سليمان بن خليل بن إبراهيم بن يحيى بن سليمان بن فارس بن أبي عبد الله الكناني العسقلاني المكي الشافعي، يكنى أبا الربيع، ويلقب نجم الدين:
إمام المقام، وخطيب المسجد الحرام، ومفتيه. ولد قبل الثمانين وخمسمائة، على ما ذكر، وقرأ رواية حفص عن عاصم، على المقرئ جوبكار المقدم ذكره، وأجاز له، وهو أقدم شيوخه.
وسمع على يونس بن يحيى الهاشمي صحيح البخاري، وعلى زاهر بن رستم جامع الترمذي، وعلى أبي الفتوح الحصري مسند الشافعي، وعلى علي بن البنا، جامع الترمذي، وعلى النجيب أبي بكر بن أبي الفتوح السجزي الحنفي تاريخ مكة للأزرقي، وعلى يحيى بن ياقوت الفراش، وغيرهم.
وحدث بالكثير، ودرس وأفتى، وألف كتابا مفيدا في المناسك، رأيته بخطه في مجلدين. ذكره ابن مسدى في معجمه، وقال بعد أن نسبه: وكنانة، نزل فل منهم عسقلان فتديرها عقبه. وسليمان هذا، هو ابن بنت أبي حفص الميانشى، ثم قال بعد أن ذكر شيوخه الذين ذكرناهم، خلا ابن الحصري، وابن البنا، والسجزي، وابن ياقوت: واشتغل بالتنبيه على مذهب الشافعي، وقد كان أبوه حنبليا. ولم يزل مثابرا على خدمة العلم وأهله، إلى أن عطل دكانه بالعطارين، وجلس للتدريس وفتوى المسلمين. وولى بأخرة إمامة المقام، ومشارفة المسجد الحرام. وقد سمعت منه فوائد. انتهى باختصار.
وولى خطابة المسجد الحرام، مع الإمامة بالمقام، كذا وجدت بخطه وخط غيره، وأظنه ولى ذلك بعد علي بن أبي بكر الطبري، والعجب من ابن مسدى، كيف لم يذكر ذلك، وهو أخذ الخطابة عنه على ما بلغني.
وممن ذكر ولايته للخطابة، الشيخ أبو العباس الميورقي، كما سيأتي من كلامه، وأثنى عليه كثيرا في ألقاب لقبه بها، وأخذ عنه. وممن ذكر ذلك، الشريف أبو القاسم الحسيني في وفياته، وذكر أنه خطب بالحرم مدة، وأنه كان مشهورا بالفضل والدين، وذكر ذلك غير واحد.
ولما ولى الخطابة، أقام السنة في الخطبة بمنى؛ لأني وجدت بخطه الميورقي: كان مفتي الحرمين سليمان بن خليل، يعيب على الخطباء بمنى، الخطبة قبل الرمى. فلما ولى هو الخطابة، أقام السنة. انتهى.
وذكر الميورقي، أنه كان مستقلا بالفتوى في سنة ثمان وأربعين وستمائة، وذكر أنه استفتاه في هذه السنة، مع جماعة من فقهاء مكة، عن مسألة وهي: إذا نفر من منى ثاني يوم النحر، ماذا يجب عليه؟ وذكر جوابهم عن ذلك.
وقد رأيت أن أذكره لما في ذلك من الفائدة. وهو أن المحب الطبري، التزم بأن من نفر يوم النفر، ثاني يوم النحر، أن عليه دما وثلثى دم، قال: وقال ابن حشيش: دم وثلث.
وقال القاضي عبد الكريم الشيبانى قاضي مكة، والقطب القسطلاني: في أحد قوليه، دمان، كمذهب مالك. قال مفتي الحرمين يومئذ - إمام المقام وخطيب مكة شرفها الله تعالى وكان المستقل حينئذ ـ: عليه دم ومد، ومن عرفته منهم بفتياه استحسنه، وإن كان يفتى بغيره. وزاد القاضي تفصيلا، بأنه عاص لا يزيل إثمه إلا التوبة لا النسك. انتهى.
وذكر الشريف أبو القاسم الحسيني في وفياته: أنه توفى ليلة رابع عشر المحرم سنة إحدى وستين وستمائة.
وذكر ابن مسدى، أنه توفى ليلة الأربعاء خامس عشر المحرم سنة إحدى وستين، وليس بين كلامهما اختلاف. وسبب ذلك الخلاف في أول الشهر الذي توفى فيه سليمان بن خليل، على ما وجدت بخط الميورقي.
وذكر أنه سمع ذلك، ونقله من خط ابن أخيه علم الدين أحمد بن أبي بكر بن خليل، وذكر أنه صلى عليه ابن أخيه الفقيه محمد بن عمرو بن حنبل، يعنى الكمال بن خليل المقدم ذكره في المقام إبراهيم عليه السلام، بعد أن طيف به بالكعبة سبعا.
قال الميورقي: فسألته: هل لكم في الطواف بالميت أثر؟ فقال: جرت العادة بذلك في عصرنا للهواشم، ومن عظم قدره، فأردت أن أذكره شناعة ذلك في مذهب مالك، فلم يتفق في ذلك المجلس. انتهى. وهذه البدعة مستمرة إلى عصرنا هذا، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
وممن أرخ وفاته بهذا الشهر: الدمياطي في معجمه، وقال: بعد أن كف بصره ودفن بالحجون.