أحمد بن عبد الواحد بن مرى بن عبد الواحد بن نعام السعدي، المقدسي الأصل، تقي الدين أبو العباس الحوراني:
نزيل مكة. ولد في النصف من صفر سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وسمع بدمشق وحلب وبغداد.
وروى عن الشريف أبي هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي: كتاب الشمائل للترمذي سماعا منه، وحدث به عنه.
سمع منه الحافظان: الشريف أبو القاسم الحسيني، وشرف الدين الدمياطي، وذكره في معجمه، ووصفه بالفقيه الفرضي الزاهد، والعلم سنجر الدوادارى، والفخر التوزري، والرضى الطبري، وأحمد بن محمد بن علي الحلبي، وهو خاتمة أصحابه.
ذكره الشريف أبو القاسم الحسيني في وفياته فقال: كان أحد المشايخ المشهورين
الجامعين بين الفضل والدين، وعنده جد وإقدام، وقوة نفس وتجرد وانقطاع. انتهى.
ووجدت بخط جدي أبي عبد الله الفاسي، أن الحورانى هذا، كان مشهورا بالزهد العظيم، حتى لقد أقام بمكة زمانا لا يرجع إلى مأوى معين، ولا يدخر شيئا من الدنيا. وله في هذا المعنى أخبار كثيرة، من شدة اطراحه لنفسه وانسلاخه من الأسباب.
ووجدت بخط جدي أيضا، أنه سمع يحيى بن محمد الطبري: سبط الشيخ سليمان بن خليل يقول: كان الشيخ تقي الدين الحورانى حسن الجواب فيما يسأل عنه. فقلت له في ذلك، فقال لي: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وتفل في فمى.
فكان يرى أن هذه البركة من ذلك الأثر المبارك. انتهى.
وذكر ابن رافع في ذيل تاريخ بغداد، فقال: كان عارفا بالفقه والفرائض، وكان شافعيا، وذكر ابن رافع في ترجمته: أن الإمام تقي الدين محمد بن الإمام شرف الدين الحسن بن علي الصبرى، حكى له عن والده، أن التقى الحورانى هذا كان حنبليا، وأنه صحب الحورانى هذا بمكة مدة طويلة ليلا ونهارا، وكان ما يخطر بباله خاطر إلا كاشفه عليه، قال: فخطر ببالى يوما ما كان سبب حاله وابتداء أمره في سرى، فقال: كان بدو أمرى أنى كنت معيدا بالمدرسة المستنصرية ببغداد، وكنت ألازم الصوم، وكنت أفطر على المباحات التي يرمى بها وأغسلها بالماء وأتناولها، وكان خارج بغداد رجل صالح، وله مكتب، فكنت أجتمع له، فحصل لي منه خير كثير. انتهى.
وذكره ابن مسدى في معجمه، فقال بعد نسبه كما ذكرنا: تفقه بالشام والعراق، وتطور في الآفاق، وسمع شيئا من الحديث بدمشق وحلب وبغداد، ونزل مكة، ولم يكن بالحافظ. وحدث بغير أصول، فوقع في أمور لتفصيل جملتها غير هذه الفصول، قد أظهر التحلى بالتخلى، وأشار إلى التجلى، وله في كل مقام مقال ودعوى لا تقال، لقيته بالحرم الشريف، وأنست بظاهره، فلم يتفق لنا خبره مع مخابره، ينسب إلى طلب رياسة ما يقتفيها، ودعوى طريق ما ينتهيها وينتفيها، يعظم الدنيا وأمراها، ويحتقر صعاليكها وفقراها، إلا من يصفق له حين رقصه، ويكمل دعواه بنقصه. وذكر أنه أنشده لنفسه هذه الأبيات [من البسيط]:
إن قلت في اللفظ هذا النطق يجحده | أو قلت في الأذن لم أسمع له خبرا |
أو قلت في العين قال الطرف لم أره | أو قلت في القلب قال القلب ما خطرا |
وقد تحيرت في أمرى وأعجبه | أن ليس أسمع إلا عنهم وأرى |
ووجدت بخط الميورقي، أن الفقهاء أخرجوه من مكة في جمادى سنة ثلاث وستين، ولم يزد على ذلك. ووجدت بخطه: أنه توفى في السابع والعشرين من رجب سنة سبع وستين وستمائة بطيبة .
وقد أرخ وفاته برجب من هذه السنة الشريف الحسيني في وفياته، وذكر فيها مولده كما سبق.