محمد بن عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير الزبيري أبو البركات
مولده بمكة سنة سبع وثلاثين وخمسمائة ودخل العراق والشام ومصر ومسع بها ثم دخل الأندلس وحدث بها عن جماعة منهم القاضي أبو الحسن علي بن محمد الجراحي ومحمد بن محمد بن جبريل العجيفي وأبو سعيد الحسن بن محمد بن عبد الله بن المرزبان السيرافي وأبو الحسن علي بن عيسى الرماني النحوي صاحب التفسير وأبو بكر الذارع أحمد بن محمد بن إسماعيل صاحب أبي بشر الدولابي وأبو إسحق إبراهيم بن حيان ونحوهم حدث عنه أبو العباس العذري حدثني غير واحد عن شريح بن محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب الفارسي الفقيه قال: أنا أبو البركات محمد بن عبد الواحد الزبيري قال أنا أبو علي بحسن بن الأسكري المصري قال: كنت من جلاس تميم بن أبي تميم وممن يخف عليه جداً قال: فأرسل إلى بغداد فابتيعت له جارية رائعة فائقة الغناء فلما وصلت إليه دعا جلساه قال: فكنت فيهم ثم مدت الستارة وأمرها بالغناء فغنت:
وبدا له من بعد ما اندمل الهوى | برق تألق موهباً لمعانه |
يبدو كحاشية الرداء ودونه | صعب الذرى متمنع أركانه |
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه | والماء ما سمحت به أجفانه |
قال فطرب تميم وكل من حضر ثم غنت :
سيسليك عما فات دولة مفضل | أولائه محمودة وأواخره |
قال فطرب تميم ومن حضر طرباً شديداً قال ثم غنت:
أستودع الله في بغداد لي قمراً | بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه |
قال فاشتد طرب تميم وأفرط جداً، ثم قال لها تمني ما شئت فلك هناك، فقالت: أتمنى عافية الأمير وسعادته، فقال: والله لا بد لك أن تتمني، فقالت على الوفاء أيها الأمير بما أتمنى فقال: نعم، فقالت: أتمنى أن أغني بهذه النوبة ببغداد، قال فامتقع لون تميم وتغير وجهه، وتكدر المجلس، وقاموا وقمنا، قال ابن الأسكري: فلحقني بعض خدمه وقال لي: ارجع فالأمير يدعوك، فرجعت فوجدته جالساً ينتظرني فسلمت وقمت بين يديه فقال: ويحك أرأيت ما امتحنا به فقلت: نعم أيها الأمير. فقال: لابد من الوفاء لها وما أثق في هذا بغيرك فتأهب لتحملها إلى بغداد فإذا غنت هناك فاصرفها. فقلت مسمعاً وطاعة. قال: ثم قمت وتأهبت وأمرها بالتأهب وأصحبها جارية له سوداء تعادلها وتخدمها وأمر بناقة ومحمل فأدخلت فيه وجعلها معي وصرت إلى مكة مع القافلة فقضينا حجنا ثم دخلنا قافلة العراق وسرنا فلما وردنا القادسية أتتني السوداء عنها فقالت: تقول لك سيدتي أين نحن؟ فقلت لها: نحن نزول بالقادسية وانصرفت إليها وأخبرتها فلم أنشب ... أن سمعت صوتها قد ارتفع بالغناء :
لما وردنا القادسية | حييت مجتمع الرفاق |
وشممت من أرض الحجاز | شميم أنفاس العراق |
أيقنت لي ولمن أحب | بجمع شمل واتفاق |
وضحكت من فرح اللقا | ء كما بكيت من الفراق |
فتصايح الناس من أقطار القافلة: أعيدي بالله، أعيدي بالله، أعيدي: فما سمع لها كلمة قال: ثم نزلنا الياسرية وبينها وبين بغداد نحو خمسة أميال في بساتين متصلة بنزل الناس بها فيبيتون ليلتهم ثم يبكرون لدخول بغداد فلما كان قرب الصباح إذا بالسوداء قد أتتني مذعورة فقلت: مالك فقالت: إن سيدتي ليست بحاضرة فقلت: ويلك أين هي؟ قالت والله ما أدري قال: ’’فلم أحس لها أثر بعد ودخلت بغداد وقضيت حوائجي بها وانصرفت إلى تممي فأخبرته خبرها فعظم ذلك عليه، واغتم له غماً شديداً ثم ما زال بعد ذلك ذاكراً لها واجماً عليها.