التصنيفات

جعيفران بن علي بن اصفر بن السري ابن عبد الرحمن البغدادي الأنباري السامرائي المعروف بجعيفران الموسوس واسمه جعفر
أقوال العلماء فيه
كان أديبا شاعرا مطبوعا شيعيا صاحب نوادر وأخبار طريفة من عقلاء المجانين وكان له لسان يتقى وقول مأثور يتقى وكان الأمراء والأكابر يكرمونه ويحتفون به لظرافته وفصاحته أدرك أيام الإمام الكاظم وابنه الرضا عليهما السلام. ذكره أبو الفرج في كتاب الأغاني فقال هو جعيفران بن علي بن أصفر بن السري بن عبد الرحمن الأنباري من ساكني سر من رأى ومولده ومنشؤه ببغداد وكان أبوه من أبناء الجند الخراسانية، وكان يتشيع ويكثر لقاء أبي الحسن علي بن موسى بن جعفر أخبرني بذلك أبو الحسن علي بن العباس بن أبي طلحة الكاتب عن أبيه وأهله. وكان جعيفران أديبا شاعرا مطبوعا وغلبت عليه المرة السوداء فاختلط وبطل في أكثر أوقاته ومعظم أحواله ثم كان إذا أفاق ثاب إليه عقله وطبعه فقال الشعر الجيد، وكان أهله يزعمون أنه من العجم ولد أذين، وذكره الجاحظ في كتاب البيان والتبيين فقال: جعيفران الموسوس الشاعر كان يتشيع قال له قائل أتشتم فاطمة وتأخذ درهما قال لا بل اشتم فلانة وأخذ نصف درهم.
أخباره
في الأغاني بسنده أنه كان لجعيفران قبل إن يختلط عقله أب يقال له علي بن الأصفر وكان دهقان الكرخ ببغداد وكان يتشيع فظهر على ابنه أنه خالفه إلى جارية له سرية فطرده عن داره وحج فشكا إلى موسى بن جعفر فقال له موسى إن كنت صادقا عليه فليس يموت حتى يفقد عقله وان كنت تحققت ذلك عليه فلا تساكنه ولا تطعمه شيئا من مالك في حياتك وأخرجه من ميراثك بعد وفاتك. فقدم فطرده وسال الفقهاء عن حيلة يخرجه بها من ميراثه فدلوه فاشهد به وأوصى إلى رجل فلما مات أبوه منع الوصي جعيفران من الإرث فاستعدى عليه أبا يوسف القاضي فاحضر الوصي وأقام جعيفران البينة على نسبه وتركة أبيه وأحضر الوصي بينة على ما احتال به أبوه فلم ير أبو يوسف ذلك شيئا وعزم على إن يورثه فسأله الوصي أن يسمع منه منفردا فأبى إن يسمع منه إلا بحضرة خصمه فكتب الوصي رقعة وأرسلها إلى أبي يوسف وفيها خبره وما أفتى به موسى بن جعفر فدعا الوصي واستحلفه انه قد صدق في ذلك فحلف باليمين الغموس فقال له اغد علي غدا مع صاحبك فحضر فحكم للوصي على جعيفران فوسوس جعيفران واختلط منذ يومئذ.
قال واخبرني علي بن العباس بن أبي طلحة الكاتب عن عبد الله بن عثمان الكاتب عن أبيه عثمان بن محمد قال كنت يوما برصافة مدينة السلام جالسا إذ جاءني جعيفران وهو مغضب فقال: (استوجب العالم مني القتلا) فقلت ولم يا أبا الفضل فنظر إلي نظرة منكرة خفت منها وقال: لما شعرت فرأوني فحلا، ثم سكت هنيهة وقال:

ثم ذهب لينصرف فخفت إن يؤذيه الصبيان فقلت اصبر فديتك حتى أقوم معك فإنك مغضب وأكره أن تخرج على هذه الحال فقال سبحان الله أتراني أنسبهم إلى الكذب والجهل وأستقبح فعلهم وتتخوف مني مكافأتهم ثم ولى وهو يقول:
وقال سلمة بن محارب مررت ببغداد فرأيت قوما مجتمعين على جعيفران فقلت قل بيتا بنصف درهم قال هاته فأعطيته فقال:
ثم قال زد إن شئت حتى أزيدك. وقال الجاحظ في البيان والتبيين شهدت رجلا أعطاه درهما وقال قل شعرا على قافية الجيم فأنشأ يقول:
وفي الأغاني: قال علي بن العباس حدثني عبد الله بن عثمان عن أبيه قال غاب عنا جعيفران أياما ثم جاءنا والصبيان يشدون خلفه فلما بلغ إلي وقف وتفرقوا عنه فقال يا أبا عبد الله:
فأدخلته منزلي وأطعمته ثم قلت له تقدر على إن تغير القافية فقال نعم ثم قال بديهة غير مفكر ولا متوقف.
ثم قام يبول فقال بعض من حضر: أي شيء معنى عشرتنا هذا المجنون والله ما نأمنه وهو صاح، وفطن جعيفران للمعنى فخرج إلينا وهو يقول:
فرققنا له واعتذرنا إليه وقلنا له والله ما نلتذ إلا بقربك واتيناه بثوب فلبسه. وفي الأغاني بسنده: تقدم جعيفران إلى أبي يوسف الأعور القاضي بسر من رأي في حكومة في شيء كان في يده من وقف له فدفعه عنه وقضى عليه فقال له أراني الله أيها القاضي عينيك سواء فأخذه إلى داره وأطعمه
وأعطاه دراهم وقال ماذا أردت بدعائك أردت إن يرد الله علي ما ذهب من بصري؟ فقال والله لئن كنت وهبت لي هذه الدراهم لأسخر منك لأنت المجنون لا أنا، أخبرني كم من أعور رأيته عمي؟ قال كثير، فهل رأيت أعور صح فقط؟ قال لا قال فكيف توهمت علي الغلط فضحك وصرفه. وبسنده عن علي بن يوسف قال كنت عند أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي فاستأذن عليه حاجبه لجعيفران الموسوس فقال أي شيء اصنع بموسوس، قضينا حقوق العقلاء وبقي علينا حقوق المجانين؟ فقلت له جعلت فداء الأمير، موسوس أفضل من كثير من العقلاء، وان له لسانا يتقى وقولا مأثورا يتقى، فالله الله إن تحجبه فليس عليك منه أذى ولا ثقل فإذن له فلما مثل بين يديه قال:
فأمر له بكسوة وبألف درهم، فلما جاء بالدراهم أخذ منها عشرة وقال: تأمر القهرمان أن يعطيني الباقي مفرقا كلما جئت لئلا يضيع مني، فقال للقهرمان أعطه المال، وكلما جاءك فأعطه ما شاء حتى يفرق الموت بيننا فبكى جعيفران وقال:
ثم خرج فقال أبو دلف: أنت كنت أعلم به مني. قال وغبر عني مدة ثم لقيني وقال يا أبا الحسن ما فعل أميرنا وسيدنا وكيف حاله؟ فقلت بخير وعلى غاية الشوق إليك فقال وأنا والله يا أخي أشوق ولكني أعرف أهل العسكر (سامراء) وشرههم والحاحهم، والله أراهم يتركونه من المسألة ولا يتركه كرمه إن يخليهم من العطية حتى يخرج فقيرا ولكن أسمع ما قلته في وقتي هذا قلت هاته يا أبا الفضل فأنشأ يقول:
فأبلغتها أبا دلف وحدثته الحديث، فقال لي قد لقيته منذ أيام فلما رأيته وقفت له وسلمت عليه وتحفيت به فقال لي سر أيها الأمير على بركة الله ثم قال لي:
ولم يزل يختلف إلى أبي دلف ويبره حتى افترقا بالموت. وفي الأغاني بسنده عن أبي العيناء، قال اجتمع جعيفران الموسوس ومحمد بن بشير في بستان فنظر إلى محمد بن بشير وقد انفرد ناحية لقضاء الحاجة ثم قام عن شيء عظيم فقال جعيفران:
فجعل ابن بشير يشتمه. ووقف جعيفران الموسوس على ابن علي ابن إسماعيل الهاشمي فقال له أعطني درهما فأمر الغلمان بطرده فطردوه فولى وهو ينشد:
فقال لغلمانه ردوه وأعطوه درهمين فأخذهما وانصرف وهو ينشد
وفاته
في الأغاني بسنده عن عثمان بن محمد عن أبيه قال كنت أشرف مرة من سطح لي على جعيفران وهو في دار وحده وقد اعتل وتحركت عليه السوداء فهو يدور في الدار طول ليلته ويقول:
#فهو غريب بين هذي الناس حتى أصبح وهو يرددها ثم سقط كأنه بقلة ذابلة.

