عبد الصمد بن عبد الوهاب بن الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله الدمشقي
عبد الصمد بن عبد الوهاب بن الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله الدمشقي
نزيل مكة. سمع من جده، زين الأمناء أبي البركات الحسن بن عساكر، والموفق بن
قدامة، والمجد محمد بن الحسين القزوينى، وأبي القاسم بن صصرى، وأبي مجمد المنى، وجماعة بدمشق والقاهرة والإسكندرية، وخلق ببغداد.
وأجاز له المؤيد بن محمد الطوسي، وأبو روح عبد المعز بن محمد الهروي، وأبو محمد القاسم بن عبد الله الصفار، وإسماعيل بن عثمان القارى، وعبد الرحيم بن أبي سعد السمعاني، وزينب بنت عبد الرحمن الشعرى، في أخرىن، وحدث بالكثير.
سمع منه الأعيان، منهم: الرضى بن خليل المكي، وأخوه العلم، وعلاء الدين بن العطار. والقطب الحلبي، والحمال المطري، وخالص البهائى، ومن طريقهما روينا تأليفه المسمى «إتحاف الزائر وإطراف المقيم السائر» عنه، وبدر الدين محمد بن أحمد بن خالد الفارقي. ومن طريقه روينا كتابه «تمثال نعل النبي صلى الله عليه وسلم» وسمع منه أيضا تأليفه في خبر حراء.
وله تآليف غير ذلك، وشعر حسن، وخط كيس. وأثنى عليه غير واحد من الأعيان.
منهم: [ .... ] قال: وكان ثقة فاضلا عالما جيد المشاركة في العلوم، بديع النظم، صاحب دين وعبادة وإخلاص، وكل من يعرفه يثنى عليه، ويصفه بالدين والزهد، وجاور أربعين سنة. وكان شيخ الحجاز في وقته.
ومولده يوم الاثنين تاسع ربيع الأول، سنة أربع عشرة وستمائة. وتوفى في جمادى الأولى - في وسطه، وقيل في مستهله - سنة ست وثمانين وستمائة. انتهى.
ووجدت بخطى فيما نقلت من خط البرزالي، في التراجم التي نقلها من خط التاج عبد الباقي بن عبد الله اليمني: أنه توفى في يوم الثلاثاء ثاني جمادى الآخرة، سنة ست وثمانين، ودفن بالبقيع.
ووجدت بخطى أيضا، فيما نقلته من ذيل تاريخ بغداد لابن رافع: أنه توفى مستهل جمادى الآخرة، عند طلوع الشمس، سنة ست وثمانين، ودفن بعد الظهر من يومه بالبقيع، خلف قبة العباس رضي الله عنه.
ووجدت بخطى أيضا، فيما نقلته من خط المؤرخ شمس الدين الجزري في تاريخه أنه توفى في ثاني رجب، وهذا وهم، والله أعلم بالصواب، أنه توفى ثاني جمادى الأولى، لأبي وجدت ذلك بخط العفيف المطري، وهو أقعد بمعرفته. والله أعلم.
وذكره ابن رشيد في رحلته، وذكر شيئا من حاله، فقال بعد أن ذكر نسبه ومولده: ورحل به أبوه إلى العراق سنة أربع وثلاثين، فسمع بها مع أبيه تاج الدين من بغداد سنة خمس وثلاثين، ورجع إلى الشاونال بها وبمصر الرتبة العليا، والجاه العظيم عند السلطان. ولم يزل كذلك إلى عام سبعة وأربعين وستمائة، حتى وصل الفرنسيس إلى الديار المصرية، في العام المعروف بعام دمياط، عام هياط ودمياط، فأقام بها في المنصورة مع المحلة، إلى أن أشتد أمر العدو في تلك الأيام. فأتفق هو وأحد أصحابه على أن يهيأ أنفسهما لله تعالى، ويجاهدا حتى يستشهدا، فخرجا وقاتلا، ففاز صاحبه بالشهادة، وأخر هو لما أراد الله تعالى من أنواع السعادة، فعاد إلى العسكر جريحا، حسبما ذكر في كتابه الذي صنفه في غزوة دمياط، وحين انقضى أمر العدو، ورأي أن لا يرجع في هيئته، فتوجه إلى حرم الله تعالى واستوطنه. ولم يزل مستوطنا على كثرة ترغيب الملوك له، ورغبتهم في وفوده عليهم شاما ويمنا، لم يخرج منه، إلا لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم، نفعه الله ونفع به، وإلى ذلك أشار بقوله [من الوافر]:
إذا ما عن لي شجن | فمن حرم إلى حرم |
وسيأتي منها أبيات كثيرة.
