الأمير أبو علي تميم ابن الخليفة المعز لدين الله معد بن إسماعيل الفاطمي
توفي سنة 368
أديب شاعر من بيت الملك في أبان عزه ومجده ذكره صاحب اليتيمة ولم يذكر من أحواله شيئا سوى أشعار له أوردها ستأتي وقال في النجوم الزاهرة تميم من أولاد المعز وكان فاضلا جوادا سمحا يقول الشعر وشق موته على أخيه العزيز (انتهى) وقال الأستاذ محمد حسن الأعظمي من علماء الهند السكرتير العام لجماعة الاخوة الإسلامية في مصر في مجلة الرسالة المصرية في العدد 331 من السنة السابعة هو كما يعرف الأدباء أمير شعراء مصر في العصر الفاطمي ويمكننا القول بان تميما هذا كان مبدأ حياة خصيبة عامرة نشأ في وقت واحد مع القاهرة وكان الشعر في مصر بما نعلمه من الضعف والقلة والندرة إذ كان العصر العباسي الثاني حافلا بدويلات شبه مستقلة وكان الشعر فيها يصيب تشجيعا من أمراء العرب كدولة بني حمدان إلا أن رسل الخليفة في مصر من الأتراك لم يكن الشعر العربي يلقى قبولا عندهم بحكم تباين اللغة والمنزع وكان الشعراء يلجأون إلى غير مصر كالشام وبغداد وكانت اللغة الفارسية تلتمس نهضتها في الدولة السامانية والغزنوية فأما إذ أتيح للفاطميين إن يقيموا دولتهم الكبرى في وادي النيل فنحن إمام دولة عربية هاشمية تحمي اللغة كما تحمي كتابها ودينها ففي عصرهم أخصب البيان العربي وانفسح الميدان للشعراء وأمكننا إن نسمع مائة شاعر في رثاء بعض الوزراء ينشدون جميعا وينالون الجائزة جميعا فيجدون من أريحية الفاطميين وسعة نائلهم ما يشجعهم على القول ويدفعهم إلى الإجادة ولكن لما ذا لا يحدث صاحب العمدة والثعالبي وغيرهما عن تميم والجميع قد أجمعوا أو كادوا يجمعون على إن تميما كان على عرش الإمارة في الشعر كما كان أبوه وأخوه على عرش الخلافة في مصر؟ الحق إن للسياسة دخلا كبيرا في السطو على تميم وحرمان أبناء العربية أدهارا طوالا من ثمار تفكيره فقد كان شعر تميم ضمن مخلفات ذلك البيت المالك وفي خزانة القصر الفاطمي التي كانت حافلة بمئات الألوف من كتب العلوم والأدب ثم نهبت هذه القصور وأحرق أكثرها وحمل القليل من تحفها وجواهرها. أما أدباء العرب والمؤرخون فلم يعرفوا عن تميم إلا شذرات متفرقة وبضع قصائد لعبت بها يد التحريف والتصحيف. ثم قال أنه وجد ديوانه في مكتبة كلية كجرات فنقله من سبع نسخ مختلفة كما نقل غيره من الكتب الخطية المفقودة من جميع مكاتب العالم وهو يعتقد إن هذا الديوان نقله بعض إتباع الفاطميين وبقاياهم الذين فروا من مصر بعد غروب شمس الدولة الفاطمية إلى جبال اليمن ثم إلى الهند في مقاطعة كجرات فحملوه معهم فيما حملوه من الكتب وهو عازم على طبع هذا الديوان وقال أنه أراد قبل طبعه جملة عرض نماذج يسيرة منه على قراء الرسالة وأورد من قصائده قوله ردا على عبد الله بن المعتر في تفضيله للعباسيين على العلويين في قصيدته التي أولها أي ربع لآل هند ودار وهي هذه:
