يحيى بن يوسف بن محمد بن يحيى المكي يلقب محيي الدين المعروف بالنشو الشاعر
يحيى بن يوسف بن محمد بن يحيى المكي يلقب محيي الدين المعروف بالنشو الشاعر
سمع على القاضي نجم الدين الطبري «أربعى الميانجى» وعلى الزين الطبري، ومحمد بن
الصفي، وبلال عتيق ابن العجمى، والجمال المطري، وعيسى الحجي: «جامع الترمذي» وما علمته حدث، إلا أنه كتب في الأجايز، لي ولجماعة غيرى معى وقبلى، باستدعاء شيخنا ابن سكر. وعنى بالشعر، وله شعر كثير سائر، مدح به، وهجا به جماعة من الأعيان ويقع له فيه ما يستحسن. وكان شديد الذكاء.
حكى لي شيخنا أبو بكر بن قاسم بن عبد المعطى، أنه حفظ «التنبيه» في أربعة أشهر، و «الحاوى». وقرأ في العربية على ابن عمه الشيخ أبي العباس النحوي. انتهى.
وتوفى سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، ومولده في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، وكتب الإنشاء لأمراء مكة [ ...... ]
ومن شعره [من الكامل]:
عرج بمنعرج اللوى والمنحنى | فعساك تظفر من لقاهم بالمنى |
عرب بأكناف الأباطح خيموا | قد حللوا قتلى على وادى منى |
كرر حديثهم يلذ لمسمعى | فيهون عن قلبي مكابدة العنا |
أهواهم وهواهم لا ينقضى | أبدا وإن شط التباعد بيننا |
فلئن ظفرت بزورة أحيى بها | فلى السعادة والمسرة والهنا |
يا ليت شعرى هل أحبة مهجتى | يدرون ما بى في رضاهم من ضنى |
أنا عبد ودهم الذي لا ينكروا | إن يعطفوا كرما وإلا من أنا |
يا أهل طيبة إن لي في حيكم | قمرا له كل المحاسن والسنا |
أنواره منها الدياجى أشرقت | وله من الشكر الف راو والثنا |
فله الفضائل والمآثر والعلى | وله المفاخر والمحامد والثنا |
من أنقذ الله الأنام بجاهه | فبه إلى كل البرية أحسنا |
وبه جميع الأنبياء تشرفت | يعفوا ويصفح دائما عن من جنى |
فله الرسالة والمقام وذكره | يحيى القلوب وبره قد عمنا |
أوصافه مشهورة بين الملا | والله قد أثنى عليه فأمعنا |
فهو الذي يسقى الغمام بوجهه | بدر به قد أشرقت كل الدنا |
يا سيد الثقلين يحيى عبدكم | نفس عليه بما يروم من المنى |
صلى عليك الله يا بحر الندى | ما غردت ورق بوادى المنحنى |
كل قلبي إلى هواكم يميل | وسقأمي على الغرام دليل |
أبذل النفس في رضاكم وأصبو | لهواكم ولا يقال ملول |
ليس في العشق والمحبة عار | فاسمعوا من محبكم ما يقول |
أنا راض بكل ما قد رضيتم | لست عن صحبتى وعهدى أحول |
ما نويت السلو في طول عمري | إن ذكر السلو عندي ثقيل |
كل سمعى عن الملام فما لي | عن هواكم إلى السلو سبيل |
لا أرى في المنام طرا سواكم | يا أناسا بالرقمتين حلول |
أنتم محبتى فكلى شجون | وعذابى هو العذاب الطويل |
أعليكم أن تسمحوا بخيال | منكم فهو عندي المأمول |
أو بعثتم إلى النسيم رسولا | فعسى يشفى الفؤاد العليل |
أنا جار لكم فلا تهملونى | فبكم يحفظ الغريب النزيل |
هذه مهجتى فزيدوا عذابا | أو فمنوا فلست عنكم أحول |
عللونى بحبكم وهواكم | فأنا العاشق المحب الحمول |
إن بدا البرق من حماكم لعينى | كاد قلبي من الغرام يزول |
يا بدورا على الحمى قد أضاءت | ليس عنكم وإن برحتم عدول |
حى يا صاح حاجرا والمصلى | وقباها فذاك نعم السول |
فإذا جئت رامة ورباها | ودنت طيبة وطاب النزول |
وبدا نورها وفاح شذاها | وتراءت للعين منها النخيل |
فاقر عني السلام من حل فيها | فهو بالجود والآمال كفيل |
النبي الرسول هادي البرايا | خاتم الرسل من له التفضيل |
فله النعت بالرسالة تنبى | وكذلك التوارة والإنجيل |
وبحيرا لما رآه عيانا | قال هذا هو النبي الرسول |
