نصر بن محمد بن علي بن أبي الفرج بن علي بن أبي الفرج الهمداني - بميم ساكنة - النهاوندى، ثم البغدادي، برهان الدين أبو الفتوح بن أبي الفرج المعروف بالحصري:
إمام الحنابلة بالحرم الشريف، قرأ القرآن على أبي بكر محمد بن عبد الله بن الزاغوني، وأبى الكرم المبارك بن الحسن الشهرزوري، وأبي منصور مسعود بن عبد الواحد بن الحصين، وجماعة.
وسمع من أبي الوقت السجزي «مسند الدارمي» ومن الشريف أبي طالب محمد بن محمد بن أبي زيد النقيب «سنن أبي داود» ومن أبي زرعة المقدسي «سنن النسائي» و «ابن ماجة» و «مسند الشافعي» و «فضائل القرآن» لأبي عبيد، وغير ذلك، على جماعة كثيرين وحدث.
سمع منه جماعة من الحفاظ والأعيان، منهم: برهان الدين [ ..... ] والزكى البرزالي، والضياء المقدسي، وابن النجار وذكره في ذيل «تاريخ بغداد»، وقال: سمعنا منه وبقراءته كثيرا، وكان يقرأ قراءة صحيحة، إلا أنه يدغمها بحيث لا تفهم، ويكتب خطا رديئا جدا، وكان من حفاظ الحديث، العارفين بفنونه، متقنا ضابطا، غزير الفضل، متفننا، كثير المحفوظ، ثقة حجة نبيلا، من أعلام الدين، وأئمة المسلمين، وكان يصوم الدهر، ويكثر تلاوة القرآن ليلا ونهارا في صلاة النافلة، وخرج عن بغداد إلى مكة، وجاور بها نيفا وعشرين سنة، مديما للصيام والقيام، ويكثر الطواف والعمرة في حر الهواجر، حتى إنه كان يطوف في كل يوم وليلة سبعين أسبوعا، وكان يصلى إماما في مقام الحنابلة بالمسجد الحرام، ويروى الحديث، حتى عجز وضعف، وكان يطوف متكئا على عصا.
سمعت منه شيئا يسيرا ببغداد، ولما حججت في سنة ست وستمائة حجتى الثانية، أقمت بمكة مجاورا سنة سبع، وقرأت عليه كثيرا، واستفدت منه، وانتخبت عليه، وسألته سؤالات. وكان من العلم والدين بمكان، خرج في آخر عمره لما اشتد القحط بمكة، مسافرا إلى اليمن، فأدركه الأجل بها. انتهى.
وقد اختلف في وفاته على أقوال، فقيل: في ذي القعدة سنة ثمان عشرة وستمائة، حكاه ابن نقطة في «التقييد» عن أولاد أبي الفرج الحصري هذا، وقيل في المحرم سنة تسع عشرة، قاله الضياء المقدسي، وجزم به ابن النجار، والمنذرى، والذهبي في «طبقات القراء» وقيل في شهر ربيع الأول، كذا وجدت بخطى فيما علقته من «تاريخ ابن النجار»، و «تاريخ الإسلام» للذهبي. وقيل في ربيع الآخر، حكاه المنذرى في «التكملة» وجزم به ابن مسدى، وقال: قد اضطرب في وفاته، وهذا أصح ما عندي فيها، كذا قال في «معجمه» ومنه نقلت هذا النسب.
وكانت وفاته بالمهجم من بلاد اليمن وقبره بها معروف يزار، عند الرباط المنسوب إلى الشيخ أبي الغيث. وذكره الخزرجي في «تاريخه».
وأما مولده، فذكره ابن النجار، أنه سأله عنه، فقال: أخبرني والدي أنه في شهر رمضان سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وذكره هكذا غير واحد، منهم المنذرى، وذكر أنه كان يقول: إنه من همدان، القبيلة المشهورة، وذكر أنه اشتعل بالأدب، وحصل طرفا حسنا، ومن شعره [من الوافر]:
أطرف العين ما لك لا تنام | عسى طيف يقر به لمام |
فتنقع غلة وتسب لبا | وتشفى من أضر به السقام |
تقضت بالمنى أيام عمري | وأخلق جدتى شهر وعام |
ولى أرب لو ان الدهر يوما | يقر به وينسانى الحمام |
لروض ما تصوح من شبابى | وأضحى الشيخ وهو به غلام |
أخبرني المسند ناصر الدين محمد بن محمد بن داود بن حمزة المقدسي، قال: أنبأنا العلامة أبو عمرو عثمان بن محمد بن عثمان التوزري، عن أبي الحسين يحيى بن علي الحافظ، قال: سمعت الشيخ الصالح العارف الزاهد، أبا عبد الله محمد بن لب بن أحمد الأنصاري الأندلسي الشاطبى، صاحب الشيخ أبي الحسن بن الصباغ، رضي الله عنهما، يقول: سألت صاحبا لي بمكة شرفها الله، وكان رجلا صالحا من المجاورين، من أهل المغرب: أنت إذا فاتتك الصلاة خلف إمام المقام، تصلى خلف البرهان؟ يعنى الحافظ أبا الفتوح بن الحصري، إمام الحنابلة، فقال: قد كنت أتوقف عن ذلك، حتى رأيت في المنام كأنى على شاطئ نيل مصر، وقد حضرت جنازة، فقال لي من حضر: تقدم فصل عليها، فقلت: لا أصلي حتى أعرفه، فكشفوا عن وجهه، فإذا هو البرهان إمام الحنابلة، فقلت: لا أصلي عليه! فبينا نحن كذلك، إذ أقبلت جماعة عليهم نور عظيم، فإذا فيهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حوله، فقال لي صلى الله عليه وسلم: تقدم فصل عليه، فإنه ليس منهم. فصليت عليه. قال: فلما أن رأيت هذا المنام، زال ما كان في قلبي، وصرت أصلي خلفه. هذا معنى كلام الشيخ الشاطبى، حكاه لي بجامع عمرو بن العاص، رضي الله عنه بمصر، في ثلاث وثلاثين وستمائة، وعلقت عنه هاهنا من حفظى، والله ولى التوفيق. انتهى.
وهذه الحكاية فيها منقبة لأبي الفتوح الحصري.