السيد جعفر الأمين ابن السيد محسن الأمين
هو الابن الأوسط لمؤلف الكتاب. ولد في شقرا (جبل عامل) سنة 1325 وتوفي في صيدا بعد نقله إلى مستشفاها ودفن في شقرا سنة 1401.
كان شاعرا أديبا على غاية من الظرف والنباهة وحدة الذهن عطوفا على الناس مشاركا لهم في مشاعرهم، يتوخى الإصلاح العام. وقد نجح في ذلك حيث تولى إدارة عدة مدارس تكميلية في لبنان فجعل منها طريقا لمنهجه الاصلاحي إذ يتخذ من ذلك سبيلا لتطوير البلدة كلها وتوجيهها التوجيه السليم، وقد ربي أجيالا عدة تخرجوا على يديه وانتشروا في كل مكان حلوه مؤثرين في محيطهم العام والخاص تأثيرا بارزا.
وقد استقر أمره أخيرا في بلدته شقرا حيث ظل في ادارة مدرستها حتى قرر ان يتقاعد عن العمل قبل موعد تقاعده، فانصرف إلى دراسة المحيط العاملي ودراسة تقاليده التي أخذت بالانقراض ومن ذلك جمعه للأمثال العاملية، وشرحها وبيان قصة كل مثل وأصله والتعليق عليه، مما كان يمكن ان يؤلف تاريخا عامليا فريدا، ولكنه توفي وهو في بداية عمله، فلم يبرز من ذلك الا القليل.
كان يميل في شعره إلى الفكاهة والظرف فترك من ذلك قدرا صالحا هو طرفة من الطرف لا سيما مراسلاته مع صديقه نور الدين بدر الدين في النبطية وغيره من أصدقائه.
من شعره
قال:
شكت نفسي إلي ظلام نفسي | ويأسا فيه أصبحها وأمسي |
تقول: قتلتني كمدا فحالي | وحالك مثل ميت ضمن رمس |
و لم أدر لهذا الياس سرا | ولا لغريب شؤمك اي أس |
و في هذي الحياة لمبتغيها | رغائب نوعت من كل جنس |
غضبت على الوجود بحالتيه | ولم تجنح لقدس أو لرجس |
فلا الرحمن ترضيه بنجوى | ولا إبليس تغريه بكأس |
يعز علي أن ألقاك دوما | حليفة غصة وظلام يأس |
و ان ربيع هذا العمر ولى | وأوراق الشباب دنت ليبس |
و لم أرو غليلا في حيأتي | ولم أنعم بجارحة وحس |
و لي فيه أمان ليس تحصى | وفي آفاق فكري ألف شمس |
فكرهي العيش لا لعظيم نسك | ولا لعميق فلسفة ودرس |
و اني ان جهلت فلست أشري | جميع فلاسف الدنيا بفلس |
ففلسفة الوجود وما حواه | برعشة مبسم وصرير ضرس |
وددت بان أعيش فحال بيني | وبين أطايب اللذات نحسي |
وجدت كأنني تمثال سوء | وعز علي ما فيه التأسي |
إذا ذكر الثراء نفضت جيبي | وان ذكر الجمال خفضت رأسي |
و ما بي من مواهب تدريني | ولا لي زند عنترة بن عبس |
فان فاء الأنام وريق عيش | ولذة مغنم وبهيج عرس |
فما أنا غير عود لاحتطاب | وحظي منجل وشفار فاس |
وقال:
كيف التفت مصارع ودماء | وفوادح غلابة وشقاء |
و بكل قلب للزمان فجيعة | وبكل عين صورة نكراء |
حرق على حرق فهل من بعدها | للنفس يوما سلوة وعزاء |
اني وهذا الكون سفر كل ما | في دفتيه محنة وبلاء |
عسف إلى عسف يضاف كأنما | جادت به عقلية خرقاء |
و تداولته فوضة وحشية | وتعهدته حكمة عمياء |
يا منشدا يسر الحياة وبشرها | لا تخدعنك بلطفها الأسماء |
و احذر فرب يد نعمت بلمسها | كمنت بها لك طعنة نجلاء |
هذا الوجود وما به من رقة | تغري حواسك-صخرة صماء |
وقال:
حيأتي كلها شوم بشوم | وحظي حظ خفاش وبوم |
استعضت عن الجمال بقبح وجه | وبالتنعاب عن صوت رخيم |
و باليأس المميت عن الأماني | وعن طيب البشاشة بالوجوم |
إذا طلع النهار يطير قلبي | ويسكن في حمى الليل البهيم |
فليس بخادعي لألاء فجر | إذا ما لاح عن جرح أليم |
تصفح ان في وجهي كتابا | تنبأ فيه عما في صميمي |
فان الله لما ان براني | تصور شكل شيطان رجيم |
فكان كما أراد وكنت عدلا | بما آتيه من طبع أثيم |
فمن حمم ومن لهب كياني | وروحي بعض أنفاس الجحيم |
و في نفسي من الأهواء سيل | يحيل العالمين إلى هشيم |
تهيم بكل كاس حرموها | ولو ملئت شرابا من حميم |
و تكره كل ما ظنوه رشدا | وما نعتوه بالنهج القويم |
و ما طبعي الدمامة غير اني | بليت بكل مكروه ذميم |
فكيف يطيب لي دهر سقيم | امرغ فيه في عيش سقيم |
و كيف تقر بالاحرار ارض | تعج بكل ذي رأي عقيم |
وقال:
لا تاملن بتبديل وتغيير | فلن تغير في مجرى المقادير |
و كيف تأمل في إنهاض من خلقوا | مجوفين خلوا من كل تفكير |
عدوا على الناس ناسا انما لهم | (جسم البغال وأحلام العصافير) |
مخبلون فلا شيء يحركهم | من عاطفات ومن حسن وتقدير |
و ما يدغدغ هذا الكون من أمل | ومن ترقب آفاق من النور |
تحيي الوجود بفيض من مراحمها | وتظهر الكون في أبهى التصاوير |
فيغمضون على الأقذاء أعينهم | ويرضخون لحمل القيد والنير |
و يهربون إذا ما أبصروا قبسا | كأنهم بعض جرذان المجارير |
و يفزعون إلى الماضي وظلمته | ويؤمنون بمكذوب الأساطير |
كيما يزحزح عنهم من نذالتهم | خيال مستقبل جم المحاذير |
و ما يكلف من بذل وتضحية | وما يحمل من جد وتشمير |
و كم يعز عليهم ان يجردهم | أثواب لؤم وبهتان وتزوير |
قد ألبسوها صغارا منذ نشاتهم | فأصبحت تتحدى كل تأثير |
و من تكون على الاقذار عيشته | فلن يطيب له عرف الأزاهير |
دعهم وشأنهم لا ترج منقلبا | فلن توفق في هدي وتبشير |
و من تجرد من وعي وعاطفة | لن يستجيب لتنبيه وتحذير |
أ يأملون ببعث بعد موتهم | وفي حياتهم عاشوا كمقبور |
لا أحسنوا عملا كالمحسنين ولا | قلوبهم أوجعتها حال موتور |
و لا تحلوا بفضل أو بمكرمة | ولم يكن سعيهم يوما بمشكور |
لينعموا في غد من فضل ربهم | بالطيبات وبالولدان والحور |
كلا ولا ظلموا ظلما يكلفهم | عقاب من أمعنوا في الظلم والجور |
و لا أصابوا من اللذات آثمها | ولا استباحوا جهارا أي محظور |
كانوا ثعالى فضالات الأسود لهم | يحلو لهم نبشها بين الاحافير |
خرس مع الغير نباحون بينهم | ساحات مجدهم حول التنانير |
و هل يعد سلاحا يستطال به | ناب الكلاب وأظفار السنانير |
فليطمئنوا فلن يحظوا بمنزلة | مهما أطالوا بتهليل وتكبير |
فالله يعلم ما تخفي سرائرهم | وليس يخدعه كذب الأسارير |
و لن يكون غدا في دار نعمته | ودار نقمته حظ لمغمور |
سيصطفي كل كفو كي يجاوره | من الميامين من بر وشرير |
لذا الجنان فحتما سوف تلفظهم | وفي جهنم لن يحظوا بتنور |
و سوف يبقون في أجداثهم رمما | ولا يقومون يوم النفخ في الصور |
وقال يرثي أحد أصدقائه:
زهو الفتوة والشباب | وفتون أحلام التصابي |
و الثائرات من الرغائب | والاماني العذاب |
كيف ارتضيت لها الركود | ولم تثرها لانسياب |
و تركتها نهب الفناء | رهينة الأرض اليباب |
من بعد ما كانت تجيش | بأفق صدرك كالعباب |
وا حسرتاه على شبابك | يستحيل إلى تراب |
و يغيب نجمك في الظلام | وأنت في شرخ الشباب |
و يعفر الوجه الجميل | وكان يسطع كالشهاب |
يا ليث معترك الحياة | يجوس في أكناف غاب |
والزهرة الفيحاء ما | بين الاحبة والصحاب |
و غياث أهلك في | الشدائد والملمات الصعاب |
قد كنت آمل ان أراك | وأنت في أسنى أهاب |
و يعود يزهو عيشنا | بلذيذ قرب مستطاب |
من بعد ما شطت بنا | دنيا الجريمة والكذاب |
وسعت أفاعيها لدس | السم في صافي الشراب |
يا بؤس ما أملته | كيف استحال إلى اكتئاب |
فذهبت تمعن في البعاد | ولا تفكر في الإياب |
و حرمت حتى من وداعك | قبل مشئوم الغياب |