يا بني هاشم ولسنا سواء | في صغار من العلى أو كبار |
إن نكن ننتمي لجد فإنا | قد سبقناكم لكل فخار |
ليس عباسكم كمثل علي | هل تقاس النجوم بالأقمار |
من له الفضل والتقدم في الإسـ | ـلام والناس شيعة الكفار |
من له الصهر والمواساة والنصـ | ـر والحرب ترتمي بالشرار |
من دعاه النبي خدنا وسما | ه أخا في الخفاء والإظهار |
من له قال لا فتى كعلي | لا ولا منصل سوى ذي الفقار |
وبمن باهل النبي أأنتم | جهلاء بواضح الأخبار |
أبعبد الإله أم بحسين | وأخيه سلالة الأطهار |
يا بني عمنا ظلمتم وطرتم | عن سبيل الإنصاف كل مطار |
كيف تحوون بالأكف مكانا | لم تنالوا رؤياه بالأبصار |
من توطي الفراش يخلف فيه | أحمدا وهو نحو يثرب ساري |
أين كان العباس إذ ذاك في الهجـ | ـرة أم في الفراش أم في الغار؟ |
ألكم مثل هذه يا بني العـ | ـباس مأثورة من الآثار. . . ؟ |
ألكم حرمة بعم رسول الـ | ـله ليست فيكم بذات بوار؟ |
ولنا حرمة الولادة والأعـ | ـمام والسبق والهدى والمنار |
ولنا هجرة المهاجر قدما | ولنا نصرة من الأنصار |
ولنا الصوم والصلاة وبذل الـ | ـعرف في يسرنا وفي الاعسار |
نحن أهل الكساء سادسنا الرو | ح أمين المهيمن الجبار |
نحن أهل التقي وأهل المواسا | ة وأهل النوال والأيسار |
فدعوا خطة العلى لذويها | من بني بيت أحمد الأبرار |
أو فلوموا الإله في إن برانا | فوقكم وأغضبوا على المقدار |
أجعلتم سقى الحجيج كمن آ | من بالله مؤمنا لا يداري؟ |
أو جعلتم نداء عباس في الحر | ب لمن فر عن لقاء الشفار |
كوقوف الوصي في غمرة المو | ت لضرب الرؤوس تحت الغبار |
حين ولى صحب النبي فرارا | وهو يحمي النبي عند الفرار |
واسألوا يوم خيبر واسألوا مـ | ـكة عن كره على الفجار |
واسألوا يوم بدر من فارس الإسـ | ـلام فيه وطالب الأوتار |
واسألوا كل غزوة لرسول الـ | ـله عمن أغار كل مغار |
يا بني هاشم أ ليس علي | كاشف الكرب والرزايا الكبار |
فبما ذا ملكتم دوننا إر | ث نبي الهدى بلا استظهار |
أ بقربى فنحن أقرب للمو | روث منكم ومن مكان الشعار |
أم بإرث ورثتموه فإنا | نحن أهل الآثار والأخطار |
لا تغطوا بحيفكم واضح الحـ | ـق فيقضي بكم لكل دمار |
وأصيخوا لوقعة تملأ الأر | ض عليكم بجحفل جرار |
تحت أعلامه من الفاطمييـ | ـن أسود ترمي شبا الأظفار |
فأصدروا عن موارد الملك أنا | نحن أهل الايراد والاصدار |
ولنا العز والسمو عليكم | والمساعي وقطب كل مدار |
يا بني فاطم إلى كم أقيكم | بلساني و منصلي وانتصاري |
نأت بعد ما بان العزاء سعاد | فحشو جفون المقلتين سهاد |
فليت فؤادي للظعائن مربع | وليت دموعي للخليط مزاد |
نأوا بعدما ألقت مكائدها النوى | وقوت بهم وصح دار وداد |
وقد تؤمن الأحداث من حيث تتقي | ويبعد نجح الأمر حين يراد |
أ عاذل لي عن فسحة الصبر مذهب | وللهو غيري مألف ومصاد |
ثوت لي أسلاف كرام بكربلا | هم لثغور المسلمين سداد |
