السيد جواد ويقال محمد الجواد ابن السيد حسن ابن السيد محمد ابن السيد محمد الجواد صاحب مفتاح الكرامة ابن محمد الثاني ابن محمد الأول الملقب بالطاهر ابن السيد أبي الحسن موسى ابن السيد حيدر ابن إبراهيم بن أحمد بن قاسم الحسيني الحلي العاملي النجفي
ولد بالنجف الأشرف سنة 1282 وتوفي بالنجف في ذي القعدة الحرام سنة 1318 بالحمى التي فتكت بالناس فتكا ذريعا في ذلك العام حتى بلغت الجنائز في اليوم الواحد الأربعين من أهل النجف وله من العمر 36 سنة وشيع جنازته جمع عظيم ودفن في الصحن الشريف في الحجرة المدفون بها أبوه وجده وأبو جده وأقيم له مجلس الفاتحة والترحيم في النجف قام به عمه السيد حسين ورثاه الشعراء ولما ورد نعيه إلى جبل عامل رثاه الشعراء العامليون.
كان من أهل العلم والفضل فرغ من النحو والصرف والمنطق وعلوم البلاغة واشتغل بالأصول والفقه. وكان حاذقا فطنا لبيبا لسنا فصيحا تقيا سخيا شجاعا مقداما عالي النفس أبيها رفيع الهمة كريم الطبع جامعا لصنوف الكمالات متميزا من بين أبناء زمانه بمحاسن الصفات. جمع بالتماس بعض الفضلاء رسالة في أحوال جده سماها مرآة الفضل والاستقامة في أحوال مصنف مفتاح الكرامة واستوفى فيها جميع أحواله مع تمام التثبت في النقل وكنت أساعده على جمعها. وتحلف ببنت واحدة.
مراثيه
قال السيد عبد الحسين آل نور الدين العاملي النباطي يرثيه ويعزي عنه عمه السيد حسين والمؤلف:
من جب غارب هاشم وسنامها | واجتث دوحتها وفل حسامها |
من غال أسد الغاب في أغيالها | من دك من هضب العلا أعلامها |
من ابرز العليا بثوب حدادها | ثكلى وألوى من لؤي هامها |
أوليس غال الحتف بدر ظلامها | وسنامها وحسامها وهمامها |
مطعإنها مطعامها مقدامها | قمقامها صمصامها ضرغامها |
خطب رمى قلب الهدى بفجيعة | دهت الأنام ونكست أعلامها |
نقضت يد الأقدار عزمك بعدما | قد كان عزمك ناقضا إبرامها |
قادتك كف الدهر قسرا بعدما | ألقت إليك يد القضاء زمامها |
لو كان يدفع عنك طارقة الردى | قرع الطلى ويرد عنك حمامها |
لسرت أمامك أسرة مضرية | بصوارم يخشى القضاء صدامها |
آساد كل كريهة لكنها | تخذت بمشتبك القنا آجامها |
متسربلين بكل داوودية | ولها مثار النقع حاك لثامها |
لكنها الأيام تجري بالذي | أجرت به أيدي القضا أقلامها |
يا بدر تم كيف عاجله الردى | وبرت له كف المنون سهامها |
كانت بنو العليا بنورك تهتدي | من بعد خسفك من يشق ظلامها |
كانت إذا ما المشكلات عرينها | تجلو بثاقب فكره إبهامها |
الله في مقل قلت طيب الكرى | وجدا عليك فلن تذوق منامها |
تبكيك عين المجد يا إنسانها | وصفاح بيض الهند يا صمصامها |
نثرت عليك المكرمات دموعها | إذ كنت حلية جيدها ونظامها |
فلأبكين عليك ما هبت صبا | حزنا وأسعد في الغصون حمامها |
أبكي الجواد لحلبة العليا التي | فيها الجياد جرت فكان إمامها |
قد كنت سابقها فحزت رهانها | من بعد يومك من يثير قتامها |
أبكيك للوفاد تلتمس الندى | تطوي المهامة سهلها وأكامها |
أولست وأبلها إذا سحب الحيا | ضنت فبعدك من يبل أوامها |
لامت أميم تفجعي أو ما درت | إن لا أعي تعنيفها وملامها |