وتواعد مرة مع السيد نور الدين بدر الدين ان يذهب كل منهما فيلتقوا على نهر الليطاني، ولكن المترجم اضطر لاخلاف الموعد فأرسل اليه السيد نور الدين قصيدة قال في مطلعها:
لم لم تف فيما وعدت وتحضر | وتحيد عن سنن الوفا يا جعفر |
وختمها بقوله:
و لقد هجوتك دون خوف ساخطا | وحكمت بالإجماع انك ازعر |
فأجابه المترجم بقوله:
ما كنت كذابا ولا انا ازعر | تنفي الحقيقة ما تقول وتنكر |
تأبى لي السوآت نفس عفة | وسريرة بيضا وقلب أطهر |
لو كان يدري الناس بعض فضائلي | لغدوت ارقى عندهم وابخر |
و لو انني قد عشت في زمن مضى | صلوا علي مع النبي وكبروا |
و لكان لي فوق البسيطة منبر | ارقى اليه وفي القيامة منبر |
و لعشت ديكا في الحياة وبعدها | حور وولدان ودف ينقر |
لكنما وهنا يتعتع مقولي | حظ (الحقير) بذي الحياة معثر |
ما رحت اطلب من زماني بغية | إلا وراح لما أروم يؤخر |
و لو ان عنتر مثل حظي حظه | قسما لما قهر الفوارس عنتر |
قد كنت ارغب في لقاك وانما | حكم القضا وصروفه لا تقهر |
فاستبدل الطقس الجميل بعكسه | وتأججت نار وهبت صرصر |
مع ذاك دمت على المسير مصمما | ولو انه الموت الزؤام الأحمر |
أ يهاب من حر الهجير ولفحه | من في غد وسط الجحيم سيحشر |
أم هل يخاف من الشموس تغيرا | من وجهه في الظل أسود أغبر |
لكنني غيرت رأيي بعد ذا | علما بانك للمواعد تخفر |
لا سيما والطقس غير ملائم | فالعذر أهون ما يكون وأيسر |
و عرفت انك ذو مزاج ناعم | ضوء السراج على البياض يؤثر |
ان هبت النسمات خلت بأنها | جاءت لقامتك الرشيقة تهصر |
أ تقول عني ازعر ومشفط | مهما جريت فعن لحاقك اقصر |
ان كنت نوريا فانك أنور | أو كنت طبالا فأنت مزمر |
و كذا المكارم ان جهلت وراثة | فأبوك قبلك ذو المآثر حيدر |
وعند ما تزوج السيد نور الدين بدر الدين في أواخر أرسل اليه المترجم هذه القصيدة:
في حواشي الآفاق خفق بنود | وبنائي المجال رجع نشيد |
احبس القلب روعة وجلالا | وأدر ناظريك عبر الحدود |
تتراءى على المشارف نار | وجنود تنساب أثر جنود |
تزحم الأفق عدة وعديدا | فكان الآفاق جدر حديد |
ان هذي جحافل الحرب تمشي | نحو اهدافها بعزم وطيد |
تتخطى الأبعاد نجدا فنجدا | وتلف الصعيد تلو الصعيد |
كالاعاصير فوق متن خضم | وكطاغي اللهيب فوق حصيد |
أيها الشاعر الذي كنت دوما | رافعا بيننا لوا التجديد |
بينما نحن في سبات عميق | ومجاري تفكيرنا في جمود |
نقبل الهون من دعي ووغد | ونحابي اسفاف كل بليد |
ان ما كان في ضميرك حلما | أصبح اليوم مشرقا للوجود |
و انطوت صفحة العهود السود | وانجلى الليل عن صباح مجيد |
فصروح الطغيان تهوي سراعا | وجموع اللئام في تبديد |
و غدا يصبح الحبيس طليقا | بعد ما كان مثقلا بالقيود |
و تكون الأفعال مقياس فضل | والكفاءات موضع التمجيد |
أيها الشاعر أنعم الآن نفسا | وتهاد بظل عيش رغيد |
و أقم للجديد بيتا جديدا | عابقا جوه بعرف الورود |
فيه بعد الكفاح سلوان هم | بين زوج محبوبة ووليد |
وأرسل هذه القصيدة إلى صديق له كان يستشفي في أحد المستشفيات:
يعز علي لبثك في السرير | طريح السقم والألم المرير |
بعيد الدار عن وطن وأهل | وعن صحب بهم جلو الصدور |
فلا جبشيت تبصرها بعين | ولا شاي (تعاليه بقوري) |
و لا شيخ تجادله بغسل | وبالحدث الصغير وبالكبير |
فيرفع صوته يبدي اعتراضا | وتأخذ بالصياح وبالهدير |
و يغلي في فؤادكما حماس | كما تغلي مياه في قدور |
و يشتد النقاش فكل حبر | يريد الفوز بالنصر الأخير |
فخوفا منك من سوء المصير | ومعركة تدور على الحصير |
يزاح بها عن العورات ستر | كعورة بعضهم |
تغير من حديثكما اتجاها | لتبعد عن حديثكما المثير |
تذكر شيخنا عهدا تقضي | ولم يك بعد ذا شان خطير |
فكيف يريد خدعك بعد هذا | بكبر عمامة وكلام زور |
فتسكن حدة منه ويمسي | وقد بدل التجهم بالحبور |
و تضحك وهو يضحك من زمان | يجيز الخلط في كل الأمور |
و لا أدباء حولك ترتجيهم | لتحليل الفرزدق أو جرير |
فتنسى ميت الأحياء منا | وتبعث ملحدا طي القبور |
فهل ان ساء منا الحال يوما | ستصلحه مقامات الحريري |
و هل ان فاتنا في العيش لب | ستنفعنا تلال من قشور |
وما يجدي بربك عرش شعر | تعطره مجامر من بخور |
إذا ما ساء حكم في بلاد | وصار يدير أمر القوم نوري |
و لا من ساسة للبحث عما | روته الصحف في العدد الأخير |
عن النحاس كيف أقيل قسرا | وكيف الملك يعبث بالوزير |
إذا ضل الطريق ولم يحاب | ولم يسجد لاصنام القصور |
و لم يلثم لرب العرش كفا | ولم يحفل بذي شنب كبير |
فنشبع ذلك المسكين لوما | ويتهم بالتكبر والغرور |
و نلعن عهده إذ كان عهدا | مليئا بالمخازي والشرور |
كانا قد نسينا حين كنا | نرى فيه الرجاء لمستجير |
و حققنا اتحاد العرب طرا | فحل الأنس في كل الصدور |
و لم يبق لإكمال الاماني | سوى وضع المليك على السرير |
ساطلب من اله العرش دوما | وأدعو بالعشي وبالبكور |
بان يعطيك ما تصبو اليه | ويسرع بالشفاء وبالسرور |
عساك تعود في وقت قريب | وترجع سالف العهد النضير |
فتفلقني بذكر سخيف قوم | وامنى بالعشاء أو الفطور |
وماتت للمترجم معزاة فرثاها السيد نور الدين بدر الدين بقصيدة قال في مطلعها:
جارت بعينيك دمعة خرساء | مذ فارقتك العنزة الجرباء |
فأجابه المترجم بهذه القصيدة:
أزرى بحالي شيمة سمحاء | وتعفف وتجمل وإباء |
و تعشق طاغ بكل محبب | حملته أرض أو حوته سماء |
نعمت بتحناني وصدق مودتي | الناس والحيوان والأشياء |
و تقاسمت قلبي وما ملكت يدي | فبكل أفق منهما أجزاء |
يا ويح قلبي كم يكلفني عنا | ولكم اضام بحكمه وأساء |
الأشقياء حملت ثقل همومهم | وحرصت ان يهنأ بي السعداء |
و غفلت عن نفسي وعن حاجاتها | وكبت ما توحي به الأهواء |
حتى غدوت بكل ناد مضغة | وبحادثي يتسامر الجلساء |
و عزوا إلي بلادة وتصوروا | خفضي الجناح كأنه استخذاء |
فانا صريع فضائلي وشمائلي | حظ به يتفرد الشرفاء |
خلق نشات عليه منذ حداثتي | لم تمحه السراء والضراء |
خلق مع اللبن الطهور رضعته | وقد اصطفته بطهرها الصحراء |
ما شوهته على الزمان حضارة | أو أفسدته شريعة خرقاء |
كل المصائب قد تزول وتنجلي | ولشر داء في الحياة دواء |
الا التجسس فهو داء مزمن | هيهات منه ان يكون شفاء |
يا زهرة العمر التي ضيعتها | عظم المصاب بها وجل عزاء |
مر الربيع بها فالقى عودها | يبسا فلا ماء ولا خضراء |
ذهبت ضحية لؤم أشقى شارع | وخبيث إرث خلف القدماء |
و جنى عليها في الورى ايثارها | فقضى عليها الجهد والإعياء |
و تلمست سندا تلوذ بظله | فإذا مها وحولها وعراء |
فقضت شهيدة نبلها وحفاظها | وسمت بما يسمو به الشهداء |
عجبا أ أتهم بعد ذلك بالمنى | وبان عندي لا يزال رجاء |
فمتى وكيف أنال ما قد فاتني | والدهر يلعب في كيف يشاء |
و إذا تصفحت الحياة فلا أرى | الا شقاء يقتفيه شقاء |
أ فلست تخطئ إذ تظن بانني | ما زلت أرجو ان يحل هناء |
و يعود يبسم بعد طول تجهم | ثغري ويعلوه سنا وضياء |
و تزول من قلبي حماقة رحمة | ويحل فيه الحقد والإيذاء |
و اريح نفسي من عناء صراحة | فأقول ما يستحسن السفهاء |
و أساير الأيام حسب ظروفها | فلكل يوم جبة ورداء |
