محمد بن موسى بن علي بن عبد الصمد بن محمد بن عبد الله المراكشي الحافظ المفيد جمال الدين أبو البركات المكي الشافعي
محمد بن موسى بن علي بن عبد الصمد بن محمد بن عبد الله المراكشي الحافظ المفيد جمال الدين أبو البركات المكي الشافعي
سبط الشيخ عبد الله اليافعي. ولد في ليلة الأحد ثالث رمضان سنة سبع وثمانين وسبعمائة، بمكة المشرفة. ونشأ بها على العفاف والصيانة، والخير والعناية الكثيرة بفنون من العلم والحديث، فقرأ على جماعة في الفقه والأصول، والعربية، والمعانى والبيان والعروض والفرائض والحساب، وبرع في هذه العلوم.
وتقدم كثيرا في الأدب، وله فيه النظم الكثير المليح لغوصه على المعانى الحسنة. وتقدم كثيرا في الحديث لجودة معرفته بالعلل وأسماء المتقدمين، والمتأخرىن، والمرويات، والعالي والنازل، مع الحفظ لكثير من المتون، ولم يكن له في ذلك نظير بالحجاز، وكان حسن الجمع والتأليف، والإيراد لما يحاوله من النكت والأسئلة والإشكالات، وافر الذكاء، سريع الكتابة، مليحها.
ومن شيوخه في العلم بمكة: قاضي قضاتها جمال الدين محمد بن عبد الله بن ظهيرة السابق ذكره، تفقه عليه كثيرا، وقرأ عليه جملة كثيرة من مروياته، والشيخ شمس الدين محمد بن محمود الخوارزمي، المعروف بالمعيد، أخذ عنه كثيرا في العربية ومتعلقاتها، وانتفع في العربية كثيرا بزوج والدته، صاحبنا الشيخ الإمام خليل بن هارون الجزائري.
وتفقه أيضا بالمدينة النبوية، على شيخها، مسند الحجاز أبي بكر بن الحسين المراغى، قرأ عليه تأليفه، المسمى بالعمد في شرح الزبد، في الفقه، وأذن له في الإفتاء والتدريس.
وقرأ عليه شيئا كثيرا جدا من مروياته بالمدينة ومكة، وهو من أجل شيوخه في الرواية بالحجاز. وأحسن شيوخه في الرواية على الإطلاق، شيخنا مسند الحجاز، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن صديق الرسام، الآتي ذكره، وسمع عليه بمكة شيئا كثيرا من الكتب الكبار، والأجزاء.
وقرأ بمكة كثيرا على الشيخين أبي اليمن محمد بن أحمد بن الرضى الطبري، وزين الدين محمد بن الزين أحمد بن محمد بن المحب الطبري، وبالمدينة على رقية بنت أبي مزروع، وخلق كثيرين، بمكة وطيبة.
ورحل للرواية والدراية من مكة بعد الحج، في سنة أربع عشرة وثمانمائة، إلى صوب
الشام فسمع بدمشق، وقرأ كثيرا على جماعة كثيرين، أحسنهم رواية، مسندة الوقت - إذ ذاك - أم عبد الله عائشة بنت المحتسب شمس الدين محمد بن عبد الهادي المقدسية الصالحية، شيختنا.
وجماعة كثيرين، رووا له عن أصحاب ابن عبد الدايم، وابن أبي اليسر، وابن أبي عمر، وابن البخاري، وطبقتهم، منهم: عبد القادر بن الأرموى، وهو من أصحاب زينب بنت الكمال، وعبد الرحمن بن طولوبغا، وشمس الدين محمد بن محمد بن عياش الجوخى؛ وفاطمة بنت عبد الله الحورانى، وقطو ملك بنت ناصر الدين محمد بن إبراهيم ابن الملوك، ولطيفة بنت عز الدين الأماسى.
وسمع ببعلبك، على محمد بن إسماعيل بن بردس، وهو من أصحاب محمد بن إسماعيل ابن الخباز، وبحلب على محدثها الإمام برهان الدين إبراهيم سبط بن العجمى وغيره بحلب، وغيرها من بلاد الشام.
وقصد بعد ذلك الديار المصرية، فسمع وقرأ بالقدس، والخليل، على جماعة من أصحاب الميدومى.
وبالقاهرة على مسندها شرف الدين أبي الطاهر محمد بن أبي اليمن بن الكويك، قرأ عليه مسموعه أو غالبه، من «الحلية» لأبي نعيم، وغير ذلك كثيرا، وعلى شيخنا شيخ الإسلام ولى الدين أبي زرعة أحمد بن شيخنا حافظ الإسلام زين الدين العراقي أشياء من مروياته، وشرح والده لألفيته في الحديث المسماة: «بالتبصرة»، وعلى جماعة من أصحاب أصحاب ابن البخاري، منهم: جمال الدين عبد الله بن علي العسقلاني الحنبلي، سبط القلانسي.
ورحل إلى الإسكندرية، فسمع بها من القاضي كمال الدين عبد الله بن محمد بن محمد بن خير: السداسيات، والمشيخة: للرازي، وهو يروى ذلك عن ابن الصفي، وروى له عن الوادياشى، وقرأ بها: الترمذي على بعض رواته، عن ابن البورى، ولقى صاحبنا الحافظ الناقد الحجة، أبا الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، وذاكره فيما يتعلق بالحديث، وانتفع به في ذلك، وبشيخنا الحافظ ولى الدين أبي زرعة بن العراقي، متع الله بحياتهما، وعاد إلى مكة، وقد حصل من الرواية والدارية فيما يتعلق بالحديث وغيره، على حظ طائل.
