التصنيفات

الشيخ توفيق ابن الحاج حسين من آل الصاروط توفي يوم السبت 5 صفر سنة 1356 في بعلبك.
كان فاضلا أديبا شاعرا ناثرا تقيا ورعا قرأ على السيد جواد مرتضى العاملي في بعلبك وعلى غيره، فمن كتاب له إلى الفقير مؤلف هذا الكتاب بتاريخ غرة ذي القعدة سنة 1340 مشتمل على نثر ونظم يقول فيه:
لحضرة المولى الجليل فخر العلماء العاملين وسيد أهل الفضل في العالمين السيد الجليل علامة الزمان السيد محسن الأمين دام ظله، كتابي إلى مولاي أيد الله به الدين وجمع به كلمة المؤمنين ولا برحت أنوار علمه يهتدي بها الضال ويأنس بها المهتدي وقد لثمته عشرات ومرغت ناصيتي عليه رجاء إن تمسه يده المباركة ولعل الله إن يمن علينا بتقبيلها فعلا فنحوز بركتها ونتمتع بنفعها إن شاء الله. مولاي لقد طابت بقعة أنت فيها وطهرت ارض حللت بها إذ أينعت فيها ثمار عملك فاجتناها المؤمنون وشعشعت بها أنوار علمك فاستضاء بها الجاهلون فهنيئا لتربة تشرفت بمس قدميك وهنيئا لأمة جعلت اعتمادها بعد الله عليك أنت والله العالم العامل والغيث الهاطل والحبر الكامل فاهنأ بما أعده الله لك من الثواب العظيم وبمثلك يا مولاي تباهي الأمم وتكشف الظلم وتستنير الأذهان ويتبع سبيل الإحسان أما نحن يا مولاي فمن علمت السيئو الحظ الغارقون في بحر الجهالة التائهون في داج من الضلالة لا عالم نعتمد عليه ولا مأوى نلجأ إليه قد ضرب الجهل فينا بجرانه وأناخ علينا بكلكله أنا يا مولاي وقليل من الأخوان على بعض من البينة وسنموت عليها إن شاء الله وقد رأينا شيطان الضلال قد نجم قرنه وفيلق الإلحاد قد بدت طلائعه فالله يا مولاي في أمة تربو على العشرين ألف نسمة قد اتسمت بسمة الإيمان ولا عالم ينقذهم من جهالة وليس لها بعد الله من دونك كاشفة مولاي أنا اعلم إن قضيتنا ليست بالهوينا وإنها لتحتاج إلى معاناة نصب ومقاساة تعب ولكن من حيث إن الناس تعلم انك يا مولاي بعيد عن إن تمد يدك إلى ما في أيدي الناس وانك لا تقصد بأعمالك إلا وجه الله وما كان لله ينمو فان للناس بك الثقة التامة يعتمدون عليك ويرجعون في تقليدهم إليك إذا فلا ريب في إن سبحانه أخذ بيدك موفق عملك وأنت يا مولاي أدرى بما يكون لك عند الله من المنزلة الرفيعة إذا وقفت في وجه هذا التيار الذي لا بد أنا ملاقوه فاجعل لنا يا سيدي نصيبا من هديك وامنن علينا بمشكاة من نور علمك فلعل الله إن يوفقنا بيمنك وبركاتك إلى عمل تجتمع عليه كلمتنا ويهتدي به ضالنا كما اهتدى بفضلك أخواننا في محيطك وهو ولي الإحسان هذا ولعمر الله يا مولاي ما كان السيد حيدر الحلي قدس الله نفسه ونور رمسه حين قال في استنهاض صاحب الأمر صلى الله عليه وسلم

بأوجع قلبا ولا أعظم وجدا ولا أشد حرصا على اجابته مني على إجابتك حيث أقول:
مغفرة يا مولاي وعذرا فإنها والله نفثة مصدور ودمعة موتور خرجت عن كبد حرى ومقلة عبرى ونفس يكاد إن يجري بذوبها النفس فارحمنا يا مولانا بنفحة من تعطفاتك وأدركنا بنظرة من نظراتك ولأن يهدي الله بك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس والله يطيل لنا بقاءك ويرفع بك فينا منار العلم ويحفظ بك الدين بمحمد وآله الطيبين الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ومن كتاب له آخر إلى مؤلف هذا الكتاب بتاريخ 14 جمادى الثانية سنة 1341
بسم الله وصلى الله على رسوله وآله الطاهرين وسلام الله ورحمته وبركاته على سيدي ومولاي قدوة العلماء وحجة الله في العالمين العلامة الجليل والمولى النبيل السيد محسن الأمين دام ظله.