و أبيع بالدينار كل مقدس | ان كان فيه متعة ورخاء |
لا تخطئن فقد تقلصت المنى | واحتل قلبي ظلمة سوداء |
و علمت ان السعي ليس بنافعي | وبان حظي والدواب سواء |
جهد بلا أجر وسوء طوية | بهما منيت وخسة وجفاء |
فلذاك طلقت الأنام وعيشهم | وبعدت عمن خلفت حواء |
و حصرت بالحيوان كل محبتي | فحلت بعيني العنزة الجرباء |
و دجاجة معطاء أسقط ريشها | من ضعفها وبسينة برشاء |
و ألذ نطق صار عندي حينما | تعوي بقربي الكلبة العرجاء |
فإذا رثيت لحالها ورحمتها | ولها بذلت فلن يضيع سخاء |
تجزي الجميل بمثله فلكم بدا | منها لحاضنها رضى وثناء |
و على تواضع ما تجود به فلا | يسمو اليه في الحياة ثراء |
يا راثي المعزاة أرضيت الحجى | فيما رثيت وأغضب السخفاء |
لا فض فوك فتلك أول مرة | يسمو بها الأدباء والشعراء |
و يرى على وجه البسيطة ناطق | لم تخل منه كرامة وحياء |
يقف القريض على اجتلاء حقيقة | لا المال يغريه ولا الأسماء |
لو ان أهل الشعر مثلك أنصفوا | لا زيل مدح واستزيد هجاء |
و لما رثى من آل آدم ميت | ولما أقيم لمدعين عزاء |
فأحق منهم بالمراثي والبكاء | رغم الأنوف بهيمة خرساء |
وعاد صديقه من المستشفى فأرسل اليه هذه القصيدة معتذرا عن تاخره في زيارته:
تهاني المخلصين من الصحاب | اقدمها بميمون الإياب |
اقدمها إليك ولا أراها | ستذهب ما بنفسك من عتاب |
على من كنت تحسبهم كراما | وكنت تجلهم عن كل عاب |
و كنت تظن اما ساء حال | وراح البوم ينعب بالخراب |
لعهد الود لن ينسوا حقوقا | ولن تلهيهم متع الشباب |
فهم للقلب في البلوى عزاء | وهم سلواك في يوم اكتئاب |
نعم قد كنت تأمل ان يقوموا | بما تملي الصداقة من طلاب |
و ما توحيه أمجاد عظام | ظفرت بها بتأليف الكتاب |
رفعت به لمجد العرب صرحا | تعالى فوق طيات السحاب |
و أخزى للفرنج عريض اسم | وهدم ما بنوه من قباب |
فصار ذليلنا يختال تيها | ويمشي مشية الأسد المهاب |
و يبصر نفسه كالفيل كبرا | ويعتبر الخلائق كالذباب |
و لا هم لديه يبيت فيه | ولا خوف عليه من عذاب |
فكل هواه في تحريك ناب | وفي وضع المهند في القراب |
فلا عجب إذا من بعد هذا | إذا ما رحت تطمع بالثواب |
و ترغب بعد ان أسديت فضلا | ونعمى طوقت كل الرقاب |
بان يحبوك قومك كل شكر | وان يفدوا على عالي الجناب |
كما وفدت خيار الناس سعيا | وراء الحج تطمع بالثواب |
فيمتطي النعال البعض منهم | ويعلو بعضهم ظهر الدواب |
ليكتحلوا برؤية ألمعي | ويغترفوا من البحر العباب |
أبيت اللعن مهلا بالتجافي | ولا تقس علينا بالحساب |
و لا تدع اللسان يثور غيظا | وتأخذ بالشتيمة والسباب |
و تهتك حرمة الأجداد منا | وتنثر ما عليهم من تراب |
فما كان القصور وليد سوء | وما كنا بفضلك في ارتياب |
و لكن الزمان قسا علينا | وجرعنا المصاب على المصاب |
فما نلقي صديقا نصطفيه | ولا نحظى بعيش مستطاب |
و هل في الأرض أشقى من كريم | يعيش فلا يداجي أو يحابي |
رماه الدهر في أوطان سوء | وأسلمه إلى قوم ذئاب |
فهذا ايقظ الوجدان منا | وصيرنا الطليعة لانقلاب |
يسد على اللئام طريق غش | ويرجعهم إلى الدرب الصواب |
و لم نبق كما كنا سواما | فتلهينا القشور عن اللباب |
نقضي العمر في اعراب بيت | ونترك بيتنا رهن الخراب |
و نقرأ عن لحوم الخلد آيا | ونحن يشوقنا لحم الكلاب |
نعم لم يبق يخدعنا كلام | إذا لم يأت بالعجب العجاب |
لذلك رحمة بك قد كرهنا | بان نأتيك في جو اضطراب |
فلا تلقى من الإقبال شيئا | إذا ما رحت تمعن في خطاب |
و تنظر الجواب على سؤال | فيبقى ما سالت بلا جواب |
مع العلم الأكيد بان ما في | جرابك لم يزل ضمن الجراب |
و ما غيرت موضوعا قديما | ولا حاولت تجديد الباب |
نريدك أن تكون رسول حق | تشمر للجهاد وللغلاب |
و تهجر برجك العاجي حتى | تحس بما يحس ابن التراب |
و تشعر كم يعاني من رزايا | وكم يسقى المرير من الشراب |
فتجعل علمك الموقور وقفا | على حل المشاكل والصعاب |
و ترسل من صراخ الحق شعرا | يخفف لوعة القلب المذاب |
قلوب الكادحين من البرايا | يضرسها الشقاء بكل ناب |
فما صيغ البيان لقول زور | ولا الوجدان قدس للتغابي |
و ما نفع الثقافة من أناس | إذا لم يسلكوا طرق الصواب |
و ما رفعوا ثقافتهم منارا | لهذا الجيل يسطع كالشهاب |
و لا مدوا إلى المظلوم كفا | لترفع عنه أسواط العذاب |
و ما يجدي بربك عذب ماء | إذا لم يسع يوما لانسياب |
و يقتحم المفاوز باندفاع | ليحيي تربة الأرض اليباب |
و هل يجدى ركود الماء الا | وباء يستحيل إلى تباب |
وأرسل هذه القصيدة إلى السيد نور الدين بدر الدين:
أ رأيت عودة فارس مكسور | من ساحة الهيجا بشر مصير |
بامض ما يلقى الكريم إذا انبرى | لصراع أهل تعسف وفجور |
ذهب العدو برحله وبماله | وبسيفه لعبت يد التكسير |
و تفرق الأشياع عنه فأصبحوا | ما بين مقتول وبين أسير |
فمشى يفتش عن أسى لجراحه | وعن السلو لقلبه الموتور |
و أتى الحمى فإذا الذين لأجلهم | لاقى من الأيام كل مرير |
و سعى لخيرهم واجهد نفسه | في رد مظلمة ودفع شرور |
و أحب ان يشقى لينعم عيشهم | وينار افقهم بساطع نور |
لا يحمد العمل الكريم لديهم | ويبادل التكريم بالتحقير |
عقبان جوان دعوا لدنيئة | وبساحة العليا بغاث طيور |
و سيوف ظالمهم إذا ما استظلموا | ونصيرهم فيهم بغير نصير |
فمضى يتابع سيره في مهمه | قفر وفي أفق من الديجور |
سلواه من دنياه نفس عفة | ما مسها زيغ وطهر ضمير |
علما بان لكل ليل منتهى | ولكل فجر موعد لظهور |
فلينعم الأنذال عيشا وليطب | لهم التقلب في فراش حرير |
و تقر أعينهم ويخلو بالهم | مما يحمله رقيق شعور |
و يجر من تعب لأهل حمية | قول بمعروف وعون فقير |
يهنيهم مات الضمير لديهم | وخلوا من الاحساس والتفكير |
لا يألمون إذا أصابوا بلغة | من هضم حق أو شهادة زور |
و يطيب عندهم تزاحمهم على | أبواب ذي حول ورب قصور |
ليشنف الأسماع باطل نطقه | وتدغدغ الآناف ريح قدور |
يهنيهم لا يابهون لمنكر | أو يحفلون بمسلك محظور |
فنفوسهم ترتاد آسن مورد | وطعامهم للهام غير طهور |
و إذا استمعت لهم فمنطق ضفدع | وإذا نظرت فسمنة الخنزير |
بان الطريق لمن يريد رفاهة | ويعيش مغمورا بجو سرور |
و ينال بين الناس ارفع منزل | ويحاط بالتطبيل والتزمير |
يا ليتني من قبل كنت سلكته | وعملت قبل اليوم ضد ضميري |
ما ذا جنت لي رأفتي وحميتي | من بعد أعوام مضت وشهور |
في الكد والإجهاد غير تحسر | مر على عهد الصبا المهدور |
يا ضيعة الأخلاق يذهب ريحها | وتغيب خلف غياهب وستور |
و شقاء من علقت به أسبابها | في عالم الاجرام والتزوير |
ساسير بعد اليوم خلف غوايتي | متتبعا آثار كل غرير |
همي تطلب لذة وسرور | وتحذلق سمج وحب ظهور |
لا سائلا عما يدنس ذمة | أو عابئا بمحرم منكور |
فلقد عرفت اليوم بعد تجاربي | اي المسالك انتحي بمسيري |
كيما أكون بذي الحياة منعما | وأفوز بالإجلال والتقدير |
فالإثم يمكن ان يرى كفضيلة | ويكافا المأثوم كالمأجور |
ما زالت الدنيا نصيب مخادع | والعيش حظ الفاتك الشرير |
و الدين والأخلاق لغو في الورى | والناس بين ثعالب وحمير |
