أحمد بن محمد بن عبد الله بن ظهيرة بن أحمد بن عطية بن ظهيرة القرشي المخزومي المكي الشافعي، قاضي مكة ومفتيها، محب الدين أبو العباس بن قاضي مكة وخطيبها ومفتيها جمال الدين أبي حامد بن عفيف الدين:
ولد في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وسبعمائة، وحفظ القرآن وصلى به التراويح في سنة تسع وتسعين وسبعمائة، وحفظ كتبا في فنون من العلم، منها: المنهاج للنواوى، والمنهاج للبيضاوي، والألفية في النحو، والألفية في الحديث، المسماة: بالتبصرة، والشاطبية، وغير ذلك.
وفى رمضان سنة إحدى وثمانمائة، عرض المنهاج للنواوى على جماعة، منهم شيخنا برهان الدين الأبناسى، وحضر عنده دروسا في الفقه، وسمع عليه بقراءتى الموطأ، رواية يحيى بن يحيى.
وقرأت لأجله على شيخنا إبراهيم بن محمد بن صديق في سنة خمس وثمانمائة، غالب مسموعاته من الأجزاء، وسمع عليه قبل ذلك صحيح البخاري، وقرأ له عليه والده، مسند الدارمي بقبة العباس، وسمع معنا على شيخنا القاضي زين الدين أبي بكر بن الحسين المراغى بالمسجد الحرام: صحيح مسلم، وسنن الدارقطني، وقرأ عليه: كتاب العمد في شرح الزبد، لقاضي حماة شرف الدين البارزى، وأذن له في الإفتاء والتدريس، وأذن له في ذلك مكاتبة شيخنا قاضي القضاة ولى الدين أبو زرعة بن شيخنا الحافظ زين الدين العراقي، وقبل ذلك قاضي القضاة جلال الدين بن شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، وخطيب دمشق ومفتيها شهاب الدين أحمد بن حجي، والشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الله الغزى أحد المفتين، ونواب الحكم بدمشق، بعد أن قرأ عليه بمكة منهاج البيضاوي وسمع عليه جانبا من جمع الجوامع، لتاج الدين السبكي، في سنة تسع وثمانمائة، وبسؤاله أجازه البلقيني وابن حجي وحضر في الأصول والمعانى والبيان
والمنطق عند الشيخ حسام الدين الأبيوردي بمكة، وحضر عند الشيخ أبي عبد الله محمد ابن أحمد الوانوغي دروسا كثيرة في التفسير والأصول والعربية وغير ذلك، وقرأ عليه في المنطق.
وله في العلم والرواية شيوخ غير هؤلاء، منهم الشيخ بدر الدين حسين بن علي الزمزمى، أخذ عنه الفرائض والحساب والفلك، وجلس للتدريس بالمسجد الحرام عند الأسطوانة الحمراء، في سنة تسع وثمانمائة، وفيها استنابه والده في الحكم والخطابة، ولازم دروس أبيه نحو خمس عشرة سنة.
ونزل له أبوه في مرض موته عن تدريس المدرسة المجاهدية بمكة، ومدرسة صاحب بنجالة، فباشر التدريس بهما قريبا من عشرة أعوام، وكان معه توقيع بأن يكون نائب أبيه في الحكم وغيره في حياته، ويستقل بذلك بعد وفاته، فحكم له نائب القاضي الحنبلي بمكة بصحة هذه الولاية المعلقة، وباشر بها أشياء بعد موت أبيه.
وكان موت أبيه في رمضان سنة سبع عشرة وثمانمائة، ثم ترك المباشرة، لما وصل الخبر إلى مكة بولاية القاضي كمال الدين أبي البركات بن القاضي جمال الدين أبي السعود بن ظهيرة، لقضاء مكة، عوض القاضي جمال الدين.
وكان وصول الخبر بذلك عقيب سفر الحاج من مكة في هذه السنة.
وفى العشر الأخير من ذي القعدة سنة ثمان عشرة، باشر قضاة مكة لوصول توقيع إليه بذلك، مؤرخ بشعبان من هذه السنة، واستمر مباشرا إلى ثامن شوال سنة تسع عشرة.
وكان ورد الخبر بعزله وعود القاضي أبي البركات قبل ذلك بأشهر، ولم يتحقق ذلك. فلما وصل توقيع القاضي أبي البركات لقضاء مكة في ثامن شوال، باشر القاضي أبو البركات إلى أوائل ذي الحجة من هذه السنة.
وفى خامس ذي الحجة منها، وصل توقيع للقاضي محب الدين بقضاء مكة، مؤرخ بأوائل ذي القعدة من هذه السنة، فباشر به أمور القضاء، ولم يزل متوليا حتى مات.
وكانت فيه نزاهة وديانة وخير، وقلة شر، وإنصاف كثير. وله براعة في الفقه والفرائض والحساب وغير ذلك، ويلقى دروسا حسنة ويذاكر بأشياء مليحة، ووردت عليه من الطائف وغيره فتاوى كثيرة، وأجاب عنها. وله شعر. وكان على طريق والده، في صرف ما عنده من الزكاة، وما يصل إليه من الصدقات لمن يواده ولمن يباعده، وغيرهما من القضاة يرى صرف ذلك لمن يواده، لعدم لزوم التعميم في مثل ذلك، وهي طريقة حسنة.
وعرض له قبل موته مرض تعلل به نحو أربعين يوما، ثم مات ضحى يوم الاثنين ثامن عشر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وثمانمائة بمكة، ونادى المؤذن بالصلاة عليه فوق زمزم، وصلى عليه بعد صلاة العصر، ودفن بالمعلاة عند أبيه وجده، بجوار قبر مقرئ مكة عفيف الدين عبد الله بن عبد الحق الدلاصى، وكثر الأسف عليه لمحاسنه، وتقدم في الصلاة عليه القاضي العلامة شمس الدين محمد بن أحمد بن موسى الكفيرى الدمشقي الشافعي، أحمد المفتين ونواب الحكم بدمشق.