فله الأرض مسجد وطهور | وله كالسنا وجه جميل |
ما له إن مشى على الأرض ظل | حين تبدو الظلال وهي تميل |
يا كريم الأنساب بالباب عبد | مستجير من الخطوب ذليل |
فهو يحيى بن يوسف ضاق صدرا | من هموم عريضها مستطيل |
أعد بسمعى حديث النازلين قبا | إن كان عهدك بالأحباب قد قربا |
كرر أحاديثهم يوما على أذنى | فالقلب منى إلى أهل العقيق صبا |
هم الأحبة لا أنسى حديثهم | كم قد لقيت بمصر بعدهم وصبا |
أنا الغريب الذي أغرى الغرام به | ماذا على سادتى أن يرحموا الغربا |
لولا الذي شرف الله الحجاز به | لما سرى الركب بطوى البيد والكثبا |
له الرسالة والآيات شاهدة | الله أعلى له في الخافقين نبا |
صلى عليه إله العرش ما طلعت | شمس وما لاح بدر التم أو غربا |
وآله الغر والأصحاب فاطبة | فهم أو لو الفضل والأعلام والنجبا |
حاشى الفؤاد بغيركم أن يعلقا | يا نازلين المنحنى والأبرقا |
خلفتمونى في هواكم ضائعا | قلبي وجسمى بالفراق تمزقا |
والنفس يوم وداعكم ودعتها | لولا تعللها بساعات اللقا |
يا نازحين وفي فؤادى منهم | نار تكاد بها الحشى أن تحرقا |
البين أقلقنى وعذب مهجتى | لو لاكم يا سادتى ما أقلقا |
أصبو إلى وادى العقيق وحاجر | وأهيم إن ذكر المحصب والنقا |
أرتاح إن مر النسيم بطيبة | وبه أزيد صبابة وتشوقا |
بلد بها الهادي البشير محمد | تاج المفاخر والعلا علم النقا |
يا خير من وطئ التراب بنعله | يا رحمة للعالمين ومشفقا |
يحيى بن يوسف من أباطح مكة | بك قد توسل أن يكون موفقا |
لولا الغرام وما به من دائه | ما راح يمزج دمعه بدمائه |
إن المنام على الجفون محرم | إن لم يجد محبوبه بلقائه |
أعليه لو سمح الخيال بزورة | فيعوده والطرف في إغفائه |
فبكت ظباء المنحنى بأسوده | ومن العجائب فيه فتك ظبائه |
ما في الحجاز بأسرها شبه له | في جوده ونواله وعطائه |
من فاته نظر النبي محمد | فطفيل خير الناس من أبنائه |
فالناس إن كفروا عطايا كفه | ما رده عن جوده وسخائه |
أسائل عن جيران سلع وحاجر | فهل عندهم مما أكابده فكر |
هم نزلوا بالمنحنى من أضلعى | فحبهم باق وإن عظم الأسر |
سلوا موقفى بالمنحنى من طويلع | وحجر فما لي عن محبتهم حجر |
جرت أعين الإحسان بعد انقطاعها | ووافى إليها السعد واليمن والبشر |
بسلطاننا نجل الرسول وسبطه | طفيل بن منصور لها العز والنصر |
فيوم علاه بالمسرة أبيض | وليل الأعادى من أسنته ظهر |
أين المفر لمن هواك طليبه | وسهام لحظك بالسقام تصيبه |
كيف الخلاص لمن هوى بهوائه | يشكو ولا أحد سواك يجيبه |
عذبته بالبين وهو بلية | رفقا عليه وإن حلا تعذيبه |
ما حال من أبلى السقام بجسمه | قد مل منه صديقه وقريبه |
يشكو ولا أحد يرق لما به | وارحمتاه لمن جفاه حبيبه |
فجميع ما في القلب منك عرفته | أيكون ساكنه وأنت تذيبه |
حن العذول عليه حين هجرته | ورنا له الواشي ورق رقيبه |
يا ويح من يرثى له أعداوه | فشجونه لا تنقضى ونحيبه |
قد صار في رق الخلال من الضنى | والقلب منك قسا وأنت طبيبه |
أعليك لو أحييته بزيارة | فعسى يكون من الحياة نصيبه |
لى أنة الشاكى إلى محبوبه | إن كنت ترحم صبره ونحيبه |
يا يوسفا في حسنه وجماله | وأنا المتيم في الهوى يعقوبه |
أنا أوحد العشاق لكن ليس لي | إلا الغرام وناره وأنينه |
دعنى من اللوم ما أصغى إلى عذل | ولا تزدنى على ما بى من الوجل |
لو ذقت طعم الهوى ما كنت تعذلنى | ألست تعلم أنى عنك في شغل |
جسمى نحيل وقلبي لا يطاوعنى | على السلو ودمعى أي منهمل |
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان-ط 1( 1998) , ج: 6- ص: 1