إسحاق بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم، القاضي فخر الدين أبو يوسف الطبري المكي الشافعي:
ولد بمكة، وسمع بها من زاهر بن رستم جامع الترمذي، ومن يونس بن يحيى الهاشمي صحيح البخاري، ومن أبي عبد الله بن أبي الصيف، وحدث عنه بالموطأ رواية يحيى بن يحيى، وعن الفقيه نجم الدين عمر بن إبراهيم بن خلكان سماعا، وغيرهم.
وسمع بحلب من الافتخار عبد المطلب الهاشمي: الشمائل للترمذي، وسمع بحماة وبحمص، ودمشق، ومصر، وبالإسكندرية من جعفر الهمداني.
وذكره الحافظ عماد الدين منصور بن سليم في تاريخ الإسكندرية، ومنه كتبت بعض هذه الترجمة، وذكر أنه بعد رجوعه منها ولى القضاء بمكة، ثم انتقل إلى زبيد فاستوطنها، وقال: أخبرني بذلك صاحبنا أبو الفرج بن شاكر الواسطي اليمنى. وكلام الحافظ عماد الدين منصور ليس فيه بيان لولاية المذكور للقضاء بمكة، هل هي استقلال أو نيابة عن قضاتها الشيبانيين، ولا متى كانت.
وقد وجدت ما يوضح شيئا من ذلك، لأني رأيت مكتوبا بمبيع ثبت عليه وحكم بصحته، وأشهد على نفسه بثبوته. وكتب خطه بذلك في ثالث عشرى جمادى الآخرة من سنة أربع عشرة وستمائة.
ووجدت خطه أيضا على مكاتيب ثبت عليه بعضها في سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وبعضها في سنة إحدى وثلاثين، وبعضها في سنة ثلاث وثلاثين، وبعضها في سنة خمس وثلاثين، وبعضها في سنة تسع وثلاثين. فيستفاد من هذا ولايته في هذه السنين. والظاهر أنها نيابة؛ لأن الشيبانيين كانوا قضاة مكة في هذه السنين.
ورأيت بخطه بعد نسبه: قاضي الحرم الشريف.
ووجدت بخط تلميذه أبي العباس أحمد بن علي المعروف بالسرددى اليمنى، أن القاضي إسحاق هذا، دخل بغداد، وكتب له في الديوان العباسي، أنه قاضي قضاة المسلمين شرقا وغربا وبعدا وقربا، وأنه كان يحصل له في كل سنة من الديوان وسواه، خمسة وعشرون ألف درهم، ينفقها على أهل الحرم، ويكون من جملتهم. ولما دخل اليمن عظمه قضاتها، وكان يلقب عندهم بخزيمة العصر، وشهادته عندهم كشهادة شاهدين، لجلالته. وعاب السرددى على المحب الطبري، كونه لم يذكر القاضي إسحاق في مشيخة الملك المظفر صاحب اليمن، لكونه ذكر من هو دونه، وأعرض عن ذكره، مع اتصافه بهذه الأوصاف، ونسب المحب إلى التحامل عليه، ولعل الذي حمل المحب على عدم ذكره، كونه لم يجز للملك المظفر، والله أعلم.
ولم أدر متى مات القاضي إسحاق، إلا أنه كان حيا في الرابع عشر من ذي الحجة سنة سبع وستين وستمائة؛ لأني وجدت بخط عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن أبي بكر الطبري ثبتا له، سمع فيه الموطأ رواية يحيى بن يحيى، على القاضي فخر الدين إسحاق، وذكر فيه أن انتهاء السماع للكتاب المذكور في التاريخ المذكور، بالمدرسة الرشيدية بمدينة تعز، وصحح القاضي فخر الدين على السماع.
ووجدت بخط شيخنا ابن سكر، أنه توفى في حدود السبعين وستمائة، أو فيما بعدها في اليمن، وأن مولده عند طلوع الشمس من يوم الاثنين سابع رجب سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بمكة، وذكر أنه نقل مولده من خط المحب الطبري احره. والله أعلم.