أحمد بن محمد بن محمد بن سعيد الصاغانى، قاضي القضاة، شهاب الدين أبو الخير بن العلامة ضياء الدين الحنفي المكي:
ولد في السادس عشر من ربيع الأول سنة تسع وأربعين وسبعمائة بالمدينة النبوية، وسمع بها من محدثها العفيف عبد الله بن الجمال محمد المطري: بعض الشفاء للقاضي عياض، وعلى الفقيه خليل بن عبد الرحمن القسطلاني المكي، إمام المالكية بمكة: جزء البطاقة، وعلى القاضي عز الدين عبد العزيز بن جماعة: الفرج بعد الشدة لابن أبي الدنيا، وسمع عليه بمكة جزء ابن نجيد عن أحمد بن عساكر وغيره عن أبي روح، والمؤيد الطوسي، وزينب الشعرية بسندهم، ورواه له بإسناد متصل، وسمع بالقاهرة على الشيخ
محيي الدين عبد القادر بن محمد الحنفي، مؤلف طبقات الحنفية: الموطأ لمالك، رواية يحيى ابن بكير وغير ذلك، وعلى فخر الدين إبراهيم بن العفيف إسحاق بن يحيى الآمدي بعض الخلعيات، وذلك من حديث الحوض في الجزء الحادي عشر إلى آخر الثاني عشر. وحدث به الآمدي من لفظه لصمم عرض له، وسمع معنا على جماعة من شيوخنا بمكة ومن غيرهم من شيوخ مكة. وحدث، وعنى بالعلم كثيرا. وله في الفقه نباهة ودرس كثيرا وأفتى.
ومن تداريسه بمكة: الدرس الذي قرره للحنفية الأمير يلبغا الخاصكى، مدبر الدولة بمصر، تلقاه عن أبيه، والمدرسة الغياثية البنجالية، ومدرسة الزنجيلي، وتدريس الأمير أرغون، النائب بمصر أو بحلب في دار العجلة، ثم نقل الدرس إلى المسجد. وكذلك مدرسة الزنجيلي نقل التدريس منها إلى المسجد.
وناب في العقود بمكة، عن قاضي مكة عز الدين محمد بن قاضي الحرمين محب الدين النويري، ثم ناب عنه في الأحكام في آخر سنة ثلاث وثمانمائة، ثم عزله فلم يجتنب المباشرة.
وذكر أن مذهبه: أن القاضي لا يعزل إلا بجنحة، ولم يأتها. ثم جاءه تقليد من صاحب مصر الناصر فرج بقضاء الحنفية في سنة ست وثمانمائة، وجاء عزله من الناصر عقيب ذلك بعد أن باشر أياما قليلة.
ثم ناب بعد ذلك في الحكم بمكة عن قاضيها جمال الدين بن ظهيرة في آخر سنة ست وثمانمائة، وإلا ففي أول سنة سبع وثمانمائة، وجاءه فيها تقليد من الناصر فرج صاحب مصر لقضاء الحنفية.
وباشر ذلك إلى أوائل ذي الحجة من سنة تسع وثمانمائة، ثم تركه لصرفه عن ذلك بصاحبنا الشيخ جلال الدين عبد الواحد بن إبراهيم المرشدي، وما قبل جلال الدين الولاية، فأعيد القاضي شهاب الدين للمنصب في سنة عشر وثمانمائة.
وجاءه بذلك تقليد من الناصر فرج، واستمر متوليا حتى مات في ليلة الأحد رابع عشر ربيع الأول سنة خمس وعشرين وثمانمائة بمكة المشرفة، ودفن في صبيحتها بالمعلاة على والده.
وكان عرض له قبل موته بنحو شهرين عجز عن الحركة والمشى، لسقوطه من سرير مرتفع إلى الأرض، فانفك بعض أعضائه وتألم كثيرا لذلك، أثابه الله تعالى.