فمع الثعالب سوف أصبح ثعلبا | احتال في سعيي وفي تدبيري |
و أجد كي أغدو كأمكر ماكر | قذف الوجود به ظلام وكور |
اعطي القوي من اللسان حلاوة | وأسير بين يديه كالمأسور |
و أكون من أنصاره أما طغى | واشتط في زيف به وغرور |
حتى يصادقني ويصبح ناصري | في كيد جاري أو شقاء نظيري |
و يصير يشركني بلامع جاهه | وينيلني من ماله الموفور |
و هناك أصبح مثل سبع كاسر | عنه (الحمير) فيرهبون زئيري |
فأنال من أموالهم ونفوسهم | ما تستقيم به جميع أموري |
لكنما وهنا المصيبة لم يعد | لي الحول في التبديل والتغيير |
إذ سوف يقعدني اختمار عقيدتي | عن ان أحول خامري لفطير |
و سيستحيل علي بعد تحرري | إحراز حظ الخائن المأجور |
وأرسل إلى صديق له يستقضيه إرسال كيس من التبن كان قد وعد بإرساله:
ما كنت يوما في وعودك تخلف | بل كنت دوما للوعود تشرف |
فالوعد منك كحكم ربي ناجز | والقول يحكيه الحسام المرهف |
تعطي فتفتح للمكارم بابها | تلجي بها بالراحتين وتقحف |
و كأنها البحر الذي لا ينتهي | وكأنها الأفق الذي لا يكشف |
و إذا الخلائق أنكرت ما أدعي | وخلا من الناس المقر المنصف |
فلينكروا أو يشهدوا ما ضرني | (سل الخيار ) بصدق قولي اعرف |
و كفا بذلك شاهدا اني أرى | ريق الحسود بذي الشهادة ينشف |
فلنعصر الليمون في عين العدي | وعلى ذقون المنكرين نتفتف |
و لكم عذلت وقيل لي أين الوفا | وهناك حادثة لها يتأسف |
تسعى لتسترها وان بسترها | لتكاد نعجتك الظريفة تتلف |
و تضيع أوقات عليك قضيتها | في حالك الليل البهيم تعلف |
اما (الخيار) فقد صنعت مخللا | للفنطزية منه يا متفلسف |
لتزيد نفسك بالماكل شهوة | فتروح لا يرويك الا المنسف |
و الجوع في كل الزوايا رابض | والناس من ضيق بها تتأفف |
فيكون يقصد بالوفاء بوعده | تمزيق جيبك أو لبيتك ينسف |
و لو ان عندك من ذكاء ذرة | لكشفت عن نياته ما نكشف |
أو ما تراه قد تناسى وعده | لما رأى إنجازه لك يسعف |
فإذا بقيت بوعده متعلقا | فلسوف عمر الشاة حتما يقصف |
و يزول حلمك (بالقورما) في الشتا | وترى كلاب الحي نحوك تزحف |
سعت العواذل ان تفرق بيننا | ليزول عهد بالمودة يوصف |
و رأوا بكيس التبن خير وسيلة | للدس فانبسطوا لذاك وكيفوا |
لا تفرحوا يا عاذلين فعزت | ما كان يوما بالتهرب يعرف |
لكن هناك مشاكل ومشاغل | تنسي ومنها واضح وملفلف |
فمتى تذكر سوف ينجز وعده | وإلى جنابي الكيس سوف يشرف |
و لسوف تملأ منه شاتي بطنها | وعلى لحاكم ما يزيد سانعف |
طلب أحد الشعراء لنفسه امارة الشعر فأرسل يبايعه بهذه الأبيات:
أبا معن لقد أصبحت فخرا | لأهل الفن في المعمور أجمع |
فما من بلدة في الأرض الا | ونجمك في سماها بات يسطع |
من البحر المحيط بأرض صور | إلى الجبل المقيم عليه يوشع |
لأنك أشعر الشعرا جميعا | وأكرم من فتى عيسى وأشجع |
و خصك فوق ذلك رب موسى | بحسن نلته مذ كنت ترضع |
فصرت حديث السنة العذارى | إذا ما راح يجمعهن مخدع |
و ان يوما رأينك في طريق | تكاد ظهورهن لذاك تخلع |
و تجمد أعين ويسيل ريق | ويخفق نابض ضمته أضلع |
و أنت بهن لا تبدي اعتناء | كان أخت الغزال لديك ضفدع |
و ما في (خرجك) المدلى ارتخاء | ولا (المعلوم) جار عليه مبضع |
و لكن قد شغلت عن الغواني | بنظم قصيدة وبقذف مدفع |
إلى ان صرت أشعر من جرير | ومن سبع الفلاة غدوت أشجع |
و نلت امارة الشعراء طرا | وصرت لهم مدى الأيام مرجع |
وأرسل إلى السيد نور الدين هذه القصيدة في بلدته النبطية:
إليك أبا الخطاب ترجع بي الذكرى | وتبعث بالاطياف حالمة سكرى |
تعود إلى ماض حبيب حييته | واخوة صدق عشت بينهم دهرا |
فكانوا لآلامي المريرة بلسما | وفي أفق عيشي اطلعوا انجما زهرا |
سراة كرام كلهم اريحية | بطيبهم فاضت ديارهم سحرا |
نسيت لديهم كل حيف لقيته | وأنقذت نفسي من جهنمي الحمرا |
و صرت أحس القلب يعمر بالرضا | وان نواحي النفس قد ملئت بشرا |
فيا طيبه عهدا لديهم قضيته | غنيت به عن ان أفكر بالأخرى |
فروح وريحان وصحبة ماجد | وألوان فن لا أطيق لها حصرا |
بها خصني ربي فاسرى بعبده | إلى دار نعماه تبارك من أسرى |
و بورك مسريا به دون غيره | ليبدل بالإعسار من عيشه يسرى |
علي لكم دين أود وفاءه | تحملته دهرا ونؤت به ظهرا |
و قد آن لي رد الجميل لأهله | ولم يعد الإنصاف يقبل لي عذرا |
فلو كان بالإمكان صهر عواطفي | ملأت سماكم من تفتقها عطرا |
و لو انني أستطيع عصرا لمهجتي | لكنت أسلت الأرض من تحتكم خمرا |
و لو أظهرت لي ليلة القدر مرة | لطالبتها ان لا تشيب لكم شعرا |
و لكنني والحمد لله عاجز | فلا نفع عندي ترتجيه ولا ضرا |
أ يمنح شعرا اصلع الرأس أقرع | ويحمي سواه من بلحيته جرا |
و يعطي نوالا من إذا ما بلوته | تاملت سوس الفقر ينخره نخرا |
فلم يبق لي والحال ما قد علمته | سوى أضعف الايمان أرسله شعرا |
لأجل بني الأنباط أبدلت قبلتي | وحولت وجهي نحو أرضك يا ( بترا ) |
و عفت لأجل الاريحية موطني | وأبناءه من نسل سيدتي الزهراء |
أولي المجد من عليا نزار وهاشم | بموكبهم تمشي بابطالها (شقرا) |
فيا واقفا في الدرب انج فباسهم | يريك نجوم الليل طالعة ظهرا |
و يا ارض ميدي يا جبال تدكدكي | فقد زحف الايمان يقتلع الكفرا |
و هذا هو التاريخ يرجع نفسه | فاجدادهم من قبل قد سحقوا كسرى |
و ليس بعيدا ان يجدد عهدهم | ويستملكوا الأجواء والبر والبحرا |
فكيف لمثلي ان يشق طريقه | وقد قامت الدنيا قيامتها الكبرى |
و ما لي من بأس أخيف به امرأ | ولا همة قعساء تقتلع الصخرا |
و لا لي وجه يكسف الشمس نوره | ولا لحية شقرا ولا عمة خضرا |
فما انا الا غلطة في صحيفة | يمر بها القراء مرا ولا تقرا |
و لست إذا ما المجد عد قطيعه | سوى عنزة من بعض (معزته العرا) |
فما لي والأمجاد تنفخ معدتي | وتجعلني كالطبل تشبعه نقرا |
و تفرغ قلبي من طباع رضية | وتجعل مني الرأس من سخفه قفرا |
فلا ارتضي الا المجرة مسكنا | وغير رفيع النجم لا اعتلي مهرا |
و أبصر نفسي محور الكون كله | وأوسع من في الأرض قاطبة فكرا |
أديب لبيب فيلسوف محنك | خطيب يسيل القول من فمه درا |
مكر مفر مدبر مقبل معا | إذا ما رآني الفيل من خوفه فرا |
بدوني لا يرجى صلاح لامة | ولا ترتضي غيري يدير لها أمرا |
و أمضي وشيطان الغرور يقودني | يطبل لي طورا ويرقص لي طورا |
و تحملني الأوهام فوق اكفها | كما تحمل الأرياح في متنها قشرا |
فاغفو كما يغفو معاقر خمرة | وقد عب منها دون ما (مازة) لترا |
و تاخذني غيبوبة مضرية | فاحلم ان الكون قد دان لي طرا |
و قد اعشت الابصار أنوار عزتي | وسجل لي التاريخ في سفره سطرا |
دخيلك نور الدين يا بدر ديننا | وأكرم بدين نصطفيك له بدرا |
أعود إليك اليوم أبدي ندامتي | وارفع من بعد العقوق لك العشرا |
و القي العصا كي يستقر بي النوى | واكسب بعد الإثم في قربك الاجرا |
فقد ضل سعيي حين رحت ميمما | بلادا ترى سهل الحياة بها وعرا |
يود أخو الاحساس لو ان أذنه | اصمت بها أو ان مقلته عورا |
فلا عين تبكي أو جوارح تشتكي | ويسكن قبل الموت في بيته قبرا |
فدعني يا مولاي ألتمس الرضا | وأغرف من أنوار طلعتك الغرا |
