خليل بن عبد الرحمن بن محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن الحسن بن عبد الله القسطلاني المكي المالكي:
إمام مقام المالكية بالحرم الشريف، يكنى أبا الفضل، ويلقب بالضياء، ويسمى محمدا أيضا، وإنما اشتهر بخليل. ولذلك ذكرناه هنا.
سمع على المفتي عماد الدين عبد الرحمن بن محمد الطبري: صحيح مسلم، بفوت، وعلى أخيه يحيي: أربعين المحمدين للجياني، وعلى أمين الدين القسطلاني: الموطا، رواية يحيى بن يحيى، خلا من أوله إلى قوله: «إعادة الصلاة مع الإمام»، وسمعه كاملا على التوزري، وسمع عليه الصحيحين، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي، والشفاء للقاضي عياض، وعلى الصفي والرضى الطبريين: صحيح البخاري، وعلى الرضى بمفرده: السيرة لابن إسحاق، وتاريخ الأزرقي، وعليه وعلى الشريف أبي عبد الله الفاسي: العوارف للسهروردي، وعلى ابن حريث: الشفاء للقاضي عياض، وغير ذلك كثيرا بمكة والمدينة عليهم، خلا ابن حريث، وعلى جماعة سواهم، منهم: جده لأمه، قاضي مكة جمال الدين بن الشيخ محب الدين الطبري، وجد أمه المحب الطبري، على ما وجدت بخط جدي الشريف علي بن الشريف أبي عبد الله الفاسي، ولم يبين ما سمعه عليهما، وما عرفت أنا ذلك.
ووجدت بخطه: أن خاله قاضي مكة نجم الدين الطبري، أشغله في مذهب الشافعي، فحفظ الحاوى والتنبيه، ثم اشتغل بمذهب مالك، على قاضي القضاة بالإسكندرية، شمس الدين بن جميل، وقاضي القضاة بدمشق فخر الدين بن سلامة، والشيخ أبي عبد الله الغرناطي بمكة.
وقرأ الأصول على الشيخ علاء الدين القونوى، وقرأ النحو عليه، وعلى الشيخ عز الدين النشائى، وجود القراءات بالسبع، على الشيخ عفيف الدين الدلاصى بمكة، والشيخ أبي عبد الله القصرى. وصحب الشريف أبا عبد الله الفاسي بمكة، مدة طويلة، ورباه وسلكه، وأخذ عنه طريق القوم، وصحب الشيخ الصالح أبا محمد البسكرى، وتلقن منه، وأخذ عنه، وصحب الشيخ خليفة، وأخرىن يطول تعدادهم. انتهى ما وجدته بخط جدي.
وحدث بكثير من مسموعاته، سمع منه جماعة من أعيان شيوخنا، منهم والدي، فروى لنا عنه غير واحد منهم، ودرس وأفتى كثيرا، مع الفضيلة والشهرة الجميلة، وكان وافر الصلاح، ظاهر البركة شديد الورع والاتباع.
وله من الجلالة والعظمة عند الخاص والعام ما لا يوصف، خصوصا عند أهل المغرب، كبلاد التكرور والسودان، فإنهم كانوا يرون الاجتماع به من كمال
حجهم، وكانوا يحملون إليه الفتوحات الكثيرة، فيفرقها على أحسن الوجوه.
وكان كثير الإحسان إلى الخلق، ولم يكن له في ذلك نظير ببلاد الحجاز؛ فإنه كان بسبب ذلك يستدين الدين الكثير، وربما بلغ دينه مائة ألف درهم، فيقضيها الله تعالى على أحسن الوجوه ببركته.
وقد ذكره ابن فرحون في كتابه «نصيحة المشاور» فذكر من أوصافه الجميلة بعض ما ذكرناه.
ومما يحكى من كراماته، ما بلغني عن شيخنا القاضي نور الدين علي بن أحمد النويري - وهو ربيب الشيخ خليل المذكور - قال: أخبرني شيخ الفراشين بالحرم النبوي، وسماه شيخنا نور الدين، ونسى اسمه الحاكى لي عنه، قال: بت ليلة بالحرم النبوي، ثم أفقت وتطهرت، وأتيت الروضة، وقصدت وجه النبي صلى الله عليه وسلم لأسلم عليه، فإذا بالباب الذي في هذه الجهة، قد فتح وخرج منه الشيخ خليل المالكي، وغلق الباب في إثره، وقصد الشيخ خليل الروضة. قال: فسلمت على النبي صلى الله عليه وسلم، وخففت، وتعجبت من دخول الشيخ خليل إلى الحرم النبوي ليلا من غير شعورى، ثم قلت: لعل غيرى فتح له، وقصدت الروضة لقصد الاجتماع به، فلم أره بها. انتهى بالمعنى. ولأجل هذه الحكاية، قيل إن الشيخ خليل كان من أهل الحظوة.
