أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن القاسم بن عبد الرحمن العقيلي، قاضي الحرمين وخطيبهما، محب الدين النويري المكي الشافعي، يكنى أبا البركات:
ولد في أوائل شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة بمكة، وأجاز له على ما وجدت بخط شيخنا ابن سكر، شخص يروى عن المحب الطبري يقال له ابن المدني من أهل عدن، والشيخ شهاب الدين الحرازي، وعلي بن الزين القسطلاني، وأم الهدى عائشة بنت الخطيب تقي الدين عبد الله بن المحب الطبري، والشهاب الحنفي، وسمع عليه، على ما ذكر شيخنا ابن سكر.
ووجدت سماعه على سيدى الشيخ خليل المالكي للموطأ رواية يحيى بن يحيى، وغير ذلك، وسمع على القاضي عز الدين بن جماعة أربعينه التساعية، ومنسكه الكبير، وجزء ابن نجيد، وغير ذلك، وسمع جزء ابن نجيد على القاضي موفق الدين الحنبلي، وسمع على الكمال بن حبيب سنن ابن ماجة، وسمع على محمد بن أحمد بن عبد المعطى كثيرا من الكتب والأجزاء، وسمع بالمدينة على القاضي بدر الدين بن فرحون: الموطأ.
وطلب العلم، وأخذ الفقه عن أبيه، والقاضي شهاب الدين بن ظهيرة، وأخذ عنه الفرائض، وأخذ النحو عن الشيخ أبي العباس بن عبد المعطى، ولازمهما مدة، فحصل كثيرا، ودرس وأفتى وحدث بالحرمين، وولى قضاءهما وخطابتهما، وغير ذلك من الوظائف بهما.
وأول ولاياته أنه ناب عن أبيه القاضي أبي الفضل في الحكم والخطابة بمكة، في سنة
ثلاث وسبعين ثم ولى قضاء المدينة النبوية وخطابتها وإمامتها، على قاعدة من تقدمه، في سنة خمس وسبعين بعد وفاة القاضي بدر الدين بن الخشاب، وأتاه الخبر بذلك إلى مكة في سابع عشر رجب من السنة المذكورة، وتوجه إلى المدينة ومعه عمه القاضي نور الدين علي بن أحمد النويري.
وبلغوها في مستهل شعبان، وباشر جميع ما فوض إليه، ولقى من كثير من أهل المدينة أذى كثيرا بالقول، فقابل كثيرا من ذلك بالصفح والإحسان، ثم صرف عن الخطابة والإمامة مديدة يسيرة بالشيخ شهاب الدين الصقلى، ثم عاد إليه، واستمر على ذلك حتى صرف عنه في جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، لما ولى قضاء مكة وخطابتها بعد عزل القاضي شهاب الدين بن ظهيرة على ما كان عليه، وجاءه الخبر بذلك وهو بالمدينة.
وتوجه إلى مكة ودخلها في أول العشر الآخر من رمضان سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، وباشر ما فوض إليه من الحكم والخطابة وغير ذلك، ثم أضيف إليه في سنة تسع وثمانين تدريس درس بشير الجمدار، ثم أضيف إليه تدريس المدرسة المجاهدية بمكة.
واستمر على ذلك حتى مات في ليلة الأربعاء تاسع عشر شهر رجب سنة تسع وتسعين وسبعمائة بمكة، ودفن بالمعلاة عند أبيه، وكثر الأسف عليه، لما فيه من المحاسن العديدة، فإنه كان كثير التودد للناس مجملا لهم، مع عقل راجح وديانة وصيانة وعفاف، وكان نشأ على ذلك من صغره، ولديه فضائل ومعرفة بالأحكام، ورزق فيها من صغره السداد مع الهيبة والحرمة، وكان نقمة على الرافضة بالمدينة، وله في إهانتهم لإعزاز السنة أخبار كثيرة، ولم يحترم منهم في ذلك كبيرا، حتى إنه كان يغلظ لأميرهم عطية بن منصور صاحب المدينة.
ومما جرى بينهما في ذلك، أن عطية قال له يوما ما معناه؛ يا قاضي، أنا مثل هذه المنامة - يعنى سارية من سوارى المسجد النبوي - إذا طحت على شيء كسرته، وإن طاح على شيء انكسر.
فقال له القاضي محب الدين المذكور ما معناه: هذه المنامة إذا رأينا منها خللا أزلناها وأقمنا عوضها أخرى. فأفحم عطية ولم يحر جوابا، وقال: قتلنى ابن النويري.
وكان له حظ وافر من العبادة والذكر وصحبة أهل الخير وخدمتهم والإحسان إليهم، وكان ذلك دأبه من الصغر، وفيه مكارم. وله على فضل كثير. تغمده الله برحمته وجزاه عني خيرا.
ومن جميل أخباره، أنه بلغني عنه ما معناه، أن والده كتب إليه؛ إذ كان قاضيا بالمدينة يقول له: إنى سألت الشيخ طلحة - يعنى الهتار - أحد كبار صلحاء اليمن أن يدعو لك، فقال لي الشيخ طلحة: إنه رأي النبي صلى الله عليه وسلم في حالته، وقال له: يا سيدى يا رسول الله، خاطرك مع أحمد بن أبي الفضل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هو في كنفى، وأرجو يا ولدى أن تكون في كنفه، صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، وسبب كتابة أبيه إليه بذلك، يبشره بهذه الحكاية.