و ألثم يمناك الطهور تبركا | وأشفع بالتقبيل راحتك اليسرى |
و ما زلت كالماضي رسول هداية | بتقواك نستشفي ونستنزل القطرا |
و مثلك من يرجى لمن ضل دربه | وفي خدمة الشيطان قد ضيع العمرا |
فأيقن ان الحب خير شريعة | وغير طريق الحق لم ينتح مسرى |
و راح بعيدا عنك تشغله المنى | ويغرق في الآمال تحسبها بحرا |
و ألهته ألوان الجمال بسحرها | فاسرف بالامعان في أثرها سيرا |
و أهمل إعطاء الفضيلة حقها | فلم يستغب زيدا ولم ينتقد عمرا |
و أبعد عنه البغض والحقد والأذى | وظن بكل الناس من جهله خيرا |
وأرسل إلى السيد نور الدين هذه القصيدة بانتهاء شهر رمضان:
حكم نعالك في رقاب الحسد | حيث التقيت بهم ولا تتردد |
نازلهم لا تخش فعل نعالهم | ان قاوموك وفي المنازلة أصمد |
و ابعث عليهم من لسانك عاصفا | يلقي بهم في بحر غيظ مزبد |
(لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى) | اما سكت وكنت مكتوف اليد |
فاستعجل (الزحف المقدس) ولتكن | في (مستوى الأحداث) ولتستاسد |
فعلى خصائصك الفريدة سيدي | تبنى مداميك العلى والسؤدد |
و كفاك منها ان عددت ثلاثة | القبح والإفلاس والأصل الردي |
أ منارتي في الحالكات وفرقدي | ومقلدي في المشكلات ومرشدي |
اني لتابعك الأمين وانه | لعلى خطى الهادي يسير المهتدي |
فاعر لساني من لدنك سفاهة | ويدي بنعل من نعالك زود |
فاخوض معركة النعال مجاهدا | بعزيمة الشهر الأجل الأمجد |
و أرد عنك الحاسدين وكيدهم | وأكون بين يديك خير مجند |
مستاثرا بالنصر رغم أنوفهم | ليشع مجدك بالسنا المتوقد |
فاروح أخطر (كالمشير) مهابة | وتروح تزهو (كالزعيم الأوحد) |
لا تعجبن إذا بليت بحاسد | ما من عظيم في الورى لم يحسد |
أ ولم تنل كنز السعادة دونه | وعددت بين الناس شبه مخلد |
بقناعة لم يرض غيرك حملها | وبفضل طول تصبر وتجلد |
كم راودتك النفس تبغي متعة | فأجبتها دوما-مكانك تحمدي |
و قنعت بالذكر الحميد عن الغنى | وعن اللذائذ بالسلوك الجيد |
و بقيت رغم المغريات معلما | وعلى جحيم الكبت لم تتمرد |
أ ترى سواك يطيق هدر حياته | ما بين طاولة ولوح أسود |
و بغرفة كالقبر أو هي دونه | في وضع مشلول وجلسة مقعد |
متحملا كابوس صعفص ليله | ونهاره تشقيه صحبة ابجد |
(يا حامل الآلام عن هذا الورى) | يهنيك قد بوئت اسمى مقعد |
و علتك من نور الرسالة هالة | فكان وجهك قطعة من فرقد |
و تركت خلفك حاسديك بحرقة | يتقلبون كأنهم في موقد |
خاب الذي يهجوك دوما قائلا | بوقاحة الجلف الجهول المعتدي |
(و معلم الأولاد اصقع لحية | من حائك ومسكف ومنجد) |
أ وما درى ان ابن أكبر قحبة | يخشاك ان تبرق وان لم ترعد |
كم مرة بالسوط رحت تناله | ودموعه تجري على الخد الندي |
لا سائلا عن قامة ميادة | أو عابئا بتألق وتورد |
و هو الذي لو كان مر بعابد | للطى له حتما بباب المسجد |
و لعاف من شوق اليه حياته | وقضى الليالي في جوى وتنهد |
و مخنث غث السليقة تافه | لا للندى أهل ولا لمهند |
أغراه من دنياك فرط هزالها | فانسل ينسج عدة المتصيد |
تخذ (العقيدة) كالغطاء لنقصه | كحديدة طليت بزائف عسجد |
و كأنه الوطواط لون جسمه | متلمسا بعثا جمال الهدهد |
كيما يقال بأنه متفوق | ويعد رائد نهضة وتجدد |
رام العقيدة كي يفكك عقدة | في نفسه فازداد سوء تعقد |
و إذا به يقتات من أشلائه | كالهر يطعم من حديد المبرد |
و بقيت أنت على حجاك مثابرا | وعن التزهد خطوة لم تبعد |
لم تسع يوما ان تكون مصدرا | لعقيدة كلا ولم تستورد |
و حرصت ان لا يستبيك تدمشق | ان أن تجن فتبتلى بتبغدد |
وتركت غيرك للمطامع طعمة | وسلمت لم تسحل ولم تستشهد |
يا من بدنياه استخف فعدها | ثوبا معارا لا يدوم لمرتد |
و انساق خلف صلاته وصيامه | متبتلا يرجو الشفاعة في غد |
أهنا فشوال أطل هلاله | وأفرح بمقدمه السعيد وعيد |
و ارتح فنفسك قد أطلت عناءها | بتضرع وتهجد وتعبد |
ما ذا عليك إذا فككت عقالها | ورحمتها بعد الصيام المجهد |
و أذقتها بعض الذي ستناله | يوم القيامة في النعيم السرمدي |
و لها الرصيد الضخم عند آلها | نهر من اللذات عذب المورد |
فاطلب لها منه لعيدك سلفة | وعلى الحساب كما يشأ ليقيد |
و أنعم ولو في العمر يوما واحدا | وأدر قفاك لعاذل ومندد |
وقال جوابا على قصيدة وردته من الأستاذ محمد فلحة:
سفهت كل تعارك وهراش | وعصمت نفسي عن عقيم نقاش |
و نزعت من صدري الضمير ودسته | ومشيت كالأعمى وكالمتعاشي |
و تركت سلمي الذي حملته | بالعرض ضد منافق أو واشي |
و انسقت في قلب القطيع على رضى | جحشا تحيط به ألوف جحاش |
و رغبت إذ عياش مهد طفولتي | في ان أكون بمستوى عياش |
يا ربة الأمجاد أنت شفيعتي | وعليك بات معلقا انعاشي |
لا تحسبيني قد جفوت فطالما | شوقا إليك أطلت بالاجهاش |
هذي ثمار شبيبتي قد عفتها | وتركتها تذوي بغير حواش |
و أتيت يا عياش نحوك ضارعا | ومددت فوق ثراك فضل فراشي |
تدعو ابن شقرا يا ابن ميس للتقى | متوسلا بالعرب والأحباش |
سمعا أبا ذر الزمان وطاعة | هذا بلال في طريقك ماشي |
فأقم لذقنك للفراشي مصنعا | وابن لرأسك معملا للشاش |
ان كان كنه الدين بعض مظاهر | والعبقرية فيه متر قماش |
لكن سالتك ما تقول بما مضى | من فعل آثام ومن أفحاش |
اني لأخجل حين تذكر كربلاء | من أبرياء مسلبين عطاش |
و المؤمنون على جديد هداهم | ما بين آكل رشوة أو راشي |
هل تنفع الأقوال من متفلسف | ان لم يكن في الحق بالبطاش |
لا أحسب الماضي تغير سيره | بل زيد فوق الطين بعض رشاش |
و اليوم تأتينا العقائد شرعا | وكأنها سرب من الأحناش |
تنسل ما بين الصفوف لعلها | تبني لها عشا من الأعشاش |
من لا يقول بقولها هو ناكر | للعبقرية أو عميل فاشي |
أ ترى يجوز بان نظل خوارحا | ومحل حقد عندها نهاش |
قم نبغ أيضا توبة عصرية | وتعال نتبع ركبها ونماشي |
لا تخش زحفا فيه تقضي باسلا | بقذيفة من مدفع رشاش |
يكفيك من عدد القتال مقالة | وقليل حذلقة وبعض هواش |
حتى تصير من المشار إليهم | وتشال فوق مناكب الأوباش |
و لم الجهاد ببذل ماء أو دم | وجهاد غيرك جاءه ببلاش |
فغدا مشيرا غازيا مع انه | بالأمس كان أقل من انباشي |
شبنا وما زلنا نعد عجائبا | ونرى صنوف ثعالب ومواشي |
مما سمعت وما رأيت لديهم | كم شاقني ان لا أكون بناشي |
و لكم اسفت لجعل نفسي والدا | يا ليتني من قبل كنت (طواشي) |
ما ذا يشوق من الحياة وحلوها | كالسم ينفثه فم الرقاش |
فإذا رغبت ببصمة ومحاشي | وصباك فاخر منزل ورياش |
فدع المواعظ يا ابن فلحة جانبا | ما فاز في الدنيا سوى الغشاش |
و إذا أردت الزهد فيها مخلصا | فطريقه اركيلة الحشاش |
وأرسل إلى الأستاذ محمد فلحة هذه القصيدة في أواخر شهر رمضان:
إليك أخا المفاخر والمعالي | وليث الغاب في ساح النزال |
أتيت اليوم أرجو منك عونا | ليحسن بعد سوء الحال حالي |
و من مثل الهمام أبي وحيد | لاعطاء النوال لدى السؤال |
فتى أجداده كانوا شموسا | ومفخرة القرون بلا جدال |
و قد ورث المكارم عن نزار | وعن قحطان مأثور الفعال |
فكان كما يليق به أمينا | على إرث كمكنون اللآلي |
