محمد بن أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذى بن مروان الملك الكامل
ناصر الدين أبو المعالي بن الملك العادل سيف الدين أبو بكر صاحب الديار المصرية والشامية [ ...... ] ومكة المشرفة:
ذكر ابن خلكان: أن والده الملك العادل، لما تمهدت له البلاد، قسمها بين أولاده، فأعطى أولاده، فأعطى الملك الكامل الديار المصرية والملك المعظم عيسى البلاد الشامية، والملك الأشرف موسى البلاد الشرقي، والملك الأوحد نجم الدين أيوب ميافارقين، وتلك النواحى، ثم إن جماعة كثيرة من الأمراء بالديار المصرية، منهم
عماد الدين أحمد بن المشطوب، اتفقوا مع الملك الفائز سابق الدين إبراهيم بن الملك العادل، وانضموا إليه، وظهر للملك الكامل منهم أمور تدل على أنهم عازمون على تفويض السلطنة إليه، وخلع الملك الكامل، واشتهر ذلك بين الناس.
وكان الملك الكامل يداريهم، لكونه في قبالة العدو، ولا يمكنه المعافرة والمنافرة، وطول روحه معهم، ولم يزل على ذلك حتى وصل إليه الملك المعظم صاحب دمشق، فأطلعه الملك الكامل على صورة الحال في الباطن، وأن رأس هذه الطائفة، ابن المشطوب المذكور. فجاءه يوما على غفلة إلى خيمته، واستدعاه، فخرج إليه وقال: أريد أن أتحدث معك سرا في خلوة، فركب فرسه وسار معه وهو جريدة، وكان المعظم جرد جماعة ممن يعتمد عليهم ويثق بهم. وقال لهم: اتبعونا، ولم يزل المعظم يشاغله بالحديث، ويخرج معه من شيء إلى شيء، حتى أبعد عن المخيم، ثم قال: يا عماد الدين هذه البلاد لك، ونشتهى أن تهبها لنا، ثم أعطاه شيئا من النفقة، وقال لأولئك المجردين: تسلموه حتى تخرجوه من الرمل، فلم يسعه إلا امتثال الأمر، لانفراده وعدم القدرة على الممانعة في تلك الحال، ثم عاد إلى أخيه الكامل، وعرفه صورة ما جرى، ثم جهز أخاه الملك الفائز إلى الموصل، لإحضار النجدة منها، فمات بها.
وكان ذلك خديعة لإخراجه من البلاد.
فلما خرج هذان الشخصان من العسكر، تحللت عزائم من بقى من الأمراء الموافقين لهما، ودخلوا في طاعة الكامل كرها لا طوعا. فلما استراح خاطر الملك الكامل، من جهة هذا العدو - وهم الفرنج الذين نازلوه بدمياط - وتفرغ للأمر الذين كانوا متحاملين عليه، نفاهم عن البلاد، وبدد شملهم وشردهم ودخل القاهرة وشرع في عمارة البلاد، واستخرج الأموال من جهاتها، وكان سلطانا عظيم القدر، جميل الذكر محبا للعلماء، متمسكا بالسنة النبوية، حسن الاعتقاد، معاشرا لأرباب الفضائل، حازما في أموره، لا يضع الشيء إلا في موضعه، من غير إسراف ولا إقتار.
وكان ييبت عنده كل ليلة جماعة من الفضلاء ويشاركهم في مباحثهم وبنى بالقاهرة دار حديث، ورتب لها وقفا جيدا.
وكان قد بنى على ضريح الإمام الشافعي قبة عظيمة، ودفن أمه عنده، وأجرى إليها ماء من النيل، ومدده بعيد، وغرم على ذلك جملة عظيمة.
ولما مات أخوه الملك المعظم صاحب الشام، وقام ولده الملك الناصر صلاح الدين
داود مقامه، خرج الملك الكامل من الديار المصرية، قاصدا أخذ دمشق منه. وجاء أخوه الملك الأشرف مظفر الدين موسى، واجتمعا على أخذ دمشق، بعد فصول جرت يطول شرحها، وذلك في أول شعبان، سنة خمس وعشرين وستمائة، فلما ملكها دفعها لأخيه الملك الأشرف، وأخذ عوضها من بلاد الشرق: حران والرها وسروج والرقة ورأس عين، وتوجه إليها بنفسه في تاسع شهر رمضان المعظم من السنة.
وفى شوال سنة ست وعشرين وستمائة، كان الملك الكامل مقيما بحران، بعساكر الديار المصرية، وجلال الدين خوارزم شاه، يوم ذاك يحاصر خلاط - وكانت لأخيه الملك الأشرف - ثم رجع إلى الديار المصرية، وتجهز في جيش عظيم، وقصد آمد في سنة تسع وعشرين وستمائة، فأخذها مع حصن كيفا وتلك البلاد، من الملك المسعود ابن الملك الصالح، من بنى أيوب.
ولما مات الملك الأشرف، جعل ولى عهده أخاه الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل، فقصده الملك الكامل، وانتزع منه دمشق، بعد مصالحة جرت بينهما، وذلك في تاسع جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وستمائة، وأبقى عليه بعلبك وأعمالها، وبصرى، وأرض السواد وتلك البلاد.
ولما ملك البلاد الشرقية وآمد وتلك النواحى، واستخلف فيها ولده والملك الصالح نجم الدين أيوب، واستخلف ولده الأصغر الملك العادل سيف الدين أبا بكر بالديار المصرية. وكان الملك الكامل سير ابنه الملك المسعود إلى اليمن.