أصابتهم من عبد شمس عداوة | وعاجلهم بالناكثين حصاد |
فكيف بلذ العيش عفوا وقد سطا | وجار على آل النبي زياد |
وقتلهم بغيا عبيد وكادهم | يزيد بأنواع الشقاق فبادوا |
بثارات بدر قاتلوهم ومكة | وكادوهم والحق ليس يكاد |
فحكمت الأسياف فيهم وسلطت | عليهم رماح للنفاق حداد |
فكم كربة في كربلاء شديدة | دهاهم بها للناكثين كياد |
تحكم فيهم كل انوك جاهل | ويغزون غزوا ليس فيه محاد |
كأنهم ارتدوا ارتداد أمية | وحادوا كما حادت ثمود وعاد |
ألم تعظموا يا قوم رهط نبيكم | أما لكم يوم النشور معاد |
تداس بأقدام العصاة جسومهم | وتدرسهم جرد هناك جياد |
تضيمهم بالقتل أمة جدهم | سفاها وعن ماء الفرات تذاد |
فماتوا عطاشى صابرين على الغوى | ولم يجبنوا بل جالدوا فأجادوا |
ولم يقبلوا حكم الدعي لأنهم | تساموا وسادوا في المهود وقادوا |
ولكنهم ماتوا كراما أعزة | وعاش بهم قبل الممات عباد |
وكم بأعالي كربلا من حفائر | بها جثث الأبرار ليس تعاد |
بها من بني الزهراء كل سميدع | جواد إذا أعيا الأنام جواد |
معفرة في ذلك التراب منهم | وجوه بها كان النجاح يفاد |
فلهفي على قتل الحسين ومسلم | وخزي لمن عاداهما وبعاد |
ولهفي على زيد وبثا مرددا | إذا حان من بث الكئيت نفاد |
ألا كبد تفنى عليهم صبابة | فيقطر حزنا أو يذوب فؤاد |
ألا مقلة تهمي إلا أذن تعي | أكل قلوب العالمين جماد |
تقاد دماء المارقين ولا أرى | دماء بني بيت النبي تقاد |
أليس هم الهادين والعترة التي | بها إنجاب شرك واضمحل فساد |
تساق على الإرغام قسرا نساؤهم | سبايا إلى أرض الشام تقاد |
يسقن إلى دار اللعين صواغرا | كما سيق في عصف الرياح جراد |
كأنهم فئ المجوس وأنهم | لأكرم من قد عز عنه قياد |
يعز على الزهراء ذلة زينب | وقتل حسين والقلوب شداد |
وقرع يزيد بالقضيب لسنه | لقد مجسوا أهل الشام وهادوا |
قتلتم بني الإيمان والوحي والهدى | متى صح منكم في الإله مراد |
ولم تقتلوهم بل قتلتم هداكم | بهم ونقصتم عند ذاك وازادوا |
أمية ما زلتم لأبناء هاشم | عدى فاملأوا طرق النقاق وعادوا |
إلى كم وقد لاحت براهين فضلهم | عليكم نفار منهم وعناد |
متى قط أضحى عبد شمس كهاشم | لقد قل إنصاف وطال شراد |
متى وزنت صم الحجار بجوهر | متى شارفت شم الجبال وهاد |
متى بعث الرحمن منكم كجدهم | نبيا علت للحق منه زناد |
متى كان يوما صخركم كعليهم | إذا عد إيمان وعد جهاد |
متى أصبحت هند كفاطمة الرضى | متى قيس بالصبح المنير سواد |
أآل رسول الله سؤتم وكدتم | ستجني عليكم ذلة وكساد |
أليس رسول الله فيهم خصيمكم | إذا اشتد أبعاد وأرمل زاد |
بكم أم بهم جاء القرآن مبشرا | بكم أم بهم دين الإله يشاد |
سأبكيكم يا سادتي بمدامع | غزار وحزن ليس عنه رقاد |
وإن لم أعاد عبد شمس عليكم | فلا اتسعت بي ما حييت بلاد |
وأطلبهم حتى يروحوا وما لهم | على الأرض من طول الفرار مهاد |
سقى حفرا وارتكم وحوتكم | من المستهلات العذاب عهاد |
