محمد بن عطيفة بن أبي نمى محمد بن أبي سعد حسن بن علي بن قتادة ابن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم الحسني المكي
محمد بن عطيفة بن أبي نمى محمد بن أبي سعد حسن بن علي بن قتادة ابن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم الحسني المكي
أمير مكة، وليها بعد أن عزل ابنا عمه: عجلان، وثقبة، ابنا رميثة بن أبي نمى، شريكا لابن عمه سند بن رميثة. ويقال: إن ولاية مكة عرضت عليه بمفرده، فأبى إلا أن يليها شريكا لبعض أولاد رميثة، فولى معه سند بن رميثة.
وبلغني أنه لما وصل الخبر بولايتهما إلى مكة، أشار عجلان إلى ثقبة، بأن يعطى كل منهما أربعمائة بعير، لبنى حسن، ليساعدوهما على بقاء ولايتهما.
ومنع ابن عطيفة ومن معه، فلم يوافق على ذلك ثقبة، واحتج بعجزه عن الإبل المطلوبة منه، ولما بينه وبين سند من كثرة الألفة، ومعاضدة سند له.
وكان صاحب مصر، الملك الناصر حسن، لما ولى مكة سندا، وابن عطيفة، جهز من مصر مع ابن عطيفة عسكرا فيه أربعة من الأمراء، وهم: جركتمر المارديني حاجب الحجاب بالقاهرة، وهو مقدم العسكر، وقطلوبغا المنصوري، وعلم دار، وابن أصلم .
وذكر ابن محفوظ: أن هذا العسكر، كان نحوا من مائتى مملوك، ومعهم تسعون فرسا، وأنهم وصلوا إلى مكة في الثامن من جمادى الآخرة، سنة تسعين وسبعمائة. انتهى.
وذكر لي بعض الناس، أن هذا العسكر وصل إلى مكة في رجب من السنة المذكورة، والله أعلم بالصواب في ذلك.
ولما وصل هذا العسكر إلى مكة، وصل إليهم سند بن رميثة، فأعطوه تقليده وخلع عليه، وعلى ابن عطيفة، ودعى لهما على زمزم، وانصلح بالعسكر حال مكة، وارتفع منها الجور وانتشر العدل بها، وأسقط المكس من المأكولات، وجلبت الأقوات، فرخصت فيها الأسعار إلى الغاية، وانقمع أهل الفساد، بحيث لم يتجاسر أحد منهم على حمل السلاح بمكة؛ لأن مقدم العسكر أمر بذلك.
واستمر هذا الحال بمكة - على ما ذكرناه - إلى انقضاء الحج من سنة إحدى وستين وسبعمائة، ثم تغير ذلك لفتنة عظيمة وقعت بين بنى حسن من أهل مكة، والعسكر الذي بها، وهذا العسكر غير العسكر الذي قدم إلى مكة مع ابن عطيفة، ومقدم هذا العسكر أميران، أمير يقال له: قندس، قدم من القاهرة في جماعة، وأمير يقال له ناصر الدين بن قراسنقر المنصوري، قدم من الشام في جماعة، ليقيموا بمكة، عوض العسكر الذي قدم مع ابن عطيفة، وكان قدوم العسكر الذي مع قندس، وابن قراسنقر إلى مكة في الموسم من سنة إحدى وستين وسبعمائة.
وسبب الفتنة بين هذا العسكر، وأهل مكة، أن بعض العسكر رام النزول بدار المضيف عند الصفا، فمنعه من ذلك بعض الأشراف، من ذوى على، فتضاربوا، وبلغ ذلك بنى حسن والترك، فثارت الفتنة بينهم.
وقيل إن سبب الفتنة: أن بعض الترك نزل بدار المضيف، فطالبه بعض الأشراف بالكراء، فضرب بعض الترك الشريف، فقتل الشريف التركى، فثار جماعة من الترك على الشريف، فصاح الشريف، فاجتمع إليه بعض الشرفاء واقتتلوا، وبلغ ذلك الترك وبنى حسن، فقصد الأشراف أجيادا.
ووجدوا في ذهابهم إلى أجياد، خيلا على باب الصفا، للأمير ابن قراسنقر، ليسقى عليها بعد طوافه، فإنه كان ذلك اليوم، ذهب للعمرة من التنعيم، فركبها الأشراف، وبلغ ابن قراسنقر الخبر، وهو يطوف، فقطع طوافه، وتقدم للمدرسة المجاهدية ليحفظها، فإنه كان نازلا بها، وتحصن هو وبعض الترك في المسجد الحرام، وأغلقوا أبوابه، وهدموا الظلة التي على رأس أجياد الصغير، ليروا من يقصدهم من بنى حسن، ويمنعوه من الوصول إليهم بالنشاب وغيره، وعملوا في الطريق عند المجاهدية أخشابا كثيرة، لتحول بينهم وبين من يقصدهم من الفرسان، من أجياد الكبير، هذا ما كان من خبر الترك.