و فرخ البط عوام ويمضي | سليل النبل في اثر الأوالي |
فته عزا وحق لك التباهي | بعم ماجد وكريم خال |
فما في الكون من يعلوك أصلا | فاصلك شامخ صعب المنال |
كبار الناس في شرق وغرب | ومن أقصى الجنوب إلى الشمال |
إذا قيسوا بمجدك لم يكونوا | لدى علياك الا كالنمال |
و هذي الأرض من بر وبحر | وما تحويه من شم الجبال |
تضيق لدى طموحك حيث تبدو | لعينك شبه حبة برتقال |
فدع من يدعي ان المعالي | بعلم أو بذوق أو بمال |
و لا يشغل فديتك منك بالا | ولكن بل عليه ولا تبالي |
و لقنه بذلك خير درس | به يغنيك عن ألفي مقال |
فيا من زق حب المجد زقا | وأولع بالتشامخ والتعالي |
انلني بعض ما في الكأس مما | تعاطيه من الفخر الزلال |
عصارة ما جناه بقول شعر | وأورثه أبو زيد الهلالي |
فاني منذ أعوام أغني | وأنت بعب كاسك في انشغال |
تعب ولا تخاف سداد قلب | ولا تخشى التورم في الطحال |
فتضخم عزة وإباء نفس | وتبقيني بقربك في هزال |
و تعلم انني ما بين قوم | عراض من مناقبهم طوال |
إذا بلغ الفطام لهم صبي | رأيت عليه هيبة مارشال |
و ان يمشي فنجم في سماء | وكالغندول في عرض القنال |
و ان حم القضاء ولم تسارع | اليه الأم من ضيق المجال |
تمطى ثم ارخاها مريئا | فتحسبها كريم الايديال |
و ان ينطق فما أحلاه لحنا | وأعظم بالنشيد الناسيونال |
و ان يضحك فيا دنيا اطلي | فذي اجواء عيد الكرنفال |
جلال في دلال في جمال | وبورك بالصبي ابن الحلال |
و حق له بان يدعى افتخارا | بغاز أو جهاد أو نضال |
وليل بته سهران مضنى | كاني في لظى داء عضال |
و غيري غارق في لجر بحر نوم | وفي اسبانيا يبني العلالي |
تبدت فيه نفسي شبه ليث | توثب لانقضاض بانفعال |
تقول وقولها جحر تلظى | ومثل القوس يقذف بالنبال |
علا م تعيش في ظل انزواء | وعن دنيا التطلع في انعزال |
و تبقيني لصدر شبه قبر | كاني مجرم رهن اعتقال |
و حولك عصبة ملئت نشاطا | ففي حل تراها وارتحال |
لها في كل عرس خير قرص | وصدر الدار في كل احتفال |
إذا فاتها فعل لخير | وكانت والمروءة في اقتتال |
ليقصر عن مداها كل فحل | إذا أخذت بقيل أو بقال |
فلا تبقى على سر غطاء | وتنشر ما انطوى فوق الحبال |
و تمضي النفس في لوم مرير | وتبقي النار دوما في اشتعال |
تؤنبني وتمعن في عتابي | وتكشف عن غبائي واختبالي |
و تعجب كيف اني بين قومي | أقيم بلا حراك كالشوال |
فلو قام الجدال وكان جحش | مدار البحث في احدى الليالي |
و كل يدعي وصلا بليلى | ودار لأجله ضرب النعال |
عن البحث الجليل أصم أذني | وأبعد ما استطعت عن الجدال |
و اتركهم وجحشهم وامضي | أفكر بالحياصة والجلال |
فحق إذا إذ لنفسي ان تغالي | بشكواها لضعفي وانحلالي |
فلو كان الرجال على مثالي | لفضلت النساء على الرجال |
و قد فات الأوان لرتق فتق | فذا صوت يجلجل في الأعالي |
تودع من ظلال عرار نجد | فما بعد العشية من ظلال |
فمن لم يبلغ العليا فتيا | فليس ينالها والجسم بال |
و من لم ينم فيه كبرياء | كاتراب له لحم الجمال |
فلا يرجو وقد خارت قواه | بلوغ المجد من لحم السخال |
و ذا شهر الصيام وقد تدانت | أواخره وآذن بالزوال |
فلا تتركه يمضي دون بذل | لمستعط شكا من سوء حال |
فادركني وسارع في انتشالي | وبادر في مسيرك كالغزال |
و أشركني بعزك بعض وقت | وافلتني بجودك من عقال |
فتغنم فوق أجر الصوم أجرا | وتخلد في جنائن ذي الجلال |
وأرسل إلى السيد نور الدين بدر الدين هذه القصيدة:
في القلب من ذكرى الاحبة نار | ما جن ليل أو أطل نهار |
تمضي بي الأيام وهي مقيمة | ويشفني الإعياء وهي أوار |
قدسية ما شاب زيت سراجها | مين ولم يسقط عليه غبار |
من سلسل الوجدان صفو عصيرة | ومن المروءة ريحه المعطار |
اوقدته نارا على ومضاتها | تتراقص الأحلام والأفكار |
و تعود بي عبر الزمان إلى حمى | كاس الهنا والصفو فيه يدار |
نضرت جوانبه بأوجه فتية | فكأنهم لدروبه أزهار |
لانوا فلم تقس الحياة عليهم | وعنت لهم بصروفها الأقدار |
ذكرى الاحبة لاعدمتك موئلا | ان ساء دار أو تخابث جار |
عفوا أبا الخطاب ان انا شاقني | مع من أحب على البعاد حوار |
و أتيت من منفاي ابعث زفرة | من مهجتي وكأنها اعصار |
فتقبل النجوى ولا تك لاحيا | ان ساء مني الورد والإصدار |
و غفلت عما أنت فيه من العنا | وبما تنوء بعبئه وتحار |
و رميت اثقالي عليك لحملها | وكأنما للشحن أنت قطار |
فاصبر أخا أيوب كالسبع الذي | وفي العلى لما اعتلاه حمار |
و أبى التهرب من قضاء نازل | لو مد في غار لسد الغار |
و تحمل البلوى ولو من حملها | قد قطعت من شرجه الأوتار |
فجنى الخلود لذكره بآبائه | وعلا قفاه من الصمود وقار |
فلنبق قطبي نخوة وحمية | وليحي فينا الصدق والإيثار |
أ يكون سبع الغاب أوفى ذمة | ممن نماه إلى الفخار نزار |
لا كنت من عليا نزار ان انا | لم يعل رأسي من قفاي الغار |
و أعز مني عند ذلك أرنب | وأجل مني القط بل والفأر |
ها ان نوارا مضت أيامه | فهل اصطفاك بمتعة نوار |
يا شهر نوار وثغرك باسم | ورحيب صدرك بالهوى موار |
و خدينك النهر المصفق ماؤه | ولدانك الأزهار والأطيار |
لا لامست قدماك أرضا أهلها | عمي العيون قلوبهم أحجار |
ما أنت الا نفحة من جنة | فانجح بنفسك انهم كفار |
و على ذرى جبل الرويس وسفحه | حط الرجال فتلك نعم الدار |
فهناك أهل الدين والدنيا معا | منهم بحسنك تأنس الأنظار |
و تهيج أفئدة لهم من روعة | ويفيض فكر فيهم ويثأر |
و يسود روحهم التصوف فالدنا | بسنا التجلي والصفار تنار |
فعلى المآذن والجلال يلفها | تتردد الصلوات والاذكار |
و على منابع شقحة ورياضها | العشق والصهباء والمزمار |
فاجعل أيا نوار دربك دائما | في أرضهم ان الكريم يزار |
و على أبي الخطاب مر فإنه | هو صورة ولها الجميع اطار |
يا من تغنى بالجمال وبالهوى | وكأنه بين الأنام هزار |
أطلقت للقلب الجموح عنانه | فجرى وضاق بجريه المضمار |
الحق والذوق السليم كلاهما | هدف له في سعيه وشعار |
فأعدت لابن أبي ربيعة ذكره | وعلى خطاه حلا لك التسيار |
في كل روض ناضر لك وقفة | ووراء كل مليحة مشوار |
لم تدخل الشحناء قلبك مرة | أو خالطت أفكارك الأوتار |
لو كان كل الناس مثلك رقة | لاستؤصلت من أرضنا الأوزار |
لكنهم ظنوا الحياة تناطحا | من سخفهم وكأنهم ابقار |
فإلى الذي جعل القرون سلاحه | وبها يظن بأنه مغوار |
لا بد يوما من لقاء غضنفر | منه تمزق جلده الأظفار |
و لرب يسر قد تليه عقدة | كأداء يسلح عندها النجار |
وقال جوابا عن أبيات أتته من جماعة من أصدقائه:
أ بعد الصالحات من السنين | وما طبع السجود على جبيني |
و ما أهرقت من ماء نمير | على عطشي ليطهر بنطلوني |
أبيعكم لساعات يقيني | وأخسر بعد طول الجهد ديني |
استعنت عليكم بالله مما | لديكم للغواية من فنون |
و من عشق لتضليل البرايا | كعشق القرد بعثرة الطحين |
فكعوا عن ملاحقتي فاني | غليظ القلب ذو ذهن ثخين |
و لست بفاهم منكم حديثا | عن ابن بطوطة أو افلطون |
و عن اعجاز رحلة كاكرين | وأمجاد |
و آيات على الحيطان خطت | بتفضيل اليسار على اليمين |