أوليس حامي الجار قوض ظاعنا | بنجائب ملك الحمام زمامها |
كنا نؤمله منار هداية | يجلي إذا دهت الخطوب عظامها |
لكنها الأقدار وهي غوالب | تجري على ما تشتهي أيامها |
يا ظاعنا تخذ المكارم والتقى | زادا وأسعر في القلوب ضرامها |
واختار في الفردوس أزهى روضة | بشرا به قد فتقت أكمامها |
فهناك من تسنيمها ورحيقها | راح مصفقة فضضت ختامها |
يا تربة حوت المكارم والتقى | يا ليت أحشائي تقوم مقامها |
أضريحه ولانت أكرم بقعة | بك أغمدت عليا نزار حسامها |
حياك منهل الحيا وبنو الورى | قصرت عليك صلاتها وسلامها |
إن غاب كوكبه فذا بدر الهدى | باد به تجلو الأنام ظلامها |
أعني الحسين وخير أبناء الورى | وسنادها وعمادها وعصامها |
تيارها مغوارها ومنارها | وزعيمها وكريمها وأمامها |
من راض جامحة الفخار ولم تكن | تلقي لغير يد الحسين خطامها |
الممطر السنة الجماد براحة | فضحت بدلاح النوال غمامها |
وزعيم أكرم أسرة من هاشم | ضربت على هام الضراح خيامها |
ساسوا الورى أكرم بهم من ساسة | كفلوا العلوم فاحكموا إحكامها |
علماءها حكماءها حلماءها | أدباءها كرماءها وكرامها |
يهدي الأنام بهديهم وبعلمهم | عموا البلاد عراقها وشآمها |
أبياتهم حرم أقام عمادها | لهم الذي سمك السما و أقامها |
فهم هداة للأنام ومنهم | عرف الأنام حلالها وحرامها |
كأبي محمد المشيد بنا العلا | إن ثل جانبها أقام دعامها |
يجري بمضمار الفخار إلى العلا | طلقا وكم عزت على من رامها |
(المحسن) الندب الهمام أخا الندى | ليث الشري غيث الورى مقدامها |
كالليث في وثباته وثباته | في الروع يعدل يذبلا وشمامها |
آراؤه كالشهب ما بزغت على | شبه دجت إلا جلت إظلامها |
علم كمتلطم العباب ومقول | ذرب وحلم يستخف آكامها |
لا زلتم غوث الصريخ ونجعة | العافي وقطب رحى العلا وسنامها |
وسقى ضريحا ضم جوهرة التقى | وعماد أبناء الورى وهمامها |
سكر الشباب وحرص الشيب والأمل | ضلت بنا عندها الغايات والسبل |
كم مدلج سادر في فجها فمضى | تهوي به في المهاوي الأينق البزل |
أو طالب منهلا يروي الغليل به | فآب ظمآن لم تبرد له غلل |
وأوردته سرابا من مناهلها | فراح لا العل يرويه ولا النهل |
يمضي على الغي مفتونا بزبرجها | عجلان أدنى سراه الوخد والرمل |
ضلت مساعيك يا من راح يطلبها | الو السرى قبل إن يلوي بك الأجل |
ولا يغرنك أقوام لها درجوا | على الضلال فان القوم ما عقلوا |
ساروا على جهلهم اثر الهوى عنقا | في مهمة جف منه الري والبلل |
فأمهد لنفسك ما دام الحراك بها | من قبل إن تقبض الأبصار والمقل |
تلك القرون المواضي قبلنا درجت | على المنون وفيها يضرب المثل |
فاضرب بطرفك في الدنيا وغابرها | تخبرك عن ساكنيها الأعصر الأول |
جار الزمان عليهم فاغتدوا رمما | وكلهم من حياض الموت قد نهلوا |
آثارهم درستها السافيات فما | فيها لهم علم باق ولا طلل |
تهافتوا من ذرى أعلام عزهم | قسرا ولم تحمهم بيض ولا اسل |
نجب الليالي جرت فيهم بحلبتها | يحدو بها في السرى الإشراق والطفل |
طورا ذميلا وطورا سيرهم عنقا | حتى إذا بلغوا غاياتهم نزلوا |