قالت أغدرا بنا في الحب قلت لها | لا نال غاية ما يرجوه من غدرا |
قالت فلم لم تزرنا قلت زاركم | قلبي ولم يدر بي جسمي ولا شعرا |
قالت كذا يكتم العشاق حبهم | فينعمون ويجنون الهوى نضرا |
قلت اسمحي لي بتقبيل أعيش به | قالت وأي محب قبل القمرا |
وباكية من غير دمع بأعين | على غير خل دائما تتحدر |
يغني بها زجل المدير لقطبها | فيطربها حسن الغناء فتنعر |
إذا نزف العشاق دمع عيونهم | فأدمعها مع كثرة السكب تغزر |
قالوا الرحيل لخمسة | تأتي سراعا من جمادى |
فأجبتهم أني اتخذ | ت له البكا والحزن زادا |
سبحان من قسم الهوى | بين الأحبة والبعادا |
وأعار للأجفان سقما | يسترق به العبادا |
قواضب الرأي أمضى من شبا القضب | والحزم في الجد ليس الحزم في اللعب |
بت ساهرا عند رأس الأمر ترقبه | ولا تبت نائما عنه لدى الذنب |
يرجى دفاع الرزايا قبل موقعها | وليس يرتجع الماضي من النوب |
وأفضل الحلم حلم عند مقدرة | وأعذب الجود ما وافى بلا طلب |
قتيل الحوادث من خافها | فلا تخش حادثة تنجح |
مع العسر يسر يجلى الأسى | ألم تتذكر ألم نشرح |
عتبت فانثنى عليها العتاب | ودعا دمع مقلتيها انسكاب |
وسعت نحو حدها بيديها | فالتقى الياسمين والعناب |
رب مبدئ تعتب جعل العتـ | ـب رياء وهمه الاعتاب |
فاسقنيها مدامة تصبغ الكأ | س كما يصبغ الخدود الشباب |
ما ترى الليل كيف رق دجاه | وبدا طيلسانه ينجاب |
وكأن الصباح في الأفق باز | والدجى بين مخلبيه غراب |
وكأن السماء لجة بحر | وكان النجوم فيها حباب |
وكأن الجوزاء سيف صقيل | وكان الدجى عليها قراب |
أرى أناسا ساءني ظنهم | في كل ما قلت من الشعر |
لما تطاطا بهم علمهم | قاسوا بأقدارهم قدري |
لو فهموا وعقلوا الاستحوا | أن يجعلوا المريخ كالبدر |
قيسوا بشعري شعره تعلموا | تضايق النهر عن البحر |
من بطل الحق هجا نفسه | بجهله من حيث لا يدري |
فناظروني فيه أو فاشرحوا | شعري إن أنكرتم أمري |
أو لا فقولوا حسد قاتل | مستمكن في القلب والصدر |
اشرب فإن الزمان غض | وصرفه لين الجناب |
من قهوة مزة كميت | اسكر من أعصر الشباب |
ارق من أدمع التصابي | سكبا وأشهى من الضراب |
صاغ لها المزج حيث شبت | نطاق در من الحباب |
كان في كأسها صباحا | والليل محلولك الثياب |
يسعى بها ساحر المآقي | لا يمرض الوصل بالعتاب |
كأنها لون وجنتيه | وطيب ألفاظه العذاب |
إن ندى راحتي نزار | ما زال يغني عن السحاب |
مهذب أروع السجايا | مقابل ماجد النصاب |
أصح وأقوى ما سمعناه في الندى | من الخبر المأثور منذ قديم |
أحاديث ترويها السيول عن الحيا | عن البحر عن كف الأمير تميم |
يا دهر ما أقساك من متلون | في حالتيك وما اقلك منصفا |
أ تروح للنكس الجهول ممهدا | وعلى اللبيب الحر سيفا مرهفا |
فإذا صفوت كدرت شيمة باخل | وإذا وفيت نقضت أسباب الوفا |
لا أرتضيك وإن صفوت لأنني | أدري بأنك لا تدوم على الصفا |