ومن شعر أبي اليمن بن عساكر، ما أنشدناه المفتي أبو بكر بن الحسين بن عمر الشافعي، سماعا بالحرم النبوي: أن البدر محمد بن أحمد بن خالد الفارقي، أنشده ذلك إذنا إن لم يكن سماعا، عن أبي اليمن بن عساكر [من الكامل]:
يا جيرتى بين الحجون إلى الصفا | شوقى إليكم مجمل ومفصل |
أهوى دياركم ولى بربوعها | وجد يثبطنى وعهد أول |
ويزيدنى فيها العذول صبابة | فيظل يغرينى إذا ما يعدل |
ويقول لي لو قد تبدلت الهوى | فأقول قد عز الغداة تبدل |
بالله قل لي كيف تحسن سلوتى | عنها وحسن تصبرى هل يجمل |
يا أهل ودى بالمحصب دعوة | من نازح يلقاكم يتعلل |
عسى الأيام أن تدنى الديارا | بمن أهوى وقد شطوا مزارا |
ويصبح شمل أحبابى جميعا | وآخذ منهم بالقرب ثارا |
وتمسى جيرة العلمين أهلى | ودارهم لنا يا سعد دارا |
وبى الرشأ الذي ما صد إلا | ليبلى في الهوى منى اصطبارا |
كلفت به من الأعراب ما إن | أدار لثامه إلا عذرا |
يروع الأسد في فتكات لحظ | ويحكى ظبية الوادى نفارا |
يا نزولا بين سلع وقباء | جئتكم أسعي على شقة بين |
ونعم والله إنى زائر | لمغانيكم على رأسى وعينى |
إن من أم حماكم آملا | راح بالمأمول مملوء اليدين |
فأشفقوا لي قد تشفعت بكم | لوصال واتصال دائمين |
قضى شجونا وما قضى لنا شجنا | وكم تمنى وهل يعطى المحب منا |
صب برسم رسيم الدار يندبها | بعد الأحبة لما فارق السكنا |
ويسأل الربع عنهم أية سلكوا | وليس نافعه أن يسأل الدمنا |
يا دار ما فعل الأحباب أين ثووا | أأشاموا أم بيمنى قد نووا يمنا |
يا طول وجدي بهم واوحشتى لهم | وفرط شوقى من عنك قد ظعنا |
سقيا لعهدك دار الهوى فلقد | بوصلهم فيك بلغنا المنى زمنا |
يا مبتدى الحى هل من عودة لهم | تدنى بها وطرا من نازح وطنا |
هم الأحبة كم أبقوا لهم أثرا | آثار حسنى وكم قد أبرأوا حسنا |
تا لله ما نقضوا عهدى ولا رفضوا | ودى ولا ابتغوا في منهم مننا |
لا تبعدون بلى والله قد بعدوا | وشطت الدار والمثوى بهم وبنا |
بملتقى الركنين قلبي لقاكم | كم لي ومن أهوى بها ملتقى |
ولى على سفح الصفا جيرة | قلبي إليهم لم يزل شيقا |
إخوان صدق أخلصوا ودهم | غصن التصافى بينهم قد أورقا |
حلوا الصفا مغنى وحلوا بالصفا | معنى ونقوا فثووا بالنقا |
عهدى بهم مذ نفروا من منى | عسى يجمع جمع من فرقا |
فسائل الأحياء عن حيهم | أأبحد أم أشام أم أعرقا |
تعرفت من بعد تفريقنا | أرواحنا فاشتاقت الملتقى |
أشتاقهم حبظا وقد أصبحوا | منا إلينا في الهوى أشوقا |
معاهد عهدى قديم بها | لا مصرهم أهوى ولا جلقا |
فاصب بها لا لبرق اللوى | وبرقها شم ودع الأبرقا |
أرقت لو مض مبتسم | أضاء لنا دجى الظلم |
فبت به سليم هوى | لجيران بذى سلم |
تجشم كل شاسعة | فحل حمى بنى جشم |
فسل نارا على علم | بدت عن جيرة العلم |
فما يمن لنا شجن | وبرق الشام لم أشم |
بمكة لي قديم هوى | علقت به من القدم |
فأمسى نحوها أبدا | على خبب وفي أمم |
وطيبة طاب مربعها | فعنها قط لا ترم |
إذا ما عن لي شجن | فمن حرم إلى حرم |
أزور أحبة كرموا | كلفت على النوى بهم |
وأسعي في زيارتهم | برأسى لا على قدمى |
إذا كنت لم تطلع هلالا لشهرنا | فكن بدره البادى بعشر وأربع |
أطلت ثواء في خميلة روضة | وذاك لمثوى الغصن أنسب موضع |
وخلفتنى بين الطلول مناشدا | لمن ليس يشكى إن شكوت ولا يعى |
أروح بقلب للفراق مروع | وأغذو بدمع في الديار موزع |
وقد فاتنى رؤيا حماك بناظرى | فصفه لعلى أن أراه بمسمعى |
يا سيدى إن كان منك زيارة | فاجعل مزارك بالأصائل والبكر |
أخشى عليك الكاشحين من السرى | رياك نمام ووجهك كالقمر |
وجاءت إلينا منك يوما رسالة | على فترة قرآنها الذكر محكم |
تحدثت فيها بالبلاغة معجزا | لمن رامها فاللفظ در منظم |
كتيبة فضل أم كتابة فاضل | أولو الفضل منها للفواضل ألهموا |
أخط يراع أم قنا الخط أشرعت | يراع لها قلب الكمى المصمم |
أسحر حلال أم هي الخمر حللت | لشاربها لا لغو فيها يؤثم |
أروضة حسن ثم مذ نمنم الندى | خمائلها عند النسيم المهيتم |
أفدى الذي طال عمري في محبته | لكن بهجرانه قد ضاع أكثره |
وما صفا لي وقت في تألفه | إلا وحاول منى ما يكدره |
ظني إذا عن لي يوما بلفتته | عطفا على فواشيه ينفره |
إذا بدا فهو بدر الأفق ينظره | أو انثنى فهو غصن البان يهصره |
كم كنت أصرف طرفى عن محاسنه | عمدا وأنهى فؤادى ثم أزجره |
يا قلب جانب هوى من عز جانبه | فالموت أسهل ما فيه وأيسره |
والقلب يصبو ولا يصغى لمعتبة | فيه وكنت لعمر الحب أعذره |
حتى تعرض لي يوما فعارضنى | وجد به ساق لي ما كنت أحذره |
فأصبح القلب رهنا في حبائله | يا موردا للهوى قد عز مصدره |
مولاى إن محمدا وافى إلى | علياك بالذكر الحكيم رسولا |
علقت به روح الأمين صبابة | فعلية نزل حبه تنزيلا |
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان-ط 1( 1998) , ج: 5- ص: 1