وخرج في سنة إحدى عشرة وثمانمائة، مشيخة حسنة لشيخنا زين الدين أبي بكر ابن الحسين المراغى، سمعناها بقراءته عليه بمنى.
وخرج مشيخة أيضا لشيخنا مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازي، الآتي ذكره، قاضي اليمن، وأخذ عنه هناك.
وخرج لغير واحد من شيوخه وأصحابه، وشرع في تخريج «معجم» لى، فألف منه عدة كراريس، في تراجم المحمدين.
وخرج لنفسه أربعين حديثا متباينة الإسناد والمتون؛ وكلها موافقة لأصحاب الكتب الستة، فجاءت في غاية الحسن، دالة على كثرة حفظه، ولم يبيضها.
وكتب شيئا كالشرح على «نخبة الفكر» لصاحبنا الحافظ شهاب الدين أبي الفضل ابن حجر، ولم يكمله، وله تواليف كثيرة لم يكملها، منها: شيء على نمط «الموضوعات» لابن الجوزي، وشيء يتعلق بتاريخ المدينة النبوية، وشيء في علم الحديث، على طريق ابن الصلاح، ولم يكمل شيئا من هذه التواليف.
ودخل اليمن مرات كثيرة، منها: في سنة عشرين وثمانمائة، وولى بها السماع للحديث بالمدرسة التاجية بزبيد، ومال بعد ذلك إلى استيطان اليمن، فنقل إليه تعاليقه وأجزاءه، وكتبه، وظهر لفضلاء اليمن فضيلته في الحديث وغيره، فأحبوه ونوهوا بذكره، ونمى خبره إلى الملك الناصر صاحب اليمن، فمال إليه، ونال منه بر غير مرة، بعد مديحه للملك الناصر بقصائد طنانة.
وتوجه من اليمن لقصد الحج، في النصف الثاني من ذي القعدة، سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، وكان ببعض المراسى القريبة من جدة في يوم حار. وركب في وسط هذا النهار فرسا عريا، وركض كثيرا ليدرك الحج، وكان بدنه ضعيفا، فازداد ضعفا، وأدرك أرض عرفة في آخر ليلة النحر فيما ذكر، وما أتى إلى منى، إلا في آخر يوم النفر الأول؛ لأنه مشى على قدميه، وهو شديد الضعف في يومين إلى المزدلفة، في يوم النفر الأول، علمنا خبره، فمضى إليه من أحضره إلى منى، ونفر منها إلى مكة، ولم يزل عليلا، وربما أفاق قليلا في بعض الأيام؛ حتى مات بعد صلاة الصبح، من يوم الجمعة الثامن والعشرين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، بمكة المشرفة، بعد أن كتب وصيته بخطه في هذا اليوم، ودفن بالمعلاة بعد صلاة الجمعة، وتأسف الناس عليه كثيرا، لوفور محاسنه.
وكنت عظيم الأسف عليه، لما بينى وبينه من الصداقة الأكيدة، ولما يفيدنيه في الحديث وغيره. وقل أن اجتمعت به إلا وأفادنى شيئا. وكان مع وفور فضيلته، يذاكرنى بأشياء كثيرة من متعلقات الحديث. فأذكر له فيها ما يعتمده.
وقد سمع منى بوادى الفرع، ونحن متوجهون لزيارة المصطفى عليه السلام، في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، أحاديث من الثقفيات، وغير ذلك. وسمعت منه شعرا كثيرا، لغيره ولنفسه، فمنه قوله في مشيخة شيخنا المراغى، بعد ذكره لأسانيده:
فى زى ذي قصر بدت | لكنه عين السمو |
فاعجب لها وهي القصي | رة كيف تنسب للعلو |
وروضة للزين شعبان قد | أربت على زهر حلا في ربيع |
لو لم تفق نسج الحريرى لما | حاكت بهذا النظم رقم البديع |
يا شمس أفق بلاد الشرق كم شهدت | سيارة بعلاها سرن في البشر |
يا سابق العلما في كل مشكلة | وكل علم أمنت السبق فانتظر |
مددت أبحر علم لا يطاق فمذ | جزرت رفقا دعاك الناس بالجزري |
نداء ذي غلة قالت على نبأ | البحر عذبا هنا فأغنى عن المطر |
ها قد قصدتك أبغى بالإجازة تش | ريفا لديك بفتوى العلم والخبر |
حققتم معنى لفظ الإجازة لل | طلاب لكن بلا رد لمنتظر |
قد أسفت على تلك الفضائل لم | ما كان تسليمها الوديع للسفر |
طلعت علما علينا والشموس كذا | تسير عاما فسر بالعز والظفر |
يا عالما ما له في الناس من شبه | وناظما جوهرا قد زين بالدرر |
ويا إماما له في الحفظ أي يد | فاق الألى سلفوا في غابر العصر |
شرفتنى بقريض لا نظير له | بسيط بحر أتى صفوا بلا كدر |
نعم أجزتك ما أروى وما لي من | نظم ونثر وأن تفتى مع الحذر |
وعلمنا بك يغنى عن تقيده | بشرطه فارو ما تبغى بلا خطر |
واعذر ضعيفا بعيد الدار مرتحلا | قد قالها وهو مجتاز على سفر |
وأنت أصبحت فردا في الحديث وفى | أنواع فضل وإفضال بلا نظر |
والله يبقيك في خير وكاتبه | محمد وهو المشهور بالجزري |
ومولدى عام «إذن» في دمشق وذا | قد قلت عام «أضا حجي» على الكبر |
والحمد لله ربى والصلاة على | محمد المصطفى المبعوث من مضر |
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان-ط 1( 1998) , ج: 2- ص: 1