التصنيفات

حاضر صاحب عيسى بن زيد كان من الزيدية المتصلبين ومن خواص أصحاب عيسى بن زيد في عمدة الطالب: كان حاضر وزير عيسى بن زيد والمطلوب به وأعظم أصحابه وفي مقاتل الطالبين أن المهدي بلغه خبر دعاة ثلاثة لعيسى بن زيد وهم ابن علاق الصيرفي وحاضر مولى لهم صباح الزعفراني فظفر بحاضر فحبسه وقرره ورفق به واشتد عليه ليعرفه موضع عيسى فلم يفعل فقتله. وفيه أيضا سنده القاسم بن مهروية عن محمد بن أبي العتاهية عن أبيه قال: لما امتنعت عن قول الشعر وتركته أمر المهدي بحبسي في سجن الجرائم فأخرجت من بين يديه إلى الحبس فلما أدخلته دهشت فذهب عقلي ورأيت منظرا هالني فرميت بطرفي أطلب موضعا آوي إليه أو رجلا آنس بمجالسته إذا أنا بكاهل حسن السمت نظيف الثوب بين عينيه سيماء الخير فجلست إليه من غير أن أسلم عليه أو أسأله عن شيء من أمره لما أنا فيه من الجزع والحيرة فمكثت كذلك وأنا مطرق أفكر في حالي فأنشد الرجل هذين البيتين فقال:

وصيرني يأسي من الناس واثقا=يحسن صنيع الله من حيث لا أدري
فاستحسنت البيتين وتبركت بهما وثاب إلى عقلي فأقبلت على الرجل فقلت له: تفضل أعزك الله بإعادة هذين البيتين فقال لي: ويحك يا إسماعيل ولم يكنني ما أسوأ أدبك وأعقل عقلك ومروءتك دخلت إلي ولم تسلم علي بتسليم المسلم على المسلم ولا توجعت إلي توجع المسلي للمبتلي ولا سألتني مسألة الوارد على المقيم حتى إذا سمعت مني بيتين من الشعر الذي لم يجعل الله فيه خيرا ولا أدبا ولا جعل لك معاشا غيره لم تتذكر ما سلف منك فتتلافاه ولا اعتذرت مما قدمته وفرطت فيه من الحق حتى استنشدني مبتدئا كأنه بيننا أنسأ قديما ومعرفة سالفة وصحبة تبسط المنقبض! فقلت له: تعذرني متفضلا فإن دون ما أنا فيه يدهش، قال: وفي أي شيء أنت إنما تركت قول الشعر الذي كان جاهل عندهم وسبيلك إليهم فحسبوك حتى تقول: وأنت لا بد من أن تقول فتنطلق، وأنا يدعى بي الساعة فأطالب بإحضار عيسى بن زيد بن رسول الله (ص) فإن دللت عليه فقد لقيت الله بدمه وكان رسول الله (ص) خصمي فيه وإلا قتلت فأنا أولى بالحيرة منك، وأنت ترى احتسابي وصبري فقلت: يكفيك الله وأطرقت خجلا منه فقال لي: لا أجمع عليك التربيخ والمنع أسمع البيتين وأحفظهما فأعادهما علي مرارا حتى حفظتهما ثم دعي به وبي فلما قمنا قلت: من أنت أغزك الله؟ قال: أنا حاضر صاحب عيسى بن زيد فأدخلنا على المهدي فلما وقف بين يديه قال له: أين عيسى بن زيد قال: ما يدريني أين عيسى، طلبته وأخفته فهرب منك في البلاد وأخذتني فحبستني فمن أين أقف على موضع هارب منك وأنا محبوس، فقال له: فأين كان متواريا ومتى آخر عهدك به وعند من لقيته؟ قال:ما لقيته منذ توارى ولا أعرف له خيرا، قال: والله لتدلني عليه أو لأضربن عنقك الساعة، قال: اصنع ما بدا لك أنا أدلك على ابن رسول الله (ص) لتقتله فألقى الله ورسوله وهما مطالبان لي بدمه والله لو كان بين ثوبي وجلدي ما كشفت عنه قال: اضربوا عنقه فضربت عنقه. ثم دعاني فقال: أتقول الشعر أو ألحقك به فقلت: يل أقول الشعر فقال: أطلقوه قال محمد بن القاسم بن مهرويه والبيتان اللذان سمعهما حاضر في شعره الآن. وقد روى هذا الخبر ابن مهرويه فذكر أن حاضرا كان داعية أحمد بن عيسى بن زيد وأن قصته هذه مع أبي العتاهية كانت في أيام الرشيد وإن الرشيد بسبب أحمد بن عيسى بن زيد ومطالبته إياه بإحضاره أو الدلالة عليه قتله والأول عندي أصح ’’ انتهى المقاتل’’ومر ذلك في ترجمة أحمد. وفي كتاب الفرج بعد الشدة للقاضي التنوخي أنشدني بعض أصحابي معهما بيتا آخر يقول:
قال: ووجدنا على مسطرة علي بن أحمد المشهور وبالمالكي بيتا رابعا هو:
وفي عمدة الطالب أنه لما توفي عيسى بن زيد أوصى إلى حاضر بابنه أحمد ويزيد وهما طفلان فأخذهما حاضر وجاء بهما إلى باب الهادي موسى بن محمد بن المنصور فقال للحاجب: استأذن لي علي أمير المؤمنين قال: ومن أنت قال: حاضر صاحب عيسى بن زيد فتعجب الحاجب من ذلك وظن أنه يكذب فقال له: ويحك قد والله عرضت نفسك للهلاك إن كنت حاضرا وإن لم تكن حاضرا وكنت صاحب حاجة تريد قضاءها بالدخول إلى أمير المؤمنين فبئس الوسيلة أن تدعي أنك حاضر فقال: أنا حاضر صاحب عيسى بن زيد فقال الحاجب: هذا والله العجيب يجيء الحاضر إلى باب الهادي وكان يهرب منه ودخل إلى الهادي متعجبا فقال له الهادي: ما وراءك؟ قال: إن بالباب رجلا يزعم أنه حاضر يستأذن في الدخول عليك فتعجب الهادي من ذلك وأمر بإدخاله فدخل وسلم فقال له الهادي: أنت حاضر؟ فقال: نعم قال: ما جاء بك؟ قال: أحسن الله عزاءك في ابن عمك عيسى بن زيد فنهض الهادي من دسته إلى الأرض وسجد طويلا ثم رجع إلى مكانه فقال الحاضر: يا أمير المؤمنين إنه ترك طفلين ولم يترك عندهما شيء وأوصاني أن أسلمهما إليك فأمر الهادي فأدخلا عليه فوضعهما على فخذيه وعفى عن حاضر وقال: إنما كنت أحذرك لمكان عيسى فأما الآن فقد عوت عنك فأمر له بجائزة فلم يقبلها اه. وأنت ترى ما بين هذه الروايات من الاختلاف الكثير فرواية المقاتل تدل على أن المهدي قتل حاضرا ورواية عمدة الطالب تدل على أنه لم يقتله المهدي وأنه بقي إلى زمان موسى الهادي فعفا عنه. ثم أن الرواية اختلفت في الذي أخبر بوفاة عيسى بن زيد وجاء بابنه ففي إحدى روايتي المقاتل أن الذي أخبر المهدي بذلك وجاء بابني عيسى إليه هو صباح الزعفراني وفي الرواية الأخرى أن الذي أخبر المهدي بذلك وجاء بابني عيسى هو ابن علاق الصيرفي ويأتي ذكر هاتين الروايتين في ترجمة الحسن بن صالح بن حي وفي رواية عمدة الطالب المتقدمة أن الذي أخبر بموت عيسى هو حاضر وأن المخبر بذلك هو موسى الهادي لا المهدي وأنه إلى الهادي جاء حاضر بابني عيسى لا المهدي. والرواية الأخرى التي لم يصححها أبو الفرج أن حاضرا كان داعية أحمد بن عيسى في زمن الرشيد.

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 4- ص: 379