من بعدهم يأمل البقيا بدار فنا | هيهات ضل بما حاولته الأمل |
إنا ونحن ظلال من حقائقنا | والظل إن قابلته الشمس ينتقل |
أو كالخيال بدار الوهم مسرحه | يمتد سانحه ما الوهم متصل |
أو سانح الطيف يبقى ما استمر على | رقاده في الدياجي الراقد الثمل |
ما أسرع الموت إن تبدو طلائعه | على النفوس وعنها ضلت الحيل |
هذا الجواد وقد كنا نؤمله | ظلا على حين لا فئ ولا ظلل |
ناداه داعي القضا فانصاع ممتثلا | وكل حي لداعي الموت ممتثل |
مستحكم الرأي ما في رأيه خطل | وصادق القول ما في نطقه زلل |
كشاف داجية عن كل معضلة | عن العلى وظلام الشك منسدل |
مصمم العزم لم تحلل له عقد | وقاصد السعي لا وان ولا عجل |
انف حمي على الأيام لا ضرع | بالمجد مؤتزر بالفضل مشتمل |
ما شنفت سمعه السؤال يوم ندى | إلا وأعطاهم فوق الذي سألوا |
ويح النوائب ما هذا الذي صنعت | راحاتها لا عدا راحاتها الشلل |
خطب أطل على الدنيا بقارعة | للحشر في مسمع الدنيا لها زجل |
ويل أمها نكبة في الدهر طارقة | جلى على مثلها لا تبرك الإبل |
يا ابن الأكارم مذ قوضت مرتحلا | فالهم ثاو وصفو العيش مرتحل |
لا ساخطا للقضا أبكي ولا جزع | من المصاب ولا من وقعه وجل |
لكن قلبي أذابته حرارته | وجدا عليك فراح الدمع ينهمل |
ما كنت أحسب إن ألقاك منعفرا | لم يبق فيك لراجي حاجة أمل |
ما كنت أحسب إن ألقاك في ملأ | من الرجال على الأعناق تحتمل |
قد كنت للدهر حلي الجيد من عطل | لما تخليت عنه جيده عطل |
أبا محمد لا أودى بك الوجل | ولا غدا لعلا في ثكلك الثكل |
إن يعجم الدهر عودا منك عن حنق | فالرمح ينآد حينا ثم يعتدل |
عهدي بعزمك والاقدار نافذة | امضى من العضب ما في حده فلل |
عهدي بحلمك والأحلام طائشة | عند الهزاهز طود راسخ جبل |
قد ينكب الليث ذو الأشبال آونة | من الليالي وفيها يسلم الوعل |
والكسف للشمس من دون النجوم وما | أربى على قدرها المريخ أو زحل |
لئن دهاك مصاب لا يقوم به | صبر وكل مصاب عنده جلل |
فقد رأيناك فرد الناس واحدها | عند الهزاهز لا نكس ولا وكل |
إذا رأتك العلا هزت معاطفها | واعتادها طرب في طيه جذل |
هذي مساعيك في العلياء قد بزغت | شمسا لها في ذرى آفاقها شعل |
يسابق القول منك الفعل والعمل | طبعا وحظ سواك القول لا العمل |
لم نلف بين الورى للمجد مأثرة | إلا وبرجك في آفاقها الحمل |
تجلل المرمل الضاحي بمجهلة | أمنا إذا جد فيه الكرب والوهل |
وتستحل دماء البدن في حرم | يوم النوال إذا ما أستاسد البخل |
إن جاذبتك الليالي السود منصلتا | عضبا تدق به الخرصانة الذبل |
ها إن (محسن) أهل الفضل سيدها | وأكمل الناس فيه يرتق الخلل |
فيه السلو إذا ما رمت تسلية | وإن تفاقم ذاك الحادث الجلل |
فصل القضايا إلى لألاء فكرته | إن أشكلت في الورى واستنوق الجمل |
ما لف بردته إلا على كرم | وهمة بمناط النجم تتصل |
حلم عريض الحواشي ليس يهتكه | ذنب المسيء إذا اودى به الزلل |
يزداد ذنبا على ذنب فيوسعه | عفوا على سيئات الدهر ينسدل |
طول المقام دعاني إن أقصر في | ندب به يحمد التفصيل والجمل |