و عن سحر المباسم والعيون | وطير صادح في كرم تين |
و عن كاس من الخمر المصفى | تضوع منه عطر اليانسون |
فكم من قبلكم إبليس قاسى | وحاول جهده كي يصطفيني |
فعاد يحك من فشل قفاه | وهج بفعل ايماني المتين |
أ يحرقني المشير أبو نعيم | وأركان القيادة في العرين |
و ما ذا في عرينكم فيرجى | وجل طعامكم دحروب تين |
لئن تستهزؤوا مني فاني | (متى أضع العمامة تعرفوني) |
و قد أحسنت صنعا دون شك | بركضي خلف فروج سمين |
فما في المضغ للأخيار عيب | ولا في البلع من فعل مشين |
(و يا إخواننا بالله) كونوا | على ثقة وجزم من يقيني |
و حاشا ان تخامركم شكوك | بان البعض عنكم ابعدوني |
و انهم اضافوني إليهم | وفي بئر الغواية دندلوني |
فمن كان الرغيف لديه نجما | وبحر محيطه (لكن العجين) |
يطيب له بهذا اليوم طبعا | صدى وقع الملاعق في الصحون |
فكم طربت لرنتها ضلوعي | وكم رقصت لمرآها عيوني |
و يا أسفي عليك أبا وحيد | تساق بسوط شيطان لعين |
و تجري لا يصدك نصح هاد | كأنك في مسيرك كالترين |
أبو عدنان لا يعنيه أمري | ولا يعنيه ما بك من شجون |
و لا تحسب بان أبا نعيم | ستبقى منه في حصن حصين |
فمن لم يخش ربا قد براه | فليس على ودادك بالأمين |
تعال إلي يا ابن الخال نمضي | إلى ركن الهداية واليقين |
لتنزع من فؤادك كل شك | وتمسح عنه آثار الظنون |
و تشفي فيه من جوع عتيق | تعاني منه كالجرح الدفين |
فاسماعيل يحشو المخ وعظا | وليس بحشو بطنك بالضنين |
فعيب أن تظل على ضلال | وقد جاوزت حد الأربعين |
و تترك للزميل أبي فؤاد | فخار الفوز في نصب الكمين |
وقال جوابا عن قصيدة للسيد نور الدين بدر الدين:
صبح محل وليل كله ضجر | فالقلب في محنة والسمع والبصر |
كأنما الكون لا شمس تدغدغه | ولا يفتق أحلاما له قمر |
و هذه الأرض لا راح ولا وتر | ولا نسيم ولا ماء ولا شجر |
و لا عطاء لفكر من روائعه | تجمل العيش فيه وازدهت صور |
فانسي الحس ماساة الوجود وما | قد يبتليه به في غفلة قدر |
و راح ينعم في احلامه سحرا | ولا يخالجه من صحبه حذر |
لكنما وبلاء الناس أكثره | يأتي به منهم من طبعه الضرر |
من لا تطيب حياة قربه أبدا | ولا يدار له من فسقه دبر |
فأفقه رغم نور الشمس في غسق | وماؤه دائما من خبثه عكر |
يا من إلى دوحة الأنباط قد نسبوا | يتهوا بمن شيد البتراء وافتخروا |
ما كان أجدادكم الا عباقرة | مدى الزمان شذا ذكراهم عطر |
في بلقع موحش لا الطير تعبره | ولا يمر به جن ولا بشر |
كم بالازاميل من صرح لهم رفعوا | وفي حشا الصخر كم بئر لهم حفروا |
فكان ما كان من اعجوبة حدثت | فالقفر مخضوضر والعيش مزدهر |
و للمحبة في افيائهم عبق | وللعدالة عين دأبها السهر |
و للرجاء على درب الحياة سنا | فلا يتيه لهم في سعيهم نظر |
و ما أظنك يوما كنت مقتنعا | بان جدك فيما قد مضى مضر |
فأين أنت من الافذاذ ان حضروا | وراح در من الأفواه ينتثر |
و قال قائلهم والتيه ينفخه | وشعلة المجد في عينيه تستعر |
انا الذي نظر الأعمى إلى أدبي | فلا عمى بعد في الدنيا ولا عور |
و الخيل والليل والبيداء تعرفني | والسيف يشهد اني في الوغى نمر |
بالأمس كان بنو الاسبان لي خدما | والروم من حشمي والفرس والتتر |
و اليوم سخر لي الأمر يك أنفسهم | ورهن أمري صار الروس والمجر |
فمن هنا خبرة تأتي واعتدة | ومن هناك شهي القمح والدلر |
كذا الخراج أعدت اليوم سيرته | والعلج عاد بامري اليوم يأتمر |
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم | أنا الهزبر واشتات الورى بقر |
و يوم أبعث فالجنات لي سكن | والغير حتما ستشوي جلدهم صقر |
تلك الاصالة في الإبداع ما برحت | وان تغير منها الشكل والأثر |
ان كان قد سقط الازميل من يدكم | وغاب عن عينكم في المقلع الحجر |
و غير الفكر مجراه فلا صعدا | قد ظل يسمو ولكن راح ينحدر |
إلى صعيد اليه سار قبلكم | قوم نزلتم عليهم طبعهم قذر |
فكان لا بد من إبراز فنكم | في جولة معهم فيما به اشتهروا |
و هل يهاب لذيذ النقر في جسد | من قاسي الصخر في ماضيهم نقروا |
و كنتم في انسجام مع أصالتكم | ففقتموهم وفي ميدانهم دحروا |
وقال جوابا على قصيدة جاءته من الشيخ محمد مزرعاني أرسلها من بلدته حولا:
ذكرى تعاودني حينا فابتسم | ويطرب القلب لا يأس ولا سام |
و قد نعد نعيما غفوة سنحت | لمن تؤرقه الآلام والسقم |
و ربما لذ في بيداء مظلمة | بصيص نور بأقصى الأفق يرتسم |
ذكراكم متعة فيها يطالعني | حفظ الذمام وجود الكف والشمم |
فتنجلي من أمامي كل شائبة | يمجها الذوق والأعراف والذمم |
و استريح إلى حين ويوقظني | على المرارة كف غادر وفم |
أعيذكم أن تكونوا كالذين مضوا | ولم يزل بيننا في السوء شبههم |
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم | قالوا لامهم من فرط شحهم |
بولي على النار في ضيق وفي وجل | كان ريب المنايا دق بابهم |
فخيبت سؤلهم بخلا ببولتها | وغير بضع نقاط لم تبل لهم |
و من تميم لهم في لؤمها سلف | وفي المكارم لا اسلاف عندهم |
ما همهم أو عناهم غير أنفسهم | وليس يشغلهم ما فيه غيرهم |
فلا يهش لهم وجه لمغتبط | ولا ترق لذي بلوى قلوبهم |
و يغمضون على الأقذاء أعينهم | ان جاء من يشتري منهم ضميرهم |
كأنهم لم تكن يوما لهم نظم | ولم تنر مرة آفاقهم قيم |
ان يزعم البعض عن حقد وموجدة | بأنكم معشر صعب مراسهم |
و ان طبعكم قاس وقسوته | كاللون والطعم في مغلي شايكم |
و انكم ما مشيتم مرة ابدا | الا وكان بعكس السير سيركم |
فلا اليسار يسار في يساركم | ولا اليمين يمين في يمينكم |
و انكم يوم حشر البعض في سقر | ستحشرون بها في القعر وحدكم |
و ظن ذا البعض ان الدس ينجحهم | فيشمتون ولكن خاب ظنهم |
فكنتم قدوة في الانفتاح لهم | وصرتم قادة والتابعون هم |
و كم تبجح فيما قد مضى نفر | بأنهم خير خلق الله كلهم |
و إن انسانهم ما مثله أحد | وان أشرف حيوان بعيرهم |
و حقروا الغير من وحش ومن بشر | وبالخلائق طرا ساء قولهم |
و إذ بهم بعد حين يلجئون إلى | من كان أبغض خصم في خصومهم |
فيصبح الدب خير الوحش قاطبة | ومقتنوه نجوما يهتدي بهم |
و ليس ذلك عن درس وتوعية | لكن ذلك رغما عن أنوفهم |
فبعضهم لنكايات ببعضهم | وآخرون لكي تحشى جيوبهم |
و دبكم كم تجافوه وقد علموا | بأنه يعربي الأصل مثلهم |
ما لان يوما له عود لمغتصب | ولم تسر خلف دجال له قدم |
و قد نسوا وقفة منه مشرفة | في مهرجان أقاموه لبيكهم |
أ دباب كل القرى من خوفها رقصت | الا الرفيق أبي الضيم دبكم |
فكان رمز التصدي والصمود لنا | من قبل أن تخلق الجبات والعمم |
الخيل والليل والبيداء تعرفه | والسيف والرمح والقرطاس والقلم |
فقدس الله حرشا ضم أضلعه | وعظم الله بالمرحوم أجركم |
وقال جوابا على قصيدة جاءته من الشيخ جعفر همدر:
يا شيخ جعفر آل همدر الذي | اشتهر اسمه بالعاملي اللبناني |
بعد السلام وبعد نفخك ساعة | أشكو إليك لواعج الأشجان |
و أقول من فرط التشوق والهوى | قد صرت أنحف من قضيب البان |
نصفي إلى الزنار في صرمايتي | وبداخل الطربوش نصفي الثاني |