أقبل يدي مولاي وأرجو من الله طول بقائه أما بعد فقد كنت رفعت لحضرته كتابا منذ أيام وكنت أرجو إن يتفضل بجوابه عما سبق من وعده الكريم وإذا لم يرد علي شيء من ذلك احتملت عدم وصول كتابي لحضرته فكتبت لمولاي كلمتي هذه متطفلا على حضرته راجيا إن يحلني منه محل المستعطف مولاه في أمره يتوقف عليه حياة دين جده صلى الله عليه وسلم الذي أصبح فينا غريبا ينظر إليه بعين الازدراء والمتمسكون به في الجملة ما أحراهم بقوله تعالى أنا وجدنا آباءنا على أمة وأنا على آثارهم مقتدون لا يعرفون من الدين إلا اسمه ولا من الأعمال إلا ما قضت به العادة ينقدح الشك في قلوبهم لأول عارض من شبهة حتى إن الكثير منهم أصبح يقلد المزدرين في أقوالهم وأفعالهم لأنه يرى في تقليدهم راحة من الأعمال ودخولا فيما يسمونه التمدن وان الإلحاد لما نجم قرنه في البلاد صادف قلوبا خالية وأدمغة فارغة وغفلة من علماء الدين فعاث في الأخلاق الفساد بما شاده من المدارس التي قضت على حياة شبابنا الدينية ومنهم سرى هذا الداء إلى غيرهم حتى عمت البلوى وأن مولاي وسيدي الذي جاهد في دين الله حق جهاده ونصب نفسه للهداية والإرشادهم ونشر العلوم والمعارف وتأليف الكتب المفيدة حتى استنار به محيطه وغيره وحسبه بذلك فضلا عند الله وأجرا سعى مسعاه وجاهد في الدين جهاده أقول كلمتي هذه ولا أريد بها المدحة والثناء وما قدر لساني في جنب عمله وإنا أطلقت منها ما ناسب المقام. ولعمر الله لو إن الأجانب اتونا بكل ما لديهم من قوة ولم يأتونا بمدارسهم لما نالوا منا ما نالوه بها ولكنهم عرفوا من أين تؤكل الكتف فجاؤونا بما أفسدوا علينا ديننا وأخلاقنا حتى أصبح القسم الأكبر من أهل الحل والعقد فينا خدمة لأفكارهم يقلدونهم في أقوالهم وأفعالهم تاركين سنن الدين وآدابه ظهريا أما العامة فمعذورون إذا لم يخترق نظرهم هذا الحجاب الكثيف لأنه لم يكن لديهم من بعد النظر ما يدركون به هذه الغاية. وأما أصحاب الزعامة فقد وجدوا ضالتهم المنشودة من العلم الحديث والمدينة المموهة واستعباد الضعيف. وأما العلماء فما عذرهم؟ فلم تقف حفظة الدين في وجه طليعة الإلحاد فتدمغه بنشر العلوم الدينية وتوسيع النظر في الفنون العصرية ليتسنى لها إخماد جذوته بتتبع شبهاته ودحضها بالبينات والبراهين القاطعة. وقصروا نظرهم على ضرب فعل ماض والكليات خمس والكر ألف ومائتا رطل بالعراقي وأذكر أني سمحت لي التقادير يوما بالمثول لدى اجل علماء جبل عامل وأفضلهم وفي مجلسه جماعة من أفاضل الطلبة فعرضت مسالة حسابية لم يحسنوا التصرف بها فاقتضى الحال إن كتبت لهم جدول الضرب فكان لديهم محل إعجاب أين مقام علماء هذا القرن من مقام سلفهم كالشيخ بهاء الدين العاملي الذي كان له في كل سابقة فخر وفي كل مظلمة فجر ولم يكن لديهم من علم أصول الفقه الذي توسعت فيه علماء عصرنا حتى أصبح شغلهم الشاغل سوى متون وأظن