ولا عدا من سحاب العفو غيث حيا | قبرا به قد أقام العلم والعمل |
تضعضع ركن المجد واندك جانبه | غداة عليك المجد عجت نوادبه |
وصوح روض العز والفخر والندى | وسدت على راجي النوال مذاهبه |
فلا العيش يحلو طعمه بعد هذه | ولا هو طول الدهر تصفو مشاربه |
رحلت نقي الثوب من كل وصمة | وخلفت ربع العلم قفرا جوانبه |
لأنت الردى القتال والسم للعدى | فلم منك يدمى نابه ومخالبه |
لقد قل إن أبكيك بالدمع جاريا | ولكن دما يجري من القلب ساكبه |
أيا طالب المعروف غرب نجمه | واظلم من أفق الإضاءة ثاقبه |
عجبت لدهر لا تزال صروفه | تدور على أبنائه ومصائبه |
مضى القائل الفعال ما زال صادقا | بمقوله إذ أصدق القول كاذبه |
جواد له الغايات في كل مطلب | سبوق إذا أعيا عن السبق طالبه |
مضى عاطر الأردان طيبا ولم تمت | مآثره عمر المدى ومناقبه |
فأي قنا للدين حطمه الفنا | وعضب صقيل الحد فلت مضاربه |
وبدر أضاء الأفق والليل دامس | فأشرق حتى نظم الجزع ثاقبه |
وكنا نرجيه عمادا ومنعة | وذخرا إذا ما الدهر نابت نوائبه |
عجبت لقبر ضم جودك والندى | وقد ضاق منه السهل وانسد جانبه |
لقد غيبوا تحت الثرى منك صارما | وبحر ندى يستعذب الورد شاربه |
لمن يلتجي المكروب إن لم يجد حمى | سواك وقد ضاقت عليه مذاهبه |
لئن غاب عن أفق العلا نجم سعده | فقد أصبحت بالبدر تزهو جوانبه |
فهذا (حسين) للعلا خير كافل | فمن ذا يدانيه ومن ذا يقاربه |
همام إليه الدهر ألقى زمامه | وفي بابه المعروف حطت ركائبه |
فصبرا زعيم الخلق فالصبر بلغة | ومن يدرع بالصبر تحمد عواقبه |
فغيرك مغلوب على حسن صبره | ولا خطب إلا أنت بالصبر غالبه |
فأنت ثمال المجتدين ومن به | يرد جماح الخطب إن ناب نائبه |
وأنت الذي لم يملك الحلم غيره | ولا كذبته في الزمان تجاربه |
رزيت بذي مجد عديم نظيره | فعمت جميع العالمين مصائبه |
لئن غاب عنا شخصه إن ذكره | تسيره في كل قطر ركائبه |
فكم فيكم من (محسن) شاد في سما | المعالي مقاما لم تنله كواكبه |
محا ظلمات الجهل مصباح علمه | ومدت على هام السماك مضاربه |
أخو ثقة ما نام عن طلب العلا | ولا هو ممن لان للذل جانبه |
وهاد به تجلى الغياهب إن دجت | فهمته كسب العلا ومآربه |
تعزوا بني العز الكرام لقادح | تناهبت الصبر الجميل مصائبه |
لقد طبتم أصلا فطابت فروعكم | فأنتم من الأصل الزكي أطائبه |
أصبتم (فمفتاح الكرامة) والهدى | كنوزا بها قد أدرك الرشد طالبه |
بقيتم مدى الأيام كهفا وملجأ | يزاح بكم داجي الردى وغياهبه |
فدوموا بعز ما تغنت حمامة | ولا طرقتكم بعد هذي نوائبه |
ولا زال هطال من الغيث ساجما | تسح على رمس الجواد سحائبه |
جب للمجد غاربا وسناما | فادح أوسع القلوب احتداما |
روعة للحمام غادرت الناس | حيارى كمن أصاب الحماما |
نبأ اشغل العيون بكاء | من دواهيه و القلوب اضطراما |
أي رزء أذكى وأقذى قلوبا | وعيونا تزفرا وانسجاما |
إن يوما به أصيب جواد | المجد بالروع روع الأياما |
مفردا بالعراق طبق رعبا | يوم أودى عراقها والشآما |
غاله غائل الردى وعجيب | كيف ألقى صعب القياد الزماما |
يا عظيم المصاب خطبك بعد | اليوم قد هون الخطوب العظاما |