زمن إذا أعطى استرد عطاءه | وإذا استقام بدا له فتحرفا |
ما قام خيرك يا زمان بشره | أولى بنا ما قل منك وما كفى |
أيا دير مرحنا سقتك رعود | من الغيم تهمي مزنها وتجود |
فكم واصلتنا من رباك أو أنس | يطفن علينا بالمدامة غيد |
وكم ناب عن نور الضحى فيك مبسم | وناب عن الورد الجني خدود |
وماست على الكثبان قضبان فضة | فأثقلها من حملهن نهود |
ليالي أغدو بين ثوبي صبابة | ولهو وأيام الزمان هجود |
وإذ لمتي لم يوقظ الشيب ليلها | وإذا اثري في الغانيات حميد |
يا منتهى أملي لا تدن لي أجلي | ولا تعذب ظنوني فيك بالظنن |
إن كان وجهك وجها صيغ من قمر | فان قدك قد قد من غصن |
وبات ضجيعي منه أهيف ناعم | وأدعج نشوان وألعس أشنب |
كان الدجى في لون صدغيه طالع | وشمس الضحى في صحن خديه تغرب |
وإني لألقى كل خطب بمهجة | يهون عليها منه ما يتعصب |
واستصحب الأهوال في كل موطن | ويمزج لي السم الزعاف فاشرب |
فما الحر إلا من تدرع عزمه | ولم يك إلا بالقنا يتنكب |
وما لي أخاف الحادثات كأنني | جهول بان الموت ما منه مهرب |
خليلي ما في كؤوس الراح راحتي | ولا في المثاني لذتي حين تضرب |
ولكنني للمدح ارتاح والعلا | وللجود والإعطاء أصبوا فأطرب |
ومن بين جنبيه كنفسي وهمتي | يروح له فوق الكواكب موكب |
إذا حان من شمس النهار غروب | تذكر مشتاق وحن حبيب |
ترى عندهم علم وان شطت النوى | بان لهم قلبي علي رقيب |
لهم كبدي دوني وقلبي ومهجتي | ونفسي التي أدعى بها فأجيب |
فآية حزني لوعة وصبابة | وعنوان شيبي زفرة ونحيب |
وما بلد الإنسان إلا الذي له | به سكن يشتاقه وحبيب |
إلى الله أشكو وشك بين ورفقة | لها بين أحشاء المحب دبيب |
أما والذي لا يملك الأمر غيره | ومن هو بالسر المكتم اعلم |
لئن كان كتمان المصائب مؤلما | لاعلأنها عندي أشد وأألم |
وبي كل ما تشكو العيون أقله | وان كنت منه دائما اتبسم |
قالت وقد نالها للبين أوجعه | والبين صعب على الأحباب موقعه |
اجعل يديك على قلبي فقد ضعفت | قواه عن حمل ما فيه وأضلعه |
واعطف علي المطايا ساعة فعسى | من شت شمل الهوى بالبين يجمعه |
كأنني يوم ولت حسرة وأسى | غريق بحر يرى الشاطي ويمنعه |
وغضبي من الادلال والتيه والهوى | بلا غضب سكرى الجفون بلا سكر |
كان على لباتها رونق الضحى | وفي حيث يهوي القرط منها سنا الفجر |
ترى البدر مثل البدر في صحن خدها | وتفتر عن مثل الجمان من الثغر |
أما ترى الرعد بكى فاشتكى | والبرق قد أومض فاستضحكا |
فاشرب على غيم كصبغ الدجى | اضحك وجه الأرض لما بكى |
وانظر لماء النيل في مده | كأنه صندل أو مسكا |
وليلة بتها على طرب | آخرها مشبه لأولاها |
اقبل البرق من ترائبها | وألثم الشمس من محياها |
سقتني الراح وهي خداها | باكؤس السكر وهي عيناها |
إذا أرادت مزاجها جعلت | بآخر اللحظ في فمي فاها |
فيا لها قهوة معتقة | وليس إلا الخدود مأواها |