أنهم كانوا يكتفون بالمعالم ومع ذلك فان العالم في عصرنا كل العالم من فهم معنى كلمات الأوائل أو بني عليها أ فيضر علماءنا اليوم إن ينظروا في الفنون العصرية ليعلموا صحيحها فيثبتوه ويأمروا به وفاسدها فينبذوه ويقيموا البراهين على فساده أ لم تكن الحكمة ضالة المؤمن أم يحسن بعالمنا اليوم إن يسال عما وراء قطره فلا يجيب أو يخبط في جوابه خبط عشواء وهو يرى علماء غيرنا اليوم يتطاولون للوصول إلى عالم المريخ وهل يضر علماءنا اليوم إذا كانت لهم جامعة يلجئون إليها للنظر في داء هذه الأمة ودوائها؟ ألم يكن جبل عامل كعبة لأهل العلم وقد اخرج مثل الشهيدين والميسي والكركي وغيرهم ممن لا أعلم أسماءهم أ لم يشد أحدهم الرحال إلى مصر لتحصيل فن التجويد طلبا للكمال. ليعطف مولاي النظر إلى ما فعلته علماء غير المسلمين في كتبنا العربية كيف هذبوها وبوبوها ووضعوا لها التمارين والأمثلة والشواهد متحرين فيها ذكر أسماء رجالهم وكل شاهد من كتابهم حاذفين منها كل شاهد قرآني وكل حديث نبوي وكل كلمة جرت عادة المسلمين باتخاذها شاهدا أو مثالا وقد أصبحت كتبهم هذه هي المنظورة بعين الاعتبار وهي المتداولة في جميع المدارس حتى أصبح طالب العربية منا يتعلمها ولا يسمع آية قرآنية ولا حديثا نبويا ولا شاهدا علويا وهذا الفن إنما هو رشحة من رشحاته يا لها من مصيبة. أ فكان واضعو هذه الكتب أوسع باعا وأكثر اطلاعا من علمائنا الذين اجلهم من حيث علمهم عن إن يذكروا في جنب هؤلاء واني والله ليسؤني إن اسمع وقد سمعت من يفتخر بهؤلاء ويقول أين عندكم من يماثل فلانا في محيط محيطه أو فلانا في مجمع بحرينه أو فلانا في منجده فلم يكن في وسعي إلا السكوت إذ لم أر لأحد من متأخري علمائنا أثرا يضاهي تلك الآثار وان تكن فهي في زوايا الخمول وغرضي الأقصى إن أرى في بعلبك مدرسة تؤهل الطالب للهجرة إلى العراق فتغرس في نفسه حب العلوم الدينية لكي يوجد بعد برهة من الزمن في بلاد بعلبك جماعة من أهل العلم والفضل تقف في وجه هذا التيار وتحفظ لهذه الأمة شعائر دينها وتكون مرجعا لها وهذه الغاية لا يمكن الوصول إليها إلا بواسطة مولاي الجليل إذ هو أقرب العلماء إلينا وأصبرهم على العمل وأولاهم بنا كما إننا أولى الناس به فقد أسس في دمشق ما شكر الله به مسعاه فليتكرم علينا بعطفة من نظره الكريم يحيي بها ميتنا ويرشد بها ضالنا ويرد بها شاردنا ويهدي بها رائدنا وهو أدرى بما أعده الله لمن نصب نفسه للهداية كما أنه أيده الله أعلم بما أخذ الله على العلماء وحاشاه إن يخل
بواجب وبالختام أرجو من الله طول بقائه والسلام عليه وعلى من حوته حوزته الكريمة وعلى سائر الأخوان المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
ومن شعره قوله يرثي السيد محمد ابن عمنا السيد محمود ويمدح المؤلف:

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 3- ص: 646