أحمد بن محمد بن سعدي أبو عمر
فقيه فاضل محدث رحل قبل الأربعمائة بمدة فلقي أبا محمد بن أبي زيد بالقيروان، وأبا بكر محمد بن عبد الله الأبهري بالعراق وغيرهما، ورجع إلى الأندلس وحدث. قال عبد الله بن الوليد: سمعت أبا محمد عبد الله بن أبي زيد يسأل أبا عمر أحمد بن محمد بن سعيد المالكي عند وصوله إلى القيروان من ديار المشرق وكان أبو عمر دخل بغداد في حياة أبي بكر محمد بن عبد الله بن عبد الله بن صالح الأبهري، فقال له يوماً: هل حضرت مجالس أهل الكلام؟ فقال: بلى حضرتهم مرتين ثم تركت مجالستهم ولم أعد إليها. فقال له أبو محمد: ولم؟ قال: أما أول مجلس حضرته فرأيت مجلساً قد جمع الفرق كلها المسلمين من أهل السنة والبدعة والكفار من المجوس والدهرية والزنادقة واليهود والنصارى وسائر أجناس الكفر، ولكل فرقة رئيس يتكلم على مذهبه ويجادل عنه فإذا جاء رئيس من أي فرقة كان قامت الجماعة إليه قياماً على أقدامهم حتى يجلس فيجلسون بجلوسه، فإذا غص المجلس بأهله ورأوا أنه لم يبق لهم أحد ينتظرونه. قال قائل من الكفار: قد اجتمعتم للمناظرة شاكرة فلا يحتج علينا المسلمون بكتابهم ولا بقول نبيهم فإنا لا نصدق ذلك ولا نقر به، وإنما نتناظر بحجج العقل وما يحتمله النظر والقياس فيقولون: نعم لك ذلك. قال أبو عمر: فلما سمعت ذلك لم أعد إلى ذلك المجلس، ثم قيل لي ثم مجلس آخر للكلام فذهبت إليه فوجدتهم على مثل سيرة أصحابهم سواء فقطعت مجالس أهل الكلام فلم أعد إليها. فقال أبو محمد بن أبي زيد: ورضي المسلمون بهذا من القول والفعل. قال أبو عمر: هذا الذي شاهدت منهم. فجعل أبو محمد يتعجب من ذلك وقال: ذهب العلماء وذهبت حرمة الإسلام وحقوقه، وكيف يبيح المسلمون المناظرة بين المسلمين وبين الكفار، وهذا لا يجوز أن يفعل لأهل البدع الذين هم مسلمون ويقرون بالإسلام وبمحمد عليه السلام، وإنما يدعى من كان على بدعة من منتحلي الكلام إلى الرجوع إلى السنة والجماعة فإن رجع قبل منه، وإن أبى ضربت عنقه. وأما الكفار فإنما يدعون إلى الإسلام فإن قبلوا كف عنهم وإن أبوا وبذلوا الجزية في موضع يجوز قبولها كف عنهم وقبل منهم، وإما أن يناظروا على ألا يحتج عليهم بكتابنا ولا بنبينا فهذا لا يجوز، فإن لله وإنا إليه راجعون.
أخبرني غير واحد من أشياخي منهم القاضي أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد، والزاهد أبو محمد بن عبيد الله والأديب الحافظ أبو جعفر أحمد بن أحمد الأزدي وغيرهم عن أبي موهب عن أبي عمر بن عبد البر أنه قال’’ أجمع أهل الفقه والآثار في جمع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ ولا يعدون عند الجميع في طبقات العلماء وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه ويتفاضلون فيه في الاتفاق والميز والفهم. وقال أبو عمر في كتاب ’’بيان العلم’’ له أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعرياً كان أو غير أشعري ولا تقبل له شهادة في الإسلام ويفجر ويؤدب على بدعته فإن تمادى عليها استتيب منها. قال: أبو عمر ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصاً في كتاب الله أو صح عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو اجتمعت عليه الأمة وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له ولا يناظره فيه.
وقال أيضاً في كتاب ’’بيان العلم’’ قال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يوم ناظره حفص القرد قال لي: يا أبا موسى لا يلقى الله عز وجل العبد بكل ذنب ما خلا الشرك ... لا يفلح صاحب كلام أبداً ولا تكاد ترى أحداً أنظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل وقال: قال مالك: أرأيت إن جاءه من هو أجدل منه أيدع دينه كل يوم لدين جديد: وأنشد لمصعب بن عبد الله:
أأقعد بعد ما رجعت عظامي | وكان الموت أقرب ما يليني |
أجادل كل معترض خصيم | وأجعل دينه عرضاً لديني |
فأترك ما علمت لرأي غيري | وليس الرأي كالعلم اليقين |
وما أنا والخصومة وهي ليست | تصرف في الشمال وفي اليمين |
وقد سنت لنا سنن قوام | يلحن بكل فج أو ؤجين |
وكان الحق ليس به خفاء | أغر كغرة القلق المبين |
وما عوض لنا منهاج جهم | بمنهاج ابن آمنة الأمين |
فأما ما علمت فقد كفاني | وأما ما جهلت فجنبوني |
فلست بمكفر أحداً يصلي | ولم أجرمكم أن تكفروني |
وكنا أخوة نرمي جميعاً | فنرمي كل مرتاب ظنين |
فما برح التكلف أن رمتنا | بشأن واحد فرق الشؤون |
قال الحميدي: وبقي أبو عمر بن سعدي بعد الأربعمائة، وقد رأيت سماعه في بعض الكتب المصرية من أبي محمد عبد الرحمن بن عمر بن النحاس المصري سنة تسع وأربعمائة بخط أبي محمد بن النحاس فدل على أنه عاد إلى مصر بعد تلك الرحلة القديمة أيام الفتن الكائنة بالمغرب.