محمد بن طغج بن جف بن يلتكين الإخشيد، أبو بكر، أمير الحرمين والديار المصرية، والشامية:
كان طغج من القواد الطولونية. وولى الشام لخمارويه بن أحمد بن طولون. فترك
بعد موته أولادا أكبرهم محمد هذا. فولى الولايات، وتنقل في المراتب إلى أن ملك مصر والشام.
وكان ابتداء ولايته الديار المصرية والدعاء له بها، في يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ولم تثبت ولايته هذه. ثم ولى مصر في خلافة الراضى بالله سنة ثلاث وعشرين.
وكانت في ابتدائها مفتعلة. وجد تقليدا جاء من دار الخلافة ببغداد باسم ابن تكين، فكشط تكين، وكتب طغج وأنفذه إلى مصر، وكان بالساحل. فتوقف أهل مصر، فسار إليها وتقاتلوا، فغلب الإخشيد.
ودخل مصر يوم الأربعاء لسبع بقين من رمضان من السنة، ثم وصل له التقليد من دار الخلافة سنة أربع وعشرين.
وفى سنة ثمان وعشرين، لقبه الخليفة الراضى بالله بالإخشيد، بسؤال منه في ذلك.
وفى سنة إحدى وثلاثين، خرج الإخشيد إلى المتقى الخليفة العباسي أخى الراضى، فولاه مصر والشام والحرمين؛ وعقد على ذلك من بعده لولديه: أبي القاسم أنوجور. ومعنى أنوجور بالعربي - محمود - وأبي الحسن على، على أن يكفلهما كافور الخصى.
وكان عوده إلى مصر يوم الأحد الثالث والعشرين من جمادى الآخرة. وأخذ البيعة لابنه أبي القاسم أنوجور لليلتين بقيتا من ذي القعدة منها.
وفى خامس شعبان سنة ثلاث وثلاثين، خرج إلى الشام، والتقى بأصحاب ابن حمدان، على لد وهزمهم، ثم صار إلى حمص وقاتل سيف الدولة ابن حمدان، ومضى إلى حلب، ثم وقع الصلح بيهما، وتسلم الإخشيد من سيف الدولة حلب وحمص وإنطاكية .
وتزوج سيف الدولة، بنت عبد الله بن طغج أخى الإخشيد.
ثم عاد الإخشيد إلى دمشق، فتوفى بها في يوم الجمعة لثمان بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين.
وكان عمره ستا وستين سنة وخمسة أشهر وسبعة أيام.
وكانت مدة ولايته الأولى من لدن دخوله إلى مصر إلى حين وفاته أحد عشر سنة وثلاثة أشهر إلا يوما واحد.
لخصت هذه الترجمة من نهاية الأرب للنويري. وذكر القطب الحلبي في تاريخ مصر. وحكى عن أبي محمد الفرغاني: أن مولده في نصف رجب سنة ثمان وستين ومائتين بمدينة السلام، وأنه حمل بعد موته بدمشق في تابوت إلى بيت المقدس فدفن هناك.
وذكر القطب: أن أبا الحسين الرازي، ذكر أن الإخشيد هذا: توفى سنة خمس وثلاثين. وذكر قولا أيضا: أنه توفى بمصر وحمل إلى بيت المقدس.
وقال النويري في نهاية الأرب: قال: التنوخي: كان الإخشيد حازما شديد التيقظ في حروبه، حسن التدبير، مكرما للأجناد أيدا في نفسه، لا يكاد يحر قوسه إلا الأفراد من الناس لقوته، حسن السيرة في رعيته.
وكان جيشه يحتوى على أربعة آلاف رجل، وله ثمانية آلاف مملوك بحربة، يحرسه في كل ليلة منها ألف مملوك. وكان إذا سافر يتنقل في الخيام عند النوم، حتى كان ينام في خيمة الفراشين قال: وترك الإخشيد سبع بيوت مال، في كل بيت منها ألف ألف دينار من سكة واحدة.
وذكر النويري: أن بعد موت الإخشيد، بويع لابنه أبي القاسم، أنوجور، ومعنى ذلك: محمود، وعمره اثنا عشر سنة بالشام، ثم بمصر في ثاني المحرم سنة خمس وثلاثين.
وتوفى لسبع خلون من ذي القعدة سنة تسع وأربعين وثلاثمائة.
وكان كافور الإخشيدى الغالب على أمره، والحاكم على دولته، وليس معه إلا مجرد الاسم. وعقدت البيعة بعده لأخيه أبي الحسن على، في يوم الأحد لثمان خلون من ذي القعدة، فجرى كافور معه على عادته مع أخيه، وزاد على ذلك بأن سجنه ومنعه من الظهور إلى الناس إلا معه. ولم يزل على ذلك حتى مات لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة خمس وخمسين وثلاثمائة.
وقيل: إن وفاته كانت في هذا التاريخ من سنة أربع وخمسين. وخلف ولدا واحدا، وهو أبو الفوارس أحمد.
وملك بعد أبي الحسن على، الأستاذ أبو المسك كافور الخصى الإخشيدى، مستقلا دون شريك ولا منازع، حتى مات في يوم الثلاثاء لعشر بقين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة مسموما، سمته جارية له في لوزينج - وقتلت الجارية بعده - وله خمس وستون سنة على التقدير. فإنه جلب في سنة ثنتى عشرة وثلاثمائة، وعمره أربع عشرة سنة وبيع باثني عشر دينارا.
وذكر المؤيد - صاحب حماة - أنه كان يدعى لكافور الإخشيد هذا، على المنابر بمكة والحجاز الشريف. انتهى.
وفى أيام أبي مولاه محمد بن طغج الإخشيد: كادت تقع فتن في مكة بين الإخشيدية وجماعة بنى بويه، بسبب الخطبة بمكة لكل من بنى بويه والإخشيدية كما سبق ذكره في الفصل الثاني عشر من الباب الرابع والعشرين من مقدمة هذا الكتاب.
وذكر القطب الحلبي في تاريخه: أن طغج والد الإخشيد هذا - بطاء مهملة وغين معجمة ساكنة بعدها جيم مخففة، وقيل: بضم الغين - ومعناه: عبد الرحمن وجف: والد طغج - بجيم - قاله ابن ماكولا.
وقال ابن عساكر: قرأت في كتاب عتيق: جف - بفتح الجيم - والإخشيد - بكسر الهمزة، ومعناه بلسان أهل فرغانة ملك الملوك. انتهى.
وذكر الحافظ علاء الدين، مغلطاي: أن الإخشيد يقال لمن ملك فرغانة. وذكر ألقابا لملوك البلاد، وقد رأيت أن أثبت ذلك هنا للفائدة.
قال فيما أنبئت به عنه: «والنجاشي: اسم لكل من ملك الحبشة، ويسميه المتأخرون الأمحرى وكذلك خاقان: لمن ملك الترك، وقيصر لمن ملك الروم، وتبع لمن ملك اليمن، فإن ترشح للملك سمى قيلا، وبطليموس لمن ملك اليونان، والفطيون لمن ملك اليهود - هكذا قاله بن خرداذبة - والمعروف مالخ، ثم رأس الجالوت، والنمرود: لمن ملك الصابئة، ودهمن، وفعفور: لمن مالك الهند، وغانة لمن ملك الزنج، وفرعون: لمن ملك
مصر والشام، فإن أضيف إليها الاسكندرية: سمى العزيز، ويقال: المقوقس، وكسري: لمن ملك العجم، والإخشيد: لمن ملك فرغانة، والنعمان لمن ملك العرب من قبل العجم، وجالوت: لمن ملك البربر». انتهى.