وأما ما كان من خبر بنى حسن، فإنهم لما توجهوا لأجياد، استولوا على اصطبل ابن قراسنقر، وقصدوا الأمير قندس، وكان نازلا ببيت الزباع بأجياد، فقاتلوه من خارجه حتى غلبوه، ودخلوا عليه الدار، فقتلوا جماعة من أصحابه، وهرب هو من جانب منها، فاستجار ببعض الشرائف، فأجارته.
ونهب منزله بنو حسن، وقصد طائفة منهم الترك الذين بالمسجد، فقتلوا من سراة بنى حسن: مغامس بن رميثة، أخا سند، وغيره.
وكان من أمر الترك بعد ذلك، أنهم خرجوا من مكة، بعد أن استجاروا ببعض بنى حسن على أنفسهم وأهلهم وأموالهم، ولم يخرجوا من مكة إلا بما خف من أموالهم، وخرج بعدهم من مكة ابن عطيفة، قاصدا مصر خائفا يترقب، بسبب ما كان بين ذوى عطيفة والقواد العمرة من القتل، وكان تخلى في وقت الفتنة عن نصرة الترك، بإشارة بعض بنى حسن عليه بذلك، وقوى عزمه على ذلك، قتل الترك لمغامس بن رميثة.
ووجدت بخط بعض أصحابنا فيما نقله من خط ابن محفوظ: أن ابن عطيفة أراد أن يتعصب للترك، فتهدده لذلك بعض بنى حسن بالقتل، وأنه وسندا، قعدا في البلاد بعد سفر الترك، وفي كون ابن عطيفة أقام بمكة بعد سفر الترك منها نظر، لأن المعروف عند الناس أنه سافر بعد الفتنة إلى مصر، اللهم إلا أن يكون مراد ابن محفوظ، أنه أقام بمكة أياما يسيرة بعد سفر الترك، ثم سافر من مكة، فلا منافاة حينئذ. والله أعلم.
ولما وصل ابن عطيفة مصر، لم يكن له بها وجه؛ لأن العسكر لم يحمده. وكذا أهل مكة، لتقصيره في نصره كل من الفريقين، ولم يزل بمصر مقيما، حتى مات في أثناء سنة ثلاث وستين وسبعمائة أو بعدها بقليل.
وكانت مدة ولايته سنة ونصفا، تزيد أياما أو تنقص أياما، للاختلاف في تاريخ قدومه إلى مكة، مع العسكر الذي جهز معه إلى مكة، حين ولايته لها.
ولشيخنا - بالإجازة - الأديب يحيى بن يوسف المكي، المعروف بالنشو، مدايح في ابن عطيفة هذا، منها ما أنشدناه - إجازة - من قصيدة له يمدحه بها سنة تسع وثلاثين وسبعمائة أولها:
تذيب فؤادى بالغرام وتجحد | وترضى بإتلافى وما لي منجد |
أمالك نفسى وهي نفس أبية | وما عنده من رحمة لي توجد |
أتنقض عهدى والعهود وفية | ألست على العهد الذي أنت تعهد |
وتنكر ما بينى وبينك في الهوى | ولى فيك أشجان تقيم وتقعد |
فحبك لي دين ووجهك قبلة | وحالك ركن للمقبل أسود |
إمام له فضل عظيم على الورى | كريم الأيادى بالسماحة أوحد |
يجود بما تحوى يداه تكرما | ويعلم أن المال ليس يخلد |
فتى لم ير الراؤون مثل صفاته | إذا قيل هذا حاتم فهو أجود |
أجل الورى قدرا وجاها ورفعة | وأكرم من يرجى عطاه ويقصد |
أترضى بإتلاف المحب ظلامة | فتأخذه بالعنف والرفق أليق |
أعندك علم أنه بك هائم | وأكباده من لوعة الهجر تحرق |
فأحواله تنبى بما في ضميره | إذا لم يكن للقول منه مصدق |
بلوت بنى الدنيا جميعا بأسرهم | وجربتهم إن التجارب تصدق |
فلم أر في ذا العصر مثل محمد | إمام به الدنيا تضئ وتشرق |
جوادا إذا جار الزمان على الورى | يجود بما تحوى يداه وينفق |
لقد جل عن قدر الملوك الذي مضوا | إلى الغاية القصوى من الفضل يسبق |
يجود على العافى ويبدى اعتذاره | فأوراقه بالجود والبذل تورق |
لقد أعجز المداح في بعض وصفه | عليهم بأنواع المكارم يغدق |
على أنه والله واحد عصره | وهل مثله من بغداد ذا العصر يخلق |
ومن لامنى في مدحه فهو جاهل | فجيدى بالإحسان منه مطوق |
وإن كان مدح الغير عندي سنة | فمدحى له فرض على محقق |
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان-ط 1( 1998) , ج: 2- ص: 1