السلام رياسة كندة وربيعة لما عزل عنها الأشعث بن قيس. قال نصر بن مزاحم في كتاب صفين: بلغ أهل العراق مسير معاوية إلى صفين فنشطوا وجدوا، غير أنه كان من الأشعث بن قيس شيء عند عزل علي إياه عن الرياسة، وذلك إن رياسة كندة وربيعة كانت للأشعث فدعا علي حسان بن مخدوج فجعل له تلك الرياسة، فتكلم في ذلك أناس من أهل اليمن منهم الأشتر وعدي الطائي وزحر بن قيس وهانئ بن عروة فقاموا إلى علي فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رياسة الأشعث لا تصلح إلا لمثله! وما حسان بن مخدوج مثل الأشعث فغضبت ربيعة، فقال حريث بن جابر - ما مر في ترجمته - وقال النجاشي في ذلك:
رضينا بما يرضى علي لنا به | وإن كان فيما يأتي جدع المناخر |
وصي رسول الله من دون أهله | ووارثه بعد العموم الأكابر |
رضي بابن مخدوج فقلنا الرضا به | رضاك وحسان الرضا للعشائر |
وللأشعث الكندي في الناس فضله | توارثه من كابر بعد كابر |
متوج آباء كرام أعزة | إذ الملك في أولاد عمرو بن عامر |
فلولا أمير المؤمنين وحقه | علينا لاشجبنا حريث بن جابر |
فلا تطلبنا يا حريث فإننا | لقومك ردء في الأمور الغوامر |
وما بابن مخدوج بن ذهل نقيصة | ولا قومنا في وائل بعوائر |
وليس لنا إلا الرضى بابن حرة | أشم طويل الساعدين مهاجر |
على إن في تلك النفوس حزازة | وصدعا يؤبيه (يوئاه) أكف الجواير |
وغضب رجال اليمينة، فأتاهم سعيد بن قيس الهمداني فقال ما رأيت قوما أبعد رأيا منكم، وتكلم بكلام فيه لوم لهم وقال في آخر كلامه أو هل تجد ربيعة ناصرا من مضر؟ القول ما قال علي والرأي ما صنع فتكلم حريث بن جابر بما مر في ترجمته. فقال حسان للأشعث: لك راية كندة ولي راية ربيعة، فقال معاذ الله لا يكون ذلك أبدا: ما كان لك فهو لي وما كان لي فهو لك. وبلغ معاوية ما صنع بالأشعث. فدعا مالك بن هبيرة فقال: اقذفوا إلى الأشعث شيئا تهيجونه على علي، فدعوا شاعرا لهم فقال هذه الأبيات، فكتب بها مالك بن هبيرة إلى الأشعث وكان له صديقا وكان كنديا:
من كان في القوم مثلوجا بأسرته | فالله يعلم إني غير مثلوج |
زالت عن الأشعث الكندي رياسته | واستجمع الأمر حسان بن مخدوج |
يا للرجال لعار ليس بغسله | ماء الفرات وكرب غير مفروج |
إن ترض كندة حسانا بصاحبها | ترضى الدناة وما قحطان بالهوج |
هذا لعمرك عار ليس ينكره | أهل العراق وعار غير ممزوج |
كان ابن قيس هماما في أرومته | ضخما يبوء بملك غير مفلوج |
ثم استقل بعار في ذوي يمن | والقوم أعداء يأجوج ومأجوج |
إن الذين تولوا بالعراق له | لا يستطيعون طرا ذبح فروج |
ليست ربيعة أولى بالذي حذيت | من حق كندة حق غير محجوج |
فلما انتهى الشعر إلى أهل اليمن قال شريح بن هانئ: يا أهل اليمن! ما يريد صاحبكم إلا إن يفرق بينكم وبين ربيعة، وان حسان بن مخدوج مشى إلى الأشعث بن قيس برايته حتى ركزها في داره، فقال الأشعث: إن هذه الراية عظمت على علي! وهي والله أخف علي من زف النعام، ومعاذ الله إن يغيرني ذلك لكم. فعرض عليه علي بن أبي طالب إن يعيدها إليه فأبى وقال: يا أمير المؤمنين! إن يكن أولها شرفا فليس آخرها بعار. فقال له علي: أنا أشركك فيه فقال له الأشعث: ذلك إليك. فولاه على ميمنته وهي ميمنة أهل العراق. والأشعث كان من أعداء أمير المؤمنين وكان رئيس كندة وربيعة كما سمعت، فلم يشأ أمير المؤمنين إن يبقي له هذه الرياسة لما يعلم من عداوته، فجعلها لحسان بن مخدوج. وهذا يدل على مكانة حسان وإخلاصه، فلما غضبت اليمنية تعصبا للأشعث أراد الأشتر وعدي وهانئ، وهم من خلص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام تدارك الأمر، فقالوا ما سمعت وأشاروا برد الرياسة إلى الأشعث فغضبت ربيعة عشيرة حسان بن مخدوج لتفضيل هؤلاء الجماعة الأشعث عليه وقولهم إن رياسة ربيعة وكندة لا تصلح إلا له وعرض حسان على الأشعث إن تكون رياسة ربيعة عشيرة حسان لحسان ورياسة كندة عشيرة الأشعث للأشعث، فلما لم يقبل جاء بالراية إلى دار الأشعث فركزها فيها لتكون له الرياسة كلها أرضاء له، وهذا يدل على إخلاص حسان وتقديمه المصلحة العامة على مصلحته الخاصة. وقول الأشعث: إن هذه الراية عظمت على علي وهي والله أخف علي من زف النعام، يدل على موجدة كانت في نفسه من ذلك. ثم تلافى الأمر أمير المؤمنين عليه السلام فولى الأشعث على ميمنة أهل العراق، وبقيت رياسة القبيلتين لحسان. (واعلم) إن الشيخ في رجاله، كما ستعرف، ذكر في أصحاب علي عليه السلام حسان بن مخزوم، ولم يذكر هذا، والمظنون أنه قد صحف مخدوج بمخزوم، وان المذكور في كلام الشيخ هو هذا، وان ابن مخزوم لا وجود له، ولا يمكن إن يكون صحف مخزوم بمخدوج للتصريح في الأبيات السابقة بأنه ابن مخدوج.