حبابها الثغر حين يمزج لي | ونقلها اللثم حين اسقاها |
لله أيامنا التي سلفت | بدار حزوى ما كان أحلاها |
فالقصر من حيرة الملوك إلى | أعلى رباها إلى مصلاها |
إذ نجتني اللهو من أصائلها | والعز من فخرها ومغداها |
إن عرضت لذة ملكناها | أو صعبت خطة حويناها |
وصفراء لم تطبخ بنار شربتها | على وجه معشوق السجايا مفرطق |
كأن حباب الكاس من نظم ثغره | وإشراقها من خده المتألق |
لو صورت خلفها إرادتها | ما قدرته كمثل ما قدرا |
كالمسك نشرا والبرق مبتسما | والغصن قدا والحقف مؤتزرا |
شبهتها بالبدر فاستضحكت | وقابلت قولي بالنكر |
وسفهت قولي وقالت متى | سمجت حتى صرت كالبدر |
والبدر لا يرنو بعين كما | أرنو ولا يبسم عن ثغر |
ولا يميط المرط عن ناهد | ولا يشد العقد في نحر |
من قاس بالبدر صفاتي فلا | زال أسيرا في يدي هجري |
ناولتها شبه خديها مشعشعة | صرفا كان سناها ضوء مقباس |
فقبلتها وقالت وهي ضاحكة | وكيف تسقي خدود الناس للناس |
أليس خداي ذابا إذ لمستهما | فاستنبطا قهوة حمراء في الكاس |
قلت اشربي أنها دمعي وحمرتها | دمي وطابخها في الكاس أنفاسي |
قالت إذا كنت من حبي بكيت دما | فسقينها على العينين والرأس |
يا ليلة بات فيها البدر معتنقي | وباتت الشمس فيها بعض جلاسي |
وبت مستغنيا بالثغر عن قدحي | وبالخدود عن التفاح والآس |
وما أم خشف ظل يوما وليلة | ببلقعة بيداء ظمآن صاديا |
تهيم فلا تدري إلى أين تنتهي | مولهة حيرى تجوب الفيافيا |
أضر بها حر الهجير فلم تجد | لغلتها من بارد الماء شافيا |
إذا بعدت عن خشفها انعطفت له | فألفته ملهوفا من الجوع ظاميا |
بأوجع مني يوم شدوا رحالهم | ونادى منادي الحي إن لا تلاقيا |
ألقى الكمي فلا أخاف لقاءه | ويفل أقدامي شبا الحدثان |
واكر في صدر الخميس معانقا | للموت حين يفر كل جبان |
ويزيدني كل الخطوب تعظما | وتسلط الأيام عز مكان |
وعلمت أخلاق الزمان فلم أضق | ذرعا بأيامي وغدر زماني |
وكما يمل الدهر من إعطائه | فكذا ملالته من الحرمان |
وكما يكر لمعشر بسعادة | فكذا يكر لمعشر بهوان |
فإذا رماك بشدة فاصبر لها | فلسوف يأتي بعدها بليان |
وسل الليالي عن نفاذ عزيمتي | وسل الحوادث عن ثبات جناني |
تخبرك عني إنني لم ألقها | بين العزائم واهن الأركان |
أصبحت لا اشتاق إلا للندى | ألفا ولا أهوى سوى الإحسان |
وإذا السيوف قطعن كل ضريبة | قطع السيوف القاطعات لساني |
سقياني فلست أصغي لعذل | ليس إلا تعلة النفس شغلي |
أأطيع العذول في ضد ما أهوى | كأني اتهمت رأيي وعقلي |
عللاني بها فقد أقبل الليل | كلون الصدود من بعد وصل |
وانجلى الغيم بعد ما اضحك الروض | بكاء السحاب فيه بويل |
عن هلال كصولجان نضار | في سماء كأنها جام ذبل |
إذا هب سلطان المريسي نافحا | سحيرا وحل القر كل نقاب |
ومد على الأفق الغمام ثيابه | فقم فالقه في عدة وحراب |
بكن وكانون وكأس مدامة | وكيس و. . . وافر وكباب |