غالك الخسف بعد ما رحت تزهو | في سماء الكمال بدرا تماما |
مذ أتى ما أتى بفقدك راحت | من جوى راحتي لقلبي التزاما |
كنت روح الكمال إنسان عين | المجد بحر الندى ثمال اليتامى |
بالجواد الجواد أثكلنا الدهر | إلى ما تبقى النفوس إلى ما |
ما نرى العيش يعده غير سؤر | غادرته أفعى الخطوب سماها |
قل لريب المنون دونك فاقصد | من تشأ لم تزد بنا الآلاما |
ما نبالي بعد الجواد لرزء | لا ولا نختشي الخطوب إذا ما |
يا هلالا طوته أيدي الليالي | وعلينا أسى نشرن الظلاما |
بك كان الزمان يشرق بشرا | والمعالي تفتر عنك ابتساما |
كم قلوب أشجت نواك وقبلا | كنت بردت بالنوال الأوأما |
كيف يا طود هاشم لك يرقى | فادح والخطوب عنك تحامى |
ما درى يا قريعها بك إن لو | شئت انقضت للردى الإبراما |
أو ما راعه خطير مقام | لك يثني إقدامه أحجاما |
ليت شعري فاجأ علاك اغتيالا | أم خداعا حتى أصاب المراما |
أم أتى سائلا فجدت بأسنا | ما تراه لمثله إنعاما |
ومعاليك لو أرادك قسرا | أو تراءى يبغي علاك اختراما |
لا راعته مقدما إن تراه | رعدة منك تزلق الأقداما |
قل لأبناء هاشم والمعالي | إن تخمشي الوجوه الوساما |
إن يكن فقده أهاض قلوبا | واحتسينا نواه داء عقاما |
فلنا خلفه شموس كمال | بسناها أضاءت الأياما |
قد لجأنا من حادثات الليالي | للحسين السامي علا ومقاما |
المقيل العثار من كل خطب | والمقيم الفخار حيث أقاما |
ما وهى جانب العلا وبماضي | عزمه المنتضي أقام الدعاما |
وبعليا محمد وعلي | أصبح الكون ثغره بساما |
علما مفخر وبدرا كمال | بهما الله أيد الإسلاما |
فلكل آيات فضل إذا ما | بعضها عد يعجز الأقلاما |
بلغا غاية الكمال وكل | في معاليه جاوز الأوهاما |
من ترى منهما ترى طود حلم | مستخفا أطوادها أحلاما |
يقتفي شرعة النبي مبينا | للبرايا حلالها والحراما |
مستنابا عن صاحب الأمر | بالأمر ومنه يبلغ الأحكاما |
صادعا يقتفي المحجة يرعى | الدين منه بمقلة لن تناما |
ينحت الحكم بالدليل يقينا | فيزيل الشكوك والإبهاما |
وكذا (محسن) الفعال ترقى | في المعالي حتى تدري السناما |
من يجاريه في المفاخر شأوا | وهو قد أحرز المعالي غلاما |
يا بني هاشم وأي فخار | ما سبقتم بكسبه الأقواما |
لكم المجد حادثا وقديما | فتراثا أحرزتم واغتناما |
أنتم سلوة الورى عن فقيد | سار لكن على النعيم أقاما |
أنتم قدوة الأنام وملجأ الناس | حيث الردى أراش السهاما |
عرفتكم قلوبها ولهذا | أكبرتكم نفوسها أعظاما |
أنتم مفزع الورى وظلال الأمن | رحتم لنا هدى واعتصاما |
جمع الله فيكم كل فضل | فغدوتم للناس كلا إماما |
وحدا عارض السحاب لقبر | حل فيه شخص الجواد النعامى |
فكساه من الرياض برودا | تزدهي جدة به أعواما |
أيعلم الدهر ما ذا صرفه اجترما | بما جناه ومن ذا بالردى اخترما |
غداة جاء بها دهياء داهية | لم يلق في مثلها عادا ولا أرما |
جلت فجللت الدنيا بداجية | سدت فضاء الفضا ظلماؤها ظلما |
عمت بني الدهر حزنا حيث خص بها | من غالب أسرة أوفى الورى ذمما |
فكم طوت مهجة بالوجد مذ نشرت | للحزن في الكون ما بين الورى علما |