ومنها: أن القاضي نور الدين، ذكر أنه دخل على الشيخ خليل في زمن الموسم، وهو يتصدق على الناس، فسأله أن يكسوه، فأمر الشيخ غلامه أن يعطيه مائتى درهم، قال القاضي نور الدين: فقبلتها واغتبطت بها، فلما فهم ذلك عنى، دعا لي فيها بالبركة، قال: فتسببت فيها حتى صارت نيفا وأربعين ألف درهم.
ومنها: أن القاضي شهاب الدين الطبري، شكا إلى الشيخ خليل شدة خوفه من المصريين؛ لأن بعض جماعة القاضي شهاب الدين، سعوا عند عجلان أمير مكة، في منع الضياء الحموي من الخطابة بمكة، فمنع من ذلك، بعد أن صار في المسجد، وهو لابس شعار الخطبة.
وكان صاحب مصر الملك الناصر حسن، قد فوض إليه ذلك بوساطة القطب الهرماس، أحد خواصه، فأنهى ذلك أعداء القاضي إلى السلطان، فكثر تآمره على القاضي شهاب الدين، وأمر فيه بالسوء، وشاع ذلك في الناس، واشتد خوف القاضي
شهاب الدين من ذلك، وصار يلازم الشيخ خليل في الدعاء بالسلامة، وألح على الشيخ خليل في ذلك، فقال له الشيخ خليل: ما ترى إلا خيرا، فقال له: كيف يكون هذا، وعن قريب يصل عسكر السلطان إلى مكة!، فقال له الشيخ خليل: رأيت أنى أنا وأنت في جوف الكعبة، ورقينا في الدرجة التي بسطحها، ودخول الكعبة أمان لداخلها، فصحت بشارة الشيخ خليل؛ لأن العسكر وصل إلى الكعبة، والقاضي شهاب الدين ضعيف، وتمادى به المرض حتى مات بعد وصول العسكر بأيام.
وبلغني أن الشيخ خليل، كان لا يميز صنجة مائة من مائتين، لإعراضه عن الدنيا، وإنما كان يرتب في بيته كل يوم خبزا كثيرا جدا، ويتصدق به على الفقراء والمساكين، وأن ذلك من غلة الوقف الذي اشتراه بقرية المبارك من أعمال مكة، ووقفه لأجل ذلك. وهذا الوقف وجبتا ماء غير قليل، وأراضى معروفة.
وكان الشيخ خليل مبتلى بالوسواس في الطهارة والصلاة، وكان يشتد عليه الوسواس في ذلك، فيعيد الصلاة بعد أن يصلى بالناس، وربما أقام يصلى من بعد صلاة الظهر إلى آذان العصر، صلاة الظهر يعيدها، وربما أذن العصر ولم يكمل الصلاة؛ لأنه يحرم بالصلاة ويقطعها لأجل الوسواس، فيكرر ذلك ويتألم خاطره لذلك، فيبكى في بعض الأحيان، ولما مات أوصى بكفارات كثيرة، خوفا من أن يكون حنث فيما صدر عنه من أيمان بالله تعالى، فكفرها عنه جدي الشريف على الفاسي، لكثرة ما كان بينهما من الصداقة، بعد وصول جدي من بلاد التكرور.
وللشيخ خليل في الورع وفعل الخير أخبار كثيرة. وقد أتينا على طرف صالح منها.
وتوفى رحمه الله، ليلة الاثنين لعشر بقين من شوال سنة ستين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة، على جده الإمام ضياء الدين المالكي. نقلت وفاته هكذا من حجر قبره بالمعلاة.
وذكر ابن محفوظ: أنه توفى في الثالث والعشرين من شوال من السنة المذكورة، ومولده في شوال سنة ثمان وثمانين وستمائة، على ما وجدت بخطه.
ووجدت بخط جدي الشريف على الفاسي: أنه ولد في سادس شوال، ووجدت بخطه: أنه ولى الإمامة مستقلا بعد أبيه، سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، فعلى هذا تكون مدة ولايته للإمامة حتى مات، سبعا وأربعين سنة.