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 4- ص: 195

جعيفران بن علي الموسوس جعيفران بن علي بن أصفر بن السري بن عبد الرحمن الأنباري من ساكني سر من رأى ومنشأه بغداد. وكان أبوه من أبناء الجند الخراسانية وظهر لأبيه أنه يختلف إلى بعض سرائره فطرده أبوه عن داره وحج فشكا ذلك إلى موسى بن جعفر الكاظم فقال له موسى: إن كنت صادقا عليه فليس يموت حتى يفقد عقله، وإن كنت قد تحققت ذلك عليه فلا تساكنه في منزلك ولا تطعمه شيئا من مالك في حياتك. وأخرجه عن ميراثك. وسأل الفقهاء عن حيلة حتى تخرجه من ميراث ماله فدلوه على الطريق إلى ذلك فاشهد به وأوصى إلى رجل فلما مات حاز الرجل ميراثه ومنع منه جعيفران، فاستعدى عليه أبا يوسف القاضي، فأحضر الوصي وسأل جعيفران البينة على نسبه وتركة أبيه وأقام بينة عدولا وأحضر الوصي بينة عدولا على الوصية يشهدون على أبيه بما كان احتال على منعه ميراثه فلم ير أبو يوسف ذلك شيئا وعزم على أن يورثه فقال الوصي: أنا أدفع هذا عن هذا الميراث بحجة واحدة فأبى أبو يوسف أن يسمع منه وجعيفران يقول، قد ثبت عندك أمري فلا تدفعني. وقال الوصي: إسمع مني حجتي منفردا فقال أبو يوسف: لا أسمع منك إلا بحضرته فقال: أجلني إلى غد، فأجله فجاء إلى منزله وكتب رقعة فيها خبره وما قاله موسى بن جعفر ودفعها لصديق إلى أبي يوسف فلما قرأها دعا بالوصي فاستحلفه على ذلك فحلف باليمين الغموس وقال: اغد غدا علي مع صاحبك فحضر إليه فحكم أبو يوسف للوصي فلما أمضى الحكم عليه وسوس جعيران واختلط منذ يومئذ وكان إذا ثاب إليه عقله قال الشعر الجيد. وعن عبد الله بن عثمان الكاتب عن أبيه قال: كنت ليلة أشرف من سطح على دار جعيفران وهو فيها وحده وقد تحركت عليه السوداء وهو يدور في الدار طول ليلته ويقول:

#فهو غريب بين هذا الناس ولم يزل يرددها حتى أصبح ثم سقط كأنه بقلة ذابلة.
وعنه قال: غاب عنا أياما وجاءنا عريان والصبيان خلفه وهم يصيحون به يا جعيفران يا خرا في الدار. فلما بلغ إلي وقف عندي وتفرقوا عنه فقال: يا أبا عبد الله:
قال: فأدخلته منزل يفأكل وسقيته أقداحا ثم قلت له: تقدر على أن تغير تلك القافية فقال: نعم، ثم قال بديهة من غير فكر ولا توقف:
ثم قام ليبول، فقال بعض من حضر: أي شيء معنى عشرتنا هذا المجنون العريان والله ما أنا منه وهو صاح فكيف إذا سكر. وفطن جعيفران للمعنى فخرج إلينا وقال:
قال: فرفقنا به واعتذرنا إليه وقلنا له: والله ما نلتذ إلا بقربك، وأتيناه بثوب لبسه وأتممنا يومنا ذلك معه.

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 11- ص: 0