وأنطقت أعينا بالدمع منسكبا | وأخرست بالجوى من ذا الأنام فما |
خطب أراش سهاما بالعراق فلم | يخطئ حشى عامل مرماه حين رمى |
أدمى قلوب الورى حزنا وأعينها | بالوجد مضطرما والدمع منسجما |
فلن ترى في الورى إلا أخا شجن | يدمي الجوى قلبه أو مطرقا وجما |
أو ممسكا مهجة طار الزفير بها | أو مرسلا مدمعا من مقلتيه همى |
يوم الجواد ملأت الأرض من أسف | حزنا وأحشاء أبناء الورى ضرما |
فتى أفاضت له عين الأنام دما | كما أفاض لها سحب الندى ديما |
إن واصلت سهدها فيه فلا عجب | أو قاطعت نومها فيه فلا جرما |
فإنها فقدت منه قريع وغى | وصارما للأعادي باترا خذما |
أعصمة الخائف الملهوف بعدك من | يكون أمنا لذي خوف ومعتصما |
ويا حمام العدى كيف الحمام رقى | لمجد علياك مرقى منه ما استنما |
عهدي بعزمك يخشى الحتف سطوته | فكيف قدم يمشي نحوه القدما |
لكنه جاء يستجديك مختدعا | فجدت بالنفس مرتاحا بها كرما |
لقد رزئناك دفاع الخطوب إذا | ما أصبحت تلد الروعات والغمما |
وقد فقدناك تردي في وغى وندى | عن الورى القاتلين الخوف والعدما |
ومذ رحلت عن الدنيا أقمت بها | مآتما لك تشجي العرب والعجما |
فالجود يبسط غرب الدمع منهمرا | والمجد يقبض أحناء الحشى ألما |
إنا عرفناك يا ابن الأكرمين ثنا | وإن جهلناك مرأى في الورى عظما |
وكيف يخفى بهاء الشمس طالعة | وإن بدا دونها يوما غمام سما |
إن غال منك الردى في الترب بدر هدى | فطالما نوره قد شعشع الظلما |
أو لف نشر ثناء من علاك فكم | أشم منه أنوفا تزدهي شمما |
أو أضحكت فيك أقواما شماتتهم | فطالما عبسوا مذ كنت مبتسما |
إن يغرسوا الحقد حينا في صدورهم | فعن قليل تراه أثمر الندما |
هذا الحسين جلاه الله عضب علا | عليهم ما نبا غربا ولا انثلما |
أضحى به شمل من ناواه منفصما | وقد غدا فيه شعب الدين ملتئما |
ذو سطوة لا يزد الدهر عزمتها | لو عارضت بذبلا لانهال وانهدما |
ومقول ذرب إن قال أو حكما | فلن ترى منه إلا العدل والحكما |
آراؤه ما رمى ليل الخطوب بها | إلا رأيت بها صبح الهدى ابتسما |
وصوب راحته ما راح منبجسا | إلا واخجل صوب المزن منسجما |
حسب المعالي به كهفا ومنتصرا | من الزمان إذا ما جار أو ظلما |
وبالأغرين من فاقا علا وتقى | بني الزمان وفاتا بالنهى الأمما |
محمد وعلي من غدا جذلا | ثغر المعالي ارتياحا باسما بهما |
من قرطا مسمع الدنيا علا وثنا | وقلدا جيد أبناء الورى نعما |
فمن ترى منهما يوما ترى علما | بما يكون وما قد كان قد علما |
أو مترعا بالندى والفضل راحته | قد حازت الماضيين السيف والقلما |
بني الأعاظم من عليا نزار ومن | تصاغرت لعلاهم في الورى العظما |
لا زلتم للمعالي شمس دارتها | وللورى ساسة بل سادة حكما |
لئن أساء الردى فيكم فان لكم | في (محسن) سلوة تستأصل الألما |
من أرضعته المعالي درهما وعلى | حب المكارم والعلياء قد فطما |
فذ به جمعت شتى المفاخر عن | آبائه وبه شمل الهدى انتظما |
وفيه قد شمخت أنفا عشيرته | على الورى وبه انف العدى رغما |
أوفى على كل أبناء الورى وسما | مذ بالهدى بين أبناء الورى وسما |