ورد الخدود أرق من | ورد الرياض وأنعم |
هذا تنشقه الأنوف | وذا يقبله الفم |
فإذا عدلت فأفضل الوردين | ورد يلثم |
هذا يشم ولا يضم | وذا يضم ويشمم |
وجنة من شفني هواه ومن | أفنيت فيه دموع آماقي |
كأنما الصبر في دنر ما | يحمر منها ودرهم الباقي |
دم العشاق مطلول | ودين الحب ممطول |
وسيف اللحظ مسلول | ومبدئ الحب معذول |
إذا لم يظهر الحب | ولم ينهتك الصب |
ويفشي سره القلب | فجملة ما ادعى كذب |
وأحور ساحر الطرف | يفوق جوامع الوصف |
مليح الدل والظرف | جنت الحاظه حتفي |
أطاع جفونه السحر | وذل لوجهه البدر |
وماد بردفه الخصر | وأشبه ثغره الدر |
يعنفني على حبي | ويهجرني بلا ذنب |
كأني لست بالصب | لقهوة ريقه العذب |
غزال لحظة شركه | وبدر ثوبه فلكه |
لو أني كنت امتلكته | فانهب ما حوت. . . |
خذوا بدمي قنا القد | وحسن تورد الخد |
وليل الشعر الجعد | وثقل الكفل النهد |
متى يظفر بالوصل | وينفي الجور بالعدل |
محب دائم الخبل | سليب الصبر والعقل |
بحسن الأعين النجل | وعض الوقف والحجل |
وذاك القصب الجدل | وريق كجنا النحل |
سلوا الشمس التي طلعت | علينا ثم ما أفلت |
عسى ترثي لمن قتلت | بعينيها وما علمت |
أما والخرد الصفر | شبيهات سنا البدر |
وألوان صفا الخمر | لقد أضر من في صدري |
وراح تبعث الطربا | وتحيي الظرف والادبا |
يثير مزاجها حببا | تخال به عيون دبى |
أما والجمرة الكبرى | وزمزم والصفا ومنى |
ومن لبى بها ودعا | وطاف البيت ثم سعى |
لقد أضحى لنا خلفا | نزار وابتنى شرفا |
وأصيح خامس الخلفا | وأحيا سعيه السلفا |
نمى في المجد عنصره | وطال النجم مفخره |
وفاق البدر منظره | فصرف الدهر يحذره |
كأن الرأي حين أتى طربا | بأذناب كمحمر العقيق |
بلسقيات بلور لطاف | بأسفلها بقايا من رحيق |
فيا ابن الذين استنبط الوحي عنهم | وأضحى بهم وجه الزمان ينير |
ويا ابن الملوك الشم من آل هاشم | ومن طاب منهم ظاهر وضمير |
لك الأول الغالي الزكي الذي (انتهى) | به المجد يوما و الأوائل زور |
إذا عد قوم للفخار عشيرة | غدا لك من آل النبي عشير |
ما بان عذري فيه حتى عذرا | ومشى الدجى في خده فتبخترا |
همت تقبله عقارب صدغه | فاستل ناظره عليها خنجرا |
والله لولا أن يقال تغيرا | و صبا وان كان التصابي اجدرا |
لا عدت تفاح الخدود بنفسجا | لثما وكافور الترائب عنبرا |
برزن لنا عطرات الجيوب | بسفح العراء ووادي بونه |
فعطرن من ريحهن النسيم | وابدين من لوعتي المستكنه |
وصهباء تغدو لشرابها | إذا ابتكروها من الهم جنه |
إمام يضن على عرضه | ولا يعتريه على المال ضنه |
سحائب كفيه منهلة | علينا بمعروفة مرجحنه |
منعت الخلافة منع الأسود | إذا ما غضبن لاشبالهنه |
وامضيت عزمك حتى أخفت | به في بطون النساء الأجنه |
كلا راحتيك ردى أو ندى | كأنك للناس نار وجنه |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 3- ص: 640