لو كان عرزائيل عزرائيل يعلم موضعي | لزيارة الفردوس كان دعاني |
و لكنت في ذا الحين ارتع في السما | متمتعا بالحور والولدان |
و لو ان كل الشوق مثل تشوقي | لأتى به التحريم في القرآن |
و كأنه لم يكف ما بي ربنا | حتى ابتلاني في هوى الاخوان |
مع ذاك أحمده فلو لا لطفه | لخسرت أيضا طابقي الفوقاني |
قد لا تصدق ذا وتحسب انه | عن قلة أو عارض جسماني |
فاسال فعندي صحة لم يحوها | لا جسم إنسان ولا حيوان |
و انظر إلى شغلي تجده بأنه | من عند عشي إلى حلواني |
كيف اتجهت وكيف سرت فدائما | ترنو إلي لواحظ النسوان |
و يقلن من هذا وهل هو أعزب | ويحطنني من أعين الشيطان |
و ترى جيوبي دائما ملئانة | لم يخل منها القرش والقرشان |
مهما طلبت تراه عندي حاضرا | ولو أنه من أرض هندستان |
لو كنت أنت وحق ربك موضعي | لغدوت مثل دعائم الحيطان |
هل بعد هذا لا تزال مشككا | يا صاحب الايمان والوجدان |
فاحكم وأيقن ان ما بي كله | متسبب عن حبك الروحاني |
خبر صديقك كيف أنت فإنه | نهب الاسى والوجد منذ زمان |
يقضي الليالي ساهرا متحرقا | فكأنه يقلى على النيران |
من أجل تحرير يكلف (آنة) | يا ضيعة الأصحاب والخلان |
و تنام لا يلهيك عن طيب الكرى | ما يعتري النائين من أحزان |
أ ترى يجوز بدين إبليس كذا | أم يا ترى بديانة الرحمن |
فعسى تكون كما أريد واشتهي | من صحة في الجسم والجزدان |
و تكون في انس تروح وتغتدي | وجميع أهل البيت في اطمئنان |
و تكون تدعى بعد اسمك وحده | بأبي فلان أو أبي فليتان |
أما انا فلقد غدوت معلما | بقيادتي جيش من الصبيان |
الحال أحسن انما أخشى على | عقلي من التخريب والنقصان |
و أخاف من بعد التأستذ في غد | ان أغد تلميذا بمارستان |
لكنني راض لأن خسارتي | في خدمة الأهلين والأوطان |
فغدا سالحقهم وأعلي شأنهم | بالراعي والزبال والطحان |
الوقت ضاق وفي ذكاك كفاية | وعن الكتاب عسى يقوم لساني |
و لو انني أبديت كل خواطري | لم يكفني إذ ذاك ماعونان |
فأسلم ودم في غبطة وهناءة | لأخيك جعفر الأقل الجاني |
ومن شعره الظريف في أيام الصبا هذه القصيدة التي نظمها بعد نزهة له مع بعض أصدقائه إلى قلعة دوبيه قرب بلد شقرا:
يا من يقضي عمره | ويضيع منه أكثره |
بين الدفاتر والمحابر | قل ان لا تنظره |
حب القراءة دأبه | أقصى مناه الشحبره |
ما ذا يفيد تعلم | العلم عندي مسخره |
لا سيماالنحوالذي | ما فيه الا النحوره |
اشجى فؤادي درسه | وكداك قلبي مرمره |
لو جئت احدى السيدات | وقد لزمت القنعره |
أدمتك من قبقابها | وعلتك منها الكندره |
ربح الذي دوما غدا | في غير انس لم تره |
قل للذي لا يرعوي | لنصيحتي ما أحمره |
لو كنت تبصرنا وقد | سرنا بقصد الكزدره |
نبغي مكانا لائقا | بجنابنا كي نعبره |
كان المقام بقلعة | مهجورة ومكركره |
فيها أقمنا يومنا | من انسه ما أقصره |
ان كنت تسأل ما الطعام | أقول كان مجدره |
لكنها ممتازة | محمرة ومذرذره |
و كثيرة أيضا وقد | ملأت فناء الطنجره |
و الكل منا جائع | والحال منه مكدره |
أسناننا مسنونة | وكذا الكروش مهيره |
حتى إذا نضج الطبيخ | علت لذاك الهوبره |
و كذا النفوس استبشرت | من بعد عوف التذكرة |
ما كنت تسمع حين نأكل | غير صوت الشخورة |
حتى حسبنا انه | بلغ الطعام الحنجرة |
ثم انكفانا راجعين | كما أتينا القهقره |
هذا حديث ذهابنا | أغناك عن ان تحضره |
ان كنت فيه مقصرا | فإلى الرفاق المعذرة |
وأرسل هذه الأبيات إلى الشيخ عبد الحسين جواد من حولا وقد عزم على السفر إلى المهجر:
بلغ المحب بأنكم ازمعتم | سيرا إلى (تمبكتو) أو (كركاس) |
و بأنكم ستفارقون بلادكم | هربا من الإملاق والإفلاس |
و بان أيام الفراق قريبة | وقد استعذت برب كل الناس |
لكنني راجعت فكري بعد ذا | فوجدت لا ضر ولا من بأس |
لا سيما ان ابتم بسلامة | ووضعتم الأموال في الأكياس |
لو لا الذي قدمت كان يحق لي | تمزيق طربوشي وفتق لباسي |
أرجوكم ان لا تكونوا مثل من | قنعوا بعيش العود والمساس |
و من الأواني كلها ما عندهم | خير من القصعات والجنطاس |
هذي مدينة بيروت تناشدكم | فاختر لنفسك بابورا بها راسي |
وقال عند ما أنشأ الفرنسيون الجمهورية اللبنانية:
لبنان ما أنت بعد اليوم لبنان | إذ قيدوك فلا حكم ولا شان |
كانت أمانيك قبل اليوم زاهرة | وعودها كم تثني وهو ريان |
و كم أقمت على الأحلام شاهقة | وهل يقام على الأحلام بنيان |
مذ كنت تأمل ان يوفوا بوعدهم | لم يصدقوك بما قالوا وقد خانوا |
مضى عليه زمان كنت منتظرا | وسوف تمضي عليه بعد أزمان |
كان الوفاء بما قالوا بان خلقوا | حكومة ما لها في الكون اقران |
كيما تعظم جمهورية دعيت | لو لا قليل لكان اليوم تيجان |
فيها من الناس من قد وظفوا امما | فليس يحصيهم في العد إنسان |
في كل دائرة (مسيو) يديرهم | فما لهم في تولي الحكم سلطان |
اما النوائب أو نوابنا فهم | طوع الأوامر للأذلال قد دانوا |
قد اتقنوا نعما من دون لا فلذا | منهم لكل اقتراح صار إذعان |
كيما لأنفسهم يرضوا بفعلهم | لبنان قد أغضبوا والارز غضبان |
تلك الحكومة والنواب كلهم | قد ضيعونا فلا كانت ولا كانوا |
وقال جوابا عن أبيات:
منكم أتتني أبيات منمقة | قد صغتموها تحاكي اللؤلؤ الرطبا |
منها شممت شذا أنفاسكم عطرا | حتى توهمت فيها مندلا وكبا |
ان صح ما قلتموه بي فلا عجب | تلك الخلائق منكم طيبها اكتسبا |
منكم أخذت الذي قلتم فإنكم | في كل ما في كنتم أنتم السببا |
فلست غيركم في الناس مصطحبا | وليس يندم من إياكم صحبا |
لا زال عيشكم تصفو مشاربه | ولا لقيتم مدى أيامه كربا |
ومن ظرائفه أيام الصبا قوله معارضا قصيدة عمرو بن كلثوم:
الا هبي بصحنك فاطعمينا | ومن لحم الدجاج فاشبعينا |
و من كل المآكل أم عمرو | فانا نشتهي ما تشتهينا |
دعينا من مجدرة وفول | ومن (بو مليح) يا هذي دعينا |
دعينا نأكل الحلوى دعينا | ومن أكل (الفشافيش) امنعينا |
كفانا ما أكلنا منه قبلا | فانا نشتهي كبشا سمينا |
فانا الشاربون متى سقينا | وانا الآكلون متى دعينا |
و انا نورد الأجفان ملأى | ونصدرها فوارغ قد خلينا |
و مادبة يحار العقل فيها | وفخذا قد جننت به جنونا |
فصالوا صولة مما يليهم | وصلنا صولة مما يلينا |
فأبوا بالعظام وبالبقايا | وابنا باللحوم مكردسينا |
نطاعن في الموائد ما قدرنا | ونأكل بالملاعق ما يلينا |
نشق بها صحون الرز شقا | ونخرج من أواسطه الدفينا |
متى ننقل إلى قوم رحانا | يكونوا في اللقاء لنا طحينا |
ومن ظرائفه أيام الصبا:
ببنت جبيل في ذا الوقت طابت | لساكنها الإقامة والحياة |
بجوق لو رآه أبو حشيش | ومن في سلكه ضحكا لماتوا |
تجمع شمله من كل فج | ولم تسع لجمعهم الدعاة |
و لكن ضمهم توحيد ذوق | وأهداف لهم متشابهات |
يجوبون الدروب وهم حفاة | ويلقون الأنام وهم عراة |
و يسمع ان مشوا لهم صهيل | كأنهم الخيول الحايلات |
أناس ربهم دروين اضحى | وأصحاب الضلال لهم هداة |
فلا حل لديهم أو حرام | ولا صوم لديهم أو صلاة |
فيا أهل الديانة أين أنتم | الا فلتهر جلدهم العصاة |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 4- ص: 139