جاد الضريح الذي ضم الجواد من | الرضوان مغدودق بالرحمة انسجما |
ولست مستمطرا فيض الغمام لمن | قد كان فيض نداه يخجل الديما |
عهدناك للخطب الملم مفرجا | وللاجئ العافي ملاذا ومرتجى |
فلم طرقت مغناك حادثة الردى | وقد كان من وقع الحوادث ملتجأ |
أمرهب قلب الموت كيف لك ارتقى | ولو جاء في زي المنازل ما نجا |
ولكنه جاء في زي سائل | فأعطيته روح المكارم والرجا |
أصات بك الناعي فأوقر مسمعي | ولا مسمع إلا من الوقر ارتجا |
له الويل من ناع ألم يدر أنه | نعى المجد والمعروف والحلم والحجى |
لقد فت في قلبي مصابك وانطوت | ضلوعي على جمر من الوجد أججا |
وهذي عيوني قد جرت بنجيعها | فخدي أمسى من دموعي مضرجا |
عزيز على العلياء فقد عميدها | فأصبح في لحد من الأرض مضرجا |
لقد فقدت فيه نزار لسانها | إذا اللسن المنطيق يوما تلجلجا |
لقد فقدت في فقده بدر عزها | إذا ما دجا النادي سناه تبلجا |
ورتب شكلا في القلوب مصابه | فليس لغير الوجد والدمع منتجا |
وعم بني الأيام فادح رزئه | وخص فؤادي باللواعج والشجى |
فكم كبد حرى غدت يوم بينه | وكان لها في بره الدهر مثلجا |
ربيع اليتامى صوح اليوم نبته | وري الظمايا فوقه اللبن أشرجا |
فيه طالبا للجود والرفد بعده | رويدك باب الجود والرفد ارتجا |
مضى مرهب الآساد في أجماتها | ووهاب آلاف إذا العام أحوجا |
أهادي سراة البيد في نور وجهه | إذا الركب في جنح من الليل أدلجا |
فبعدك لا هاد ولا طالب سرى | وقد كنت للسارين قصدا ومنهجا |
فألقوا عصا الترحال بعدك ما رأوا | لحاجاتهم من بعد علياك مرتجى |
عميد نزار كيف فاجأك الردى | ورام إلى غيل الضياغم مدرجا |
ولم تحمك البيض الصوارم والقنا | ولا أسهم الآراء عن هضب الحجا |
فلو كنت تفدي بالنفوس لأرخصت | وخضنا من الأهوال دونك ما دجا |
ولكنما الأقدار نافذة القضا | فما أحد من نبل أسهمها نجا |
مضيت جواد المكرمات مطهرا | نقي الردى للخلد رحت معرجا |
دعاك رؤوف راحم فأجبته | مطيعا فأعطاك المؤمل والرجا |
وأبقيت ذكرا فاح في الدهر نشره | فما سنحت ذكراك إلا تأرجا |
فيا راكبا يطوي الفلاة بجسرة | عذافرة أودى باخفافها الوجى |
إذا أعرقت ليلا فقد اشأمت ضحى | كان لها من مخرج السهم مخرجا |
رويدك عرج نحو (عامل) واتخذ | ربوع بني العلياء فيها معرجا |
ربوع متى تنزل بساحاتها تجد | لهمك من دون البلاد مفرجا |
وقل لبني عمرو العلا لكم البقا | فصبرا فان الصبر للأجر انتجا |
لئن غاب منكم بدر مجد ففيكم | بدور هدى أنوارها تصدع الدجى |
بنور أبي عبد الحسين هداكم | سنا فضله في الخافقين تبلجا |
منار هدى عم البرية هديه | بتاج العلا والفخر أمسى متوجا |
ونار القرى للوافدين لسانها | ينادي بأوج الأفق حي على الرجا |
فضائله مثل النجوم زواهر | ومنهجه للحق أصبح منهجا |
فلوذوا به كهفا غدا مرجع الورى | به يدفع الخطب الملم إذ دجا |
عميد الورى لا تجزعن لمصيبة | وجودك أمسى للمصاب مفرجا |
ففيك وفي الندب الحسين تصبر | فدوما مدى الأيام للخلق ملتجى |
ولا زال هطال من العفو والرضا | يجود على قبر به الجود والحجى |
