الحسن بن علي بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم الحسني المكي، أبو سعد:
صاحب مكة وينبع. ولى إمرة مكة نحو أربع سنين، كما سيأتي بيانه، وسبب استيلائه على مكة، فيما بلغني، أن بعض كبار العرب من زبيد، حسن له الاستيلاء على مكة والفتك بمن فيها من جهة صاحب اليمن، وهون عليه أمرهم. وكانوا فرقتين، تخرج واحدة إلى أعلا مكة، والأخرى إلى أسفلها كل يوم، فحمل أبو سعد على إحدى الفرقتين فكسرها، فضعفت الأخرى عنه، فاستولى على مكة، وقبض على الأمير الذي كان بها من جهة صاحب اليمن. وكان صاحب اليمن قد أمره بالإقامة بوادى مر، ليساعد عسكره الذي بمكة.
وذكر بعض العصريين: أن أبا سعد لما قبض على الأمير الذي كان بها من جهة صاحب اليمن، وهو ابن المسيب على ما ذكر العصرى وغيره. أخذ أبو سعد ما كان مع ابن المسيب من خيل وعدد ومماليك، وأحضر أعيان الحرم. وقال: ما لزمته إلا لتحققى خلافه على مولانا السلطان الملك المنصور صاحب اليمن، وعلمت أنه أراد الهرب بهذا المال الذي معه إلى العراق، وأنا غلام مولانا السلطان، والمال عندي محفوظ والخيل والعدد، إلى أن يصل مرسوم السلطان، فوردت الأخبار بعد أيام يسيرة بوفاة السلطان. انتهى.
وقوى بموت المنصور أمر أبي سعد بمكة، ودامت ولايته عليها حتى قتل، لتركه ما كان عليه من الحزم بسبب اغتراره بنفسه. وكان قبضه على ابن المسيب يوم الجمعة لسبع خلون من ذي القعدة سنة سبع وأربعين وستمائة، على ما وجدت بخط الميورقي، وذكر أنه سمع ذلك من محمد بن سنجر حاكم الطائف.
ووجدت بخط ابن محفوظ: أن أبا سعد، قبض على ابن المسيب في آخر شوال سنة سبع وأربعين وستمائة.
ووجدت بخطى فيما نقلته من تاريخ شيخنا ابن الفرات: أن أبا سعد هذا، ملك مكة في العشر الأخير من ذي القعدة، سنة سبع وأربعين وستمائة.
وذكر بعض العصريين: أن الملك الكامل صاحب مصر، أمر أبا سعد أن يكون مع العسكر الذي جهزه إلى مكة، لإخراج الشريف راجح بن قتادة وعسكر الملك المنصور صاحب اليمن، ونصره لنائبه على مكة ألطغتكين. وذلك في سنة تسع وعشرين وستمائة.
وذكر أيضا: أن صاحب اليمن، لما استولى على مكة في شهر رمضان من سنة تسع وثلاثين، بعث إلى صاحب ينبع أبي سعد هذا. فلما أتاه أكرمه وأنعم عليه واستخدمه، واشترى منه قلعة ينبع، وأمر بخرابها، حتى لا تبقى قرارا للمصريين، وجعله بالوادى مساعدا لنوابه بمكة. انتهى.
ووجدت بخط الميورقي، فيما أظن: أن أبا سعد بن علي بن قتادة هذا، توفى لخمس من شوال سنة إحدى وخمسين وستمائة. انتهى.
ووجدت بخط الحافظ أبي الفتح بن سيد الناس، فيما انتخبه من معجم ابن مسدي: أن أبا سعد هذا، قتل في أوائل رمضان سنة إحدى وخمسين وستمائة. انتهى.
ووجدت بخطى فيما نقلته من تاريخ شيخنا ابن الفرات: أن أبا سعد هذا، قتل لثلاث خلون من شعبان سنة إحدى وخمسين وستمائة. انتهى.
وقال ابن مسدى في حق أبي سعد هذا: كان فاضل الأخلاق، طيب الأعراق، شديد الحياء، كثير الحباء، جمع الشجاعة والكرم والعلم والعمل وكان يشعر وينظم وينثر، إلا أنه نزع بأخرة إلى هوى نفسه، واغتر يومه بأمسه، فحار عما كان عليه من الحزم، وحل عروة العزم، فأتى من مأمنه، وخرج عليه في مكمنه، وجرع بمكانه كأس المنايا، وعظم لفقده الرزايا، وقتل رحمه الله. وذكر تاريخ قتله كما سبق، ومن شعر أبي سعد على ما يقال، قصيدة أولها [من المتقارب]:
خذوا قودى من أسير الكلل | فوا عجبا من أسير قتل |
ومنها:
ولى قمر ما بدا في الدجى | وأبصره البدر إلا أفل |
يخفف قامته بالقنا | ويثقل أردافه بالكفل |
وجاد الزمان به ليلة | وعما جرى بيننا لا تسل |
وأنحلت قامته بالعناق | وأذبلت مرشفه بالقبل |
قها أثر المسك في راحتى | ولهذا فمى فيه طعم العسل |
وأذنت حين تجلى للصباح | بحى على خير هذا العمل |
وإن قيل إنى غدا ميت | بأيدى الصبابة ظلما فهل |
تموت نفوس بآجالها | ونفسى تموت بغير الأجل |
فليت إذا ما أتانى الحمام | يؤخر عني الإله الأجل |
لأني غيوث إذا الغيث مل | ويوم الكفاح أروى الأسل |
وذكر لي بعض أصحابنا الفضلاء من أهل الحديث والأدب، أن هذه القصيدة لابن مطروح الشاعر المشهور.
وأبو سعد بن علي هذا، هو والد عبد الكريم جد الأشراف ذوى عبد الكريم، ووالد أبي نمى صاحب مكة، الذي تقدم ذكره.