هل بعد يومك للتصبر موضع | أم مربع اللذات بعدك مربع |
القلب في نار الفراق معذب | والعين دامية المآقي تدمع |
والأرض موحشة الجوانب كلها | من بعد فقدك فهي قفر بلقع |
والليل بالهم المنكد ينقضي | عني ووجه الصبح اسود اسفع |
أبكيك للنوب العظام إذا دهت | يوما وذل لها الشجاع الأروع |
مزقت داجيها بصارم عزمة | وبهمة كالنجم بل هي ارفع |
أبكيك للنادي إذا أزحمت به الصيد | الغطارف والنواظر خشع |
هدرت بجانبتيه منك شقاشق | يعيا بموقعها الخطيب المصقع |
أبكيك محمود النقيبة لم يكن | بين الأنام لعائب بك مطمع |
أبكيك للآمال بعدك خيبت | ولكم غدت وغليلها بك منقع |
أبكيك للخصم الألد ترده | بمشعشع البرهان منك فيرجع |
أبكيك للمجد الرفيع تركته | من بعد فقدك باكيا يتفجع |
أبكيك للمعروف أصبح ضائعا | ولطالب المعروف بعدك أضيع |
أبكيك للبيت الرفيع عماده | قد رحت عنه فركنه متضعضع |
أبكيك للأضياف تلتمس القرى | حطت لديك رحالها والأنسع |
أبكيك للصحب الكرام تركتها | حزنا عليك قلوبها تتقطع |
أعزز علي بان أراك موسدا | بين الجنادل للبلى تستودع |
أعزز علي بان أراك بحالة | تدعى وأنك حاضر لا تسمع |
أعزز علي بان أراك بمنزل | نائي المزار نزيله لا يرجع |
أعزز علي بان تقودك للبلى | كف المنون وأنت سهل طيع |
أعزز علي بان أراك مسيرا | فوق الرقاب إلى القبور تشيع |
فلأبكينك ما تخطاني الردى | بدم إذا نفدت عليك الأدمع |
عجبا لقبرك كيف ضم ضريحه | جبلا يضيق به الفضاء الأوسع |
خلفت ربع العلم بعدك موحشا | ينعى وفي الجنات ربعك ممرع |
إن يدفنوك فان ذكرك لم يزل | بين البرية نشره يتضوع |
أيلين لي من بعد فقدك مضجع | أنى وفي بطن الثرى لك مضجع |
العين عين بعد فقدك قد غدت | والله يعلم ما تجن الأضلع |
أين اللسان العضب شهد لفظه | وعلى الأعادي منه سم منقع |
والراحة البيضاء تهطل بالندى | حينا وحينا بالمنية تهمع |
هجعت بفقدك أعين سهدتها | وتسهدت أخرى فليست تهجع |
لا يشمت الأعداء موتك فالردى | كأس بها كل البرية تكرع |
وليرق دمع المجد إن بناءه | سامي الدعائم بالحسين ممنع |
مولى عليه من الإله مهابة | أمست لها الأعناق طرا تخضع |
جبل تزل العصم عن جنباته | والطير دون مدى ذراه وقع |
أخلاقه زهر الربيع وعزمه | ماضي الشبا كالسيف بل هو اقطع |
وله مآثر كالنجوم زواهر | أنوارها لماعة تتشعشع |
وأنامل يحيي البلاد نوالها | تهمي إذا بخل السحاب وتهمع |
والجود طبع فيه ليس بزائل | عمر الزمان وفي سواه تطبع |
من معشر خير الأصول أصولهم | وهم على تلك الأصول تفرعوا |
فالمصطفى جد وفاطم أمهم | وأبوهم البطل البطين الأنزع |
نسب أغر كأنما شمس الضحى | من جانبيه على البرية تطلع |
نهنه فديتك عن أعز حشاشة | لصدوعها قلب الكمال مصدع |
وابغ الثواب بما أصابك واحتسب | فالله نعم المرتجى والمزع |
لا تحزنن على الجواد فإنه | جذلان في جنات عدن يرتع |
للحور معتنق وللولدان | مخدوم وبالنعم الجسام ممتع |
حيا الحيا رمسا تضمن جسمه | رمس به جسم المكارم مودع |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 4- ص: 262